من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
رجع
كن أيها السجن كيف شئت فقدوطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصةلم يكن الدرسا كن الصدف
ويحكي أنه تنبأ في صباه، وفتن شرذمة بقوة أدبه، وحسن كلامه. وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي:
أنا ترب الندى ورب القوافيوسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها اللهوغريب كصالح في ثمود
وفي هذه القصيدة يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلاكمقام المسيح بين اليهود
ومازال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه، وتضاعف عقود عمره، يدور حب
الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف، ويستكثر من التصريح بذلك في مثل قوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبرفالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمةوالحرب أقوم من ساق على قدم
والطعن يحرقها والزجر يقلقهاحتى كأن بها ضربا من اللمم
قد كلمتها العوالي فهي كالحةكأنما الصاب مذرور على اللجم
بكل منصلت مازال منتظريحتى أدلت له من دولة الخدم
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلةويستحل دم الحجاج في الحرم
ومن قوله:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخكانهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعواكثير إذا شدوا، قليل إذا عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن بعدهوضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابحرجال كأن الموت في فمها شهد
وقوله:
ولا تحسبن المجد زقاً وقينةفما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك، وأن ترىلك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دويا كأنماتداول سمع المرء أنملة العشر
وقوله:
وإن عمرت جعلت الحرب والدةوالسمهري أخا، والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسماًحتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفهمن سرجه مرحاً للعز أو طرباً
الموت أعذرلي، والصبر أجمل بي،والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
وكان كثيراً ما يتجشم أسفاراً بعيدة أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، ويطوي الناهل والمراحل، ولا زاد إلا من ضرب الحراب، على
صفحة المحراب. ولا مطية إلا الخف أو النعل، كما قال:
لا ناقتي تقبل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرهازمامها، والشسوع مقودها
وإنما آلم في هذا المعنى بأبي نواس في قوله:
إليك أبا العباس من بين من مشىعليها امتطينا الحضرمي الملسنا
قلائص لم تعرف حنيناً على طلاولم تدرما قرع الفنيق ولا الهنا
وكما قال في شكوى الدهر ووصف الخف:
أظمتني الدنيا فلما جئتهامستسقيا مطرت على مصائبا
وحبيت من خوض الركاب بأسودمن دارش فغدوت أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالرحلة، والقدرة على الرجلة:
ومهمه جبته على قدميتعجز عنه العرامس الذلل
بصارمي مرتد، بمخبرتيمجتزئ، بالظلام معتمل
إذا صديق نكرت جانبهلم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطربوفي بلاد من أختها بدل
وشتان ما بين حاله هذه والحال التي قال فيها:
وعرفاهم بأني من مكارمهأقلب الطرف بين الخيل والخول
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب، ويصطاد ما بين الكركي والعندليب. ويحكى أن على بن منصور الحاجب لم يعطء على قصيدة فيه التي أولها:
بأبي الشموس الجانحات غواربااللابسات من الحرير جلاببا
ومنها:
حال متى علم أبن منصور بهاجاء الزمان إلى منها تائبا
إلا دينارا واحدا، فسميت الدينارية. ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له إخلاف الدنيا على يده. كان قوله فيه:
تركت السري خلفي لمن قل مالهوأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في هواك محبةومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وهذا البيت من قلائده، وإنما ألم فيه بقول أبي تمام:
هممي معلقة عليك رقابهامغلولة، إن الوفاء إسار
ولكنه أخذ عباءة وردها ديباجا، وأرسلها مثلا سائرا، وكرر هذا المعنى فزاد فيه حتى كاد يفسده في قوله:
يامن يقتل من أراد بسيفهأصبحت من قتلاك بالإحسان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع