من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
وصف في الغزل والنسيب
قال امرؤ القيس في طيب الثغر:
كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمامِوريحَ الخزامى ونشرَ القطرْ
القطُر والقطْر عود البخور.
يعلّ به بردُ أنيابِهاإذا غردَ الطائر المستحرْ
العلّ والنهل نوعان من الشرب، وصفها بطيب الريق طعماً ورائحة عندما يغرد الطائر في السحر وذلك وقت تغيير الأفواه.
ومثله:
يا أطيبُ الناسِ ريقاً عندَ هجعتِهاوأحسن الناس عيناً حينَ تنتقبُ
ابن الرومي:
وما تعتريها آفةٌ بشريةٌمن النومِ إلاّ أنّها تتخيرُ
وغيرُ عجيبٌ طيبُ أنفاسِ روضةٍمنورةٍ باتتْ تراحُ وتمطرُ
كذلك أنفاسُ الرياحِ بسحرةٍتطيبُ وأنفاسُ الأنامِ تتغيرُ
وللتهامي من أبيات مختارة أذكرها لموضعها من الحسن:
يحكي جنى الأقحوان الغضّ مبسمُهافي اللونِ والريحِ والتفليج والأشرِ
لو لم يكنْ أقحواناً ثغرُ مبسمِهاما كانَ يزدادُ طيباً ساعةَ السحرِ
الفلج في الأسنان: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات، ورجل مفلج الثنايا: متفرقها، وهو خلاف المتراص الأسنان، وتأشير الأسنان: تحزيزها وتحديد أطرافها، يقال: بأسنانه أشُر وأشَر وأشور أيضاً، ومن أبيات التهامي:
أهتزّ عند تمني وصلها طرباًوربَّ أمنيةٍ أحلى من الظفرِ
تجني عليَّ وأجني من مراشفِهاففي الجنى والجنايات انقضى عمري
أهدى لنا طيفُها نجداً وساكنهُحتى اقتنصنا ظباءَ البدو في الحضرِ
بيضاء تسحب ليلاً حسنهُ أبداًفي الطولِ منه وحسنُ الليل في القصرِ
وأخذت من التهامي فقلت:
يزيد رضا به في الصبح طيباًلأنَّ الثغر منه جني الأقاحي
ومثله لعميد الدين بن عباس:
وظلم لماها العذب من بعد هدأةمن الليل سلسال الرحيق المفدم
وللسيد الرضي:
وأقسم ما معتقةٌ شمولٌثوت في الدنّ عاماً بعد عام
إذا ما شارب القوم احتساهاأحسَّ لها دبيباً في العظام
بأطيب من مجاجتهن طعماًإذا استيقظن من سنة المنام
ولم أرشف لهن لمًى ولكنشهدن بذاك أعواد البشام
هذا البيت الآخر من المعاني المطروقة وأنا أذكر ما يحضرن منها، قال شاعر الحماسة:
وما نطفةٌ من ماءِ مزن تقاذفتبه جنبتا الجوديّ والليل دامس
فلما أقرتهُ اللصاب تنفستْشمالٌ بأعلى متنهِ فهو قارسُ
بأطيبَ من فيها وما ذقتُ طعمهُولكنني فيما ترى العينُ فارسُ
اللصب بالكسر الشعب الصغير في الجبل، والقارس البارد، ويقال: الجامد، والأول هنا أجود، ومثله، وهو في غاية الحسن:
كأنَّ على أنيابها الخمر شجهبماء الندى من آخر الليل غابق
وما ذقته إلا بعيني تفرساًكما شيم من أعلى السحابة بارق
ومثله:
جنى النحل في فيه وما ذقت طعمهولكنما قد دبّ من تحته النمل
ومن هذا المعنى للمغاربة:
من نسل هارون تعشقتهيقتلني بالصدِّ والتيه
قد أنزل السلوى على قلبهأقول والمنّ على فيه
ومنه أيضاً:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبرإلا شهادة أطراف المساويك
ومثله لزهير المصري وقد طرف فيه:
وقد شهدَ المسواكُ عندي بطيبهِولم أرَ عدلاً وهو سكرانُ يطفحُ
ومثله:
يروي لنا المسواك طيب حديثهيا طيب ما نقل الأراك وما روى
وللفقيه عمارة مثل هذا من أبيات أذكرها لموضعها من الجودة وهي:
سرت نفحة كالمسك أزهى وأعطروأردية الظلماء تطوى وتنشرُ
وما هي إلاّ نفحة بعثت بهاسليمى إلى صبّ تنام ويسهرُ
وإلا فما بال النسيم الذي سرىبذي الأثل عن عرف العبير يعبرُ
شهدت يقيناً أن مرآك جنةوقالوا وما أدري وريقك كوثر
ومثله أيضاً:
وفي الحمول سمحة ضنينةتبذل وجهاً وتصون ملمسا
سلسالها إن لم أكن أعرفهرشفاً فقد وصفته تفرسا
ابن الرومي:
وما ذقته إلاّ بشيم ابتسامهاوكم مخبرٍ أبداه للعين منظرُ
ومثله لكمال الدين بن العديم:
وما عذبَ المسواك إلاّ لأنهيقبلها دوني وإني لراغم
فقلت له صف لي جنى رشفاتهافالثمني فاهاً بما هو زاعم
الحديث ذو شجون، وقال امرؤ القيس:
خليليّ مُرا بي على أمّ جندبِنقضِّ لباناتِ الفؤادِ المعذبِ
ألم ترَ أني كلما جئتُ زائراًوجدتُ بها طيباً وإن لم تطيبِ
هذا أحسن من قول كثيِّر وأدل على الطيب حيث قال:
وما روضةٌ بالحزنِ طيبةُ الثرىيمجُّ الثرى جثجاثُها وعرارُها
بأطيبَ من أردانِ عزةَ موهناًوقد أوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارُها
ورأيت بعض الأدباء ينشد:
وما أوقدت بالمندل الرطب
اعتذاراً لكثيّر وإصلاحاً لشعره. على أن العرب يصفون المرأة بهذا لدلالته على النعمة. وقال امرؤ القيس:
أغرَّكِ مني أنّ حبكِ قاتليوأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعل
وما ذرفتْ عيناكِ إلاّ لتضربيبسهميكِ في أعشار قلبٍ مقتل
زهير بن أبي سلمى:
ولما عرفتُ الدارَ قلتُ لربعهاألا عمْ صباحاً أيها الرَّبعُ وأسلم
وفيهنَّ ملهىً للطيف ومنظرٌأنيقٌ لعينِ الناظرِ المتوسِّمِ
وقال جرير، وقيل إنه أغزل ما قيل:
إنَّ العيونَ التي في طرفها حورٌقتلننا ثمَّ لم يحيينَ قتلانا
يصرعنَ ذا اللبِّ حتى لا حراكَ بهِوهنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا
وأبيات أبي الشيص داخلة في باب الاختيار ومعدودة من محاسن الأشعار، ولولا أن بعض الأدباء قال كلاماً معناه أنه لا ينبغي لمن له أدنى حس أن يخل بحفظها ولا لجامع أن يخلي منها مجموعة لما ذكرتها لاشتهارها وهي:
وقفَ الهوى من حيثُ أنتِ فليس ليمتأخرٌ عنهُ ولا متقدمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةًحباً لذكركِ فليلمني اللُّومُ
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبُّهمُإذْ كانَ حظي منكِ حظي منهمُ
وأهنتني وأهنتُ نفسي عامداًما منْ يهونُ عليكِ ممنْ يكرمُ
البيت الأول مستعمل وقد نقل من الغزل إلى المديح إلى الهجاء وأنا أذكر منه ما يتفق، فمن ذلك في الغزل:
تركتُ فيك المنى مفرقةوأنت منها بمجمع الطرقِ
ومثله في المديح:
إنَّ المكارم والمعروف أوديةأحلكَ الله منها حيثُ تجتمعُ
ومثله لأبي نواس:
فما فاته جود ولا حلَّ دونهولكنْ يسيرُ الجودُ حيثُ يسيرُ
وقريبٌ من هذا المعنى:
إنَّ السماحةَ والمروءةَ ضمناقبراً بمرو على الطريقِ الواضحِ
ومثله أيضاً:
إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندىفي قبةٍ ضُربتْ على ابن الحشرجِ
غيره:
فتىً إذا عدّت تميمٌ معاًساداتها عدّوه بالخنصرِ
ألبسه الله ثياب العلىفلم تطل عنه ولم تقصرِ
ومثله في الهجاء:
أنتمْ قرارةُ كلِّ معدنِ سَوءةٍولكلِّ سائلةٍ تسيلُ قرارُ
عدي بن زيد الرقاع:
لولا الحياءُ وأنَّ رأسيَ قد عسافيه المشيبُ لزرتُ أمَّ القاسمِ
وكأنها بينَ النساءِ أعارهاعينيهِ أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنانُ أقصدهُ النعاسُ فرنّقتْفي عينه سنةٌ وليس بنائمِ
ذو الرمة، واسمه غيلان:
وقفتُ على ربعٍ لمميَّةَ ناقتيفما زلتُ أبكي عنده وأخاطبهُ
وأسقيهِ حتى كادَ مما أبثُّهُتكلمني أحجارهُ وملاعبهُ
ومنها:
وقد حلفتْ بالله ميّةُ ما الذيأقولُ لها إلاّ الذي أنا كاذبه
إذاً فرماني الله من حيثُ أتقيولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
إذا نازعتكَ القولَ ميّةُ أو بدالك الوجهُ منها أو نضا الدرعَ سالبه
فيا لك من خدٍّ أسيلٍ ومنطقٍرخيمٍ ومن خلْقٍ تعلل جادبه
جادبه، بالدال المهملة: عائبه.
وقال:
نعمْ هاجتِ الأطلالُ شوقاً كفى بهمن الشوق إلاّ أنهُ غيرُ ظاهرِ
فما زلتُ أطوي النفسَ حتى كأنهابذي الرمثِ لم تخطرْ على قلبِ ذاكرِ
حياءً وإشفاقاً من الركبِ أن يروادليلاً على مستودعاتِ السرائرِ
وقال:
حيِّيتَ من زائرٍ أنى اهتديتَ لناوأنتَ منا بلا نحوٍ ولا صددِ
وقال:
وقفنا فسلّمنا فكادتْ بمشرفٍلعرفانِ صوتي دمنةُ الدارِ تنطقُ
تجيشُ إليَّ النفسُ في كلِّ منزلٍلميٍّ ويرتاعُ الفؤادُ المشوقُ
أراكِ إذا ما نمتُ يا ميُّ زرتنيفيا عجباً لو أنَّ رؤياكِ تصدقُ
وقال:
لها بشرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌرخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وعينانِ قالَ اللهُ كونا فكانتافعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ
وقال:
ألا يا اسلمي يا ميُّ كلَّ صبيحةٍوإنْ كنتُ لا ألقاكِ غيرَ لمامِ
وقال الأعشى:
ما روضةٌ من رياضِ الحزنِ معشبةٌخضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلُ
يضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌمؤزَّرٌ بعميمِ النبتِ مكتهلُ
اكتهل النبات: تم طوله وبدا نوره.
يوماً بأطيبَ منها نشرَ رائحةٍولا بأحسنَ منها إذْ دنا الأصلُ
عدي بن زيد الرقاع:
ونبه شوقي بعدما كانَ كامناًهتوفُ الضحى مشعوفةٌ بالترنُّمِ
بكتْ شجوها تحتَ الدجى فتساجمتإليها غروب الدمع من كل مسجمِ
وبعدهما البيتان المشهوران:
فلو قبلَ مبكاها بكيتُ صبابةً
وقريب من هذا أبيات الحماسة:
لقد هتفتْ في جنحِ ليلٍ حمامةٌعلى فننٍ تبكي وإني لنائمُ
فقلتُ اعتذاراً عند ذاكَ وإننيلنفسيَ فيما قد رأيتُ للائمُ
أأزعمُ أني عاشقٌ ذو صبابةٍبليلى ولا أبكي وتبكي البهائمُ
كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقاًلما سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ
يزيد بن معاوية:
إذا برزت ليلى من الخدر أبرزتلنا مبسماً عذباً وجيداً مطوقا
كأنَّ غلاماً كاتباً ذا براعةٍتعمد نوني حاجبيها فعرقا
كأن المعري نظر على عماه إلى هذا، فقال:
ولاح هلالٌ مثلُ نونٍ أجادهابجاري النُّضارِ الكاتبُ ابنُ هلال
وأحقاف رمل جاذبتها وهزةعرتها كما هزَّ الصبا غصنَ النقا
أتت تتهادى كالقضيب فقبّلتيدي غلطاً منها فقبلت مفرقا
وباتت يدي طوقاً لها وابتسامهايريني شعاعاً آخر الليل مشرقا
فلم أرَ بدراً طالعاً قبل وجههاولا ميتاً قبلي من البين أشفقا
ذو الرمة:
ألمّا بميّ قبل أنْ تطرحَ النوىبنا مطرحاً أو قبلَ بينٍ يزيلها
ولو لم يكنْ إلاّ تعللَ ساعةٍقليلٌ فإني نافعٌ لي قليلها
قال محمد بن سلمة الضبي: صدرت من الحج فيممت منهلاً من المناهل فرأيت في البادية بيتاً منفرداً من البيوت فقصدته وكلمت من فيه فخرجت إلي جارية متبرقعة، فقلت: يا بنية هل لك في أن تأويني من هذا الحر، فقالت: نعم وأذنت لي حر هذا اليوم الدخول، فبينما هي تحدثني وأحدثها إذ سقط البرقع عن وجهها فرأيت وجهاً لم أر أحسن منه فجعلت أكرر النظر متعجباً فلم يكن أسرع من أن خرج علينا عجوز من خباء ملاصق لذلك الخباء، فقالت: ما جلوسك عند هذا الغزال النجدي الذي لا تأمن من خياله ولا ترجو نواله، فقالت الجارية: يا جدة دعيه يتعلل، كما قال ذو الرمة:
ولو لم يكنْ إلاّ تعلل ساعةٍ
فأقمت باقي يومي وانصرفت وفي قلبي من حبها كجمر الغضا.
قال العتبيُّ: خرجت حاجّاً فلما صرت بقباء تداعى الوفد الصقيل وإذا جارية كأن وجهها السيف الصقيل فلما أرميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها، فقلت لها: إنا سفرٌ وفينا أجرٌ فأمتعينا بالنظر إلى وجهك فانصاعت وأنا أغرف الضحك في وجهها وأنشدت:
وكنتَ متى أرسلتَ طرفك رائداًلقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كله أنتَ قادرٌعليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
توبة بن الحمير، صاحب ليلى الأخيلية:
ولو أنَّ ليلى الأخيليةَ سلمتْعليَّ ودوني جندلٌ وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشةِ أوزقاإليها صدىً من جانبِ القبرِ صائحُ
وأُغبطُ من ليلى بما لا أنالهُألا كلُّ ما قرت به العينُ صالحُ
آخر:
ديار تنسمتُ المنى نحو أرضهاوطاوعني فيها الهوى والحبائبُ
ليالي لا الهجران محتكم بهاعليَّ وضل من أهوى ولا الظنُ كاذب
محمد بن يزيد الأموي:
لا وحبيك لا أصالح بالدمع مدمعا
من بلى حبه استراح وإنْ كانَ موجعا
أبو حية النميري:
كفى حزناً أني أرى الماء معرضاًلعيني ولكنْ لا سبيلَ إلى الوِردِ
وما كنتُ أخشى أنْ تكونَ منيتيبكفِّ أعزِّ الناسِ كلهم عندي
السيد الرضي:
يا سرحةً بالحزن لميبللْ بغيرِ دمي ثراها
ممنوعةً لا ظلُّهايدنو إليّ ولا جناها
مروان بن أبي حفصة:
طرقتكَ زائرةً فحيّ خيالهابيضاءُ تخلطُ بالحياءِ دلالها
يقول فيها:
مالتْ بقلبكَ فاستقادَ ومثلهاقادَ القلوبَ إلى الصبا فأمالها
وكأنما طرقتْ بنفحةِ روضةٍسحّتْ بها ديمُ الربيع ظلالها
باتتْ تسائلُ في الظلامِ معرِّساًبالبيدِ أشعثَ لا يملُّ سؤالها
لم يأت في صفة الطيف بغريب، والناس فيه عيال على قيس بن الخطيم في قوله:
أنَّى سربتِ وكنتِ غيرَ سروبِوتقربُ الأحلامُ غيرَ قريبِ
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينهُفي النومِ غيرَ مصردٍ محسوبِ
كان المنى بلقائها فلقيتهافلهوتُ من لهوِ امرئٍ مكذوبِ
وقد أحسن جرير في قوله:
أتنسى إذ تودِّعنا سليمىبفرعِ بشامةٍ سقيِ البشامُ
بنفسي مَنْ تجنُّبهُ عزيزٌعليّ ومن زيارتهُ لمامُ
ومنْ أمسي وأصبح لا أراهُويطرقني إذا هجعَ النيامُ
البشام: شجر طيب الريح يستاك به، ويروى:
أتذكرُ يومَ تصقلُ عارضيهابفرعِ بشامةٍ سقيُ البشامُ
قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: قولهم: امرأةٌ نقية العارض، أي نقية عرض الفم، وأنشد البيت، يعني به الأسنان وما بعد الثنايا، والثنايا ليست من العارض.
وقال ابن السكيت: العارض: الناب والضرس الذي يليه، واحتج بقول ابن مقبل:
هزئتْ ميةُ أنْ ضاحكتهافرأتْ عارضَ عودٍ قد ثرمْ
قال: والثرم لا يكون إلاّ في الثنايا.
وأبيات جرير وإن خلت من معنىً في الطيف مبتكر فهي حلوة الألفاظ سهلة.
ولأبي عبادة البحتري في وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر، فإنه تغلغل في أوصافه وتنوَّق في ذكره، وكان لهجاً بتكرار القول فيه، وإن كان لأبي تمام مواضع لا يجهل فضلها ولا ينكر حقها، وسأورد من شعرهما فيه، ومن أشعار غيرهما، ما يناسب الغرض في هذا المختصر الذي جمع بمزاحمة الأوقات.
قال أبو تمام:
زار الخيال لها لا بل أزاركهُفكرٌ إذا نامَ فكرُ الخلقِ لم ينمِ
ظبيٌ تقنصتهُ لما نصبتُ لهفي آخر الليلِ أشراكاً من الحلمِ
وقوله:
عادكَ الزورُ ليلةَ الرملِ منرملةَ بينَ الحمى وبينَ المطالِ
نمْ فما زاركَ الخيالُ ولكنك بالفكرِ زرتَ طيفَ الخيالِ
وقال:
الليالي أحفى بقلبي إذا ماجرحتهُ النوى من الأيامِ
يا لها ليلة تنزهت الأرْواحُ فيها سراً من الأجسامِ
مجلسٌ لم يكنْ لنا فيه عيبٌغيرَ أنّا في دعوةِ الأحلامِ
البيت الأول أخذه المتنبي، فقال:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍتخبِّرُ أنَّ المانويّةَ تكذبُ
ضده لابن منير الطرابلسي:
ما مانَ مانيّ لولا ليل عارضهِما شدَّ حبل المنايا بالأمانيّ
قال البحتري:
وإني وإنْ ضنَّتْ عليَّ بودِّهالارتاح منها للخيال المؤرقِ
يعزُّ على الواشينَ لو يعلمونهاليالٍ لنا نزدارُ فيها ونلتقي
فكم غلةٍ للشوقِ أطفأتُ حرَّهابطيفٍ متى يطرقْ دجى الليل يطرقِ
أضمُّ عليهِ جفنَ عيني تعلقاًبه عندَ إجلاءِ النعاسِ المرنّقِ
وقال:
بلى وخيالٌ من أثيلةَ كلماتأوَّهتُ من وجدٍ تعرَّضَ يطمعُ
إذا زورةٌ منه تقضتْ مع الكرىتنبَّهتُ من وجدٍ له أتفزَّعُ
ترى مقلتي مالا ترى في لقائهِوتسمعُ أذني رجعَ ما ليسَ تسمعُ
ويكفيك من حقٍّ تخيُّلُ باطلٍتردُّ بهِ النفسُ اللهيفَ فترجعُ
وقال:
إذا ما الكرى أهدى إليَّ خيالهُشفى قربه التبريحَ أو نقعَ الصدا
إذا انتزعتهُ من يديَّ انتباهةٌعددتُ حبيباً راحَ مني أو غدا
ولم أرَ مثلينا ولا مثلَ شأننانعذَّبُ أيقاظاً وننعمُ هجّدا
وقال:
وليلةَ هوَّمنا مع العيسِ أرسلتْبطيفِ خيالٍ يشبهُ الحقَّ باطله
فلولا بياضُ الصبحِ طالَ تشبُّثيبعطفيْ غزالٍ بتُّ وهناً أغازله
وقال:
أمنكَ تأوُّبُ الطيفِ الطروبِحبيبٌ جاءَ يهدى من حبيبِ
تخطى رقبةَ الواشينَ كرهاًوبعدَ مسافةِ الخرقِ المجوبُ
يكاذبني وأصدقهُ وداداًومن كلفٍ مصادقةُ الكذوبِ
أعرابي:
وخبرها الواشون أنَّ خيالهاإذا نمتُ يغشى مضجعي ووسادي
فخفرها فرطُ الحياءِ فأرسلتْتعاتبني غضبي لطولِ رقادي
وقال مهيار بن مرزويه:
في الظباء الماضين أمس غزالُقالَ عنه مالا يقولُ الخيالُ
لم يزل يخدع البصيرةَ حتىسرّني ما يقولُ وهو محالُ
لا عدمتُ الأحلام كم نوَّلتنيمن عزيزٍ صعبٍ عليه النوالُ
هذه الأشعار قد اختلفت فيها مذاهب القوم وأكثرها يدل على شدة الحرص على النوم، لأن منهم من جعل النوم ذريعة إلى الخيال الزائر، ومنهم من أنكر زيارته لأنه أبداً ساهر، أما قول البحتري:
إذا انتزعته من يدي انتباهة
وقوله:
أراني لا أنفك في كل ليلة
فإنه يدل على نوم شديد واستغراق ما عليه مزيد إذ لا يزال الخيال في يديه فلا ينزعه إلاّ انتباهة وقد ادعى نباهةً في الوجد وأين فيه من النائم نباهةٌ. وأكثر نوماً منه القائل:
وما ليلة في الدهر إلاّ يزورنيخيالك إلاّ ليلة لا أنامها
فهذا شعر من غلبة النعاس فنام، وجعل الطيف حجة وذريعة إلى هذا المرام، وقد أحسن مهيار في قوله ما شاء:
وابعثوا أشباحكمْ لي في الكرىإنْ أذنتم لجفوني أنْ تناما
والبديع الحسن في هذا قول ابن التعاويذي:
قالت أتقنعُ أنْ أزوركَ في الكرىفتبيتَ في حلمِ المنامِ ضجيعي
وأبيك ما سمحتْ بطيفِ خيالهاإلاّ وقد ملكتْ عليَّ هجوعي
فهذا غايةٌ ما فوقها غاية، وله أن يحمل على الشعراء في هذا ألف راية.
شمس الدين الكوفي الواعظ:
قل لمن نال حظهُ من رقادجاعلاً حجةً لطيف الخيالِ
لو تيقظت جئت نحوك لكني أرسلتُ حينَ نمت مثالي
لو صدقتَ الهوى صدقتُ ولكنما جزاء المحال غير المحالِ
المجد بن الظهير الإربلي وأجاد:
أأحبابنا إنْ فرَّقَ الله بينناوحازكم من بعد قربكم البعادُ
فلا تبعثوا طيف الخيال مسلماًفما لجفوني بالذي بعدكم عهدُ
وقد قيل: إن الحَيْصَ بَيْصَ دخل على أبي المظفر يحيى بن هبيرة الوزير وهو ينشد:
زارَ الخيالُ نجيلاً مثلَ مرسلهِفما شفانيَ منه الضمُّ والقبلُ
ما زارني قطُّ إلاّ كي يواقفنيعلى الرقاد فينفيه ويرتحلُ
والوزير يقول: هذا والله تام وفوق التام لا بل التام جزء منه، فقال الحيص بيص: يا مولانا له تمام، فقال: انظر ما تقول، قال: نعم بشرط أن يعيده الوزير، فأعاده، فقال:
وما درى أنَّ نومي حيلةٌ نصبتلصيده حينَ أعيا اليقظةَ الحيلُ
فأجازه وأحسن صلته: وقد ظرف القائل في قصد ما قاله الجماعة:
أتظن أنكَ عاشقٌوتبيتُ طولَ الليلِ حالمْ
الطيفُ أعشقُ منكَ إذْيسري إليكَ وأنتَ نائمْ
أذكر من غزل أهل العصر فمنهم: الشيخ ظهير الدين الحنفي الإربلي الفقيه النحوي المجيد الشاعر المبرز، ضرب في قالب الإحسان فبذ الأقران، وجرى في حلبة البيان فأحرز قصب الرهان، هاجر من وطنه إلى الشام وآثر بها المقام، وشنف أسماع أهلها بما هو أحسن من الدر في النظام، وروض معالمها بما هو أزهى من حوك الغمام، من شعراء العصر يتغلب في ظني أنه، عند جمع هذا المجموع، حي يرزق، وأنشدني بعض الأصحاب من شعره في الطيف وهو حسن:
لله طيفك ما أشدَّ حفاظهيوفي بعهد أخي الحفاظِ وينكثُ
ليلي بزورته كخطفةِ بارقٍيا ليتَ ليلي حينَ يطرقُ يمكثُ
لي كلما وافى على كبدي يدٌويدٌ بأذيالِ الدجى تتشبثُ
وقال:
هو الوجد لولا ما تجنُّ الجوانحُلما روت السفحَ الدموع السوافحُ
ولولا الهوى العذري لم تذك لوعتيوقد عنّ برقٌ بالأبيرقٍ لائحُ
أأحبابنا كيف اللقاء وبيننانوىً لم تخدْ فيه الركاب الطلائحُ
ومنها:
وأسمرُ سمرُ الخط والبيض دونهوحمر المنايا رعفٌ ورواشحُ
من الهيف لو لم تعطف الريح عطفهلما كنت فيه للنسيم أطارحُ
وقال:
وما ألذّ إلى سمعي وأطربهعذل إذا شابهُ اللاحي بذكركم
يسودّ مبيضّ أيامي لغيبتكموتنجلي بكم عن ليليَ الظلمُ
وأستلذُّ بذلي في محبتكميا من بهم يعذبُ التعذيبُ والألمُ
سُقمي شفاءٌ إذا عدتم فديتكموصحتي في بعادي عنكم سقمُ
إن صوح النبت من صدري وزفرتهفمن دماء جفوني أورقَ السلمُ
صلى إلى حبكم قلبي وطاف بهفأنتم كعبة المشتاق والحرمُ
البيت الأول من قول أبي الشيص:
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةَ
وقد تقدم. ومثله:
أحبّ العذول لتكرارهحديثَ الحبيبِ على مسمعي
ومثله:
ويلذُّ لي عذلُ العذولِ لأنهُأبداً يكرر ذكركم في مسمعي
وهذا كثير جداً. والبيت الثاني مأخوذ من ابن زيدون المغربي في قوله:
حالت لبعدكم أيامنا فغدتْسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
وقال ابن الساعاتي:
كانت لياليهم شهبَ الحلي فغدتأيامهم وهي دهم عندما دهموا
وأبيات ابن زيدون حسنة، ومنها:
بنتم وبنا فما ابتلتْ جوانحُناشوقاً إليكم ولا جفتْ مآقينا
تكادُ حينَ تناجيكم ضمائرُنايقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إنَّ الزمانَ الذي ما زالَ يُضحكناأُنساً بقربكم قد عادَ يبكينا
لا تحسبوا نأيكم عنَّا يُغيرناإذْ طالما غيَّر النأيُ المحبِّينا
واللهِ ما طلبتْ أرواحنا بدلاًمنكم ولا انصرفتْ عنكم أمانينا
وهي طويلة.
وقال مجد الدين بن الظهير المذكور، وكان يهوى صبياً ذمياً فحُبس، فكتب إلى نواب إربل، وأنشد منها مسعود المذكور وكتبتها ها هنا لأنها بالغزل أشبه:
يا أمناء الملك قلبي إلىلقياكم مأسورُ أشواقهْ
ما فيكم إلاّ امرؤ فاضلٌيزهو على الروضِ بأخلاقهْ
مسعودنا الذميّ في حبسكموصبره واهٌ كميثاقهْ
أطلقتم الأدمعَ في حبسهِفقيدوا الشكرَ بإطلاقهْ
ومن شعره:
إذا حانَ من شمسِ النهارِ غروبُتذكرَ مشتاقٌ وحنَّ غريبُ
يحنُّ إليكم والخطوبُ تنوشهُويشتاقكم والنائباتُ تنوبُ
له أنةٌ لا يملك الحلم ردَّهامتى هبَّ من ذاكَ الجناب جنوبُ
وقال أيضاً:
لو وجدنا إلى اللقاء سبيلالشفينا بالقرب منكم غليلا
وسعينا على الجفون سراعاًورأيناه في هواكم قليلا
قد سألنا القبول حمل التحيات فيا ليتها أصابت قبولا
وقال أيضاً:
إنْ عدتني عنكم عوادي الزمانفالهوى جاذب إليكم عناني
أو تناءت دياركم بعد قربفالغرام الذي عهدتم مداني
لم يحل فيكم عن الفكر والذكرر على النأي خاطري ولساني
أنا مستعذب عذابي ومختار على العزّ في هواكم هواني
وقال أيضاً:
إنْ لم أفز بلقائك المأمولفإليك معتلُّ النسيم رسولي
طارحتهُ وجدي عليكَ فرقَّ ليمن حرِّ نارِ تلهفي وغليلي
وسألتهُ إبلاغَ ما في النفسِ منحملٍ لأخبارِ الهوى وفصولِ
وطمعتُ في رجعِ السلامِ فهل ترىيحظى لديه قبولهُ بقبولِ
وعقود دمعٍ كالعقيقِ حللتهالفراقِ حيٍّ بالعقيقِ حلولِ
أُفدي العقيقَ وساكنيه وإنْ همُغدروا ولم يوفوا بعهدِ نزيلِ
وبأيمن العلمين ربُّ ملاحةٍسدتْ على السلوانٌ كلَّ سبيلِ
فتانُ طرفٍ لم يدع قلباً بلاوجدٍ ولا جسماً بغير نحولِ
نشوان لي منه إذا نادمتهسكران سكر شمائلٍ وشمولِ
وقال أيضاً:
غشُّ المفندِ كامنٌ في نصحهفأطلْ وقوفك بالغويرِ وسفحهِ
واخلع عذارك في محلٍّ ريهُبرذاذِ دمعِ العاشقين وسحهِ
يقول فيها:
وبيَ الذي يغنيه فاتنُ لحظهِعن سيفهِ وقوامهُ عن رمحهِ
ظبيٌ يؤنس بالغرام نفارهويجدّ في نهبِ القلوبِ بمزحهِ
أستعذبُ التعذيبَ في كلفي بهوالحبُّ لذةُ طعمهِ في برحهِ
البرح الشدة، وتباريح الشوق: توهجه.
يا شاهراً من جفنه عضباً غداماءُ المنيةِ بادياً في صفحهِ
ومعربداً في صحوه ومباعداًفي قربه ومحارباً في صلحهِ
ومنها:
وسعى إليك بي العذول وإننيلا خيب إنْ ظفرَ العذولُ بنجحهِ
طرفي وقلبي ذا يسيل دماً وذادون الورى أنتَ العليمُ بقرحهِ
فهما بحبك شاهدان وإنماتعديل كل منهما في جرحهِ
والقلبُ منزلكَ القديم فإنْ تجدْفيه سواكَ من الأنامِ فنحهِ
وقال من أبيات:
طال انتظاري لمهديّ الخيال فوافاني وما برحَ المهديّ منتظرا
فما تمتعت منه باللقاء ولاملأتُ عينيَ إجلالاً له نظرا
أضحى غريميَ عذريَّ الغرام بمنلو العذولُ رآه جاءَ معتذرا
لاموا على الأسمرِ الممشوقِ واتخذواحديثَ وجدي عليه بينهم سمرا
قوله: ما برح المهديّ منتظرا، حسنٌ مثل السحر. وقد استعمله محيي الدين يوسف بن زيلاق، ﵀، في موشحة قالها على طريقة المغاربة فأجاد وأكثر، وهو:
لا تخالف يا منيتي أمريوادع لي بالرحيقْ
ما ترى رفقتي من السكرليس فيهم مفيقْ
نحن قوم من شيعة الخمرونحب العتيقْ
قد رفضنا عنا أذى الحزنِبسماع الوترْ
وحمانا عن ناصبِ الهمِّوعدكَ المنتظرْ
فهذا غاية في معناه.
وقال ابن الحنفي:
ومهفهف مذ عاينته مقلتيلم يلفَ قلبي في هواه معرجا
منح الأراكة والغزالة والطلىليناً وإشراقاً وطرفاً أدعجا
أحوى أباح الكأس منه مقبلاًعذباً وكنت إليه منه أحوجا
فأعادها سكرى بخمرة ريقهوأعارها من وجنتيه تأججا
وكأنما كأس المدام بكفهشمس النهار يقلها بدرُ الدجى
الشيخ العالم شرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد بن موهوب ابن غنيمة بن غالب المستوفي الإربلي اللغوي النحوي المحدث الكاتب المؤرخ الثقة فارس الآداب المجلي في ميدانها القائل: أنا ابنُ جلا فمنْ صدَّ عن نيرانها، صاحب الرواية العالية ورب الفضائل المتوالية فاق الأوائل والأواخر بأخلاق أحسن من الروض الناضر، داره مجمع الآداب والفضائل وربعه بوفود العفاة عامر آهل، كان له ملك له حاصل صالح يخرجه على عفاته ويصرفه في صلاته، متواضع للأدباء، حدب على الغرباء، وزر لمظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين صاحب إربل، ﵀، ولم يأخذ منه معيشة وكان عنده في الديوان شراسة خلق، ويلقى الناس في داره بوجه سهل طلق، فعمل فيه موالياً:
ما أحسنك في البيتما أوحشك خلف الكيس
وجُرح في زمانه فكتب إليه:
يا أيها الملك الذي سطواتهُمن فعلها تتعجب المريخُ
آيات عدلك محكم تنزيلهالا ناسخ فيها ولا منسوخُ
أشكو إليك وما بُليت بمثلهاشنعاء ذكرُ حديثها تاريخُ
هي ليلة فيها ولدت وشاهديفيما ادعيت القمط والتمريخُ
وقال ابن الظهير الحنفي لما هرب الذي جرحه وقد أمسكه شخص فقتله:
لئن فدى الله إسماعيل من كرمٍبالذبح واستعظمته الأنسُ والجانُ
فقد فداك بإنسان ولا عجبأن يفتدى بجميع الناس إنسانُ
وفي زمن باتكين انقطع إلى بيته معتكفاً على آدابه وعلومه مشتغلاً بمنثوره ومنظومه إلى أن أخذت إربل في شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة فانتقل إلى الموصل وحين خرج من إربل أنشد:
فارقتكم مكرهاً لا كارهاً ويديأعضُّها ندماً إذ لم أمت كمدا
والله لو أنَّ أيامي تطاوعنيعلى اختياريَ ما فارقتكم أبدا
وحين وصل الموصل لقيه أمين الدين لؤلؤ أحد الأمراء الأكابر بالإكرام والاحترام ووفاه من المراعاة أتم الأقسام، وبالموصل اجتمعتُ به وكنت يومئذ صغيراً ومات، رحمه الله تعالى بها، سنة سبع وثلاثين وستمائة وله من التصنيف: شرح أبيات المفصل، مجلدان، يرد فيهما على العلم أبي القاسم بن موفق الأندلسي.
حكى لنا شيخنا رضي الدين، ﵀، أنه أوصى: أن لا تظهروه إلاّ بعد موتي أو موت العلم، والأمثال والأضداد، مجلدان، حذا فيهما حذو الخالديين في كتابهما: الأشباه والنظائر من الأشعار، وكتابه، ﵀، أجمعُ. وسر الصنعة، مجلد، ومطالع الأنوار في وصف العذار، مجلد، والنظام في الجمع بين شعري المتنبي وأبي تمام، عشر مجلدات، وغير ذلك من الكتب، وقيل: إنه عمل تاريخاً ما وقفت عليه، وديوان شعره لم يظهر لأن بدر الدين صاحب الموصل استولى على كتبه وإنما في أيدي الناس من شعره قليل فمن ذلك:
أزوركم فتكاد الأرضُ تقبض بيضيقاً فأرجع من فوري فيتسعُ
خدعتموني بما أبديتموه من الحسنى وأكثر أسباب الهوى الخدعُ
حتى إذا علقت كفي بكم ثقةًأسلمتموني فلا صبر ولا جزعُ
يغرني جلدي الواهي فأتبعهغيّاً وينصح لي شوقاً فأمتنعُ
ليت الهوى كان لا قطعاً ولا صلةًفلم يكن فيه لا يأس ولا طمعُ
ومن شعره:
وعيشك ما طرفي الكليل بناظرسواك ولا سمعي بمصغٍ لعاذلِ
ولا حلتُ عما قد عهدت وإننيمشوق وإن خابت لديك وسائلي
ولكنني لما سمحتَ بجفوةوأسعفتَ عذالي بطيب تواصلِ
صرفت هواي عنك كي لا يرى العدىخضوعي وتسآلي إلى غير باذلِ
وأقصرت عما قد عهدتَ وزاجرٌمن النفس خير من عتاب العواذل
لقد أحسن ما شاء في قوله: وزاجر من النفس خير منإلى آخره، وأظنه تضميناً
وقد أجاد ابن الحنفي الإربلي في أبيات عملها في مثل معنى البيتين الآخرين وهي:
أنس الطرفُ بالرقاد فناماوأطعتُ العذال واللواما
وتناسيتكم وأقصر صبّلم يزل مغرماً بكم مستهاما
هدأت مني الضلوع فما أتلفُوجداً ولا أذوبُ سقاما
وغريمي الملحّ صار سلواًبعد ما كان صبوة وغراما
كم جنيتم وكم تجنيتم ظلماً وأخفرتم لصبّ ذماما
وشرعتم ديناً من الغدر منسوخاً وأحللتم الدماء الحراما
وشفعتم بالهجر قبح ملالوقلًى أورث النفوسَ الحماما
فسلبتم ولايةً كم أصارتفي يديكم لكلِّ قلبٍ زماما
ومثل هذا:
سلوت بحمد الله عنها وأصبحتدواعي الهوى من أرضها لا تجيبها
ولكنني داعٍ عليها وناظرٌإلى نوبِ الأيام كيف تنوبها
على أنني لا شامتٌ إنْ أصابهابلاءٌ ولا راضٍ بواشٍ يعيبها
وقال شرف الدين رحمه الله تعالى:
أراكم فأعرضُ عنكم وبيمن الشوق ما بعضه قاتل
وما بي ملال ولا جفوةولكنني عاشق عاقل
يشبه قول القائل، ومنه أخذ:
وأحمل شدة أثقالكمكما يحملُ الجملُ البازلُ
وليس سكوتي عنكم رضًىولكنه غضبٌ عاقلُ
وقريب من هذا، وهو في غاية الحسن، ما أنشده الإمام الناصر، قدس الله روحه، لما توفيت الخلا طبية:
من قال مفترياً عليّ سلوت كذّبه النحولُ
وجدي على ما تعهدون وإنما صبري جميلُ
ومن شعر شرف الدين، ﵀:
يا ليلة حتى الصباح سهرتُهاقابلتُ فيها بدرَها بأخيهِ
سمح الزمان بها فكانت ليلةطاب العتابُ بها لمجتذبيهِ
أحييتها وأمتُّها عن كاشحما همّه إلاّ الحديث يشيهِ
ومعانقي حلو الشمائل أهيفجمعتْ ملاحةُ كل شيءٍ فيهِ
يختال معتدلاً فإن ولع الصبابقوامه متعرضاً يثنيهِ
نشوان تهجم بي عليه صبابتيويردني ورعي فأستحييهِ
علقت يدي بعذاره وبخدههذا أقبله وذا أجنيهِ
حسدَ الصباحُ الليلَ لما ضمناغيظاً ففرق بيننا داعيهِ
قوله:
ويردني ورعي فأستحيي
مأخوذ من قول السيد الرضي:
بتنا ضجيعين في ثوبي هوًى وتقًىيضمنا الشوقُ من فرعٍ إلى قدمِ
وباتَ بارقُ ذاكَ الثغرِ يوضحُ ليمواقعَ اللثمِ في داجٍ من الظلمِ
وقد أحسن أبو فراس التغلبي ما شاء في قوله:
وكم ليلةٍ خضتُ المنيةَ نحوهاوما هدأتْ عينٌ ولا نامَ سامرُ
فلما خلونا يعلمُ اللهُ وحدهُلقد كرمتْ نجوى وعفَّتْ سرائرُ
وبتُّ يظن الناسُ فيَّ ظنونهمْوثوبيَ مما يرجمُ الناسُ طاهرُ
وللغزي مثل بيت الرضي الثاني:
حتى إذا طاح عنها المرط من دهشوانحل بالضم نظم العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطتحبَّات منتثر في ضوء منتظم
والجميع مأخوذ من قول الأول:
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوههُمدجى الليل حتى نظمَ الجزعَ ثاقبهُ
وينظر إلى هذه المعاني، وإن لم يذكر العقد والنظم وغيرهما، قول القائل:
سفرت والليل داجٍ سليمىفبدا للسفر فيه السبيلُ
فأضاءَ الصبح لما توارتْوقفَ الركبُ وحارَ الدليلُ
وأخذت معنى بيت السيد الرضي الأول فقلت:
بتنا حليفي هوًى في عفةٍ وتقًىوليس إلاّ صبابات وأشواقُ
يبثّ كل امرئ منَّا لصاحبهحتى بدا من ضياء الصبح إشراقُ
وقال شرف الدين ﵀ وقد أحسن في مطلعها ما شاء:
وفى ليَ دمعي يوم بانوا بوعدهفأجريته حتى غرقتُ بمدّه
ولو لم يخالطه دم غال لونهلما مال حادي العيس عن قصد ورده
أأحبابنا هل ذلك العيش راجعبمقتبل غض الصبا مستجده
وإنَّ على الماءِ الذي تردونهغزالاً بجلد الماء رقة جلده
يغار ضياء البدر من نور وجههوبخجل غصن البان من لين قدّه
السيد محيي الدين يوسف بن يوسف بن زيلاق الكاتب الهاشمي الموصلي، يضرب به المثل في العدالة، وله الرتبة العليا في الشرف والأصالة، فارس مبارز في حلبات الأدب، وعالم مبرز في لغة العرب بطبعٍ أخذ لطافة الهواء ورقة الماء، كأنما ظهرت له أسرار القلوب فهو يتقرب إليها بكل محبوب، شعره أحسن من الروض جاده الغمام، وأزهى من اللؤلؤ الرطب زانه النظام، وكلامه يشفي السقام ويطفي الأوام، وبديهته أسرع من الطرف وأحلى من ثمار المنى دانية القطف، حسن العشرة، كريم النفس، جامع بين أدبها وأدب الدرس، أجاز لي قبل اجتماعي به أن أروي عنه ما تصح روايته من معقول ومنقول، وكتب بذلك إليّ، وكان بيني وبينه مكاتبات ومراسلات، فلما اجتمعت به وتجاذبنا أطراف الكلام وتجارينا في وصف النثر والنظام، وعاشرته مدة فملأ سمعي ببدائع فرائده التي هي أحسن من الدرر في قلائده، وطلبت أن يأذن لي في الرواية عنه فاعتذر اعتذار خجل وأطرق إطراق وجل، وقال: يا فلان أنا والله أجلك عن هذا الهذر وأنت أولى من عذر فإني لم أكن بك خبيراً قبل الاجتماع ولا ريب أن العيان يخبر بما لا يعبر عنه السماع وقد صغّر الخبرَ الخبرُ كما يقال وعند الامتحان تظهر خبايا الرجال، وأذن بعد جهد شديد واعتذار ما عليه مزيد، وأقمنا زماناً يزيد حسناً وإحساناً ما ذممت له مشهداً ولا مغيباً، وما زال ربع أنسي به خصيباً، وفارقته مفارقة السيف لجفنه، وسحت للبين سحب جفني وجفنه، وذلك في سنة سبع وخمسين وستمائة، فقال: كأنك تنشد حين رأيتنا:
سمعت بوصف الناس هنداً فلم أزلأخا صبوة حتى نظرت إلى هند
فلما أراني الله هنداً وزرتهاتمنيتُ أنْ تزداد بعداً على بعدِ
فأخذتُ الدواة وكتبت بديهاً:
أمولاي لو بالغت في وصف لوعتيوشوقي وما أخفيه من صادق الودّ
وأعطيت إرسال المقال وأصبحتفنونُ المعاني من عبيدي ومن جندي
وطاوعني نظمُ القريضِ وحوكهُفجئتُ به أزهى وأسنى من العقد
ورمتُ به وصفَ الصبابةِ والأسىلبعدكم لم أبدِ بعضَ الذي عندي
وأنشدني المولى قريضاً محبّراًأسالَ به سلكَ الدموع على خدّي
سمعت بوصف الناس هنداً فلم أزلأخا صبوة حتى نظرت إلى هند
فلما أراني الله هنداً تضاعف اشتياقيَ واستسلفتُ وجداً على وجد
وهذا الذي ألقاه والشملُ جامعٌفوا أسفي مما ألاقيه في البعد
وتوجهت إلى إربل وهو بالموصل على طريقته المرضيّة وحالته السنية، وكنا نتراسل بالأشعار والمعاني، ونجني ثمار الآداب على البعد دانية المجاني، إلى أن صاح بشمله غراب البين، وأصابته في سدادة العين، والله يحكم ولا معقب لحكمه، وإذا أراد أمراً هيأ أسبابه، فتنكر له الزمان، ودهمته طوارق الحدثان، وأقدمه سوء الحظ على ارتكاب الخطر، وكان له أجل منتظر، ولا بد من قدوم المنتظر، فسلم الموصل إلى العلم سنجر، وجاءت عساكر المغل وحاصرت الموصل، وأُخذ هو وأولاده في شعبان سنة ستين وستمائة فقتلوا أجمع، فعاد عزّه ذلاً، وأصبح شمله مضمحلاً، وبكاه الأدب بدمعه الماطر، وخلت من أنسه دموع البيان فليس بها صافر، فإنا لله وإنا إليه راجعون وتباً لدنيا تغدر أبداً بالكرام، وتسقي بنيها كاسات الحِمام، غدرت بآل ساسان فبادوا، وأردتْ الأكاسرة فما أبدوا ولا أعادوا، وأفنت الأوائل والأواخر، واستولت على القرون فلن تغادر، خرّبت ارمَ ذات العماد، وهدت القصر ذا الشرفات من سنداد:
وأجزرتْ سيف أشقاها أبا حسنٍومكَّنت من حسينٍ راحتي شمرِ
فليتها إذ فدتْ عمراً بخارجةٍفدتْ عليّاً بمن شاءتْ من البشرِ
وقد أحسن المعري في قوله:
على أمِّ دفرٍ غضبةُ الله إنَّهالأجدرُ أنثى أنْ تخونَ وأنْ تُخني
كأنَّ بنيها يولدون وما لهاحليلٌ فتخشى العارَ إنْ سمحت بابنِ
فمن شعره، رحمه الله تعالى:
بدا لنا من جبيته قمرُتضل في ليل شعره الفكرُ
أحور يجلو الدجى تبسمهأسمر يحلو بذكره السمرُ
ظبيٌ غريرٌ في طرفه سنَةيلذ فيها للعاشق السهرُ
تثني الحميّا من لين قامتهغصناً رطيباً فروعه الشعرُ
حديث عهد الشباب ما حف بالريحان وردٌ في خده نضرُ
ولا رعت مقلة نبات عذاريه فتحتاجُ عنه تعتذرُ
جوامع الحسن فيه ظاهرةفالقلب وقف عليه والبصرُ
خصر كما أثَّرَ التفرق فيجسمي وريقٌ رضابهُ خصرُ
وقامة لدنة إذا خطرتهان علينا في حبها الخطرُ
وقال أيضاً، وهي غاية في معناها:
جديدُ بُرد الجمال طلعتهمحمية من طلائع الشعرِ
حياة وجدي ماء بوجنتهما كدرت صفوه يد الخضرِ
إن تطل الفكر في توردهافذاك والله موضع النظر
وقال أيضاً:
ثنى قده واختال كالأسمر اللدنفأيقظ سيف اللحظ من ناعس الجفن
هو الظبي إلاّ أنَّ في الظبي لفتةوغصن النقا لولا التعطف في الغصن
حبيب إذا ما قلت ما أحسن الورىفلست أرى فيه خلافاً فأستثني
أيا مالكي هل فرط وجدي شافعيإليك أم الإعراض من مذهب الحسنِ
فإني وإن أسكنت قلبي في لظًىلأرتع من خديك في جنتي عدنِ
وإن كنت قد أطلقت بالدمع عبرتيفإن فؤادي من جفائك في سجن
أيا صاحبيْ نجواي ما أنا منكماإذا لم تعيناني ولا أنتما مني
أخليتماني للأسى وادعيتماوفاءً فما أغنى وفاؤكما عني
ومن شعره، ﵀:
دعاه يشمْ برقاً على الغور لائحايضيء كما هزّ الكماة الصفائحا
ولا تمنعاه أنْ يمرّ مسلماًعلى معهد قضّى به العيش صالحا
فماذا عليه لو يطارح شجوهحمائم فوق الأثلتين صوادحا
بعيشكما هل في النسيم سلافةٌفقد راح منها القلب سكران طافحا
وهل شافهت في مرة روضة الحمىفإنا نرى من طيّها النشر فائحا
وقوفاً فهذا السفح نسق ربوعهدموعاً كما شاء الغرام سوافحا
منازل كانت للشموس مطالعاًوللغيد من أدم الظباء مسارحا
وقال أيضاً:
هذا فؤادي في يديك تذيبهغادرته غرضَ السهامِ تصيبه
زادتْ صبابتهُ فهل تُجدي لهنفعاً إذا ما قلَّ منك نصيبهُ
ما كان يبلغ من أذاه عدوّهما قد بلغتَ به وأنتَ حبيبهُ
تُهدي الشقاءَ له وأنتَ نعيمهُوتزيدهُ مرضاً وأنت طبيبهُ
يا حبذا البرقُ المضيء وإنْ بدابينَ الضلوع خفوقه ولهيبهُ
وسرى النسيمُ فهزَّ عطفَ صبابتيإذْ كانَ من جهةِ الحبيب هبوبهُ
وقال أيضاً:
روحي الفداءُ لمن ينفِّرُ راحتيومسرتي أعراضهُ ونفارهُ
ظبي تضمُّ على القضيب برودهُوتحل عن فلك الدجى أزرارهُ
ضاهى الربيع بوجهه فشقيقهُفي خده وبثغرهِ نوَّارهُ
وأمال بين البان قدّاً ناعماًكادت تغردُ فوقه أطيارهُ
وتشابهت إذْ قام فينا ساقياًألحاظهُ ورضابهُ وعقارهُ
من أي صنفٍ شاءَ جاءَ بمسكرٍيا ليتَ شعري إنها خمارهُ
يحمي غرارَ مهنّد في جفنهنومي فما يغشى الجفون غرارهُ
الغرار: الحدّ، وغرار السيف: حده، الغرار: النوم القليل.
تثني ثنيته القلوب إلى الهوىوتقيم عذر المستهام عذارهُ
قوله:
وأمال بين البان قدّاً ناعماً
قد كرره فقال من أخرى:
وماسَ وغنَّى فقلنا القضيب أهيفُ يشدو عليه الحمام
وهما مأخوذان من قول الأول:
خطرت فكاد من حسن التثنييغرد فوق أعلاك الحمام
وأخذته أنا فقلت:
وسلام منِّي على الجوسق المملوّ أُنساً وقلّ منِّي السلام
ما تذكرت حسن أغصانه إلاّ تمنيت أن قلبي حمام
ولابن الحلاوي في قريب منه:
أشبهت أغصان الأراك معاطفاًوتركتني كحمامهن النائح
وقال أبو الفرج الوأواء يصف ليلة الوصال:
سقى الله ليلاً إذ زارَ طيفهُفأفنيته حتى الصباحِ عناقا
بطيبِ نسيمٍ منه يُستحلبُ الكرىولو رقدَ المخمورُ فيه أفاقا
وقال في ضدها:
أطال ليلي الصدود حتىأيست من غرة الصباحِ
كأنَّه إذْ دجا غدافٌقد حضن الأرض بالجناحِ
الغداف: الغراب الأسود العظيم.
قال أبو الفتح محمد بن الحسن الكشاجم يصف الدواة:
سوداء مجَّت ريقتينِ فرقةٌللملكِ بانيةٌ وأخرى هادمهْ
زنجية عجماءُ إلاّ أنَّهابجليلِ تدبيرِ البريةِ عالمهْ
وقال العاصمي:
وليلة مشرقةكليلةِ المعراجِ
أحييتُها بشادنٍيرفلُ بالديباجِ
منتعب بعندمٍمؤتزر بالعاجِ
والنجمُ في الغرب يرىكزئبقٍ رجراجِ
العندم: دم الأخوين، ويرفل في ثوبه رفلاً ورفولاً يعني يتبختر.
والصبحُ مثلُ صارمٍيُسلُّ باستدراجِ
أي بتدريج. وقال:
مررت على رياض من شقيقكما خطرت كؤوس من عقيق
فذكرني الحبيب ووجنتيهفكدت أشقّ جيبي للشقيق
أي للحبيب.
قال جمال الدولة طلحة بن الحسن:
يا خليليَّ اسقيانيقهوةً ذاتَ الحميا
إني عطشان جداًليس لي كالخمر سقيا
وقد تقدم الزكي بن أبي الإصبع فقال في قريب منه:
غدا القد غصاً منك يعطفه الصبافلا غرو أن هاجت عليه البلابل
وللحسام الحاجري الإربلي:
ومذ خبَّروني أنّ غصناً قوامهتيقنت أنَّ القلب مني طائرُ
وأخذه محمد بن هاشم الإربلي وأنشدني لنفسه:
يا قامة الغصن الذيقلبي عليه طائر
ومشرف الصدغ لقدجار عليّ الناظر
ولابن المرصص المصري:
لو لم يكن غصناً نضيراً قدّه المياس ما هاجت عليه بلابلي
وقال محيي الدين:
بدا سافراً فأضاء الظلامفلم تغنه خفية واكتتام
وقابلنا ثغره باسماًكما زان حسن القعود النظام
وطاف بريقته ساقياًكما مُزجت بالكؤوس المدام
فماس وغنَّى فقلنا القضيب أهيف يشدو عليه الحمام
ملاحته أوجبت عشقهفليس يجوز عليه الملام
له ناظر عامل في القلوبيعرّف موقعه المستهام
وقال أيضاً:
عبث الدلال بعطفه الميالفأبان فيه سفاهة العذال
وجلا لنا وجه الغزالة وانثنىغضبان ملتفتاً بجيد غزال
يحمي عن العشاق مورد ريقه المعسول أسمر قدَّه العسالِ
ثغرٌ لمبيض الحباب مذاقهحلوٌ ووجه بالملاحة حالِ
آثرت طاعته بسخط معنّفيووهبت فيه هدايتي لضلالي
ولقيت أيامي بحظٍ أبيضلما لثمت سواد ذاك الخال
مهما نسيت فلست أنسى عيشةًوصلت حواشيها لنا بوصال
أيام أحكم في الحبيب مخيراًفأبيت لا أرضى بطيف خيال
واليوم أقنع بالنسيم إذا سرىوأشيم ومض البارق المتعالي
قد كنت آمل منك عطفة راحمترثي لفرط تذللي وسؤالي
فحصلت منك على الإياس وليتهلم يتبعه مرارة الترحال
فلك الأمان دنوت أم بعدَ المدىوهجرت أو واصلت لستُ بسال
وقال أيضاً:
لو رعى من أحبّه حين سارامهجاً في يد الغرام أُسارى
أيها السائق الركائب يحملنالشموس الحسان والأقمارا
قف قليلاً فقد نفضت من المقلةِ نوراً أو زدت في القلب نارا
وكنا جلوساً فعمل، رحمه الله تعالى:
يا نار أسود قلبيونور أسود عيني
وقال أجز فقلت بديهاً:
كن راحماً لمحبّأباحك الأسودين
فوقع منه بموقع وحل من قلبه بموضع ونعود إلى أبياته:
رحلوا فالنهار ليل وقد أعهدُ ليلي بالقرب منهم نهارا
قد تقدمت أبيات مثل هذا.
لا تسمني صبراً فقد حكم البين بأني لا أملك الاصطبارا
كان يرجى السلوّ لو أنهم أبقوا علينا القلوب والأبصارا
حبذا ذلك الحمى وهو مأهول النواحي بآنساتٍ عذارى
كل هيفاء تخجل البان أعطافا وتحكي طرف المهاة احورارا
كلما أومضت بروق ثناياهن أنشأن من جفوني قطارا
هذا معنى مستعمل كثير جداً، قال ابن الساعاتي:
وكذاك لا تبسم فثغرك بارقوالدمعُ غيثٌ ما أضاء له همى
وقال محيي الدين:
لله كم لخيالهمن نعمةٍ عندي سنيّه
وجلا محبّاً مشرقاًكالشمس طلعته بهيّه
وبياض ثغرٍ واضحٍكالدرّ قبلتهُ شهيّه
صنمٌ عكفت على محبته عكوف الجاهليّه
يبري سهاماً من جفونٌ حاجباه لها حنيّه
ما أرسلت لحظاتهاإلاّ وأثبتت الرميّه
ملكتْ محاسنه القلوب فما تركن بها بقيّه
أخذ الأبيات من مهيار، وقد تقدمت أبياته، وقوله:
صنم عكفت على محبته
من المستعمل فمن ذلك قول الأبله البغدادي الشاعر:
ياله في الحسن من صنمٍكلنا في جاهِ ليتهِ
ويحكى أن الخليفة الناصر، ﵀، سخط على مغنيته وشفع لها أحد مماليكه فرضى عنها فغنت هذه الأبيات فلما انتهت إلى هذا البيت قالت:
ياله في الحسن من صنمٍكلنا في جاهِ ليتهِ
وقوله:
يبري سهاماً
مستعمل، ومثله لابن الساعاتي:
فلا ذقتما ما ذقت ساعة فُوقتسهام جفون عن قسيّ حواجب
وقوله:
ما أرسلت لحظاتها
مأخوذ من مهيار:
يا قاتلَ اللهُ خُلقتْجوارحاً فكيفَ عادتْ أسهما
لم يدرِ منْ أينَ أصيبَ قلبهُوإنما الرامي درى كيفَ رمى
وقال، ﵀:
فداؤك قلب لا يقل ولوعهوجفن أبت إلاّ الدموع جفونه
حملت غراماً منك لست أطيقهوأكثر واشٍ فيك لست أطيعه
فداك قلب لا يقلّ في الهوى ولوعه
وجفن عين تستهل دائماً دموعهُ
حمَّلته ثقل اشتياق ليس يستطيعهُ
وأكثر الواشي ولكن فيك لا يطيعهُ
رعاك بما يرضيك من خالص الهوىفؤاد بأصناف الصدود نزوعهُ
وأعطاكَ أقصى غاية من حفاظهوأنت بنسيان العهود تضيعهُ
رعاك صبّ للغرام والأسى جميعهُ
طالب وصل لا يزال بالجفا نزوعهُ
يصون سرّ حبّكم ودمعه يذيعهُ
ويحفظُ العهد الذي بغدركم تضييعهُ
ضلال تمنيه الخيال وقد نأىعن الطرف لما أن نأيت هجوعهُ
ولو أنّ وصلاً رام وصلاً لصدّهتوقد نارٍ ضمنتها ضلوعهُ
نرجو خيالاً من مسيء حسنه شفيعهُ
وهل يزور الطيف من فارقه هجوعهُ
ولو أراد سلوةً يشفى بها موجوعهُ
ثنته نار لوعة تجنها ضلوعهُ
وقال:
لله قلب محبه كلفُومدمعٌ من جفائه يكفُ
أحوى غرير الصبا منعّمهمشتمل بالجمال ملتحفُ
من لي به كالهلال قابله السعد وكالغصن زانه الهيفُ
يخلف بدر الدجى وما عنه بالأقمار في حال تمِّها خلفُ
يثني قضيباً أوراقه الشعرُ المرسل لكن ثماره الشعفُ
نكثر من وصفنا ملاحتهوهو من الحسن فوق ما نصفُ
يا ساكناً مقلتي له وطنٌورامياً مقلتي له هدفُ
وحاكماً لا يكادُ يرفع مظلوم إلى حكمه فينتصفُ
لم يبد سرى ولا وشى بغرامي فيك إلاّ المدامع الذرفُ
أنكر قلبي وأنت تحبسهوتطلق الدمع وهو معترفُ
وقال محيي الدين، ﵀:
لك السلامة من وجدي ومن حرقيوما تعانيه أجفاني من الأرقِ
أدرت فينا كؤوس الشوق مترعةفأسكرتنا حميّاها فلم نفقِ
يا مظهراً بمحياه وطرتهفضيلة الجمع بين الصبح والغسق
حمّلت مهجتي الهجران فاحتملتوزدتها بعده بعداً فلم تطقِ
مهما نسيت فلا أنسى زيارتهفي خفيةٍ لابساً ثوباً من الفرقِ
نشوان تستر عطفيه ذوائبهكما اكتسى الغصن الريان بالورقِ
يسعى إليَّ بكأس من مقبّلهيلذ مصطبحي منها ومغتبقي
لا أسأل الليل عن بدر السماء إذارقدتُ فيه وبدر الأرض معتنقي
قوله:
حمّلت مهجتي الهجران فاحتملت
ينظر إلى قول البحتري:
عدتنا عوادي البعدِ عنها وزادنابها كلفاً إنَّ الوداعَ على عتبِ
وقوله:
نشوان تستر عطفيه ذوائبه
مأخوذ من ابن التعاويذي:
تجول على متنيه سودُ غدائرٍكما رنَّحَ الغصنُ المرنِّحُ أوراقا
وقوله:
لا أسأل الليل عن بدر السماء
مأخوذ من بيتي المغاربة:
يا ليلُ دمْ أو لا تدمِلا بدَّ لي أن أسهركْ
لو باتَ عندي قمريما بتُّ أرعى قمركْ
وقال المحيي، ﵀:
ما أكثرتْ في الهوى عواذلهُإلاّ وزادتْ به بلابلهُ
علقتهُ كالشمول ريقتهُمهفهفٌ حلوةٌ شمائلهُ
أسمرُ من جفنهِ مهنّده الماضي ومن شعره حمائلهُ
تلقاهُ شاكي السلاح ناظرهُسنانهُ والقوامُ عاملهُ
تنفذ درع الكميّ مقلته النجلاء فيا عجزَ من يقابلهُ
لما تشكى وشاحه قلقاًبخصره أخرست خلاخلهُ
وقال أيضاً:
ثنى مثل لون السمهري ولونهوجرَّرَ عضباً مرهفاً من جفونه
وحيَّا وقد جاء الحياء بوجههفما الورد تجلوه الضحى في غصونه
وباتَ يرينا كيفَ يجتمعُ الدُّجىمع الصبح في أصداغه وجبينهِ
وكيفَ قرانُ الشمسِ والبدرِ كلماغدا يلثمُ الكأسَ الذي في يمينهِ
وبتّ أُفدِّيه بنفسٍ بذلتُهاغراماً بمحظوظ الجمال مصونهُ
وأرخصُ دمعَ العينِ وجداً بمبسميقابلهُ من دُرّه بثمينهِ
أما البيت الأول فهو من المستعمل، وقد جمعه ابن النبيه في نصف بيت وهو:
رنا وانثنى كالسيفِ والصعدةِ السمرافما أكثرَ القتلى وما أرخصَ الأسرى
وقوله:
وحيَّا وقد جال الحياء بوجهه
مستعمل أيضاً، وكل الناس فيه عيال على عمر بن أبي ربيعة في قوله:
وهيَ مكنونةٌ تحيَّر منهافي أديمِ الخدَّينِ ماءُ الشبابِ
ومثله لأحمد بن إبراهيم بن إسماعيل:
أغيد ماء الشباب يرعد فيخدَّيه لولا أديمهُ قطرا
والبيت الثالث من المتنبي:
بشعرٍ يعيدُ الليلَ والصبحُ نيرٌووجهٍ يعيدُ الصبحَ والليلُ مظلمُ
وقوله:
وكيف قران الشمس والبدر
مأخوذ من قول الحسين بن الضحاك:
كأنما نصبُ كأسهِ قمرٌيكرعُ في بعضِ أنجمِ الفلك
ومنه أخذ أبو نواس:
إذا عبَّ فيها شاربُ القوم خلتهُيقبِّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
ومن شعري:
تجلت لنا كالبدر ليلة تمّهوساق الندامى للمدام يحثحثُ
فلاح لعيني الشمس والبدر قارناهلالاً فقلت السعد أشكل مثلثُ
وقال ﵀ وهي آخر شعره:
يا من حفظت له عهد الهوى....فلم يرعَ لي عهدي وميثاقي
ما كنت أحسب أن يجفو عليّ وأنينسى عهود صباباتي وأشواقي
جرحت قلبي ببين ما تصوّرهوهمي وأقرحت بالتسهيد آماقي
فإنْ ألمّ بجفني في الدجى وسنٌفرغبةٌ في خيالٍ منك إطراقي
يا مشبه الغصن في لين وفي هيفويا أخا البدر في حسن وإشراق
فديتُ وجهك ما أحيا ولفظك ماأحلى فقد فقتَ في خلقٍ وأخلاقِ
البيت الرابع من الأبيات التي جعلوها ذريعة إلى النوم وقد تقدم أمثالها. وأنشدني محيي الدين للمغاربة:
وريميّ اللحاظ رأى غراباًفأوتر قوسهُ ورمى بسهمِ
فخلنا البدر أرسل عن هلالإلى الليل البهيم شهاب رجم
فحمل عليهما حمل الفارس المصمم وأربى في شن الإغارة على ربيعة بن مكدم، وقال وزاد على المعنى:
راق طرفي وقد بدا فوق طرفٍرشأ راشق غراباً بسهم
مثل بدرٍ في الكفّ منه هلالفوق برق يرمي الظلام بنجم
وقال محيي الدين ﵀:
فداؤك ما بقلبي من غليلٍوبادي حسرة وجوىً دخيلِ
يعنفني العذول وبي غراميحذرني مطاوعة العذولِ
أما وأبيك ما للصبر وجهجميل في هوى وجه جميلِ
إذا طلب الوفاء غريم عذلأحيل على سلوٍّ مستحيلِ
وكم في الحيّ من خصر دقيقحملت به أذى خطبٍ جليلِ
ومعتذر اللحاظ من التجافيصحيح إشارة الطرف العليلِ
كغصن البان تعطفه شمالإذا مالت به كأسُ الشمولِ
وقال أيضاً:
لها منزل بين الثنية والشِّعثِكفته غوادي أدمعي مننَ السحبِ
تضوّع مسكاً نشره فكأنماأثرتَ فتيت المسك من ذلك التربِ
ديار التي أمّا سناها فواضحوأما حماها فهو ممتنع الحجبِ
شهيّات ما فوق اللثاث من اللمىمضيئات ما تحت البراقع والحجبِ
وعهدي بها إذ ربعها ملعب الهوىومجتمع الشكوى ومنتجع الركب
ليالي أثني عطف ليلى وأجتنيثمار الأماني من مقبلها العذبِ
ومن شعره:
يريك قوام السمهري قوامهاويجلو عليك النيرين لثامها
ويفتننا منها جفون تضمنتلواحظها أن لا تطيش سهامها
إذا ما ضللنا في غياهبِ شعرهاهدانا إلى صبح الغرام ابتسامها
وليلةَ أعطينا المنى من وصالهاوعهدي لا يهدي إلينا سلامها
توقّد ناراً خدُّها وحليُّهاوخمرتها فانجاب عنا ظلامها
وطافت بكاسات الرحيق كأنمايفضّ عن المسك السحيق ختامها
سألتكما أيُّ الثلاثة درهاأمبسمها أم عقدها أو كلامها
وأي الثلاث المسكرات فتننيأريقتها أم لحظها أم مُدامها
البيت الثالث قد كرره، فقال:
إذا ضللت في ظلام شعرههدانيَ الإصباح من جبينه
وقد تقدم مثله، وقلت:
ضل قلبي في دياجي شعرهواهتدى بالصبح من غرته
وقال محيي الدين وهي من حر الكلام وسهله:
لكم مهجتي مملوكة فتحكموافعندي سواء جرتمُ أو عدلتمُ
سوى هجركم سهل عليَّ فعذبوافؤادي بما شئتم فما ذاك مؤلم
أأخشى عقاباً حين لا لي هفوةوقد كنت أرجو العفو إذ أنا مجرم
وإن كنتمُ حقّقتمُ ليَ زلةفأحسنُ شيئاً أن أزلّ وتحلموا
أأشقى بكم دهري ويحظى بوصلكمدعيّ هوى من لوعة الوجدِ مغرم
وما كنتمُ ممن أخافُ انتقامهُولكنها الأقدار تعطي وتحرمُ
أأنساكم الهجران ما كان بينناليالي نشقي الكاشحين وننعمُ
وأيامَ لهوٍ بالثنية لم يكنْتصرمها يخشى ولا يتوهمُ
أنستم إلى الواشي فأوجبَ وحشةًوخبركم عني بما ليس يعلمُ
ولولا التجني لم يؤثر محالهومن ذا الذي من قول واشيهِ يسلمُ
شرف الدين بن أحمد بن الحلاوي الشاعر الموصلي الشاب الحسن، شاعر برز في حلبة الآداب، ورمى أغراض البيان فأصاب، ودعا حسن المعاني فأجاب، له شعر أحسن من نظم العقود وأرق من حلب العنقود، بخاطر أمضى من السيف الصقيل، وذهن أجرى من السيل في صبب المسيل، وبديهة حاضرة تكاد تسبق لمع البرق، وتصوب صوب الودق، رأيته، ﵀، وهو شاب حسن حلو الحديث عذب الكلام دمث الأخلاق كثير النادرة توفي سنة ست وخمسين وستمائة بتبريز، فمن شعره:
مال بأغصانِ النقا نسيمهافغار من قوامها قويمها
رخيمةُ الدَّلِّ إذا ما نطقتْسباكَ من ألفاظها رخيمها
ما خطرتْ برامةٍ ولا رنتْإلاّ وغارَ غصنها وريمها
لو عُلَّ من رضابها عليلهاأبلَّ من سقامه سقيمها
غانيةٌ في ثغرها جواهرٌمنثورها أشبههُ منظومها
لم أنسَ إذ جلتْ على عشاقهامدامةً تجلى بها همومها
في روضةٍ ألبسها صوبُ الحيامطارفاً موشيّةً رقومها
بساحةِ الموصلِ لا بحاجرٍإذا سواي شاقه صريمها
بأربع حاليةٍ رياضهالا أربعٍ خاليةٍ رسومها
حبيبةٌ لو صحَّ لي ودادهاوجنةٌ لو دام لي نعيمها
وقال أيضاً:
حاشاكَ تصبح بعد وصلك هاجريأفما لصدّك والقلى من آخرِ
يا غادراً فضح الهلال بوجههلما تبدّى في ظلامِ غدائرِ
وكلتَ جفني بالسُّهادِ صبابةًورقدتَ عن ليل الكئيب الساهر
لا نلتُ ما أرجوه منك من المنىإنْ كانَ غيركَ خاطراً في خاطري
أو كنت أستحلي القضيب وإن بدامن بعد قدك ناضراً في ناظري
أتظن أني رابحٌ وأنا الذيأنسيتُ فيك حديثَ سلم الخاسر
لا تعجبوا لتجلدي وتبسميفي باطني بخلاف ما في الظاهر
كفّوا الملامَ فما فؤادي حاضرٌمن بعده بل غائب في حاضر
ولئن بقيتُ على هواه فنادرٌلا حكمَ في شرع الهوى للنادر
ما قلتُ إلاّ ما وجدتُ حقيقةقولُ المتيم غيرُ قول الشاعر
وقال أيضاً:
حكاه من الغصن الرطيب وريقهوما الخمر إلاّ وجنتاه وريقهُ
هلالٌ ولكن أفقُ قلبي محلُّهغزالٌ ولكن سفحُ عيني عقيقهُ
أقرَّ له كلِ حسنٍ جليلهُووافقه من كلّ معنىً دقيقهُ
على خدِّه جمرٌ من الحسنِ مضرمٌيشبّ ولكن في فؤادي حريقهُ
على سالفيه للعذار جديدهُفي شفتيهِ للسُّلاف عتيقهُ
حكى وجههُ بدرَ السماء فلو بدامع البدرِ قال الناسُ هذا شقيقهُ
البيت الخامس مأخوذ من قول القائل وإن لم يذكر العذار والرضاب وهي طريق جيدة في الأخذ:
وإنيِ من لذاتِ دهري لقانعٌبحلوِ حديثٍ أو بمرِّ عتيق
ومن مليح الأخذ ما أخذه أبو تمام من أبي نواس في قوله:
إذا نزلتْ دونَ اللهاةِ من الفتىدعا همّهُ من صدرهِ برحيلِ
أخذه أبو تمام ونقله إلى المدح وغرّبه، فقال:
مشتِ الخطوبُ القهقرى لما رأتْخببي إليكَ موكلاً برسيمِ
فزعتْ إلى التوديعِ غيرَ لوابثٍلما فزعتُ إليكَ بالتسليمِ
وقال تأبط شراً:
فصادفَ سهلَ الأرضِ لم يكدحِ الصفابه كدحةً والموتُ خزيانُ ينظرُ
أخذه أبو تمام وغرب:
فردّتْ علينا الشمسُ والليلُ راغمٌبشمسٍ لهم من جانب الخدرِ تطلعُ
فالليل راغم: هو قوله: الموت خزيان، فهذا وأمثاله من السرقات الخفية تحتاج إلى قوة فكر وشدة تأمل ونقد صحيح وخاطر وقاد.
وكنت أنشد دائماً قول كثيِّر بن عبد الرحمن، وهما من شعر الحماسة:
وأدنيتني حتى إذا ما ملكتنيبقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لا لي حيلةوغادرت ما غادرت بين الجوانح
فتتبعت البيت الأول فوجدت جماعة من الشعراء قد تداولوه، قال النابغة الذبياني:
بتكلُّمٍ لو يستطيعُ حوارهُلدنتْ له أروى الجبالِ الصخّدِِ
وقال سويد بن أبي كاهل اليشكري:
ودعتني برقاها إنهاتُنزلُ الأعصمَ من رأسِ اليفعْ
وقال آخر:
بوحي لو أنَّ العصم تسمع رجعهتضعضعن من أعلى إبان عواقله
آخر، أنشده ابن جنّي قال: أنشده أبو علي الفارسي:
لو أنَّ عصْمَ عمايتين ويذبلسمعا حديثك أنزلا الأوعالا
وقال العديل بن الفرخ:
ضحكتْ فقلتُ غمامة برقت لنابشعاب مكة برقها لا يبرحُ
وتحدثت فتنزلت بحديثهاأروى الشعاب فهنّ منها جنّحُ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
طالَ ليلي واعتادني اليومَ سقمُوأصابتْ مقاتلَ القلبِ نعمُ
حرَّةُ الوجهِ والشمائلِ والجوهرِ تكليمها لمن نالَ غنمُ
وحديثٍ بمثلهِ تنزلُ العُصْم رخيم يشوب ذلك حلمُ
هكذا وصفُ ما بدا لي منهاليسَ لي بالذي تغيب علمُ
مثل هذا:
لا والذي تسجد الجباه لهمالي بما تحت ثوبها خبرُ
ولا بفيها ولا هممت بهاما كانَ إلاّ الحديث والنظرُ
وقال إبراهيم بن هرمة:
ولو سمعتْ عصم بقدسِ كلامهاإذاً لتحدرن الشواهق من قدسِ
وقال ابن دريد:
لو ناجتِ الأعصمَ لانحطَّ لهاطوعَ القيادِ من شماريخِ الذُّرى
فهذه السرقة ليست كالأول، لأنها في الوضوح والاشتهار كما ترى وهي جميعها متضمنة حسن الحديث. ومن جيد ما سمعت فيه قول الأول:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى أزورهاأرى الأرضَ تُطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفراتِ البيضِ ودّ جليسهاإذا ما قضتْ أحدوثةً لو تعيدها
وقال ابن الرومي، وأحسن ما شاء:
وحديثُها السحرُ الحلالُ لو أنهلم يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرزِ
إن طال لم يُمللْ وإن هي أوجزتْودّ المحدِّثُ أنها لم توجزِ
شركُ النفوسِ ونزهةٌ ما مثلهاللمطمئنِ وعقلةُ المستوفزِ
وقال كشاجم:
منعمةٌ يقرِّبها هواهاإذا نزحتْ بمنزلها البلادُ
يعادُ حديثها فيزيد حسناًوقد يستقبحُ الشيءُ المعادُ
ومثل هذا:
يزيدك وجههُ حسناًإذا ما زدتهُ نظرا
ولأبي نواس:
وكلما عدتَ فيهيكون في العودِ أحمدْ
ومثله:
كل شيءٍ يملّ منه إذا مازاد إلاّ حديثكم لن يملاّ
وأنشدتُ للمغاربة:
ذات لفظ تجني بسمعك منهزهراً في الرياض نداه طلُّ
لا يمل الحديث منها معاداًكانتشاق الهواء ليس يملُّ
قوله:
تجني بسمعك منه
مأخوذ من قول أبي تمام في وصف شعره:
كشفتُ قناعَ الشعرِ عن حرِّ وجههِوطيرتهُ عنَ وكرهِ وهو واقعُ
بغرٍّ يراها من يراها بسمعهِويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسعُ
ومثله لابن الساعاتي:
يفهم كلّ ناشقٍ لا سامعٍما حدّثتْ عن الرياضِ الشمألُ
وقال مروان بن أبي حفصة في الحديث:
تساقطُ منهنَّ الأحاديثُ غضّةًتساقطَ درٍّ أسْلمتهُ المعاقدُ
وأصله من قول أبي حيّة النميري:
إذا هنَّ ساقطنَ الأحاديثَ للفتىسقوطَ حصى المرجانِ من كفِّ ناظمِ
ومن هذا الباب:
هو الدرُّ منثوراً إذا ما تكلمتوكالدرّ منظوماً إذا لم تكلمِ
وقال البحتري، وأحسن ما شاء:
ولما التقينا والنقا موعدٌ لناتعجبَ رائي الدّرِ حسناً ولاقطه
فمنْ لؤلؤٍ تجلوهُ عندَ ابتسامهاومنْ لؤلؤٍ عندَ الحديثِ تساقطُهْ
وقد سبق الأخطل إلى هذا فقال:
خلوتُ بها وسجفُ الليلِ مُلقىًوقد أصغتْ إلى الغربِ النجومُ
كأنَّ كلامها درٌّ نثيرٌورونقَ ثغرها درٌّ نظيمُ
وقال آخر:
تبسمتْ فرأيتُ الدرَّ منتظماًوحدثتْ فرأيتُ الدرَّ منتثرا
ولبعض المتأخرين:
أظهرنَ وصلاً إذْ رحمْنَ متيماًوأرينَ هجراً إذ خشينَ مراقبا
فنظمنَ من در المباسمِ جامداًونثرنَ من درِّ المدامعِ ذائبا
مثل البيت الأول ما أنشدنيه محيي الدين ولم يسمّ قائلاً:
أضحى يجانبني مجانبةَ العدىويبيتُ وهو إلى الصباحِ نديمُ
ويمرّ بي خوفَ الرقيبِ ولفظهُشتمٌ وغنجُ لحاظهِ تسليمُ
وقريب منه ما أنشدني شرف الدين بن الأثير الجزري:
قلتُ وقد أعرض عني عاتباًآهاً عليه لو يفيدُ العتبُ
هل لك يا هذا بُعيد ما مضىمن الوصال ليفيق الصبُّ
قال نعم وزادها لما رأى الواشي لجيرانِ العقيق الذَّنْبُ
ومن الأخذ الواضح والسرقة التي تنادي على صاحبها ما أخذه المتنبي من جرير في قوله، وهي من الشعر الجيد في الغاية:
فيومان من عبدِ العزيزِ تفاضلاففي أيِّ يوميه تلومُ عواذله
فيومٌ تحوطُ المسلمينَ جيادهويومُ عطاءٍ ما تغبُّ نوافله
فلا هو في الدنيا مضيعٌ نصيبهُولا عرضُ الدنيا عن الدين شاغله
فقال المتنبي:
فيومٌ بخيلٍ تطردُ الرومَ عنهمويومٌ بجودٍ يطردُ الفقرَ والجدْبا
فانظر إلى هذا النظم وهذه السرقة الواضحة.
وقد أجاد المعري:
لو اختصرتمْ من الإحسانِ زرتكمُوالعذبُ يهجرُ للإفراطِ في الخصرِ
فإنه أخذه من البحتري حيث قال:
أخجلتني بندى يديكَ فسوّدتْما بيننا تلك اليدُ البيضاءُ
وقطعتني بالبرِّ حتى أننيمتوهمٌ أنْ لا يكونَ لقاءُ
صلةٌ غلتْ في الناسِ وهي قطيعةٌعجباً وودٌّ راحَ وهو جفاءُ
وقال أبو نواس المريدي:
يغتال ألسنة المريديأجلاله فيناك بالإضمارِ
فأخذه المعري وأحسن وأجاد ما شاء فقال:
كم قبلةٍ لكِ في الضمائرِ لم أخفْمنها الحسابَ لأنها لم تُكتبِ
الحديث ذو شجون. وقال ابن الحلاوي:
وافى يطوف بها الغزالُ الأغيدُحمراء من وجناته تتوقد
مالت بنا وأماله سكر الصبافنديمها كمديرها يتأوَّد
ثقلت روادفه وأرهف لحظهفالقاتلان مثقّلٌ ومحدَّدُ
وإذا انثنى وإذا رنا فقوامهواللحظ منه مثقَّفٌ ومهندُ
البيت الرابع مأخوذ من ابن النبيه:
رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا
وقد تقدم. وبيت ابن النبيه أجود وأجمع فإن المعنى تم في نصف بيت، وبيت ابن الحلاوي فيه كلفة، ومن أبيات ابن النبيه:
غلامٌ أرادَ الله إطفاء فتنةبعارضهِ فاستأنفت فتنةً أخرى
دريٌّ بحملِ الكأسِ في يومِ لذَّةٍولكن بحمل السيفِ يوم الوغى أدرى
خذوا حِذركمْ من خارجيِّ عذارهِفقد جاءَ زحفاً في كتيبتهِ الخضرا
مثل:
غلامٌ أرادَ الله إطفاء فتنةٍ
قول القائل وإن لم يذكر الفتنة:
قد كان بدر السماء حسناًوالناس في حبِّه سواءُ
فزاده ربَّه عذاراًتمَّ به الحسنُ والبهاءُ
لا تعجبوا ربنا قديرٌيزيدُ في الحسن ما يشاءُ
ومثله وهو أوضح:
وقد كنتُ أرجو أنهُ حين يلتحييخفف أحزاني ويوجدني صبرا
فلما بدا نبتُ العذارِ بخدهتضاعفت البلوى بواحدةٍ عشرا
أقول: للناس في العذار مذاهب مذهبة معجبة، ومقاصد للقائلين به مطربة، وها أنا أذكر منها ما يشوق وما يروق، ويزهو على نضارة الريحان والآس ويفوق، على قدر ما يسنح ويخطر، وأعود بعد ذلك إلى إتمام ما أذكره من شعر ابن الحلاوي، ﵀. فمن ذلك ما أنشدنيه بعض الأصدقاء:
شغل الرجال عن النساء وطالماشغلَ النساءَ عن الرجال مراهقا
عشقوه أمرد والتحى فعشقْنهُالله أكبرُ ليسَ يُعدمُ عاشقا
ومثله:
وإن واوات شعر عارضهكالشصّ تصطادُ من بها عبرا
شرط النسا والرجال يصلح للحالين أنثى إن شئتَ أو ذكرا
وللسري الرفاء الموصلي الكندي في العذار:
صنمٌ شُغفتُ بحبهِفعذرتُ منْ عبدَ الصنمْ
أحببتهُ فحملتُ عنأجفانهِ بعضَ السقمْ
شعرٌ ألمَّ بعارضيهِ فزادَ عاشقهُ ألمْ
والسيف يحسنُ في الحُلىوالبدرُ يشرقُ في الظلمْ
والطرسُ أحسنُ ما يكون إذا جرى فيه القلمْ
آخر:
يا ذا الذي دبَّ له عارضما البلدُ المخصبُ كالماحلِ
يجول ماء الحسنِ في وجههفيقذف العنبرَ للساحلِ
أنشدني بعضُ أصحابنا:
لهيب الخدّ حين بدا لعينيهوى قلبي عليه كالفراشِ
فأحرقه فصار عليه خالاًوها أثر الدخان على الحواشي
أنشد أبو منصور بن البناء، وفيها كلفة وتغريب:
أبت عقربا صدغيك ألاّ توقفاعن السعي لما دبَّ تحتهما النملُ
ومن يصحب الإنسان يعلمُ أنهيرى قتله نفعاً فليس له عقلُ
وقد أجاد القائل:
لما بدت عارضاه تسطوبأيِّ أمرٍ وأيِّ نهْيِ
أيقنت أنَّ العذار سحرٌخُطَّ بمسكٍ في رقّ ظبي
وقلت من أبيات:
يلوم على حبّيه خالٍ من الهوىفأضرب عمن لام فيه كأنني
وكيف وقد لاح العذار بخدهأقوم بعذرٍ في تسليه بيّنِ
وقلت أيضاً:
وشادن أحوى له مقلةأمرضَ قلبي في الهوى سحرها
عذارهُ غاليةٌ والذييفوحُ من نكهتهِ نشرها
ابن المرصص النحوي:
بأبيك سله عن العذار السائلهل رحمة ترجى لديه لسائل
هو كالخميلة تحت صارم لحظهوالبيض ما برحتْ ذوات حمائل
وهو مأخوذ من ابن الساعاتي:
لقد سلَّ سيفاً والعذارُ الحمائلُأرومُ حياةً عنده وهو قاتلُ
ابن التعاويذي:
أمطِ اللثامَ عن العذارِ السائلِليقومَ عذري فيكَ بينَ عواذلي
وقد أحسن بعض المغاربة وذكر الحمائل على غير هذا الوجه والنمط:
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الذكي الناشقِ
وضممته ضمّ الكمي لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكيلا يبيت على فراش خافقِ
قريب من هذا البيت الأخير:
وسكنتَ قلباً خافقاً يا ساكناًفي غيرِ قلبٍ ساكنِ
وقلت في العذار:
أيا قمراً في القلب أضحى محلهتنقلتَ عن طرفي فجددتَ أحزاني
أرى كلَّ بستان بورد مسيّجاًوخدُّك وردٌ سيّجوهُ بريحانِ
البيت الأول من الزكي بن أبي الإصبع في قوله:
تنقلت من قلبٍ لطرفٍ مع النوىوهاتيكَ للبدر التمام منازلُ
ورأى موفق الدين بن أبي الحديد، رحمه الله تعالى، وكان فارس الآداب السابق في حلباتها المنتهي من حدود البلاغات إلى أبعد غاياتها، صبياً قدم عذاره ولم يصرح نبته ونواره، فقال فيه بديهاً:
عجبوا من عذاره بعد حولين وما طال وهو غض النبات
كيف يزكو نبتٌ بخديه والناظرُ وسنانُ فاترُ الحركات
فسار هذان البيتان مسير الأمثال وتناقلتهما إلى إربل أفواه الرجال، فتقدم السعيد تاج الدين، سقى الله عهده عهاد الرضوان وبوّأه أعلى مكانة في الجنان، أن ينسج على هذا المنوال ويتبع موفق الدين فيما قال وأنشدنا، رحمة الله عليه، ولم يسم قائلاً، من شعره:
سألوه ما عذره في عذارٍلم يطل منه بعد طول زمانِ
وهو غض النبات أخضر يُسقىماء حسنٍ معينه من معان
كيف ينمو نباتُ خدَّيهِ والناظرُ يدعى بالفاترِ الوسنانِ
ولقد أحسنَ ما شاء في قوله:
يسقى ماء حسن معينه من معان
وقلت بديهاً:
تعجب أقوام لنبت عذارهوما طال في حولين وهو نضير
فقلت لهم لا تعجبوا كيف لم يطلفناظره وسنان فيه فتور
وكنت كاتبت محيي الدين وطلبت إليه أن يعمل في هذا المعنى فقال كلاماً معناه: لا إكراه في دين البيان، أنا أقول: جديد برد الشباب وقد تقدمت فكيف أقول في العذار إلاّ مكرهاً، وقد قلت متبعاً لا مبتدعاً:
ظنننا أنَّ نبت الخدّ منهيزيد فلا يكون به التفات
فمرَّ عليه حولٌ بعدَ حولٍوروضته تحار لها الصفات
ومن أضحى بناظره فتورٌفما يزكو لعارضه نبات
وقال أيضاً:
هذا نبات العذار في خدّهحلوٌ وفكري في حسنه حائرْ
وغير بدعٍ أن روض عارضهمن بعد حولين نبته ناضرْ
فكيف ينمو نبت له عامليختال سكراً وناظرٌ فاترْ
وقال ابن الحلاوي وأكثر:
واضيعة القلب في هوى صنمجار على القلب فهو كافرهُ
له عذار أقام في الخدِّ حولينِ وما زادَ منه ناضرهُ
ولانما والعيون مصرفهاإليه والدمعُ فيه ساطرهُ
وكيف ينمو نباتُ عارضهِوفاترٌ في السوادِ ناظرهُ
نعود إلى أبيات ابن النبيه مثل قوله:
دريّ بحمل الكأس في يوم لذة
قول الغزيّ ومنه أخذ ابن النبيه:
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكةحُسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
وقد أشار إليه ابن النبيه من أخرى:
ريقكَ والخدُّ النضرماءُ الحياةِ والخصر
في خَلقهِ وخُلقهِما في الغزالِ والنَّمر
وابن التعاويذي قد قال في هذا وأكثر وبلغ الغاية في حسن المقاصد وأصاب شاكلة الرمي، فمن ذلك قوله يصف مماليك الإمام الناصر، ﵀:
من غلمةِ التركِ الذي بجمالهموببأسهم نارُ الوغى تتضرَّمُ
من كلِّ ريانِ المعاطف خصرهُكمحبهِ من ردْفه يتظلّمُ
سيانِ سلْمهمُ وحربهمُ فماينفكُّ يقطر من أكفّهمُ الدَّمُ
تركٌ إذا لبسوا الترائكَ أيقنتْصمّ العوالي أنها ستحطمُ
فهمُ إذا حسروا ظباءُ خميلةٍوهمُ أسودُ وغىً إذا ما استلأموا
في ثني بردتهِ قضيبُ نقىً وفيالدرع المفاضةِ منه طودٌ أيهمُ
بشرٌ أرقُّ من الزلالِ وتحتهُكالصخر قلبٌ لا يرقُّ فيرحمُ
يصمي الخليَّ بطرفهِ وبكفهِيصمي الكميَّ فجؤْذرٌ أم ضيغمُ
هو تارةً للحسن في أترابهِعلمٌ وطوراً في الكتيبةِ معلمُ
لحظٌ على نهبِ القلوبِ مسلطٌوغرارُ نصلٍ في الرقابِ محكمُ
ركبوا الدياجيَ فالسروجُ أهلّةٌوهمُ بدورٌ والأسنةُ أنجمُ
مثل هذا البيت للمغاربة:
سرجه والحصان الأشقر والسيفُ المحلَّى وحسنُ ذاك المحيا
كهلالِ من فوقِ برقٍ عليهبدرُ تمٍّ مقلدٌ بالثريا
وقال أيضاً:
فهو تحتَ السلاحِ ليثُ عرينٍوهو فوقَ الفراشِ ظبيُ كناسِ
وقال من أخرى:
يجنبها حولهُ من الغلمةِ الترك بدورٌ أثمانها بدرُ
قد ضمنتْ روعةُ الجمالِ لهموالبأس أن لا يفوتهم وطرُ
حصَّ رؤوساً تريكها ونمالهم على طولِ لُبسها الشعرُ
من كلِّ رامٍ عن قوسِ حاجبهبمصمياتٍ نصالها الحورُ
مؤنثْ الزيِّ في لواحظهِمن غنجِ عينيهِ صارمٌ ذكرُ
يفوقُ بيضَ الحجالِ ما فاتهُمنهنَّ إلاّ الحياءُ والخفرُ
جؤذرُ رملٍ في السلم وهو إذاما شبّتِ الحربُ نارها نمرُ
في الدرعِ منه ليثُ العرينِ وفي البيضةِ من حسن وجههِ قمرُ
جمالهُ والعيونُ تدركهُنهبٌ مباحٌ وثغرهُ ثُغَرُ
يمشونَ خطراً إلى الكماة مساعيرَ وغىً لا يروعهم خطرُ
غرًّا صباحَ الوجوهِ هانَ علىنفوسهمْ في مرامها الغررُ
إذا انتضوها مثلَ الرياض ظُبىًوادّرعوها كأنها الغدرُ
رأيتَ ناراً في الجوّ مضرمةًيلفحُ من بأسهمْ لها شررُ
وقال أيضاً:
وأسود من غلمة التركِ لا تألف إلاّ غيلَ القنا المشجورِ
يُنحلونَ البدورَ حسناً وإنْ خاضوا الوغى ناحلوا القنا بالخصورِ
كل ذمرٍ كالظبي يسفر في الكرَّةِ عن ذئبِ ردهةٍ مذعورِ
الذِّمر: الشجاع، والردهة: شبه أكمة كثيرة الحجارة.
من ليوث الشرى إذا دارتِ الحربُ وفي السلم من ظباء القصور
فالعذارُ الطريرُ في خدهِ أفْتكُ من حدِّ سيفه المطرورِ
ومن أخرى أولها، وهي بديعة:
يا علوَ أغريتِ السُّهادَ بناظريورقدتِ عن ليلِ المحبِ الساهرِ
كم قد ركبتُ إليكِ أخطارَ الهوىأفما يمرُّ لكِ الوصالُ بخاطرِ
يقول فيها:
وبغلمةٍ مثلِ الشموسِ عوابسخلطوا البسالةَ بالجمالِ الباهرِ
فلهم إذا اعتقلوا ينابيبَ القنانظرُ الضراغمِ من عيونِ جآذرِ
غرٍّ إذا صينَ الجمالُ ببرقعٍستروا جمالَ وجوههمْ بمغافرِ
تاهوا على أقرانهم يومَ الوغىبرياضِ حسنٍ في الخدودِ نواضرِ
من كل خوّاضِ الغمارِ ملججٍمرنٍ على سفكِ الدماءِ مغامرِ
المرن: المتعوّد، والمغامر: الذي يقتحم المهالك، ويقال: بحرٌ غمرٌ وبحارٌ غمارٌ.
أصمى الكماةَ بمقصدٍ من كفهورمى القلوبَ من اللحاظِ بعائرِ
يقال: رماه فأقصده، أي قتله، والعائر من السهام: الذي لا يعرف من رماه.
إيماضُ مبسمه وضوءُ جبينهِبرقان في ليلِ العجاجِ الثائرِ
وقال محيي الدين:
يحملن في الروع أقماراً إذا وضعوامضاعف السرد آساداً إذا حملوا
الحديث ذو شجون، وقد يذكر الشيء بشبهه أو بما يقاربه. عدنا إلى ابن الحلاوي، وقال أيضاً:
لو كان يشفي القربُ منكِ غليلاما باتَ جسمي في هواكِ نحيلا
وإذا هجرت على الدنوّ فما الذينأسى عليه إذا عزمت رحيلا
يا ربة الطرفِ الكحيلِ تركتنيقلقاً وطرفي بالسهاد كحيلا
فكما جعلتِ الصدَّ منكِ كثيِّراًهلا جعلتِ الصبرَ عنكِ جميلا
وقال أيضاً:
أدارَ علينا من مراشفه خمراوأطلعَ من زهر الثنايا لنا زهرا
وهزَّ علينا من تمايل قدهرشيق التثني يخجل الصعدة السمرا
وفي فرقهِ والفرعِ والوجهِ إذ بداأرى الناسَ خيط الصبح والليل والبدرا
وأهيفَ صاحٍ من جوى الحبِّ قلبهثنى عطفه حتى حسبنا به سكرا
يضرّمُ ماءُ الحسنِ نيرانَ خدهِولم أرَ ماءً قبله يضرمُ الجمرا
هو البدرُ أسرى في دجى الليلِ شعرهفما غاب إلاّ والقلوبُ له أسرى
عهدنا محل المسك في الظبي سرةًإلى أن رأينا المسك في خده سطرا
ولو أنَّ هاروتاً رآه ببابلٍلأصبحَ من أجفانه ينفثُ السحرا
ذكرت بالبيت الثالث قول القائل، وأجاد ما شاء، أنشدنيه السعيد تاج الدين، ﵀:
وغزال سبى فؤاديَ منهناظر راشق وخدٌّ رشيقُ
حلّ صدغيه ثم قال أفرقٌبينَ هذينِ قلتُ: فرقٌ دقيقُ
شمس الدين أحمد بن غزّي، أصله من القائم، قرية من بلد سنجار، ومولده ومنشؤه بالموصل، شاعر مجيد وأديب ما عليه مزيد، له شعر أنضر من زهر الرياض، وأعمل في الخواطر من رشق العيون المراض، قد أفرغ في قالب الإحسان وحل من كل قلب بمكان، فما الدر في انتظامه أزهى من درر كلامه، ولا السحر الحلال أوقع في النفوس من نثره ونظامه، له خط مثل الجمان، زانه النظام والزهر جاده الغمام.
تردد إلى إربل عدة نوب ومدح السعيد المرحوم تاج الدين، قدس الله روحه وجعل في أعلى عليين غبوقه وصبوحه، بقصائد أصاب بها أغراض الصواب والسداد وأبرزها لآلئاً لا يزيفها الانتقاد، وسأذكر ما يخطر لي منها في مواضعها من هذا الكتاب. بات عندي ليلة نتجاذب أطراف الأناشيد ونحاكي ونحن بنو الهوى بنات الهديل في التغريد ونتساقى خمرة البيان فتميل سكراً ونميد وننثر معادن المعاني ونجني قطاف الآداب دانية المجاني، وكان عندنا امرأة عجوز تدعى أم عزيز فطلبناها مراراً وكلفناها حوائج كثيرة وأتعبناها. وكان قد طلب مجلداً من شعر ابن الحجاج فلما أصبح مشى وكتب إلي:
يا وزيراً إذا مدحناه راح الجودُ يجري من عطفهِ المهزوزِ
وبليغاً متى أراد المعانيجئن فيه من الكلامِ الوجيزِ
ما أرى ابن الحجاج يقدم وهلأخرج في رحله صواع العزيزِ
جدْ بإرساله لأنظر فيهكل نصبي هذا على التمييزِ
ثم بعدُ كيف أنت على الأنعامِ في حقّ ضيفك الملزوزِ
وعزيز عليّ ما لقيتهُمن صنوف العذاب أمُّ عزيزِ
وما زال يتردد إلى إربل مدة، وعرض له وسواس وكان من ظراف المجانين إذ خفت علته، واشتد مرضه بعد ذلك فاختلط عقله وغاب ذهنه وألقى نفسه من شاهق فانكسرت يده وصلب نفسه بعد ذلك فيما أظن سنة إحدى وخمسين وستمائة. أعوذ بالله من كل مكروه وأستعيذه وأستهديه وأسأله حسن الخاتمة وسلامة المنقلب بمنه ورحمته.
فمن شعره:
وحياة فيك وما حوىقسماً عظيماً في الهوى
ما ضل صاحبُ مهجةٍذابت عليك وما غوى
يا أيها القمر الذينجم السلوّ له هوى
ماذا أثرت على القلوبمن الصبابة والجوى
بأبي وأمي غادررفع العذار له لِوا
في هذا إشارة إلى قوله ﵇ لكل غادرٍ لواء يوم القيامة:
وأغنّ في أردافههزٌّ بكثبان اللوى
قد زان مشبع ردفهخصرٌ يبيت على الطوى
أفدي الذي ناديتهوركابهُ بيد النوى
مولاي عشقك نيتيولكل عبد ما نوى
وقال أيضاً:
وطيبة المراشف والنسيميقصر وصلها ليلَ السليمِ
نضتْ عنها النقاب فوكلتنيبصبر ظاعن وأسًى مقيم
منعمةَ الشباب لها ثناياتضيمُ فرائدَ الدرِّ النظيمِ
ولفظ لو دعا عظماً رميماًأعادَ الروحَ في العظم الرميمِ
لها من نشرها ومن المحيّاوقامتها وناظرها السقيم
تأرَّجُ عنبرٍ وضياءُ صبحٍولين أراكةٍ ولحاظ ريمِ
يقبل شعرها القدمين منهاإذا قامتْ تميلُ من النعيمِ
كتقبيلِ الملوكِ الأرضَ طوعاًإذا نظروا إلى الملكِ الرحيمِ
وقال أيضاً:
لو كنتَ يا ملك الملاح رحيمالم تخلُ من عطف يصحّ سقيما
أو كنت موجود النظير لما غدابهواك حسن تصبري معدوما
يا راقداً منع الرقاد وراحلاًجعل الفؤاد على هواه مقيما
كانت ليالينا بقربك جنةفجعلتها لما رحلتَ جحيما
إنْ كان قد أصبحت سلطان الهوىوقضى الجمال بأن تطاع زعيما
فأنا إمام العاشقين وشاهديأني أبيتُ من الكرى معصوما
وقال أيضاً:
لعل قلباً قاسياً يعطفُومانعاً من وصله يسعفُ
وحائراً في عدله يهتديوجائراً في حكمه ينصفُ
وأهيف كالغصن لكنهيخجل منه الغصنُ الأهيفُ
سلّ علينا جفنهُ مرهفاًفخافهُ في جفنهِ المرهفُ
أمير حسن زانهُ حاجبٌله على ناظره مشرفُ
صاح وما أعرف لي صاحباًيعرف للصاحب ما أعرفُ
إياك والصحو إذا أمكنتْسلافةٌ صهباء أو قرقفُ
ألاّ تقفْ عند التي أخطفتْحتى يفوتَ الرشأ المخطفُ
ولا تذدك الخمر ممزوجةعن العناقيد التي نقطفُ
واستعمل القصفَ وكن عالماًبأن أهدى الناس من يقصفُ
وصيةٌ من رجلٍ فاسقٍأبو نواس عنده يوسفُ
أقول: إن هذه الأبيات التي فيها ذكر الخمر والقصف هي بغير هذا الموضع أشبه، ولكني ذكرتها حيث ذكرت الغزل منها. أما قوله:
أمير حسن زانه حاجبله على ناظره مشرفُ
فهو من المعاني المتداولة وأنا أذكر منها ما يخطر ببالي.
أنشدني السعد تاج الدين محمد بن نصر بن الصلايا، قدس الله روحه، وأظنها له:
أيا ملك الحسن الذي قهر الورىوبالغ في ظلم الرعايا وأسرفا
هززت لنا من ذبّلِ القدِّ عاملاًفأضحى به قلبي على الموت مشرفا
وتقدم أن يعمل مثله فأنشدته في الحال:
يا قمراً ملّكته مهجتيفجار في القرب وفي البعد
قلبي على الموت غدا مشرفاًمتيماً من عامل القدّ
وقلت أيضاً بديهاً:
وفي فاتر الألحاظ ألمى مقرطقأراقب بدر التم حين أراقبه
وعامل قد صار قلبي مشرفاًعلى الموت لما جار في القلب حاجبه
وللحاجري الإربلي:
لك يا أمير في الملاحة ناظرٌيسطو عليّ وحاجب لا ينصفُ
إني أؤملُ أن أرى لك عارضاًفلربما عني الظلامة تكشفُ
وقلت:
عارضه الناظر محروس بمافوّقه الناظرُ من سهامه
وقال ابن غزّي:
أرى سطراً من المسك الذكيّعلى جمرٍ بوجنته ذكيّ
وخالاً عنبرياً فوق خدٍّظلومٍ ليس يعفو عن مسيّ
فيا من سامني السلوان عنهلقد حاولت عاراً من وفيّ
وميّاس القوام كأنَّ سكراًثناه من مدام بابليّ
يريك إذا انثنى خصراً وردفاًقد اشتملا على ظمأ وريّ
وجفناً كلما أبكى محبّاًترى جور الضعيف على القويّ
ابن غزّي تبع ابن الأردخل في قوله، لأن صاحب الموصل بدر الدين طلب من الشعراء أن يعملوا على وزنها:
أما وبياض مبسمك النقيّوسمرة مسكة اللعس الشهيّ
ورمان من الكافور يعلوعليه طوابع الندّ النديّ
وقدّ كالقضيب إذا تثنىخشيت عليه من ثقل الحليّ
تغازلني وتزوي حاجبيهاكما انبرت السهام عن القسيّ
ويخترق الصفوفَ بروقُ فيهاوهل يخفى شذا المسك الذكيّ
البيت الثالث فيه نظر إلى قول المعري:
ويا دسيرةَ حجليها أرى سفهاًحملَ الحليِّ بمن أعيا عن النظرِ
ومثله لابن هاني المغربي:
ما حالُ جسمٍ تحملتَ السلاحَ بهوأنتَ تضعفُ عن حملِ القباطيِّ
ومثله للأرجانيّ:
عجبتُ لذاتِ الخالِ أنى تقلّدتْدماءً وحملُ العقدِ مما يؤودها
والبيت الرابع مما استعمل كثيراً، قال الأرجاني:
سهامُ نواظرٍ تُصمي الرَّماياوهنَّ من الحواجبِ في حنايا
ومن عجبٍ سهامٌ لم تفارقْحناياها وقد جرحتْ حشايا
نهيتكَ أن تناضلها فإنيرميتُ فلم يصبْ سهمي سوايا
ومثله لابن هاني المغربي:
رميتُ بسهمٍ لم يصبْ وأصابنيفألقيتُ قوسي عن يديَّ وأسهمي
وقال محيي الدين بن زيلاق:
رمت رشقاً فأثبتت الرماياجفونٌ حاجباه لها حنايا
ومثل قوله:
نهيتك أن تناضلها
أبيات الحماسة:
رمتني وستر الله بيني وبينهاونحن بأكناف الحجاز رميمُ
فلو أنها لما رمتني رميتهاولكنَّ عهدي بالنضال قديمُ
وعمل الشيخ العلامة شمس الدين أحمد بن الخباز النحوي الموصلي، شيخ زمانه وواحد عصره، كان آية في الذكاء والحفظ رأيته، ﵀، توفي فيما يتغلب عندي في سنة إحدى وأربعين وستمائة:
سطا بحسام طرف مشرفيّوأردفه بسحر بابليّ
ولو لم يقض عاشقه تثنىعلى رمح القوام السمهريّ
وليس لمن يهيم به معينٌعليه ومن يعينُ على عليّ
غزالٌ زارني فأزالَ همّاًخيالٌ منه كالنبض الخفيّ
تبسم ضاحكاً فرأيتُ درّاًيضيءُ كلمع برق في حَبيّ
الحبيّ: السحاب الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء.
قويٌ لا يلمُّ على ضعيفٍفويلٌ للضعيف من القويّ
أمير الحسن أنت بلا خلافوزين الحسن بالوعد الوفيّ
وصل مضنىً يبيت حليف شوقٍبه ظمأٌ إلى العذب الشهيّ
سللتَ على الأسير سيوف لحظٍفتكتَ بها ولا سيفَ الوصيّ
ولو أنَّ العزيز رآه يوماًلدانَ له بوجه يوسفيّ
هذه الأبيات وإن لم تدخل في حيز الاختيار فإن قائلها، ﵀، من الأئمة الكبار والنحاة الذين مثلهم سيار.
وقال ابن الحلاوي في الوزن والرويّ:
بوردِ خدودكَ النَّضرِ الجنيِّومسكِ عذاركَ العطرِ الذكيّ
وحسنِ قوامكَ الحلو الثنيِّوقد أربى على ذاتِ الحليِّ
صلِ الصبَّ المعنّى فهو ظامٍإلى تقبيلِ مبسمكَ الشهيِّ
أيا قمراً غدا في فيه ريّأيجملُ أن أعودَ بغيرِ رِيِّ
حكيتَ السمهريَّ فبتُّ أهوىلأجلِ هواكَ قدَّ السمهريِّ
وأشبهتَ الظباءَ فصارَ قلبييميلُ إلى الغزالِ الحاجريِّ
وأبليتُ التصبر فيك لمابليتُ بسحرِ طرفٍ بابليِّ
ومن كلفي بثغرك صرتُ أروىلمى وبياضَ مبسمكَ النقيِّ
ويطربني وأعشقُ كلَّ شعرٍيقولُ الناسُ في هذا الرويِّ
أغضُّ الطرف دونك من حياءٍلبهجةِ ذلكَ الوجهِ الحييِّ
وأنا أذكر شيئاً من شعر ابن الحلاوي وما يؤدي الخاطر إليه من أشعار تعترض.
وأعود إلى شعر ابن غزي. قال ابن الأردخل الموصليّ:
سل وجهه البدري عدل كمالهفي مقلتي العبرى وقلبي الوالهِ
أوفاق عني قوس حاجبه فليكبد أمام النزع من نبالهِ
ألمى رشيق القدّ أرجو الري منمعسوله وأخاف من عسّالهِ
أعديتُ شجواً ربعه فالبان فيسكراته والورقُ في أغلالهِ
وحملت مثل الرّدف عنه غيرةًلما رأيت الخصرَ حلف هُزالهِ
قم فاستعر لي من حليّ رقدةًفهي الوسيلة عند طيف خيالهِ
وإذا رقدت فليس إلاّ فكرتيلا الحلم جاد به ولا بمثالهِ
يا ملبس التفتير رايةَ لحظهودليل قطع السيف لمع ذُبالهِ
عطفاً على دنفٍ دعوت همومهفأقمتها وقعدتَ عن آمالهِ
قلقُ المضاجع لو لقيت أقل مايلقى لما استحسنت سيئ حالهِ
أحسن من البيت الثالث قول ابن الساعاتي:
عذُبت مراشفه وصال بقدّهفحمى جنى المعسولِ بالعسال
ولمحيي الدين بن زيلاق:
يحمي عن العشاق مورد ريقه المعسول أسمر قدّه العسالِ
وقال ابن الأردخل:
بلّغ رجال الحيّ من سَلمأيراق ما بين البيوت دمي
حاولت زورتكم فحل لكمقتليَ في حتفي سعى قدمي
والبيت الذي ذكر فيه غيرته من نحول الخصر فيه نظر إلى قول ابن الخياط:
أغارُ إذا آنستُ في الحيِّ أنةًحذاراً وخوفاً أن تكون لحبّهِ
ومثله لصرّ در:
لم ألقَ ذا شجن يبوح بحبّهإلاّ ظننتك ذلك المحبوبا
حذراً عليك وإنني بك واثقأنْ لا ينال سواي منكَ نصيبا
قد والله أساء إليه، وقبّح ذكره، ولو لم ينل منه نصيباً قط كان أحسن. ومثله للحسين الضحاك، ومنه أخذ:
لم يشكُ عشقاً عاشقٌ فسمعتهُإلاّ ظننتكَ ذلك المعشوقا
وقول ابن الأردخل
حاولت زورتكم فحل لكم
أقول: إنه لم يكن عالماً بالفتوى إذ لو زارهم لما حلّ لهم قتله فكيف وقد حاول ذلك، ومنها:
ومتيم أصمته أسهمكملم يدر يوم النفر كيف رُمي
كلفتموه الصبر بعدكموأحلتموه به على عدمِ
ومثله لابن النبيه المصري:
أحلتَ سُلواني علىضامنِ قلبٍ منكسرْ
البيت الثالث مأخوذ من قول مهيار، وقد أحسن في قوله:
لم يدر من أين أصيب قلبهوإنما الرامي درى كيف رمى
والبيت الرابع أخذه المحيي فقال:
إذا طلب الوفاء غريم عذلٍأحيل على سلوٍّ مستحيل
وكان المهذب بن الأردخل هذا شاعراً من شعراء العصر، له في حسن الشعر نصيب وافر وقسط تام، وكأنما هو لسلامة مقاصده متصرف في أحداق الكلام، له طبع أمضى من السيف الصقيل وأعمل في الخواطر من لمحات الطرف الكحيل. ومن شعره، وهي في غاية الحسن:
للهِ نفسٌ بكم أعرِّفهاتقضي وما ينقضي تأسّفها
وذات عرف منكم تجلدتُ للاحي فأنكرتها وأعرفُها
وقفت فيها وأنّ أرسمهاممحوّة بالدموع أحرفها
مكفكفاً عبرتي وودّي لوأنّيَ أبكي ولا أكفكفها
ماذا على الركب من أراقهاوهل هي إلاّ بلوى أخففها
وكيفَ أصحو لا بل أصحّ وبيإلى مريضِ الجفونِ أوطفها
ومن شعره:
تأمل معي إن كنتَ للبرق شائماًوإن لم تكن عوناً فلا تك لائما
سألتُ زروداً عن مباسم غيدهحكته سنًى أم بات يحكي المياسما
معاجاً فإنّي كلما ذُكرَ الحمىلأبهتُ يقظاناً فأُحسبُ نائما
ركائب لو قصرتُ من لغب السرىبنا لركبنا دونهن العزائما
جزعتم بذات الجزع إني محاربيد الله ما إنْ كنت إلاّ مسالما
سلبتم حياتي صفوها غير أننيغدوت عليكم لا على العيش نادما
فإن تبلغوني ذلك الأيك تسمعوامن النوح ما علّمت تلك الحمائما
ومن هنا أخذ ابن عبدوس، شاعر بغدادي فيما أظن أو من أعمالها، اجتمعتُ به وسمعت شعره، وكان ينشد شعراً حسناً - ولم يكن له في الأدب حظ - من قصيدة يمدح بها السعيد تاج الدين قدس الله روحه، غزلها يجاري الماء لطافة وإن كان مطلعها متعسفاً متكلفاً:
لا تفتكوا أهلَ الحمى بمسالمٍلكم محبٍّ وافتكوا بمحاربِ
وأولها:
أصمتْ فؤادك يوم برقةِ عازبِقسراً جفون عواتكٍ وربائبِ
ومنها وقد أجاد:
بالله قل للنازلين على الحمىيا صاحبي إنْ كنتَ حقّاً صاحبي
لا تفتكوا أهلَ الحمى بمسالمٍلكم محبٍّ وافتكوا بمحاربِ
وعلامَ يا أهلَ العقيق رغبتمُفي زاهد وزهدتم في راغبِ
أفنى جديدَ شبابه في حبّكمْواهاً لذلك من جديد ذاهبِ
وأقولُ إذ سنحت ظبيةُ رملةٍتختالُ بين مراتع وملاعبِ
كفّي لحاظك قد أصبتِ فؤادهُمن حيث لا يدري بسهمٍ صائبِ
يا ظبيةَ الوادي انقضى عمري وماقضّيت من نظرٍ إليك مآربي
أقول: لو أعطي هذا الشاعر نظراً صائباً وحساً ثاقباً لقال بعد قوله وأنشد:
إذا سنحت ظبية رملةٍ
شعر العباس بن الأحنف وهو:
لو كنتِ عاتبةً لسكنَ عبرَتيأملي رضاكِ وزرتُ غيرَ مجانبِ
لكن صددتِ فلم يكن لي حيلةٌصدُّ الملولِ خلافُ صدِّ العاتبِ
فيكون قد أتى به أحق من قائله، وفيه من الحسن ما لا خفاء به عن متأمله.
وأنشدني هذا ابن عبدوس من غزل قصيدة يمدح بها المذكور، رحمه الله تعالى:
وقالت أين قولك لست أنسىهواك وحبّ غيرك مستحيلُ
وقد قال العواذل فيك عنديوعندك فيّ قد قال العذولُ
فلم أسمع وقد أصغيت سمعاًلقولهم فمن منَّا الملولُ
أخذ البيت الثالث من ثالث الأبيات التي أذكرها:
وبي صتم يعوق الوصل عنِّيولا ودّ لديه ولا يغوثُ
أُهيل ودادنا لم ذا نكثتمْوقد ذُمَّ المخاتلُ والنكوثُ
تجافيتمْ وقلتمْ ذا ملولٍصدقتمْ هكذا كان الحديثُ
وشعر ابن عبدوس هذا شعر حسن سهل في الغاية له حظ من الاستحسان. ويجيء في الشعر قالت وقلت ويدخل به في الاختيار، فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فلمَّا اقتصرنا دونهنَّ حديثناوهنَّ طبيباتٌ بحاجاتِ ذي الثّكل
عرفْنَ الذي نهوى فقلن لها ائذنينُطفْ ساعةً من بردِ ليلٍ وفي سلِ
فقالت فلا تلبثنَ قلنَ لها اصبريأتيناك وانسبنَ انسيابَ مها الرملِ
وقمنَ وقد أفهمن ذا اللبِّ إنمافعلنَ الذي يفعلنَ إذْ ذاك من أجلي
قيل: إن الفرزدق لما سمع هذا الشعر قال: هذا الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت الديار. وقال عمر بن أبي ربيعة:
حين قالت لها أجيبي وقالتمن دعاني قالت أبو الخطابِ
فاستجابت عند الدعاء كما لبَّىرجال يرجون حسنَ الثوابِ
وقال وضاح اليمن، وهي من غريب الشعر وجيده وسهله الممتع:
قالت ألا لا تَلِجنْ دارناإن أبانا رجلٌ غائرُ
أمَا رأيتَ البابَ من دونناقلتُ فإني واثبٌ طافرُ
قالت فإنَّ القصر من دونناقلت فإني فوقه ظاهرُ
قالت فإنّ الليثَ غادٍ بهقلت فسيفي مرهف باترُ
قالت فهذا البحر ما بينناقلت فإنّي سابح ماهرُ
قالت أليس الله من فوقناقلت بلى وهو لنا غافرُ
قالت فأمّا كنتَ أعييتنافائْت إذا ما رقد السامرُ
واسقط علينا كسقوط الندىليلةَ لا ناه ولا آمرُ
البيت الأخير أخذه من قول امرئ القيس:
سموتُ إليها بعدَ ما نامَ أهلُهاسموّ حبابِ الماءِ حالا على حالِ
وقال آخر:
حتى إذا البدرُ بدا طالعاًوغابت الجوزاءُ والمرزمُ
نهضتُ والوطء خفيّ كماينساب من مكمنه الأرقمُ
وقال كعب بن جعيل:
وأبيضَ جنيٍّ عليه سموطهمن الأنس في قصر منيف غواربُه
تدليته سقط الندى بعد سجفةٍفبتُّ أُمنِّيه المنى وأخالبُه
وبيت وضاح اليمن أخفى حرساً وأقل حبساً وهو بينهم أحسن موقعاً وأجرى طبعاً وأسلس نظاماً وأعذب كلاماً، يجري للطافته مع النفس ويتنزل من العذوبة منزلة اللعس. وقال المؤمل:
وطارقات طرقنني رسلاًوالليل كالطيلسان معتكرُ
يقلن جئنا إليك عن ثقةٍمن عند خود كأنّها قمرُ
هل لك في غادة منعمةٍيحار فيها من حسنها النظرُ
في الجيد منها طول إذا التفتتوفي خطاها إذا خطت قصرُ
فقمت أسعى إلى محجبةٍتضيء منها البيوت والحجرُ
فقلتُ لمَّا بدا تخفرهاجودي ولا يمنعنّك الخفرُ
قالت توقَّر ودع مقالك ذاأنت امرؤ بالقبيح مشتهرُ
والله لا نلتَ ما تطالب أوينبت في وسط راحتي شعرُ
لا أنت لي قيّم فتجبرنيولا أمير عليّ مؤتمرُ
قلت ولكن ضيف أتاك بهتحت الظلام القضاء والقدرُ
فاحتسبي الأجر في إنالتهوياسري قد تطاول العسرُ
قالت لقد جئت تبتغي عملاًتكاد منه السماء تنفطرُ
فقلت لمَّا رأيتها حرجتوغشيتها الهموم والفكرُ
لا عاقبَ الله في الصبا أبداًأنثى ولكن يُعاقبُ الذكرُ
قالتْ لقد جئتنا بمبتدعٍوقد أتتنا بغيرهِ النذرُ
قد بيّن الله في الكتاب فلاوازرةٌ غيرَ وزرِها تزرُ
قلتُ دعي سورةً لهجتِ بهالا تحرمنّا لذّاتنا السورُ
وجهك وجه تمَّتْ محاسنهلا وأبي لا تمسه سقرُ
وقال أبو نواس، وهو من باب الهجاء:
قال لي يوماً سليمان وبعض القول أشنعْ
هات صفني وعليّاًأيُّنا أجدى وأنفعْ
قلت إني إن أقلْبينكما بالحق يجزعْ
قال كلاّ قلتُ بلقال عجّل قلت فاسمعْ
قال صفْه قلت يعطيقال صفني قلتُ تمنعْ
وقال أبو عبادة وأجاد:
بتّ أسقيه صفوة الراح حتىوضعَ الكأسَ مائلاً يتكفّا
قلتُ عبدَ العزيزِ تفديكَ روحيقال لبيكَ قلتُ لبيكَ ألفا
هاكها قال هاتها قلتُ خذهاقالَ لا أستطيعها ثمّ أغفى
ومن المختار من هذا الباب:
قالت لطيف خيال زارها ومضىبالله صفْه ولا تنقص ولا تزدِ
فقال خلفته لو مات من ظمأوقلتِ قف عن ورود الماء لم يردِ
قالت صدقتَ وفاء الحبّ شيمتهيا برد ذاك الذي قالت على كبدي
أنشدني بعض الأصحاب:
تودّعني والدمع يجري كأنّهلآلٍ هوتْ من سلكها تتحدرُ
وتسألني هل أنت بي متبدّلفقلت نعم سقماً إلى يوم أحشرُ
فقالت تصبّر لا تموت صبابةًفقلت لها هيهات مات التصبرُ
أحسن من هذا قول الأرجاني:
غالطتْني إذْ كستْ جسمي الضنىكسوةً عرَّتْ عن اللحمِ العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوىمثلُ عيني صدقتْ لكنْ سقاما
وأنشدني بعض أصحابنا المحدثين، وقد أكثر من قال وقلت حتى تجاوز الغاية والبيت الثاني رايته في شعر الأمير عبد الله بن المعتز:
قالت لقد أشمتّ بي حسّديإذ بحتَ بالسرّ لهم معلنا
قلتُ أنا قالتْ نعم أنت هوقلتُ أنا قالت وإلا أنا
قلتُ نعم أنت التي صيّرتجفونها جسمي حليف الضنا
قالت فلم طرفك فهو الذيجنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان منطرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلتُ اللقاقالت لقائي قطّ ما أمكنا
قلت فمنّيني بتقبيلةٍقالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحت بسرّ الهوىقالت ولو بحت لما ضرّنا
قلت فإني ميّت هالكقالت فمت فهو لقلبي مُنى
قلت حرام قتل نفس بلاذنب فقالت ذاك حلّ لنا
من يعشق العينين مكحولةًبالسحر لا يأمن أنْ يُفتنا
وهذا متى أكثر منه خرج من حيز الاستحسان ورمي دبر الآذان. وأحسن من هذا ما أنشدته للمغاربة:
يا حسناً مالك لا تحسنِإلى قلوب بالهوى متعبهْ
رقمتَ بالورد وبالسوسنِصفحة خدّ بالحيا مذهبهْ
وقد أبى خدّك أنْ أجتنيمنه وقد ألبسني عقربهْ
يا حسنه إذ قال ما أحسنيويا لذاك اللفظ ما أعذبهْ
قلتُ له ذلك عندي سناوكل ألفاظك مستعذبهْ
ففوّق السهم ولم يخطنيومذ رآني ميّتاً أعجبهْ
وقال كم عاش وكم حبّنيوحبّه إيّاي كم أتعبهْ
يرحمه الله على أننيقتلي له لم أدر ما أوجبهْ
عاد الكلام إلى شعر ابن غزي وقال:
أمسى وجنّته هواك ونارهففؤاده لا يستقر قرارهُ
صبّ بذكرك تنقضي أيامهأبداً ويمضي ليلهُ ونهارهُ
كتم الهوى عن صحبه حتى إذااجتمع الغرام تبددت أسرارهُ
يا صاحبيّ على الفتى لخليلهإرشاده وإذا سها تذكارهُ
سل بالهوى منّي خبيراً بالهوىينبيك عنه وعنده أخبارهُ
بالعشق يُمتحنُ الرجالُ فواحدصافٍ وأخر جمةٌ أكدارهُ
وأرى الهوى بحراً بعيداً لجّهُصعب الركوب كثيرة أخطارهُ
وقال من قصيدة يمدح بها السعيد قدس الله روحه:
حُرمتُ وصاله إنْ كنتُ أدريتعتُّبهُ عليّ لأيّ أمرِ
حبيب نلتُ منه جنان وصلفأعقب طيبها نيران هجرِ
حكى القمر المنير فما عليهإلينا مرةً كان يسري
وقد سبق لابن غزي:
كانت ليالينا بقربك جنةًفجعلتها لما هجرت جحيما
وسبق لمحيي الدين مثله:
فإني وإن أسكنتَ قلبي في لظًىلأرتع من خدّيك في جنتي عدنِ
وله:
وليتَ من في وصله جنةٌأعاذني من نار هجرانه
ومن شعري:
فجنتي وصل الحبيب الذيأصل عذابي نار هجرانه
وقد أحسن القائل، وقد قيل لمحيي الدين:
يا جنتي وإذا أودعتني حُرقاًفإنّ حقيَ أنْ أدعوك يا ناري
ومليح قول القائل وإن لم يذكر الوصل والهجر:
يا جنّة الدنيا لقدهوّنتِ نارَ الآخرهْ
ومثل قوله:
حكى القمر المنير
ما أنشدته لبعض شعراء العصر في صبيّ مكاري، وقد أحسن ما شاء:
هويته مكارياًشرّدَ عن جفني الكرى
قد أشبه البدرَ فمايملّ من طول السُّرى
وأنشدني آخر، وإن لم يكونا من هذا:
يا بدر أهلك جارواوألزموك بهجري
فليفعلوا ما أرادوافإنّهم أهلُ بدرِ
وقال ابن غزي:
وأغنّ ما للكحل في أجفانهحظٌ وتحسب طرفَه مكحولا
حنق اللحاظ على القلوب كأنّماقتلت لعينيه القلوبُ قتيلا
في خصره معنى دقيق لم يزلخطب الغرام به عليّ جليلا
ووراءه ردف ثقيل زادنيعبئاً على عبءِ الغرام ثقيلا
بأبي غزال لم يزل بجمالهسمحاً عليّ وبالجميل بخيلا
وبروحي القمر الذي أمسيتُ فيحبّي له أحكي الهلال نحولا
وقال في صبي معه خادم يحفظه:
زمن عجبٍ أنْ يحفظوك بخادمٍوخدّام هذا الحسن من ذاك أكثرُ
عذارك ريحانٌ وخالك عنبرٌوخدّك كافورٌ وثغرك جوهرُ
وقد أحسن في هذا الجمع وإن كان مسبوقاً إلى مثله.
أنشدني بعضهم ولم يسم قائلاً:
ما القلبُ مسروراً ببعدكمُ ولاأنا بالرشيد ودمع عيني جعفرُ
الوجد يحيى والغرام فخالدٌفلذا ربيع وصالكم لا يزهرُ
ومن شعري:
لو لم يكن سفّاح جفنك ناصراًما كنتُ للعشاق يوماً مقتفي
وأنشدني أمير الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي لنفسه، وقد أجاد ما شاء أن يزيد ولم يبق زيادة لمستزيد:
هويتها طفلةً دقّت محاسنهافطرفها نرجس والخدّ تفّاحُ
يتيمة الدهر نثر الدرّ من فمهاوالعقد في جيدها والوجه مصباحُ
وأنشد بعضهم رباعي:
وجهٌ حسنٌ كأنه مصباحْفي تكملةِ الحسن له إيضاحْ
منصور حسام لحظه قال لمنيهواه رويداً جاءك السفاحْ
ومثله للبغاددة مواليا:
لؤلؤْ أدمعي صارْ مذْ زمّت مطاياكمياقوتْ والياسْ عندي من عطاياكم
وأنا طريدْ وغيري في وطاياكممسرورْ دائمْ صوابْ اجعلْ خطاياكم
ولهم في هذا المواليا معان ترقص القلوب لها طرباً وإذا أُنشدت أوضحت إلى الظرف طريقاً مذهباً ولا بد أن أفرد لها باباً يكون إلى مناهج الحسن سبباً.
نجم الدين يحيى الشاعر الموصلي مولداً، العنسفي أصلاً، شيخ حسن الأخلاق لطيفها، بديع الإشارات طريفها، له شعر أرق من دمع المهجور، وألفاظ أحسن من الروض الممطور، كأنما هي منى النفوس وطلعة البشر في الزمن العبوس، رأيته واجتمعت به وهو حي عند جمع هذا المجموع، كنت بالموصل في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وستمائة ونحن في مجلس أنس قد واصل حبيبه وغاب رقيبه وشموس الكؤوس تدور وتطلع من أكف سقاة كالبدور وفي أفواه الندامى تغور، فجاء إلى الباب فأخبر بحالنا فكتب إلي بهذه الأبيات ومشى:
أتيتُ هذا الحرم المرتجىوهو مقرّ الحلم والعلمِ
فقيل مولاك على لذةٍلا زال منها وافر القسمِ
فليس يدري العبد هل يمدحُ الصهباءَ أو يشرع في الذمِّ
وما ظننت الشمس في كأسهاأن تحجب البدرَ عن النجمِ
وجاء إلي في اليوم الثاني وقد عرضت لي حمى فيها نافض فأنشدني وما أعرف هي له أم لا:
لله حمّاكَ التيكست حشاي الولها
هل سألتكَ حاجةًفأنتَ تهتزّ لها
وهذا مليح في الغاية، ومن شعره:
بعدتمْ فذابتْ بعدكمْ مهجةُ الصبِّوغادرتمُ الأجفانَ دائمة الصبِّ
وما زالَ يشكو القلبَ نظرةَ عينهإلى أنْ غدتْ عيناهُ تشكو من القلبِ
واصبحَ مقصوصَ الجناح من الأسىوإنْ كانَ من أشواقهِ طائرَ اللبِّ
أيا ساكني نجدٍ عليكم تحيةٌدعاني هواكم وهو أول من لُبِّي
رفضتم ودادي ما كذا سنّة الهوىوحبكم ديني ورفعكم نَصبي
أيا جوهريّ الثغر ماليَ كلماتبسّمت عن حبٍّ تهتكت من حبِّي
أُعاملُ بالحسنى جمالك تاجراًومالي من كسبٍ سوى مدمع سكبِ
قد استعمل الشعراء وأكثروا في ذكر ما يتعلق بألقاب النحو. أنشدني والدي للزكي بن أبي الإصبع أبياتاً أذكرها لحسنها والغرض منها ما ذكر من ألقاب النحو فيها وهي:
تصدَّقْ بوصلٍ إنَّ دمعيَ سائلُوزوّدْ فؤادي نظرةً فهو راحلُ
فخدكَ موجودٌ بهِ التبرُ والغنىوحسنكَ معدومٌ لديه المماثلُ
أيا قمراً من حسنِ وجنتهِ لناوظلِّ عذاريهِ الضُّحى والأصائلُ
جعلتكَ بالتمييزِ نصباً لناظريفهلاّ رفعتَ الهجرَ والهجرُ فاعلُ
غدا القدُّ غصناً منكَ يعطفهُ الصبافلا غروَ أنْ هاجتْ عليه البلابلُ
تنقلتَ من قلبٍ لطرفٍ مع النوىوهاتيكَ للبدرِ التّمامِ منازلُ
وقد ظرف القائل:
عرّج بنا نحو طلول الحمىفلم تزل آهلةَ المربعِ
عسى نطيل اليوم وقفاً على الساكن أوْ عطفاً على الموضعِ
وابن عنين أكثر من هذا، فقال يهجو:
مالُ ابنِ مازةَ دونهُ لعفاتهِشوكُ القتادةِ أو منالُ الفرقدِ
مالٌ لزومُ الجمعِ يمنعُ صرفهُفي راحةٍ مثلُ المنادى المفردِ
وهذا غاية في حسنه، وقال لمصروف عن ولايته:
فلا تغضبنّ إذا ما صُرفتفلا عدل فيك ولا معرفه
وقال في الغزل:
كأنّ النوى إذ نادت الدمع رخمتفلا أثر فيها أجاب لعينِ
وهذا المعنى أوضحه القائل:
قد كان عيني بغير دمعٍفصار دمعي بغير عينِ
وكان ابن عنين مريضاً فكتب إلى بعض ملوك الشام:
أنا كالذي أحتاجُ ما تحتاجهُفاغنمْ ثوابي والدعاءَ الوافي
فجاء إليه ومعه ألف دينار، وقال: هذه الصلة وأنا العائد. وهذا من الملك أحسن منه من الشاعر. وذكرني النجم يحيى، يقوله:
أيا جوهريّ الثغر
أبياتاً للمغاربة أنشدنيها المرحوم تاج الدين، ﵁، وهي:
علقته حببيّ الثغر عاطرهدريّ لون المحيا أحور المقلِ
إذا تأملته أعطاك ملتفتاًما شئتَ من حركات الشادن الغزلِ
عزيّل لم تزل في الغزل جائلةًبنانه جولان الفكر في الغزلِ
جذلان تلعب بالمحراك أنملهعلى السدى لعب الأيام بالدولِ
ما إن يني تعب الأطراف مشتغلاًأفديه من تعب الأطراف مشتغلِ
جذباً بكفّيه أو فحصاً بأرجلهتخبُّط الظبي في أشراك محتبل
وقال النجم يحيى:
قسماً بوصلك إنه العيش الهنيوبنور وجهك إنه البدر السني
إني على وجدي وفرط صبابتيباقي الغرام وإنما صبري فَني
يا شمس إشراقٍ وبدر دجنّةٍوغزالةً ترنو وغصناً ينثني
أثمرت تفاحاً تصرّج حسنه الزاهي وسيّجتَ العذار بسوسنِ
وكأنّ ذاك الخال عبدٌ أسودسكنَ السياجَ لينظرَ الورد الجني
قد أطنب الشعراء في وصف الخال وغرّبوا في نعته الأقوال، وها أنا أذكر منه ما يخطر بالبال ويربي على السحر الحلال، أنشدني بعض أصحابنا:
يا سالباً قمر السماء بوجههألبستني في الحزن ثوب سمائه
أحرقت قلبي فارتمى بشرارةٍعلقت بخدّك فانطفا من مائه
وقال آخر:
لكَ خالٌ من فوقِعسٍ قدِ استوى
بعثَ الصدغَ مرسلاًيأمرُ الناسَ بالهوى
وقال ابن الساعاتي:
ذو وجنةٍ ما لاح ماثلُ خالهابل لاحَ أسودُ مقلتي في مائها
وقال أيضاً:
ما الخالُ نقطةُ نون صدغك إنماقلبي بحبّته حباك تلهفا
وللحيص بيص:
لا تحسبنّ حدوث الخال عن قصرٍمن الطبيعة أو أحداثه غلطا
وإنما قلم التكوين حينَ بدابنون حاجبه في خدّه نقطا
آخر:
لا تخالوا خاله في خدّهنقط مسك ذاب من طرته
إنما حبّة قلبي سُلبتْفاستوت خالاً على وجنته
وينظر إلى قولهم: نقطةٌ ونونٌ، ما أنشدنيه محيي الدين ولم يسمّ قائلاً، وقيل لابن سناء الملك:
لهُ فمٌ يمنعهُ ضيقهُأنْ يُخرجَ اللفظَ بتقويمِ
ولفظه نشوان من ريقهفهو لهذا غيرُ مفهومِ
ما فمهُ ميمٌ ولكنّهُعلامةُ الوقف على الميمِ
وقال الحاجري في الخال:
عجبتُ لخالٍ يعبد النارَ دائماًبخدّك لم يحرق بها وهو كافرُ
وقال:
أقامَ بلالُ الخالِ من فوقِ خدّهِيراقبُ من لألاءِ طرَّتهِ الفجرا
وقال ابن عنين:
ما عمّهُ بالحسنِ عنبرُ خالهِإلاّ ليصبحَ بالسوادِ مجمّلا
وقال محيي الدين:
وأنبت روض خديه شقيقاًيلوح عليه خالٌ عمّ حسنا
وقلت من أبيات:
ذو خالةٍ في خدّهجمالُها قد عمّنا
وقال ابن منير الطرابلسي:
أحرقت حبةَ قلبيفصغتها لك خالا
فقد كستني نحولاًكما كستك جمالا
وقال الرشيد الطرابلسي:
وسواء خطَّ العذارُ فلمْ خُصِّص سطرٌ منه بنقطة خالِ
العز أبو علي بن شيخنا:
يا شادناً قد عمّهبالحسنِ عنبرُ خالهِ
ما بال قلبي فيك لايقرّ من بلبالهِ
وأبيات الرشيد حسنة وأولها:
بين هجر مبرحٍ ووصالِبتّ صباً بحرقة الوجد صالِ
أترجّى طيفَ الخيال وماطيفُ خيالٍ بزائرٍ بخيالِ
وبعيد نومي لأرتقب الطيف ولكن تعلل بمحالِ
فأسيلُ الخدّين لستُ على الأيام عنه وإن أساء بسالِ
وسواء خطَّ العذارُ فلمْ خُصِّص سطرٌ منه بنقطةِ خالِ
نافرٌ والنفورُ من شيم الغزلان لولا التفاتةٌ في الغزالِ
الحسام الحاجري الإربلي شاعر مجيد ومحسن ما عليه مزيد، له طبع مجيب، وخاطر يرمي أغراض البيان فيصيب، ويريع من لطيف المعاني في المرعى الخصيب، يجري شعره مجرى الماء من الغمام، وتسكر ألفاظه سكر كأس المدام. وسمي الحاجري لكثرة ترداد حاجر في شعره، أدركت زمانه ولم أجتمع به، وكان منحوس الحظ من الأدب لأسباب توجد في شعره، وفيه أشياء بديعة الحسن سهلة المأخذ مليحة السبك متناسبة الألفاظ قُتل، ﵀، بإربل بعد الثلاثين والستمائة، وضع عليه من قتله ركن الدين بن قرطايا المظفري لأمور كانت بينهم يتولاهم الله فيها. فمن شعره:
على دمع عيني من فراقك ناظرُيرقرقه إنْ لم ترقه المحاجرُ
فديتك ربعُ الصبرِ بعدكَ دارسٌعلى أنّ فيه منزلَ الشوقِ عامرُ
يمثلك الشوق الشديد لناظريفأطرق إجلالاً كأنّكَ حاضرُ
وأطوي على الداء الدفين جوانجيوأظهر أنّي عنك لاهٍ وصابرُ
عجبت لخال يعبد النار دائماًبخدّك لم يحرق بها وهو كافرُ
وأعجب من ذا أنّ صدغك مرسلٌيصدّق في آياته وهو ساحرُ
ألا يا لقومي قد أراق دمي الهوىفهل لقتيل الأعين النجل ثائرُ
وما اخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنمالكثرة ما شقّت عليه المرائرُ
ومذ خبروني أنّ غصناً قوامهتيقنت أنّ القلب منّي طائرُ
وقال أيضاً:
يا واحد الحسن ارحم واحد الكمدحاشاك من حرق تصلى بها كبدي
في كل جارحةٍ منّي لسان هوًىيشكو إليك رسيس الهجر والكمد
يا طول سقمي وفي فيك الشفاء وياظلمي وأنت أميرُ الحسن في البلد
إنْ كانَ تعذيب قلبي فيك أو ولهيمما يسرّك يا كل المنى فزدِ
نفسي فداء لظبي من بني أسدٍوأعجبُ الأمر ظبيٌ من بني أسدِ
كيفَ السلامةُ لي ممّن محاسنهجاءت لقتلي بأنواعٍ من العددِ
العين بالنبل والقدّ المرنح بالخطي والسالف المصقول بالزردِ
وقال:
مالي وللاحي عليك يعنّفكيف السلوّ وأنتَ غصنٌ أهيفُ
يصحو من البرحاءِ غير متيّمٍدارت عليه من لحاظك قرقفُ
لا واهتزازك كالقضيب اليةًما قرّ من كلفٍ عليكَ المدنفُ
غيري إلى السلوانِ يُعزى والقلىوسوى فؤادي بالملالةِ يعرفُ
قال العذولُ بحقّه من ذا الذيأنتَ الكئيب به فقلتُ المصحفُ
أخذ هذا البيت من المتنبي حيث يقول:
قالت وقد رأتِ اصفراري مَنْ بهِوتنهّدتْ فأجبتُها المتنهدِ
وأخذه محيي الدين، فقال:
بكم حلفتُ لعذَّلي فليقصِرواعزَّ السلوُّ غداةَ عزَّ المصحفُ
وقال الحاجري من أبيات:
كل الليالي الذاهبات خلاعةًتفدي نعيمك يا ليالي حاجرِ
ما كنت في الأيام إلاّ خلسةًسمحت بها الأيام سمحةَ غادرِ
وقال:
جسدٌ ناحلٌ وقلبٌ قريحُودموعٌ على الخدودِ تسيحُ
وحبيبٌ جمُّ التجنّي ولكنكلّ ما يصنعُ المليحُ مليحُ
يا غزالاً له الحشاشة مرعىلا خزامٌ بالرقمتين وشيحُ
رقّ لي من لواعج وغرامٍأنا منها ميّت وأنتَ المسيحُ
قد كتمت الهوى بجهدي وإن دامَ عليّ الهوى فسوف أبوحُ
وقال، وهما من محاسن شعره:
قلتُ لمحبوبي وقد مرَّ بيمحبوبهُ كالقمرِ الساري
هذا الذي يأخذ لي طرفهمن طرفه الفتّان بالثأرِ
وقال في قريب منها:
ولما ابتلى بالحبِّ رقَّ لحالتيوما كانَ لولا الحبّ ممن يرقُّ لي
أحبّ الذي هام الحبيب بحبّهألا فاعجبوا من ذا الغرام المسلسلِ
وقال:
بدا فأرانا الظبيَ والغصنَ والبدرافتبّاً لقلبٍ لا يبيتُ به مُغرى
نبيّ جمالٍ كلُّ ما فيه معجزٌمن الحسن لكن وجههُ الآيةُ الكبرى
أقام بلالُ الخالِ من فوق خدّهيراقبُ من لألاءِ غرَّتهِ الفجرا
من التركِ لم يترك لقلبي تجلداًفتورٌ بجفنيه المراضِ ولا صبرا
أغالطُ أخواني إذا ذكروا لهحديثاً كأني لا أحبُّ له ذكرا
وأصغي إذا جاؤوا بغير حديثهبسمعي ولكني أذوبُ به فكرا
أعاذلُ هل أبصرتَ من قبل خدّهوعارضه ناراً حوتْ جنةً خضرا
أرى العدلَ موصوفاً بكسرى فلم تُرىظلمت بأجفانٍ شهدتُ بها كسرا
البيت الخامس من قول القائل:
أدنو من الرقباء لا من حبّهموأصدُّ عنه وليس من بغضائه
ومثله:
فصافحتُ من لاقيتُ في البيت غيرهوكان الهوى منّي لمن لم أصافحِ
وقال، وهي من رقيق الشعر:
شرخ الشباب بحبّكم قضّيتهوالقلبُ من ولهي بكم أبليتهُ
وأنا الذي لو مرَّ بي من أرضكمداعٍ وكنتُ بحفرتي لبّيتهُ
قالوا حبيبك بالتجنّي مسرفٌقاسٍ على العشاقِ قلتُ فديتهُ
أأرومُ من كلفي عليه تخلصاًلا والذي بطحاءُ مكةَ بيتهُ
وقال:
نعمتُ بكم والدهر في غفلاتهزماناً وشملي آمن من شتاتهِ
ولم أدرِ ما الأحزان حتى بعدتمفقلبي موقوف على حسراتهِ
أأحبابنا بالجزع هل تسمح النوىبيومٍ يكونُ القربُ من حسناتهِ
لقد حكمت فينا الليالي بفرقةٍسلا بعدها المشتاق طيب حياته
يقرّ بعيني أن يهبَّ نسيمكمفأنشق روحَ القربِ من نفحاته
وقال:
إذا بعدتْ ليلى وشطّ مزارهافلا نار إلاّ زفرتي واستعارُها
ومن لي أن أمسي وأرضيَ أرضُهاعناداً لواشيها وداريَ دارُها
ويا ليتني جاوزتُ أرضاً تحلهافأحظى بما يحظى من القرب جارُها
أشبهها بالبدر والغصن والنقاوما هي إلاّ ظبيةٌ ونفارُها
ولو أنّ ناراً بالمحصّب أوقدتوليلى بنجدٍ قلت هاتيك نارُها
وكيف تفيق النفس من سكرة الهوىوأنتِ حميّاها ومنكِ خمارُها
أيا ليل قد أتلفت نفسي ترفقيعلى أنّ قبلَ النفسِ فيكِ افتخارُها
ألا لا أراني الله يا ليل ذا حشَىيقرّ من البلوى عليك قرارُها
بهاء الدين زهير الكاتب المصري، شاعر، قال فأجاد واستنّ في حلبة الأدب استنان الجواد، له شعر كالروضة مورقة الزهر فهو شراك النفوس ونزهة القلوب ومنزّل في تكرار إنشاده منزلة النظر إلى المحبوب، وتصرف في الألفاظ فاختار منها ما يريد وركب اللفظ الغريب فأدرك به المرام البعيد، وله في الإنشاء أوضح نهج وأقوم طريقة وكلامه هو السحر الحلال على الحقيقة، له في الكتابة مذهب وسبيل ليس للصواب عنه مذهب وله خط كلآلئ الأفراد وكتابة تكاد تبيضّ من حسنها المداد، من شعراء العصر مات بعد الخمسين والستمائة فيما يتغلب عندي، له ديوان شعر قد أولع الناس به لقرب متناول ألفاظه وسهولة مآخذه وبعده عن التكلف وخفته على الألسن، وها أنا أذكر ما يخطر منه على سبيل الاختصار تبعاً لمقصدي في جمع هذا المجموع، لأن هذا باب لو أردت الإتيان فيه لوجدت مذهباً فسيحاً وسلكت منه مهامه فيحاً، فمن ذلك قوله وقد أحسن في امرأة كان يهواها اسمها روضة:
يا روضةَ الحسنِ صِليفما عليكِ ضيرُ
فهل رأيتَ روضةًليسَ لها زهيرُ
وهذا اتفاق حسن. وأنشدني المولى المخدوم الصاحب علاء الدين بيتاً في غاية الحسن في امرأة اسمها شجر، وكان يهواها وقال فيها وأحسن:
يا حبذا شجر وطيب نسيمهالو أنّها تسقى بماء واحدِ
وقال زهير، وهي مليحة في معناها:
وهيفاء تحكي الرمحَ لوناً وقامةًلها مهجتي مبذولةٌ وقيادِي
لقد عابها الواشي فقالَ طويلةٌمقالَ حسودٍ مظهرٍ لعنادِي
فقلت له بشّرتَ بالخير إنّهاحياتي فإنْ طالتْ فذاك مرادِي
وما عابها القدُّ الطويلُ وإنهلأولُ حسنٍ للمليحةِ بادِي
رأيت الحصونَ الشمّ تحفظ أهلهافأعددتُها حصناً لحفظِ ودادِي
وقال:
يا مَنْ لعينٍ أرقتْأوحشَها منْ عشقتْ
مذْ فارقتْ أحبابهالها جفونٌ ما التقتْ
وغادةٍ كأنّهاشمسُ الضحى تألقتْ
كم شرقتْ بدمعِهاعينيَ لمّا أشرقتْ
قد جمعتْ حسناً بهألبابُنا تفرّقتْ
فمهجتي وعبرتيقد قُيّدتْ وأطلقتْ
في فمها مدامةٌصافيةٌ تروّقتْ
واعجباً من فعلهاقد أسكرتْ وما سقتْ
مثله لابن الساعاتي:
ما شربنا بها ونحن سكارى
وقال زهير أيضاً:
لكم الروحُ والبدنْلكم السرّ والعلنْ
أنا عبدٌ شريتموهولكن بلا ثمنْ
منها:
وجهه يجمع المسرَّةَ للقلبِ والحزنْ
هو للحسنِ مشرقٌفبه تظهرُ الفتنْ
وقال أيضاً:
بالله قل لي خبركفلي ثلاث لم أركْ
يا أسبق الناس إلىمودّتي ما أخّركْ
يا أيها المعرضُ عنأحبابه ما أصبركْ
بين جفوني والكرىمذْ غبتَ عنّي معتركْ
كيف تغيرتَ ومنهذا الذي قد غيّركْ
وكيف يا معذّبيقطعتَ عنّي خبركْ
قد كان لي صبرٌيطيلُ اللهُ فيه عمركْ
كيف خلاصي من هوًىمازجَ روحي فاختلطْ
وتائهٍ أُقبضُ فيحبي له وما انبسطْ
يا قمرَ السعدِ الذيلديه نجمي قد هبطْ
حاشاكَ أنْ ترضى بأنْأموتَ في الحبِّ غلط
يمرُّ بي ملتفتاًفهلْ رأيتَ الظبي قطْ
يا بدرُ إنْ رمتَ بهِتشبهاً رمتَ الشططْ
ودعْهُ يا غصنَ النقاما أنتَ منْ ذاكَ النمطْ
ويعجبني في ذكر الالتفات رباعي أنشدنيه بعض الأصحاب:
يا من جفواته لقلبي عنتهل ترجع بالعتاب تلك النكتُ
قد قيل محاسب الظبى لفتتهايا ظبيُ مضى العمر متى تلتفتُ
ولمحيي الدين وقد سبق:
هو الظبي إلاّ أنّ للظبي لفتةًوغصن النقا لولا التعطف في الغصن
وقال وقد سبق:
وجلا لنا وجه الغزالةِ وانثنىغضبانَ ملتفتاً بجيدِ غزالِ
وقال:
كالبدرِ في حاليْ سناهُ وسنهِوالظبي في لفتاتهِ ونفورهِ
وللرشيد النابلسي:
نافرٌ والنفورُ من شيمِ الغزلانِ لولا التفاتةٌ في الغزالِ
وقال زهير وهو من حر الكلام ورقيقه:
أأحبابنا ماذا الرحيلُ الذي دنالقد كنتُ منه دائماً أتخوفُ
هبوا ليَ قلباً إنْ رحلتم أطاعنيفإني بقلبي ذلكَ اليومَ أعرفُ
ويا ليتَ عيني تعرفُ النومَ بعدَكمعساها بطيفٍ منكم تتآلفُ
قفوا زوّدوني إنْ مننتم بنظرةٍتعلّلُ قلباً كادَ بالبينِ يتلفُ
تعالوا بنا نسرقُ من العمر ساعةًفنجني ثمارَ الوصلِ منها ونقطفُ
وإنْ كنتمُ تلقونَ في ذاكَ كلفةًذروني أمتْ وجداً ولا تتكلفوا
وكم ليلةٍ بتنا على غيرِ ريبةٍحبيبينِ ينهانا النهى والتعففُ
ظفرنا بما نهوى من الأنسِ وحدهولسنا إلى ما خلفهُ نتطرّفُ
وقال وهي من محاسن شعره:
أخذتُ عليه في الصيابةِ موثقاًوما زلتُ دهري من تجنيهِ مشفقا
ولي فيهِ قلبٌ بالغرامِ مقيدٌله خبرٌ يرويهِ دمعيَ مطلقا
كلفتُ به أحوى الجفونِ مهفهفاًمن الظبي أحلى أو من الغصنِ أرشقا
ومن فرطِ وجدي في لماهُ وثغرهِأُعللُ قلبي بالعذيبِ وبالنّقا
ولي حاجةٌ من وصلها غيرَ أنهامردّدةٌ بين الصبابةِ والتّقى
خليليّ ماذا تعذلان عن امرئتذكّرَ أياماً مضتْ فتشوّقا
فلا تحسبا قلبي كما قلتما سلاولا تحسبا دمعي كما قلتُما رقى
فما زادَ ذاكَ القلبُ إلاّ تمادياًوما زادَ ذاكَ الدمعُ إلاّ تدفّقا
قوله:
أعلل قلبي بالعذيب وبالنّقا
متداول، وأول من استعمله فيما أظن البحتري في قوله:
فسقى الغضا والنّازليهِ وإنْ همُشبّوهُ بين جوانحٍ وقلوبِ
وقد أحسن الزكي بن أبي الإصبع غاية الإحسان في قوله:
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرهاتذكرتُ ما بين العذيب وبارقِ
ويذكرني من قدّها ومدامعيمجرَّ عوالينا ومجرى السوابقِ
وقال المحيي:
لما تراءى رشأ نافراًأسكنته من أضلعي المنحنى
ولابن الحلاوي:
يا أيها الرشأ الذي أسكنتهمن أضلعي بين الحمى والمنحنى
بعذيبِ ريقتهِ وبارقِ ثغرهِأجدُ الطريقَ إلى المحبّةِ بيننا
ولابن النبيه:
الريقُ والثغرُ العذيبُ وبارقٌوقباكَ مزرورٌ على نعمانِ
وقال زهير:
لحاظكَ أمضى من المرهفِوريقكَ أشهى من القرقفِ
ومن سيفِ لحظكَ لا أتّقيومن خمرِ ريقكَ لا أكتفي
أُقاسي المنونَ لنيلِ المنىفيا ليتَ هذا بهذا يفي
زها وردُ خديكَ لكنّهبغيرِ اللواحظِ لم يقطفِ
وقد زعموا أنّه مضعفٌفيا لكَ من مضعفٍ مضعفِ
ملكتَ فهل ليَ من معتقٍوجرتَ فهل ليَ من منصفِ
مددتُ إليكَ يدي سائلاًأُعيذكَ في الحبّ من موقفي
وحقّ حياتك إني امرؤٌبغيرِ حياتكَ لم أحلفِ
وما ذاك إلاّ لتعظيمهاكما يحلف الناس بالمصحفِ
لقد طابَ لي فيك مرّ الغرامِ وإن صحَّ لي أنهُ متلفي
وأهوى رضاك وفيه الذيبه يشتفي فيّ من يشتفي
وعنديَ عنديَ ذاك الوفاءسواءٌ وفيتَ وإنْ لم تفِ
عز الدين أبو الحسن بن شيخنا الرضي رضي الدين أبي الهيجا علي بن حسن بن منصور بن موسى الإربلي الأنصاري الأوسي، شاب يستوقف العيون حسنه، وشاعر أجاد وما بلغت الثلاثين سنه، له أشعار كالروضة تمج الندى، وقصائد أشهى إلى الأسماع من نغم الحدا، ومقاصد طابت جنًى وعذبت مورداً، رقيق حواشي الكلام، سهل العبارة، سلس النظام، لهج بالهوى فعذب شعره، وفارق حبيبه فرق نظمه ونثره، كان والده رضي الدين شيخنا، رحمه الله تعالى، أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه، شيخ الأدب وفارسه، وموري زناد الفضل وقابسه، ومنشئ دوح العلم وغارسه، قد أتقن علم النحو والتصريف وعرف بهما معرفة لا يدخلها التنكير فيفتقر إلى التعريف، لحق جماعة من العلماء وقرأ عليهم وروى عليهم منهم: مجد الدين عمر العنسفي ومحب الدين أبو البقاء العكبري وزين الدين يحيى بن معط المغربي وتاج الدين أبو اليمن زيد ابن الحسن الكندي وعلم الدين أبو القاسم بن الموفق الأندلسي وموفق الدين يعيش بن علي بن يعيش الحلبي وغيرهم، ﵏، وكان على ذهنه، ﵀، نحو كثير في الغاية، وكان شديد العناية بالإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، وحفظ المفصل للزمخشري وكرر عليه وقد نيف على الستين، وكانت رتبته في التصريف عالية في الغاية بحيث أني ما رأيت أحداً من النحاة الذين ترددوا إلى إربل حاوروه وبحثوا معه إلاّ ألقاهم إلى التصريف، وتوفي، ﵀، في شوال سنة تسع وأربعين وستمائة.
قال لي: يا فلان في هذه السنة أموت، فقلت: يعيذك الله ما أوجب هذا؟ قال: منذ عرفت نفسي كنت أشتغل بالأدب في السنة تسعة أشهر وأتفرغ في شهر رجب وشعبان ورمضان للتكرار على الكتاب العزيز وهذه السنة ما لي همة إلاّ في القرآن المجيد، وكان يعمر داراً فقلت: هذا القول مناقض لهذا الفعل، فقال: هذه تربة أُدفن فيها، فقلت: هلا تقفها، فقال: أضيّق على أولادي بل يدفنوني فيها فإذا ضجروا مني أخرجوني وانتفعوا بها فجرى الأمر على ما قال، ﵀، لم يخرم حرفاً واحداً، ويوم موته كان في داره طير راعبي فلما غُسل ألقى الطير نفسه في ماء الغسل وما زال يضرب بنفسه ورأسه في الماء إلى أن مات وشاهده جماعة. قرأت عليه اللمع لابن جنّي وقطعة صالحة في الإيضاح، وأجاز لي أن أروي عنه مشايخه كلما قرأته عليهم ورواه عنهم بشروطه.
الحديث ذو شجون. نعود إلى شعر ولده عز الدين فمن ذلك قوله:
كم قد بعثتُ رسولاًفخانَ فيكَ الرسولُ
عندي إذا ما التقيناحديثُ وجدٍ يطولُ
من منصفي من عزيزٍما لي إليه وصولُ
القدُّ منه رشيقٌوالطرفُ منه كحيلُ
منه تعلّم غصن الأراك كيف يميلُ
شمائل مائساتتميلهن الشمولُ
يسلُّ من مقلتيهماضي الغرار صقيلُ
الصبر عنه قبيحوالوجه منه جميلُ
ليلي وقد صدّ عنيكالفرع منه طويلُ
أقول: إن للشعراء في طول الليل معاني لطيفة ومقاصد شريفة وشكاوى من طوله وقصره وتظلمات من امتداد أمده ومن عثرة عشائه بسحره، وها أنا أذكر ما يخطر من ذلك منفرداً وما يجيء في أثناء المجموع فله سبيل آخر. قال امرؤ القيس:
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولهُعليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نجومهُبكلِّ مغارِ الفتلِ شدتْ بيذبلِ
فقلتُ له لمَّا تمطَّى بصلبهِوأردفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجليبصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ
فهذه الأبيات في غاية الحسن والمبالغة في طول الليل ولولا الاكتفاء بما قاله الأوائل في تقرير معانيها لأطلت في ذكرها ولكن الغرض في هذا المختصر لا يتعلق بهذا.
وقال النابغة:
كليني لهمٍّ يا أميمةُ ناصبِوليلٍ أُعانيهِ بطيء الكواكبِ
وقال سويد بن أبي كاهل اليشكري:
كلّما قلتُ ظلامٌ قد مضىعطفَ الأولُ منه فرجعْ
وأخذ بعض العرب قول امرئ القيس، فقال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبحٍ وما الإصباح منك بأروحِ
على أنّ للمعيين في الصبح راحةًبطرحهما طرفيهما كلّ مطرحِ
وقال آخر:
ليلٌ تحيَّر ما ينحطّ في جهةكأنه فوق متن الأرض مشكولُ
وقال العباس بن الأحنف:
أيها الراقدونَ حولي أعينوني على الليلِ حسبةً واتجارا
حدثوني عن النهارِ حديثاًأوْ صفوهُ فقدْ نسيتُ النهارا
وقال المتنبي، وأجاد:
بئس الليالي سهرتُ من طربٍشوقاً إلى منْ يبيتُ يرقدُها
أحييتُها والدموعُ تنجدنيشؤونها والظلامُ ينجدُها
وقد جاء به ثقيلاً في الغاية في قوله:
أُحادٌ أمْ سداسٌ في أحادٍلُييلتنا المنوطةُ بالتّنادِ
وقال سيدوك الواسطي:
عهدي بنا ورداءُ الوصلِ يجمعناوالليل أطولهُ كاللمحِ بالبصرِ
فالآن ليلَ مذ غابوا فديتهمُليلُ الضريرِ فصبحي غير منتظرِ
أنشدني السعيد تاج الدين، ﵀:
الليلُ إنْ هجرتْ كالليل إنْ وصلتْأشكو من الطولِ ما أشكو من القصرِ
وأنشدني بعض أصحابنا:
من قصر الليل إذا زرتنيأشكو وتشكين من الطولِ
عدوّ عينيك وما فيهماأصبحَ مشغولاً بمشغولِ
وقال الشريف البياضي:
الليل من سهري عليّ نهارُيزداد طولاً والجفونُ قصارُ
أرعى نجوماً لا تغيبُ كأنّماأفلاكها وقفتْ فليسَ تُدارُ
وقال البحراني:
أما لهذا الليل من آخرِقد بلغ التسهيد من ناظرِ
بتّ وما أعرف طيب الكرىما أطولَ الليل على الساهرِ
جحظة البرمكي:
وليل في كواكبه حرانفليسَ لطولِ مدَّتهِ انقضاءُ
عدمتُ محاسنَ الإصباحِ فيهكأنَّ الصبحَ جودٌ أو وفاءُ
ابن الرومي:
ربّ ليلٍ كأنهُ الدهرُ طولاًقد تناهى فليس فيه مزيدُ
ذي نجومٍ كأنهنّ نجومُ الشيب ليستْ تزولُ لكنْ تزيدُ
العسكري:
غابوا فلم أدرِ ما أُلاقيمسّ من الوجد أو جنونُ
ليليَ لا يبتغي براحاًكأنه أدهمَ حرونُ
أُجيلُ في صفحتيه عيناًما تتلاقى لها جفونُ
ابن طباطبا العلوي:
كأنّ نجومَ الليلِ سارتْ نهارهاووافت عشاءً وهي أنضاء أسفارِ
فخيّمن حتى تستريح ركابُهاولا فلكٌ جارٍ ولا كوكبٌ سارِ
آخر:
يا ليلة طالت على عاشقٍمنتظرٍ للصبح ميعادا
كادت تكون الحول في طولهاإذا مضى أولها عادا
وفي قصر الليل:
يا ليلة كاد من تقاصرهايعثر فيها العشاء بالسحرِ
تطول في هجرنا وتقتصر فيالوصل فما نلتقي على قدرِ
المجد بن الظهير الحنفي الإربلي:
فأنالني كل المنى بزيارةٍكانت مخالسةً كخطفةِ طائرِ
فلو استطعتُ إذا خلعتُ على الدجىلتطول ليلتنا سواد الناظرِ
أخذه من المعري حيث قال:
يودُّ أنَّ سوادَ الليلِ دامَ لهُوزيدَ فيه سوادُ القلبِ والبصرِ
إبراهيم بن العباس:
وليلةٍ من الليالي الزهرِقابلت فيها بدرها ببدري
لم يكُ غير شفقٍ وفجرِحتى تولت وهي بكرُ الدهرِ
كشاجم:
وليلةٍ فيها قصرْعشاؤها مع السحرْ
محمد بن يزيد:
لله ليلتنا بجوّ سويقةوالعيش غضّ والزمان غريرُ
طابت فقصّر طيبها أيامهافكأنما فيها السنونُ شهورُ
وقال آخر:
أرى قصراً في الليلِ حتى كأنماأوائلهُ مما تداني أواخرُه
وللبغاددة من المواليا في هذا الباب أشياء حسنة منها:
بطول ليل القيامة كان ليل الهجرمن يسهره يغتنم عندي عظيم الأجر
وليلة الوصل يزجرها التفرق زجرمن قبل ما تذن المغرب يلوح الفجر
ولهم مما يقارب هذا المعنى:
قد اعتذر ركوب الصبح الذي فرّقما بيننا ولعينو في السما درّق
وقال حبك بدا ثوب الدجى حرّقطلعتُ أنا وحسبت الصبح شرق
ولهم:
أيام هجرك يكون الليل مد يديوفي وصالك حبابو كان مد يدي
وكوكب الصبح من بعد العشا عيديخلا وصالك فرح ساعة وهو عيدي
وقال عز الدين أبو علي:
برق تبدّى للعين أم نارذاعت به للغرام أسرارُ
أم بارق الثغر لاحَ مبتسمافدمع عيني عليه مدرارُ
وبي رشيق القوام ناظرهلقلبي المستهام سحّارُ
في خده روضة لناظرهوفي الثنايا العذاب خمّارُ
أسمر حلو الدلال معتدلأخبار وجدي عليه أسمارُ
أنواره بالجمال مشرقةيزيدها في الخدود نوارُ
ينكر قلبي في الحب ناظرهومن دمي في الخدود آثار
يخطر في مشيةٍ ولا عجبإنني للفتك خطارُ
قضيتُ وجداً في حب معتدللم تقضَ لي في هواه أوطارُ
وقال أيضاً:
أترى تعلم أنيبك صبّ مستهام
خانني في حبك الصبرُ وأضناني الغرام
لي جفن قد جفاهمذ تجافيت المنام
ومحبّ أظهر الوجدفأخفاه السقام
أيها البدر الذييشبهه البدر التمام
وجهه المشرق والشعر ضياء وظلام
ورضاه وتجافيهحياة وحِمام
من ثناياه حِبابومن الريق المدام
فعلى صبري ونوميما تجافاني السلام
وبلائي منه خدّولحاظ وقوام
سيدي في القلب من هجرك والبعد ضرام
وقال أيضاً:
سلَّ سيفاً من لحظه البابليّوتثنّى تثنيَ السمهريّ
خائن العهد لا يراعي ذماماًفي هواهُ لمستهامٍ ونيّ
ظلتُ أذري سحب المدامع لماعنّ برق من ثغره اللؤلؤيّ
يا خليّاً من الصبابةِ والأشواقِ رفقاً بمستهام شجيّ
بات يشكو الظما وقد أوجد السريّ برشفٍ من ريقك البابليّ
قتلته لواحظ فاتراتهي أمضى حدّاً من المشرفيّ
ورمته بأسهم قاتلاتعن حنايا حواجب كالقسيّ
وقوام متى انثنى من دلالِ التيهِ أزرى بالذابل الخطيّ
وقال:
سل عن فؤادي ما لقيمن الأسى والحُرقِ
وعن جفون شفّهافرط البكا والأرقِ
من منصفي من جائرٍفي حكمه معشّقِ
ذي غرّة تجلو الدجىوطرّةٍ كالغسقِ
له محيا نورهيخجل بدر الأفقِ
من لي بسحار الجفون أهيف مقرطقِ
مرّ الجفا حلو الجنىعذب اللمى والمنطق
لولا فتور جفنهوشقوتي لم أعشقِ
كم ليلة بات بهافديته معتنقي
حتى بدا كوجههنور الصباح المشرق
ملكت يا كلّ المنىهوى القلوب فارفقِ
فقد سئمت في الهوىمن شملنا المفرّقِ
يفديك صبُّ قد أصيب بسهام الحدقِ
ذو مقلةٍ عبرى عليك وفؤاد شيّقِ
مصطبح بوجههطول المدى مغتبقِ
يهمي سحابُ جفنهإنْ عنَّ برق الأبرقِ
يا من لصبّ في الهوىحمّل ما لم يطقِ
وقال أيضاً:
حبك أضحى قاتليفما على عواذلي
قد بذلوا نصحهممنّي لغير قابلِ
يا للهوى من شادنأهواه وهو قاتلي
بدر غدا قلبي لهمن أشرف المنازلِ
أسيل خدّ غادر الصبّ بدمع سائلِ
له قوام ناضركالسمهري الذابل
تضمّنت أجفانه المرضى بسحرٍ بابلي
بلبل صدغيه فزادت في الهوى بلابلي
وقال أيضاً:
متيمٌ أنتم له عُددُقد خانه في هواكم الجلدُ
قد انقضى عمره بحبكموالهجر ما ينقضي له أمدُ
يخذله صبره فينجدهجفنٌ له دموعه مددُ
يهيم شوقاً في حبّ معتدلٍيطيب فيه الغرامُ والكمدُ
قوامه صعدةٌ وناظرهسيفٌ صقيلٌ وصدغهُ زردُ
بخدّه جنة مزخرفةبها مياه الجمال تطردُ
أشكو إليه قتلي فينكرهوخده شاهدٌ بما أجدُ
يجول في وجنتيه ماء حيانارُ اشتياقي عليه تتقدُ
وقال، وهي سهلة رقيقة:
ريم رمى قلبي فأقصد مقتلهبسهام جفن فاترٍ ما أقتله
وسنان حرّم وصله ولقاءهوأباح قتل العاشقين وحلله
رشأ له بين الجوانح مرتعبدر له قلبي وطرفي منزله
أوضحت عذري في الغرام بحبهلكن قضايا الصبر عنه مشكله
يا عاذلي لا تلحني في حبهفاللوم فيه وحقه لن أقبله
لم أنسهُ كالبدر ليلة زارنيفضممته ولثمت منه مقبله
يا من أطاع الصب فيه غرامهوعصى لوائمه عليه وعذّله
ما بال أدمعي التي أطلقتهاتمسي وتصبح في الخدود مسلسله
أول شعر سمعته على هذا الروي لابن التلعفري حيث يقول:
هذا العذول عليكم مالي ولهْأنا قد رضيت بذا الغرام وذا الولهْ
شرط المحبة أنَّ كل متيمصبّ يطيع هواه يعصي عذلهْ
فارقتموني حين سار بحبكممثلي ومثلي سره لن يبذلهْ
يا سائلي عن حالتي من بعدهمترك الجواب جواب هذي المسألهْ
خبري إذا حدّثت لا لمعاً ولاجملاً لإيضاحي لها أن تكملهْ
عندي جوى يذر الفصيح مبلداًفاترك مفصله ودونك مجملهْ
القلبُ ليس من الصحاح فيرتجىإصلاحه والعينُ سحب مثقلهْ
يا راحلين وفي أكلّةِ عيسهمرشأ عليه حشا المحبِّ مُقلقلهْ
قمر له في القلب بل في الطرف بلفي النثرة الحصداء أشرف منزلهْ
في الصدغ منه عقرب ولحاظهأسدٌ وخلف الظهر منه سنبلهْ
الأبيات الأولى أسلس وأجرى، وأجدر بالاستحسان وأحرى، وقائلها فيها أرق طبعاً وأعرف بمحاسن الكلام وقعاً وأبعد عن الكلفة أصلاً وفرعاً.
وقد أحسن الباخرزي في قوله:
أطلعتَ يا قمري على بصريوجهاً شغلتَ بحسنهِ نظري
ونزلتَ في قلبي ولا عجبٌالقلبُ بعضُ منازلِ القمرِ
وقد تقدم أمثال هذا، وأما قوله:
في الصدغ منه عقرب
فقريب، وذكر عوض البروج أشكال الرمل ابن مطروح، وقد أجاد ما شاء:
رأيت بخديه بياضاً وحمرةًفقلت إلى البشرى اجتماع تولدا
وهي أبيات حسنة ومنها:
ولما وردنا ماء مدين حبهوجدنا عليه أمةً تشتكي الصدى
فقلت لعذالي عليه تنبهوافقد لاح طور الحسن فاستمعوا الندا
ومثل قوله:
طور الحسن
قول الآخر، وزاد عليه:
عجباً كيف نمتَ عني وأضحىمسهري في الهوى العذار الرقيمُ
وثناك الدلال عن مستهامٍلك يا ظبي من حشاه صريمُ
لم أؤاخذك في الملاحة إلاّوفؤادي طورٌ وقلبي كليمُ
ولي من أبيات:
أيا ربَّ حسنٍ قد تعالى ملاحةًخليلك قد أضحى كليماً من الصدِّ
ولابن قلاقس أبيات حسنة تلم بهذه المعاني، وهي:
ما ضرَّ ذاك الريم أن لا يريملو كان يرثي لسليم سليم
وما على من وصله جنةأن لا أرى من صدّه في جحيم
رقيم خدٍّ نام عن ساهرٍما أجدر النومَ بأهل الرقيم
وكيف لا يصرم ظبي وقدسمعتُ في النسبة ظبي الصريم
وعاذلٍ دام ودام الدجىبهيمةٌ نادمتها في بهيم
قلتُ له لما عدا طورهوالقلب مني في العذاب الأليم
رفقاً بقلبي إنني شاعرٌمن حبه في كلّ وادٍ يهيم
وعلى هذا الوزن والروي لآخر:
أيّ غزال عنّ أم أيّ ريميرتع ما بين النقا والصريم
ظبي من الأعراب لكنهلا يعرف الشيحَ ورعي الجميم
معقرب الأصداغ ملويهاسليمهُ في الحب غير السليم
يسألني عما ألاقي بهوهو بما ألقاه عين العليم
يسطو على ذُلي وضعفي معاًبحسن لحظ وبلفظ رخيم
ذا فاتك عضبٌ وذا فاتنعذب صحيح ذا وهذا سقيم
وقلت:
أرقني هجر غزال الصريمفبتّ إذ بتّ بليل السليم
وكيف لا يجفو الكرى عاشقتيّمه ذاك القوام القويم
ولي غريم هو مع هجرهوما أعاني منه نعم الغريم
يميل عن وصلي ويبدي الجفاومذهبي في حبه مستقيم
فعدِّ عن عذلي فما جاهلبالحال يا عاذل مثل العليم
لو لم يكن حكم الهوى قاهراًما لعب الوجد برأي الحكيم
ومثل بيت ابن مطروح قول القائل، وقصر عنه:
تعلمت ضرب الرمل لما هجرتملعلي أرى فيه دليلاً على الوصلِ
ورغبني فيه بياضٌ وحمرةٌرأيتهما في وجنةٍ سلبت عقلي
وقالوا طريق قلت يا رب للرضىوقالوا اجتماع قلت يا رب للشملِ
وقد صرت فيكم مثل مجنون عامرٍفلا تنكروا أني أخطُّ على الرملِ
أحسن من البيت الآخر قول القائل:
فمالي أنا المجنون فيه وشعرهإذا مرَّ بالكثبان خطَّ على الرَّملِ
وللبغاددة مواليا:
وقد كان شكلك نقي الخدّ وسنانخلفك جماعة وقبضك داخل الدكان
أصبحت كوسج بلا حمرة بياضك بانذي نصرة خارجة قد جاك الحيان
وقال عز الدين أبو علي:
عساه يرقّ للكلف المعنّىويرحم من غدا بهواه مضنى
ويحنو بالوصال على محبّقضى أيامه وجداً وحزنا
أقام قيامتي وثنى اصطباريرشيق قوامهِ لما تثنّى
أيا بدراً غدا قلبي وطرفيله سكناً ومنزلةً ومغنى
يريك من اللواحظ مشرفياًوإن هزَّ القوام أراك لدنا
بروضةِ وجنتيه جنيّ وردٍحمته ظبى اللحاظ فليس يجنى
تخذتُ الوجدَ فنّا فيك لماتخذتَ الصدَّ والهجران فنّا
وقال أيضاً:
قف بنجدٍ وحيّ إن جئت نجدامعهداً لم أضع لمن فيه عهدا
وتحمّل تحيّةً من محبّوجد الغيّ في الصبابة رشدا
وبروحي أفدي بديع جمالٍيتثنى فيخجل الغصن قدّا
يفضح البدرَ والأراكةَ والوردَ محيّاً ولين عطفٍ وخدّا
ليس لي عن هواه ثانٍ وقدأصبح في الحسن والملاحة فردا
في الثنايا العذاب منه رُضابخصرٌ يكسبُ الجوانحَ وقدا
قوله:
أضرم الحسن نارَه فوق خديه
أخذه مني حيث قلت:
عاتبتني فجال ماء الحيا فيوجنتها فزاد حرّاً ووقدا
ثم ألقت في ناره أسود الخالفكانت له سلاماً وبردا
وأنا أخذته من ابن عنين حيث قال من أبيات أذكرها، وهي:
خبّروها بأنه ما تصدَّىلسلوٍّ عنها ولو ملت صدَّا
واسألوها في زورةٍ من خيالٍإنْ تكنْ لم تجدْ من الهجرِ بدَّا
عنَّفتْ طيفَها على ظنِّها أنَّخيالاً منها إلينا تعدَّى
كذبتْها ظنونُها لا الكرى زار جفوني ولا الخيالُ تهدَّى
ظبيةٌ تُخجلُ الغزالةَ وجهاًوبهاءً وتفضحُ الغصنَ قدَّا
وأماطتْ لثامها بأساريع حقوفٍ عن مستنيرٍ مفدَّى
وذكتْ نارهُ على عنبرِ الخالِ فكانتْ له سلاماً ويردا
وقال عز الدين أبو علي:
يا ظبيَ أُنسٍ قدْ بداعن المحبِّ نافرا
وراقداً غادرَ جفني في هواه ساهرا
يهزُّ قدّاً ذابلاًيحكي قضيباً ناضرا
معتدلٌ قوامهُأضحى عليَّ جائرا
قلبي كماءِ الحسنِ في خديهِ أضحى حائرا
وقد أحسن ابن منير الطرابلسي، وإن لم يذكر حيرة الماء في خديه، حيث يقول:
بحقِّ من زانَ بالدجى فلق الصبحِ على الرمحِ أنه قسمُ
وقال للماء قف بوجنتهفمازجِ النارَ وهي تضطرمُ
هل قلت للطيف لا يعاودنيبعدك أم قد وفى لك الحلمُ
والثاني أردت، وهذه أبيات في غاية الحسن والجودة وقد حاز الطرابلسي بها قصب السبق وأبرزها سوية الخلق وأنا أذكر منها ما يخطر:
أحلى الهوى ما تحلّه التهمباح به العاشقون أم كتموا
أغرى المحبين بالأحبة فالعذل كلامٌ أسماؤهُ كلمُ
بالله يا هاجري بلا سببٍإلاّ لقال الوشاة أو زعموا
تتلوه الأبيات المتقدمة وبعدها:
أم قلتَ لليل طل فافرط في الطاعةِ حتى إصباحه ظلمُ
يا قمراً أصبحت ملاحتهتنهب ألبابنا وتقتسمُ
فيك معانٍ لو أنها جمعتفي الشمس لم يغش نورها الظلمُ
تمشي فيودي القضيب من أسفويكسف البدر حين تبتسمُ
ويخجل الراح منك أربعةٌخدُّ ونشرٌ وريقةٌ وفمُ
ومنها:
يا ربّ خذ لي من الوشاة إذاقاموا وقمنا لديك نحتكم
سعوا بنا لا سعت بهم قدمفلا لنا أصلحوا ولا لهمُ
ضرّوا بهجراننا وما انتفعواوبددوا شملنا وما التأموا
فأينَ كان المموهون وقدوحّدَ قلبي هواك قبلهمُ
وقال عز الدين أبو علي:
يا أيها البدر يا منبالقلب والطرف حلاّ
ومن غدا ببديعمن المعاني محلّى
رفقاً بصبٍّ كئيبللهمِّ أضحى محلاّ
حرّمت طيب التلاقيوالهجر غادرتَ حِلاّ
وكنتَ أعددت صبريذخيرةً فاضمحلاّ
وقال:
زادتْ ملاحته وقلَّ نظيرهرشأ حكاه من القضيب نضيرهُ
أطلقت دمعي في هواه صبابةًلكن قلبي المستهام أسيرهُ
أبداً يجور فما عليه فديتهلو كان يرحم عاشقاً ويجيرهُ
ريم وما للريم لفتة طرفهبدرٌ وما للبدر حسناً نورهُ
أحوى يميل من الدلال وطرفه الوسنان منه ما أجنّ ضميرهُ
ربّ الجمال له القلوب مطيعةٌونبيّ حسن والعذار نذيرهُ
دانت لطاعته القلوب وصدّقتلما أتاها بالجمال بشيرهُ
يا بدر رفقاً في هواك بمغرمالنجم من شوق إليك سميرهُ
الصبر فيك عصى عليّ قليلهُوالدمع أذعن من جفاك كثيرهُ
بالله رقّ لعاشقٍ بك مغرمكثرت لواحيه وقلّ نصيرهُ
لله صبّ بات يخفي وجدهوالدمع يظهر ما يجنّ ضميرهُ
فبقلبه نارٌ يشبّ ضرامهاوبجفنه دمع يسحّ مطيرهُ
وقال في مغنيةٍ اسمها شجر:
وبي ظبية أدماء ناعمة الصباتحار الظباء الغيد من لفتاتها
أعانقُ غصنَ البانِ من لينِ قدّهاوأجني جنيّ الوردِ من وجناتها
ويطربني إنْ حدّثت رجع قولهاوأرشفُ كأس الراح من رشفاتها
وما شجر إلاّ الأماني لأننيجنيت ثمار اللهو من عذباتها
وقال من قصيدة يمدح بها الصاحب الأعظم علاء الدين صاحب الديوان عزّ نصره:
تثنّي قوامك يا أسمرُبه يوصف الذابل الأسمرُ
ونور محيّاك يا منيتيبه يشرق القمر النيّرُ
تعشقته ناعس المقلتينبه جفن عاشقه يسهرُ
وبي أسمرٌ فاتر جفنهبه نار شوقيَ لا تفترُ
قضيبٌ تحلّى بحلي الجمالولكنه بالأسى مثمرُ
هلال له منزل في القلوببغير الصبابة لا يعمرُ
يطوف علينا بمشمولةٍوألحاظه قبلها تسكرُ
فمن راحتيه كؤوس المدامتدارُ ومن خدّه تُعصرُ
ويبسم عن واضح كالجمانِوعن مثل بدر الدجى يسفرُ
بوجنته جنّة زخرفتيردّ لماه بها الكوثرُ
رعى الله عيشاً مضى أبيضاًوعودُ الوصال به أخضرُ
وجادك يا طيب أيّامنابسفح اللّوى عارضٌ ممطرُ
ذكرت بقوله:
تعشقته ناعس المقلتين
أبياتاً أنشدنيها أحد أولاد ابن سناء الملك، وصل إلى إربل وكان له ثروة ظاهرة ونعمة تامة وقال: إنها لجده القاضي الشاعر:
تعشقته ناعس المقلتينتنمّ على أنه لم ينمْ
وهمت به أسمر المرشفينعليه اللمى وعليه اللممْ
فسيف مقبله لا يشاموورد بوجنته لا يشمْ
أعاذلي فيه لما رآهلئن كنت أعمى فإني أصمْ
فهبك أبا ذرّ هذا الحديثوهبني أبا جهل هذا الصنمْ
وأما قوله:
رعى الله عيشاً مضى أبيضاً
فالناس فيه عيال على صاحب المقامات في قوله: فمذ اغبرّ العيش الأخضر، وازورّ المحبوب الأصفر، اسودَّ يومي الأبيض وابيضَّ فودي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر.
فأما الشعر فأذكر منه ما يخطر، قال الطغرائي:
يحمون بالبيضِ والسمرِ اللدان معاًسودَ الغدائرِ حمرَ الحلي والحللِ
ولابن الساعاتي:
زهر الحجى سمر القنا سود الوغىخضر الحمى بيض الدمى حمر النعم
من كلِ ظبيٍ دونه ليثُ شرىًليسَ له غيرُ قنا الخطِّ أجم
وبيت الحماسة مشهور:
بسود نواصيها وحمر أكفّهاوصفر تراقيها وبيض خدودها
وللمحيي، ﵀، من موشحةٍ:
أسمر في الجفن منه أبيضأحمر دمعي به بريقُ
عرّضني للضنا وأعرضفها أنا منه لا أفيقُ
وأنشدني بعضهم، وهي من باب المديح:
طالما قلت للمسائلِ عنهمواعتمادي هداية الضُّلاّلِ
إن ترد كشف حالهم عن يقينٍفألقهم في منازل أو نزالِ
تلقَ بيضَ الأعراض سود مثارِ النقع خضر الأكتاف حمر النصالِ
ومثله:
وتملك العلياء بالسعي الذيأغناك عن متعالي الأنسابِ
بسواد نقع واحمرار صوارمٍوبياض عرض واخضرار جنابِ
والأولى أحسن نظاماً وأسلس كلاماً وأبعد عن الكلفة مستقرّاً ومقاما. وقال عزّ الدين أبو علي:
غانيةٌ في القلوب مغناهايشتاقها ناظري ويهواها
قريبةٌ وهي عنك نازحةٌبعيدةٌ في الفوائد مأواها
غريبة في الجمال مبدعةٌلو منِّيَ الحسنُ ما تعدّاها
فالغصنُ يحكي انثناء قامتهاوالدرُّ يثني على ثناياها
والخمرُ ما ودعته ريقتهاوالوردُ ما أبدعته خدّاها
فللقنا والغصون قامتهاوفي الظبى والظباء عيناها
أصبح جسمي غداة فرقتهاوخصرها في السقام أشباها
وكيف لا تنثني شمائلهاسكراً ومن ريقها حميّاها
أضمرُ في القلب سلوة فإذاراجعت عقلي استغفر الله
وقال من قصيدة يمدح بها المخدوم علاء الدين صاحب الديوان عزت أنصاره:
وكّلت النفس بأشجانهاوواصلت لكن بهجرانها
غريبةُ الحسن لها مقلةتنبّه الوجد بوسنانها
تفعل في العشاق أجفانهاما تفعل الخمر بندمانها
في وجنتيها جنّة زخرفتْطوبى لمن فاز برضوانها
مرّت بنا من أرضها نفحةٌتروي حديث الطيب عن بانها
في طيّها نشرٌ فهمنا بهما نقلت عن طيب أردانها
روضة حسن أبدعت بالأسىفنونه تبدو بأفنانها
فثغرها يبسم عن نورهاوقدّها يزهو كأغصانها
في فمها صهباءُ مشمولةٌلا يهتدي الريّ لظمآنها
ما ضرّها لو قابلتْ حسنَمحيّاها بإحسانها
حازت معاني الحسن طرّاً كماحاز العلى صاحب ديوانها
بدر الدين يوسف الدمشقي، كهل حسن الأخلاق ظريفها وشاعر بديع المقاصد لطيفها، له شعر كالرياض تفتح زهرها وفاح رباها وتضوّع نشرها بطيب شذاها، ووجوه الغيد تروق القلوب والأبصار، وكطلعة الغنى بعد الإعسار والإقتار كلما أنشدت أجدّت مسرّة وأهدت إلى القلوب قراراً وإلى العين قرة، تطرب الأسماع لبدائعها وتنتظم المسرة بفواصلها ومقاطعها، رأيته واجتمعت به، وكان له مهاجرة إلى إربل ومدائح في المرحوم تاج الدين، وكان واقف البديهة لا يكاد يعمل البيت الواحد إلاّ بعد الفكرة التامة والتروي البالغ فإذا أعطى الفكرة حقها والتروي غايته جاء بما يبذ به أبناء عصره ويفوق به أبناء دهره. فمن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها المرحوم تاج الدين، ﵀:
عوجا يمين الجزع بالعيس عسىنريحهنَّ فالظلام قد عسا
يقول فيها وقد أجاد:
بيض وسمر كتمت حدوجهامنها ظباءً أو غصوناً ميّسا
جفونها سلبن سقمي والكرىلذاك قد أضحت مراضاً نعّسا
فخذ يمين الحي بالميت الذيما غادرت فيه الغواني نفسا
صبّ إذا ما نسمة الغور صبتْعاوده برح الهوى فانتكسا
فداويا بنفحةِ البان جوىمتيّم من برئه قد يئسا
وعلِّلا حشاشةً عليلةًقد عافها الآسي وعفّاها الأسى
وعدتماني يا خليلي بأنتعرّجا على النقا وتحبسا
وقلتما صبحيَ حيّ بعدهملو كان حيّاً بعدهم تنفسا
قوله:
جفونها سلبن سقمي والكرى
فيه نظر لأنها إذا سلبت سقمه فقد صح، وقد أخذه من ابن القيسراني الحلبي وزاد عليه في قوله:
سلب العيونَ نعاسهافلذا تراه الدهر ناعس
ومثل بيت ابن القيسراني وأظنه له أيضاً:
هذا الذي سلب العشاق نومهمأما ترى عينه ملأى من الوسن
وقال البدر أيضاً:
أبدى حمام الأيك شجواً فناحْولم يطق كتمانَ وجدٍ فباحْ
أعربَ عن أشجانه سحرةًفصاحَ عن ألحان شوقٍ فصاحْ
أليس أني قد كتمت الذيما بيَ من سكرِ هوى وهو صاحْ
ومنها:
أشكو تباريحي إلى من غدامن طرفهِ والقدّ شاكي السلاحْ
راضيته من بعد سخطٍ بهورضته من بعد طول الجماحْ
فزارني والليل من شهبهِغفلٌ على غفلةِ واشٍ ولاحْ
يبيحني من وجهه روضةًما كانَ في ظنّي بها أن تباحْ
الخدّ قد أطلع ورداً بهاوالثغرُ قد فتّح فيها أقاحْ
وقال:
ما أهملت سحب الدموع الهمّللك منزلاً بينَ الدخولِ فحوملِ
رحلوا بقلب المستهام وغادروابين الضلوع لواعجاً لم ترحلِ
ولقد سبقتُ حداتهم بمدامعيحتى جعلت قطارها في الأولِ
ومنها:
فاعذر دموع العين فهي بكيّةٌمما بكت بين الرسوم المثّلِ
وتقسّمتْ عبراتها فرقاً علىنأي الحبيب ونوء ذاك المنزلِ
ومهفهف يسبيك من أصداغهبمسلسلٍ ومن الرضاب بسلسلِ
وقال، وهي مليحةٌ في الغاية ومدحني بها:
لولا غرامك بالألحاظ والمقلِوبالقدود التي تسبيك بالميلِ
ما بتّ ترعى السُّهى شوقاً إلى قمرٍبالقلب لا الطرف ثاوٍ غير منتقلِ
والعيس تحت حدوج الغيد غاديةٌتشكو الكلال من الأحداج والكلل
وقد تغنّى لها الحادي فأطربهاوهناً على هضبات الرمل بالرملِ
يحملن كل هضيم الكشح ذي هيفٍوكل أحوى رشيق القدّ معتدلِ
إذا سطا قلت شبلٌ من بني أسدٍوإن رنا قلت رامٍ من بني ثعلِ
أبادني طرفه قبل العذول فقلتُ السبق للسيف ليس السبق للعذلِ
فعدّ يا صاح عن دمع الكئيب فماأطلّه اليوم ما يهمي على طللِ
واستعطف الريح من واد الأراك فقدضنّت على الصبّ بالإبلال والبللِ
قال الفقير إلى رحمة الله تعالى مؤلف هذه الأشعار وجامعها وها أنا أذكر ما سمحت به القريحة من الغزل في أيام الحداثة وزمن الصبا جرياً على عادتي في التنبيه على المواضع التي أخذت منها كما اعتمدت مع الجماعة فمن ذلك قولي:
ما أنجدَ الصبرُ علىأحبابِ قلبٍ أتهموا
ولا غدتْ عادلةيدُ النوى مذ ظلموا
حكمتهم في مهجتيفأسرفوا إذ حكموا
فذاب جسمي أسفاًوسالَ من عيني دمُ
وشادن من جفنهيهدي إليَّ السّقمُ
يلذّ لي في حبهتهتكي والتهمُ
أصلُ بلائي في الهوىقدٌّ وخدٌّ وفمُ
وصبحُ وجهٍ مشرقٍعليه ليلٌ مظلمُ
ودرّ ثغرٍ عقدهُملتئمٌ منتظمُ
لا وليال سلفتوهي لعمري قسمُ
لا حلتُ عن وجدٍ بهجرى عليّ القلمُ
هذه أبيات معانيها متداولة وألفاظها مستعملة ومطلعها فيه تخييل غريب وله من الحسن حظ وافر ونصيب.
وقلت من قصيدة في الصاحب الأعظم علاء الدين عز نصره:
قوامك أم غصن من البان ينثنيوطلعةُ بدر أم سنا وجهك السني
وريقك أمْ خمرٌ يلذّ لشاربونبت عذار نمّ أم نبت سوسنِ
أيا قمراً أثرى من الحسن وجههفاحسبه قد فاز منه بمعدنِ
ظمئتُ إلى ورد بفيه ممنّعٍوملت إلى ورد بوجنته جني
يلوم على حبيه خالٍ من الهوىواضرب عمن لام فيه كأنني
وكيف وقد لاح العذار بخدهأقوم بعذرٍ في تسلية بيّنِ
البيت الثالث سبق محيي الدين إليه وما كنت سمعته حيث قال:
يا موسراً من كل صنفِ ملاحةٍأترى ظفرت من الجمال بمعدن
وأما:
فاضرب عمّن لام فيه كأنني
فهو مثل قول ابن مطروح:
وهواك ما خطر السلوّ بخاطريما دمت في قيد الحياة ولا إذا
وهي أبيات حسنة أولها:
عانقته فسكرت من طيب الشذاغصناً رطيباً بالنسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنماأضحى بخمر رضابه متنبّذا
ومثله لابن مطروح أيضاً، ويقال لغيره:
يقولون من هذا الذي أنت في الهوىبه كلف يا ربّ لا علموا الذي
وهي قصيدة غراء قل أن يوجد على هذه القافية لها نظير وأولها:
لك الخير عرّج بي على ربعهم فذيربوعٌ يفوحُ المسك من عرفها الشذي
وذا يا كليم الشوق وادٍ مقدسٌلدى الحب فاخلع ليس يمشيه محتذي
وقفنا فسلمنا على كلّ منزلٍتلذذ فيه العين أيّ تلذذِ
ومنها:
وبي ظبي أنس كمّل الله حسنهوقال لأبصار الخلائق عوّذي
جلى تحت ياقوت اللمى عقد جوهررطيب وأبدى عارضاً من زمردِ
ومنها:
يقولون من هذا الذي
واتفق لي في هذه النونية بيت حلا مقصده وصفا مورده وهو أني عمدت إلى بيتي أبي الطيب، ﵀، وهما:
أجزْني إذا أنشدتَ شعراً فإنهُبشعري أتاكَ المادحونَ مردّدا
ودْع كلَّ قولٍ غيرَ قولي فإننيأنا الطائرُ المحكيُّ والآخرُ الصَّدى
فجعلت صدريهما بيتاً وقلت في مدحه، عز نصره:
أجز كلما أنشدت شعراً فإنهودع كلّ قولٍ غير قولي فإنني
فجاء كما ترى آخذاً بمجامع الإحسان يروق للسمع كلما كرره اللسان. وقلت من أخرى:
سيّدي أمرضني هجرك والوصل طبيبي
إن أكن أضمرتُ صبراًعنك فالله حسيبي
من مجيري من غزالٍفاتن الطرف لبيبِ
بدرُ تمّ حلّ منّافي عيون وقلوبِ
إن بدا أو ماسَ أزرىبهلال وقضيبِ
أشتكي من سحر عينيهـ ومن عين الرقيبِ
فبلاءٌ من عدوّيوبلاءُ من حبيبي
وقلت من أخرى في الصاحب الأعظم شمس الدين، أعز الله أنصاره:
قسماً بلين قوامك المتأوّدإني خفيت من الضنا عن عوّدي
فارحم أخا كلفٍ يبيت بمقلةٍعبرى وقلبٍ من صدودك مكمدِ
واعطف على من ظلَّ فيك زمانهبأنين مكروبٍ وطرفٍ مسهدِ
فعلام يتعب عاذلي وقضى الهوىإني أخالف عاذلي ومفنّدي
يا كعبة الحسن الذي لجمالهوجهتُ وجهي فهو غاية مقصدي
بك أهتدي سبل الغرام وحقّ منأمسيتَ أنتَ دليله أنْ يهتدي
يا مخبري عن طيب وقت وصالهأطربتَ سمعي بالحديث فردّدِ
إيهٍ بحقّك هات عن كلفي بهواترك حديث ربا العقيق وثهمدِ
وقلت من غزل أخرى فيه، عزّ نصره:
حثّهُ سائقُ الغرامِ فحنّاوجفا منزلاً وخلّف مغنى
ودعاه الهوى فلبّى سريعاًوكذا شيمة المحبّ المعنّى
رامَ صبراً فلم يطعه غرامٌغادرَ القلبَ بالصبابةِ رهنا
وجفا لذّة الكرى في رضى الحب فأرضى قلباً وأسخط جفنا
أسهرت مقلتيه في طاعة الوجدِ عيونٌ من المحصّب وسْنا
كل ظامي الوشاح ريّان من ماءِ التصابي أضنى المحبّ وعنّى
ما على الدهر لو أعاد زماناًسلبته أيدي الحوادث منّا
وعلى من أحبَّ لو شفع الحسن الذي قيّدَ العيونَ بحسنى
وبروحي أفدي رشيق قوامٍلاح بدراً وماسَ إذ ماسَ غصنا
يتجنى ظلماً فيحدث لي وجداً إذا صدَّ عاتباً وتجنّى
ما ثناني عنه العذولُ وهل يثني غرامي وقدّه يتثنّى
كيف أسلو بدراً يشابهه البدرُ سناءً يصبي الحليم وسنا
ليَ معنّىً فيه وفي صاحب الديوانِ ما رمتُ مدحه ألف معنى
وقلت من غزل أخرى فيه، أدام الله قدرته:
حيّ ربعاً بالرقمتين وداراواسق أطلالها الدموع الغزارا
وأنخ بالحمى تجد فيه من علوةَ سقياً لعهدها آثارا
ظبية قد أطعت أمر التصابيفي هواها لما عصيت الوقارا
وخلعتُ العذار فيها وقد أذعنَ قبلي قوم بحبِّ العذارى
ووصلت السهاد إذ وصلت هجريوأبدت من بعد أنس نفارا
وأطلتُ البكاء في الربع حزناًلفراقي تلك الليالي القصارا
هل معيدٌ عصرَ الشباب وعيشاًخلتُ أوقاته خيالاً زارا
إذ مغاني الحمى أواهل تجلوللعيون الشموسَ والأقمارا
وقلت من أخرى فيه، جمل الله ببقائه:
أقيلي من الصدّ المبرّح والقلىولا تقبلي في الحبّ ممن تقوّلا
ورقّي لمن أطلقتِ في الهجر دمعهوأقصيت عنه صبره فترحلا
أيا ظبية الوادي انقضى العمر بالجفاوأشمتِّ لوّاماً عليك وعذّلا
وقالوا سلا حوشيت أن تسمعي لهمفمثلك ما يسلى ومثلي ما سلا
أريدُ بقاءً ما أردت تواصلاًفأما وقد عوّلت أن تهجري فلا
كلفتُ بها هيفاء ناعمة الصبابعيدة مهوى القرط كالبدر يجتلى
تفوق قضيب البان قدّاً منعماوتحكي ثناياها الجمان المفصلا
وتسقيك من فيها الطلى وإذا رنتلواحظها المرضى أرتك بها الطّلى
جننتُ بها وجداً فيا ليت أننيبفاحم ذاك الشعر كنت مسلسلا
البيت الرابع ينظر إلى قول مهيار وقد جمع معانيها وهي أبيات:
أما وهواها عذْرةً وتنصُّلالقد نقل الواشي إليها فأمحلا
سعى جهدهُ لكن تجاوزَ حدَّهُوكثّرَ فارتابت ولو شاء قلّلا
وقال ولم تقبل ولكن ألومهُعلى أنه ما قالَ إلاّ لتقبلا
وطارحها أني سلوتُ فهل رأىله الذمُّ مثلي عن هوى مثلها سلا
والبيت الخامس مأخوذ من قول أبي الطيب:
بما بجفنيكِ من سحرٍ صِلي دنفاًيهوى الحياة وأما إن صددتِ فلا
وقلت من أخرى في مدح المخدوم الصاحب الأعظم علاء الدين، عزّ نصره:
عاوده من ذكر أوطانهعيد فأغراه بأشجانهِ
وحدثته نسمات الحمىحديثها المروي عن بانهِ
يا منزلاً طاوعتُ فيه الهوىوالعمرُ في أول ريعانه
ومربعاً ظلّت أسود الشرىخاضعةً من فتك غزلانه
كم من ليالٍ فيك قضيتهاوكّلت القلب بأحزانهِ
وشادنٍ حلو اللمى أهيفٍهاروت في فترةِ أجفانهِ
سنانه يقصر يوم الوغىفي سلمه عن فتك وسنانهِ
إذا تثنَّى قدّه مائلاًأودى على البان وأغصانهِ
وإن سرت مسكية نفحةٌروتْ لنا عن طيب أردانهِ
ولائم أسرف في لومهوألزم القلب بسلوانهِ
وطاوع العذل ولي همّةٌوكَّلها الوجدُ بعصيانهِ
فجنتي وصل الحبيب الذيأصل عذابي نارُ هجرانهِ
وقلت من أخرى في مدحه، أعز الله أنصاره:
طافَ بها والليلُ وحفُ الجناحبدرُ الدجى يحمل شمس الصباحْ
يقال: عشب وحف وواحف أي كثير، والجناح الوحف: الكثير الريش.
وفاز بالراحة عشّاقهُلما بدا في راحهِ كأسُ راحْ
ظبيٌ من التركِ له قامةيزري تثنيها بسمرِ الرماحْ
عارضهُ آسٌ وفي خدّهوردٌ نضيرٌ والثنايا أقاحْ
أطعتُ فيه صبوتي والهوىطوعاً وعاصيتُ النهى واللواحْ
عاطيته صهباءَ مشمولةًتحكي سنا الصبح إذا الصبح لاحْ
فسكّنتْ سورتهُ وانتشىوظلَّ طوعي بعد طول الجماحْ
فبتُّ لا أعرف طيب الكرىوبات لا ينكر طيب المزاحْ
فهل على من بات صبّاً بهوإن نضا ثوبَ وقارٍ جناحْ
ومن غزل أخرى في المخدوم الصاحب علاء الدين، عزّ نصره:
محياك أمْ بدرٌ رضابك أمْ خمرُوحسن تثنٍ في قوامكَ أم سكرُ
وناظرك التركيّ أمْ حدُّ صارمٍوهذا فتور في لحاظك أمْ سحرُ
وهل بردٌ في فيك أمْ سمطُ لؤلؤوهل عن ثنايا أمْ أقاحيّ تفترُّ
وشعرك أمْ ليل تضل به الورىووجهك أمْ صبح به يهتدي السفرُ
يميناً لقد حيّرتني في محاسنٍمنحتَ بها يعيا بأوصافها الفكرُ
فخدّاك وردٌ واللواحظُ نرجسٌوصدغاك ريحانٌ وريقتكَ الخمرُ
ومن أخرى فيه عزّ نصره:
غزال النقا لولا ثناياك واللّمىلما بتّ صبّاً مستهاماً متيّما
ولولا معانٍ فيك أوجبنَ صبوتيلما كنتُ من بعدِ الثلاثين مغرما
أيا جنّةَ الحسنِ الذي غادر الحشابفرطِ التجافي والصدود جهنما
جريت على رسمٍ من الجورِ واضحٍأما آن يوماً أن ترقَّ وترحما
أمالكَ قلبي كيف حلّلتَ جفوتيوعدتَ لقتلي بالبعادِ متمّما
وحرّمت من حلو الوصال محلّلاًوحلّلتَ من مرّ الجفاء محرّما
بحسن التثني رقَّ لي من صبابةٍأسلْتَ بها دمعي على وجنتي دما
ورفقاً بمن غادرته غرض الردىإذا زار عن شخطٍ بلادك سلّما
عجبتُ وقد أطلقتَ دمعي فأشبه السحائب أني أشتكي في الهوى الظما
كلفت بساجي الطرف أحوى مهفهفٍيميسُ فينسيكَ القضيبَ المنعما
يفوقُ الظّبا والغصنَ طرفاً وقامةًوبدر الدجى والبرقَ وجهاً ومبسما
فناظره في قصتي ليس ناظراًوحاجبه في قتلتي قد تحكّما
ومشرف صدغ ظل في الحكم جائراًوعاملُ قدٍّ بات أعدى وأظلما
وعارضه لم يرث لي من شكايتيفنمّت دموعي حين لاح منمنما
ولم يثنني هجرانه وأخو الهوىدعيّ إذا يوماً شكا أو تظلَّما
ومن أخرى مدحها في المخدوم الصاحب الأعظم شمس الدين، أعز الله أنصاره:
مغرم شفّه بعادٌ وهجرُوجفاهُ حبيبه والصبرُ
أمطرت خدّه دموعٌ غزارٌفهو منها في لجّةٍ مستقرُ
همّهُ والغرامُ فيه فنونٌناظرٌ فاتن وريق وثغرُ
وجفونٌ كلونِ حظي سودٌوخدودٌ كلونِ دمعي حمرُ
وبروحي أفدي غزالاً غريراًوجهه حضره وفي فيه خمرُ
هجرهُ والوصالُ حلوٌ ومرُّولقاه والبعدُ حلوٌ ومرُّ
أسمر دون وصله أسد غيلٍومنايا بيضٌ وحمرٌ وسمرُ
ومن غزل أخرى فيه، عز نصره:
قدك من غصن النقا أنضروالوجه من بدر الدجى أنورُ
ولحظك الفاتن أم صارموريقكَ المسكي أم مسكرُ
يا قمراً عذبني صدّهأسرفتَ في الهجر فكم تهجرُ
تنام عن صبّ قضى وجدهوما يعاني أنه يسهرُ
أنكرتَ ما يلقاه من حبهومثل ما يلقاه لا ينكر
يميته الهجرُ ولكنهبالصاحب الأعظم يستنصرُ
ومن غزل أخرى فيه، أمد الله عمره:
يجدد أحزاني ووجدي ولوعتيسنا بارق من نحو أرضِ أحبتي
ديارٌ لبستُ العيش فيها منعّماًأجرّرُ من فرطِ الخلاعةِ بردتي
فما البرق إلاّ حرُّ قلبي ونارهوما الغيثُ إلاّ من سوابقِ عبرتي
وليلاتِ أنسٍ قد قضيتُ حميدةًفلو أن دهري ردّ ليلاتي التي
تدير عليَّ الكأسَ فاتنة الصبابديعة معنى الحسن دقّت وجلّتِ
تفوق الطُّلى ريقاً ونشراً معطراًوتحكي الطّلا جيداً وحسن تلفّتِ
ويروي قضيب البان عنها محاسناًإذا خطرت في بردها وتثنّتِ
هلال إذا لاثت عليها نقابهاوبدرٌ إذا ما أسفرت وتجلّتِ
أحنّ إليها لوعةً وصبابةًفيا فرحي لو قيل نحوك حنّتِ
تشابه دمعانا غداة فراقنامشابهة في قصّةٍ دون قصّةِ
فوجنتها تكسو المدامع حمرةًودمعيَ يكسو حمرة اللون وجنتي
البيتان الأخيران أخذتهما من القاضي الأرجاني حيث قال:
فتباكت ودمعها كسقط الطلّ في الجلنارةِ الحمراءِ
وحكت كل هدبة لي قناةًأنهزتْ كل طعنةٍ نجلاءِ
فترى الدمعتين في حمرةِ اللونِ سواءً وما هما بسواءِ
خدَّها يصبغُ الدموعَ ودمعييصبغُ الخدَّ قانياً بالدماءِ
خضبَ الدمعُ خدَّها باحمرارٍكاختضابِ الزجاجِ بالصهباءِ
وهذه أبيات حسنة وأولها:
وعدتْ باستراقةٍ للقاءوبإهداء زورةٍ في جفاءِ
وأطالت مطلَ المحبّ إلى أنوجدت خلسةً من الأعداءِ
ثمَّ غارت من أن يماشيها الظلّ فزارت في ليلةٍ ظلماءِ
ثمَّ خافت لما رأت أنجم الليل شبيهاتِ أعينِ الرقباءِ
فاستنابت طيفاً يلمّ ومنيملك عيناً تهمّ بالإغفاءِ
هكذا نيلها إذا نولتناوعناءُ تسمُّح البخلاءِ
يهدم الانتهاء باليأس منهاما بناه منها الرجاء بالابتداءِ
ومنها:
لست أنسى يوم الرحيل وقدغرّد حادي الركاب بالإنضاءِ
وسليمى منّت بردّ سلاميحين جدّ الوداع بالإيماءِ
سفرت كي تزود الصب منهانظرةً حين آذنت بالتنائي
وأرتْ أنها من الوجد مثليولها للفراق مثل بكائي
وقلت من أخرى في مدحه، عزّ نصره:
باتَ يجلو ليَ من ريقتهقهوةً تعصرُ من وجنتهِ
رشأٌ بابل تروي سحرهاعن حديث السحرِ من مقلتهِ
ظل قلبي في دياجي شعرهواهتدى بالصبح من غرّته
أسهرتني سنةٌ في طرفهوحمت طرفيَ في رقدتهِ
سقم في جفنه أعرفهتجتنى الأسقام من صحّتهِ
رقّةٌ في خدّها ينكرهاقلبه المسرف في قسوته
لم أكد أعرف ما طعم الكرىمذ تمادى في مدى جفوتهِ
ربّ حسن مرسل من شعرهمرسلٌ وجديَ من آيتهِ
حاكم في دولة الحسن كمايحكم الصاحبُ في دولتهِ
وقلت في أخرى:
سقى عهد الحيا عهد التصابيوحيّا طيبَ أيامِ الشبابِ
وروّض منزلاً بالجزع أقوىبرغمي من سليمى والربابِ
ومرّ مسلّماً يحدوه رعدٌعلى تلك الملاعب والقبابِ
ديارٌ ما أجلتُ قداحَ لهويبها إلاّ مع الخود الكعابِ
ولا عاقرتُ فيها الراح إلاّوقد شجّت بمعسول الرُّضابِ
وبي فتّانةُ الألحاظ تبدوبدوّ الشمسِ من خللِ السّحابِ
تحاكي البدر مسفرةً وتحكيهلال الأفق من تحت النقابِ
وتبسم عن ثنايا خلت فيهامداماً وهي فيه كالحبابِ
وقلت من أخرى:
بقلبي نيران تسعّرها الذكرىولي مقلةٌ من بعد بعدكم عبرى
وما غبتُ عنكم ناسياً لعهودكمولا اعتضتُ عنكم وصل غانيةٍ أخرى
وكيف أرى السلوان عنكم وأنتمشفا قلبيَ العاني ومهجتي الحارّى
أقبّل ترب الأرض أنتم حلولهافأكسب في ذلّي لأرضكم فخرا
فقلبيَ ما أصبى إلى قرب داركمووجديَ ما أوفى ودمعيَ ما أجرى
أسكان قلبي قد براني هواكموغادرني إعراضكم والهاً مُغرى
وفي كلّ حالٍ أنتم غايةُ المنىقريبون من قلبي وإن بعد المسرى
وقلت من أخرى:
رفقاً فقد جاوزت في الهجر المدىوتركتني دامي الجفون مسهدا
ومنعت طيفك أن يلمّ بعاشقٍلو زاره طيف الخيال لما اهتدى
يا هذه كفي ملالك عن فتىًلا يستطيع إذا هجرت تجلدا
أطمعتهِ في الهجر ثمَّ هجرتهضنّاً عليه فما عدا مما بدا
وزعمت أن قد ضلَّ في شرع الهوىأنّى يضلّ وقد بدا نور الهدى
أظميته شوقاً إليك ولوعةًوبفيك عذب مدامةٍ تجلو الصدى
وأريتهِ ورداً فأصبح دمعهمثل الصدى يحكي الكلام مورّدا
وبسمتِ عن درٍّ نظيمٍ أشنبفأسالَ درّاً في الخدودِ مبدّدا
وجلوت بدراً والتفت ظبيّةًمذعورةً وخطرت غصناً أملدا
أخلقت ثوب الصبر ثمَّ كسوتهثوبَ الصبابةِ والغرامِ مجدَّدا
ومنحته مرّ الجفا ومنعتهحلو الكرى فحكيت أفعال العدى
وقلت أيضاً:
أيّ عذرٍ وقد تبدّى العذارُإن ثناني تجلّدٌ واصطبارُ
فأقلاّ إن شئتما أو فزيداليس لي في هوى الملاح قرارُ
هل مجير من الغرام وهيهات أسير الغرام ليس يجارُ
يا بديع الجمال قد كثرت فيك اللواحي وقلّت الأنصارُ
أنت ناري وجنتي فحقيقٌأن أنادي يا جنةٌ يا نارُ
عجباً أشتكي أواماً ودمعيمن تجافيك صوبهُ مدرارُ
بمحيّاك وهو بدرٌ له الهجرُ وطولُ الجفاءِ منك سرارُ
وبقدّ إذا انثنى خجل الغصن لديه والأسمر الخطّارُ
وبطرف إذا رنا حارَ هاروت وغار المهنّدُ البتّارُ
وبوجه حوى المعاني وماطوّل ليلي إلاّ جفوني القصارُ
وأقلني فقد عثرتُ ومندوب إليه بأن يقالُ العثارُ
ومن أخرى:
قسماً بريقك وهو عذب سلسلُلا صدّني ما قال فيك العذلُ
أنا من عرفت على العهود محافظاًلا أنثني عنها ولا أتنقّلُ
قلبي يميل إليك من فرط الهوىوالعينُ منه إلى لقائك أميلُ
وبمهجتي مذ غبتَ عني لوعةٌنيرانها بين الجوانحِ تشعلُ
وكلتَ قلبي بالسهادِ ولم يكنْلولاك طرفي بالسهاد يوكلُ
وحكمت فيّ بما أردتَ وإننيأرضى مطيعاً ما أردت وأقبلُ
وجهلتَ ما بي من هوىً وصبابةٍرفقاً فما بيَ في الهوى لا يجهلُ
واعطف عليّ فعبء هجرك والنوىمن كل ما حملتنيه أثقلُ
وقلت أيضاً، وهي من أشعار الصبا:
رفقاً بقلبي ضرّه البدروراقبني ربك في أمري
وقللي الهجر فما لي يدٌوطيب ليل الوصل بالهجرِ
أما وما في فيك من قهوةٍتجري على حصباءَ كالدّرِ
وغنج طرف دأبه دائماًأسرُ قلوبِ الناسِ بالسحرِ
لقد تصبّرت غداة النوىفذقت مثل الصبر من صبري
ورمت إخفاء غرامي بكمفنمّ دمعٌ أبداً يجري
كيف اصطباري وبقلبي هوىًأصابني من حيثُ لا أدري
وهل إلى الوصلِ سبيلٌ لمنْباتَ من الأشواق في أسرِ
ومن شعري:
يا من جفا لما جفا طيب الكرىحاشاك ترضى في البعاد بما جرى
أسهرتني شوقاً إليك ونمت عنوجدِ امرئ حكمَ الهوى أن يسهرا
ورميتني بسهام هجرك ظالماًإذ ليس مثلي جائزاً أن يهجرا
قد كنت أحسبُ أنَّ صبري منجدحتى بعدت فما استطعت تصبّرا
ورأيت عيشي صافياً فنأيت عنعيني فغادره البعاد مكدّرا
من منصفي من ظبي أنس لم تزلألحاظه تسطو على أسد الشرى
حلو الدلال يميس من خمر الصباكالغصن رنّحهُ النسيم إذا سرى
قد قام عذري في هواه وما عسىاللاحي يقول وقد هويتُ معذّرا
وقلت أيضاً:
خبّروا الجسم عن لذيذ الرقادفعساه يعافُ مرَّ السّهادِ
وصفوا لي حديثَ من قتلَ الحبُّ لعلّي أثني عنان فؤادي
همتُ وجداً بشادن يخجل الغصن رطيباً بقدّه الميادِ
مذ حلا لي نبات عارضه الناضر لم أدر ما طريق الرشادِ
لي قلب أرق من دمع عينيّ عليه في الهجر سهل القيادِ
لي صبرٌ عنه ولكنّ صبريليس يرضى به سوى حسّادي
جائر في احتكامه أبداً يولي التجافي على صحيح ودادي
أسهرتْ مقلتاه عيني فلمااحتكم الحبّ نامَ عن إسعادي
هذا القول مأخوذ من قول البحتري:
أسهرتهِ حتى إذا هجر الكرىخلّيت عنه ونمتِ عن إسعاده
وأولها، وهي أبيات بديعة:
ردّي على المشتاق بعضَ رقادهأو فاشركيه في اتصال سهادهِ
وقسا فؤادك أن يلينَ للوْعةٍباتت تقلقلُ في صميم فؤادهِ
ولقد عززتِ فهانَ طوعاً للهوىوجنبتهِ فعرفتِ ذلَّ قيادهِ
من منصفي من ظالم ملّكتهُودّي ولم أملك عشيرَ ودادهِ
إن كنتُ آملُ غيرَ سالفِ ودّهِفرميتُ بعد صدودهِ ببعادهِ
وقلت في أخرى:
محيّاك أم بدر الدجنّة يشرقوريقك أم خمر شهيّ معتّقُ
وذا قدّك الميّال أم غصن بانةٍونشرك هذا أم سنا المسكِ يعبقُ
أيا قمراً قد قيّد القلبَ حبهوغادر دمعي وهو في الخد مطلقُ
لقد أسرفَ العذال فيك جهالةًومثلك لا يسلوه من يتعشّقُ
وحقّ الهوى أفنيت صبري وأدمعيوأني في دعوى الغرام مصدّقُ
فرقّ لمأسورِ الصبابةِ والأسىفمن عادة الملاك أن يترفقوا
ومن أخرى:
يا ظباء الصريم عدنَ كئيبالا يرى غير وصلكن طبيبا
صار حلف السهاد يرعى نجوماًصدّها فرط حبه أن تغيبا
ما دعاه الغرام إلاّ ولاقىمنه أنّى دعا سميعاً مجيبا
تخذَ الحزن صاحباً حين صار الهجر منكم حظّاً له ونصيبا
ورأى عطفكم بعيداً فأضحىبرح ما تشتكيه منه قريبا
سلبت عقلهُ بديعةُ حسنٍغادرت حسنَ صبرهِ مسلوبا
تخجل الشمس طلعةً وسنا البرقِ ابتساماً والغصن قدّاً رطيبا
وتفوق الشقيق خدّاً وكأس الراحِ ريقاً والمسك نشراً وطيبا
وقلت أيضاً:
أعادَ لباس التصابي قشيبايعير الغرام.. القلوبا
ولاح وماس دلالاً فخلتُهلالاً منيراً وغصناً رطيبا
ظلوماً يراني عدوّاً لهعلى زعمه وأراهُ حبيبا
دعا القلب حبك يا قاتليفكان له إذ دعاهُ مجيبا
أمولاي رفقاً بذي لوعةٍيبيتُ محبّاً ويضحي كئيبا
البيت الثالث أخذته من كشاجم حيث قال:
ما أنصفته يكونُ من أعدائهافي زعمها وتكونُ من أحبابه
وقلت، وهو من شعر الصبا:
أيا هاجري من غير جرمٍ جنيتهُومن دأبهُ هجري وظلمي فديتهُ
أجرني رعاك الله من نارِ جفوةٍوحرِّ غرامٍ في الفؤادِ اصطليته
وكنْ مسعدي فيما ألاقي من الأسىفهجرك يا كلَّ المنى ما نويته
أأظما غراماً في هواك ولوعةًولي دمعُ عين كالسحابِ بكيته
وحقّك يا من تهتُ فيه صبابةًووجداً ومن دون الأنامِ اصطفيته
فإني لا أنسى العهودَ التي مضتقديماً ولا أسلو زماناً قضيته
وقلت:
كيف خلاصي من هوى شادنٍحكّمهُ الحسنُ على مهجتي
بعاده ناري التي تُتّقىوقربه لو زارَني جنتي
ما اتسعت طرقُ الهوى فيه ليإلاّ وضاقتْ في الهوى حيلتي
ليتَ ليالي وصله عدنَ لييا حسرتا أين الليالي التي
وقلت:
وجهه والقوامُ والشعر الأسودُ في بهجةِ الجبينِ النضيرِ
بدر تمّ على قضيبٍ عليهليلُ دجنٍ من فوقِ صبحٍ منيرِ
وقلت:
نسيم الصّبا من عرفِ هندٍ يحدّثُوهاروت عن أجفانها السحر ينفثُ
يذكّرُ إنْ هزَّت من القدِّ عاملاًرطيباً وإنْ ماستْ دلالاً يؤنثُ
بعثت إليها محض حبّي فقابلتعليه فأضحت للصبابة تبعثُ
حفظت لها عهداً فأضحى مضيّعاًولا عجب عهد المليحة ينكثُ
تجلّت لنا كالبدر ليلة تمّهوساقي الندامى للمدامِ يحثحثُ
فلاحَ لعيني الشمس والبدر قارناهلالاً فقلتُ السعد شكل مثلثُ
وقلت من أخرى، وهي من أشعار الصبا:
عنّ له من بارقٍ بارقفهامَ وجداً وكذا العاشقُ
ورجّع الحادي بذكر الحِمىفطارَ شوقاً قلبهُ الخافقُ
هيمه أهيف حلو اللّمىقد صدّ حتى طيفهُ الطارقُ
رشيق قدٍّ سهمُ ألحاظهِيكلّ قلبٍ نابلٌ راشقُ
صبري ضدّ الدمع في حبّهذا مقصر عنّي وذا سابقُ
ولذّة العيش وطيب الكرىكلٌّ على هجرانه طالقُ
يا جيرة الجزع ومنْ فارقتْجسمي حياتي عندما فارقوا
سياق نفسي وحمامي دنالمّا حدا بالأينق السائقُ
وقلت، وهي من شعر الصبا:
برد بثغرك أم أقاحيوالريق أم كاسات راحِ
والشعر أم ليل دجاوالوجه أم ضوء الصباحِ
كلفي بفتَّان اللحاظمهفهف قلق الوشاحِ
شاكي السلاح بمهجتيأفديه من شاكي السلاحِ
جُمل اشتياقي من سقام جفونه المرضى الصحاحِ
يا من يفوق بقدّهأنَّى انثنى سُمر الرماحِ
رفقاً بذي كلفِ عقيدة دينه حبّ الملاحِ
صبّ أطاع غرامهفي حبّه وعصا اللواحي
وقلت من أخرى:
وجدي بأقمار وأغصانبالكلف الدائم أغراني
فما على العاذل منّي وهليطمع أن يوجدَ سُلواني
وبي غرير الطرف عذب اللّمىناظره والسيف سيّانِ
معتدل القامة من لي بهلو أنَّه حيّا فأحياني
نشوان من خمر الصبا أهيفأفديه من أهيف نشوان
وسنان طرفٍ سقمي والهوىمن فاترِ المقلةِ وسنانِ
ما ضرَّ منْ أشهرني حبّهلو شفع الحسنَ بإحسانِ
قد عرف الوجد به طاعتيوبان للسلوان عصياني
وهمت بالبان ولولا الهوىبقدّه ما همت بالبانِ
وقلت أبياتاً تبعت فيها محيي الدين، ﵀، وقد تقدم شعره:
لأيّةِ حال والوفاءُ شعارهُبدا ليَ منه صدُّهُ وازورارهُ
وكيف استحالت لا استحالت عهودهوأوحشني من بعد أنسِ نفارهُ
لأي حالٍ والوفاءُ دائماً شعارهُ
أمرضني هجرانهُ وشفّني ازورارهُ
وكيف حال عهده ودرست آثارهُ
وأوحش الصبّ الذي آيسه نفارهُ
وما زلت أرعى عهد الهوى وودادَهوتطربني في القرب والبعد دارهُ
وما أضرمت نار فشبّ ضرامُهالعينيّ إلاّ قلت هاتيك نارهُ
رعيتُ عهده فما وفى به غدّارهُ
وهمتُ إذْ أطربني ملعبهُ ودارهُ
وما بدا لمعٌ فشبَّ عالياً أُوارهُ
إلاّ وقلت من هوًى ها قد تبدّت نارهُ
حبيبٌ مُنايَ أنْ يزورَ خيالهُويقرب ناديه ويدنو مزارهُ
وأقصى الأماني أن يرقَّ لعاشقٍجفا إذْ جفاه نومُه واصطبارهُ
شفاء قلبي أن يظلَّ دانياً مزارهُ
عساه يرثي لفتًى قد خانهُ اصطبارهُ
متيَّم أذابهُ في بعدهِ تذكارهُ
وأظهرت أدمعهُ إذ كُتمتْ أسرارهُ
سقى الله أياماً تقضَّت بقربهإذ الشمل مجموع وإذ أنا جارهُ
ليالي أضللتُ الهموم ولم أدعْوقاراً ومن يهوى يضل وقارهُ
سقى زمان عهده من الحيا مدرارهُ
وسلم الله على العيش وأنتَ جارهُ
أيامَ همّي نازحٌ عنِّيَ وادكارهُ
ولا وقار والذي يهوى فما وقارهُ
وقلت:
قسماً بحبك يا مناي وإنّهقسمٌ عليّ وإنْ هجرتَ عظيمُ
إنّي وإنْ شطَّ المزارُ وأشرف اللاحي على عهدِ الودادِ مقيمُ
وقلت:
وحقّ ليال بتّ فيها منعّماًبوصلك لا أخشى مقالة عاذلِ
لقد أخذت منِّي الصبابة حقّهاوزادتْ وقد شطَّ المزارُ بلابلي
وقلت:
كتمتُ الذي ألقى فنمّت مدامعُتخبِّرُ عذالي بما يضمر القلبُ
وعاتبت دهري فيك إذْ حال بيننافيا طول أفراحي إذا نفع العتبُ
وقلت بديهاً، وقد اقتضت الحال ذلك:
جاريةٌ من ساكني العراقتضرمُ نارَ الهائمِ المشتاقِ
وتبعثُ الوجد إلى العشاقِجائلة الوشاح والنطاقِ
ليس لجرحي في هواها راقِوالقلب منها الدهر في وثاقِ
تبسم عن عذب اللمى برّاقِأشكو إليها لوعةَ الفراقِ
وحسرةً ترقى إلى التراقوأدمعاً يظللن في سياقِ
ومهجةً تذوب بالإحراقِفالصبر فانٍ والغرامُ باقِ
أهَلْ يعودُ زمنُ التلاقيأيامَ وصلي ناضرُ الأوراقِ
وقلت:
هويتُها غانيةًقوامُها منعطفُ
الوجهُ منها روضةٌوالريقُ منها قرقفُ
في خدِّها للعاشقين روضُ حسنٍ أنفُ
ووجهها صبحٌ عليهِ ليلُ شعرٍ مسدفُ
لامَ عليها معشرٌجهالةً وعنّفوا
وأنكروا وجدي وإنّي بالصوابِ أعرفُ
فالطرفُ عن جمالهافديتها لا يطرفُ
والقلبُ عن غرامهِووجده لا يصرفُ
تجحدُ قتلي في الهوىوخدها معترفُ
جائرةٌ في حكمهاما ضرّها لو تنصفُ
وقلت:
سلام على تلك العهود التي مضتوغصن التصابي بالتواصل مورقُ
إذِ الشملُ مجموع وحبِّي مساعدووجه الأماني ناضر الحسن مورقُ
ليالي همِّي نازح وأسرّتيبنور ضياء الأنس والقرب تشرقُ
تدير عليّ الكأس خودٌ رُضابهاوألفاظها والكأس خمرٌ معتّقُ
بديعة معنى الحسن فتّانة الصباتُحبُّ على طول التجافي وتُعشقُ
يوسّع عذري العاذلون على الهوىوباعُ اصطباري في يد الهجر ضيّقُ
سأكتم وجدي خوفَ واشٍ وإنمادموعي بما أخفي من الوجد تنطقُ
ولم أنسَ إذْ بتنا حليفي صبابةٍونحن جميعاً عاشق ومعشّقُ
أحثحث كأساً من مدام حبابهاثنايا بنشر من شذا المسك تعبقُ
فيا طيب ذاك العيش لو كان دائماًويا طيب ليل الوصلِ لولا التفرقُ
هذا البيت الأخير من قصيدة غراء للمخدوم الصاحب الأعظم علاء الدين صاحب الديوان، عز نصره، ضمنته هذه القصيدة وزينت عقدها بهذه الفريدة وجريت في نظمها على مذهبه وعملت بقول القائل: يأخذ من ماله ومن أدبه. وأبياته أعز الله نصره:
لذكر الحمى يصبو الفؤاد المشوّقوذكر الحمى يُصبي المحبّ ويقلقُ
إذا همّ طول العهد يبدي تسلياًأبتْ كبدُ حرّى وطرفٌ مؤرقُ
وكيف ومن أين السلوّ لعاشقٍيحنّ إذا ناحَ الحمام المطوّقُ
وما بال قلبٍ يستهيم صبابةًإذا من جويرٍ بارقٌ يتألّقُ
تكاد إذا ما الوجد جدّد ذكرهاوكيف ولا نسيان نفسي تزهقُ
سقاها الحيا ربعاً ودهراً قد انقضىوللعينِ من ماءِ الشبيبةِ رونقُ
وللقلب من بعد النوائب مغربٌوللعين من بعد الأحبةِ مشرقُ
فيا طيب ذاك العيش لو كان دائماًويا طيب ليل الوصل لولا التفرقُ
وهذه أبيات رقيقة الحواشي عذبة المجاني متناسبة الألفاظ بعيدة المعاني. وأنشدني أعز الله نصره، في امرأة أصابها الجدري، وما أظنه سُبق إلى هذا المعنى:
ولمّا التظى في القلب نار غرامهاتمثّل في الأحشاء شبه شَرارها
كذاكَ يكونُ الماءُ في غليانهِيمجّ حَباباً من شديدِ أوارِها
وأنا أذكر ما سمعته في الجدري، فمن ذلك:
وقالوا شانه الجدريّ فانظرإلى وجه به أثرُ الكلومِ
فقلتُ ملاحةً نُثرتْ عليهوما حسنُ السماءِ بلا نجومِ
ومنه:
يا قمراً جُدّر لما استوىفزاده حسناً وزادت هموم
كأنما غنّى لشمس الضحىفنقّطته طرباً بالنجوم
وقريب منه:
لنا جربٌ من البنان نحكهرضينا به والحاسدون غضابُ
وكنَّا معاً كالماءِ والراحِ صحبةًعلانا لفرطِ الامتزاجِ حبابُ
ومثل هذا:
يا صروف الدهر خبِّيأيّ ذنب كان ذنبي
علّة خصّت وعمّتمن حبيب ومحبّ
دبَّ في كفيه يا منحبّه دبّ بقلبي
فهو يشكو حرَّ حَبٍّواشتكى بي حرَّ حبِّ
الحديث ذو شجون وإنما ذكرت أبيات المخدوم، عز نصره، استحساناً لدرها المنتظم، وختمت بها وصف النسيب إذ العقد بالدرة الحسناء يختتم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع