من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
نبذ من أخباره
لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللدعا فلباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج فنظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى قوله:
يا أيها المحسن المشكور من جهتيوالشكر من جهة الإحسان، لا قبلي
ما كان نومي إلا فوق معرفتيبأن رأيك لا يؤتي من الزلل
أقل أنل أقطع عل سل أعدزد هش بش تفضل أدن سر صل
وقع تحت أقل: قد أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة ببلاد حلب، وتحت أحمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت عل: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل، وتحت أعد: أعدناك
إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. وتحت صل: قد فعلنا. قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية، فأمر له بجارية. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي - وهو شيخ كان بحضرته ظريف - قال له - وحسد المتنبي على ما أمر به -: يا مولاي قد فعلت به كل شئ سالكه، فهلا قلت له لما قال لك هش بش: هه هه هه، يحكي الضحك، فضحك سيف الدولة، فقال له: ولك أيضاً ما تحب، وأمر له بصلة. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) أن أبا الطيب نسج على منوال ديك الجن فقال:
احل وامرر وضر وانفع ولن واخشنورش وابر وانتدب للمعالي
وحكى ابن جني قال: حدثني أبو على الحسين بن أحمد الصنوبري، قال: خرجت من حلب أريد سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة فرقا، فلما قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبي، وأنشدني:
نثرنا رءوسا بالأحيدب منهمكما نثرت فوق العروس الدراهم
ثم قال: كيف ترى هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت له: ويحك! قد قتلتني يا رجل، قال ابن جني: فحكيت أنا هذه الحكاية بمدينة السلام لأبي الطيب، فعرفها وضحك لها، وذكر أبا علي من التقريظ والثناء بما يقال في مثله. قال وأنشدت أبا علي ليلا قصيدة أبي الطيب التي أولها:
واحر قلباه ممن قلبه شبم
فلما وصلت إلى قوله فيها:
وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
أعجب جداً به، ولم يزل يستعيده، حتى حفظه، ومعناه: إذا تساويت ومن لا قدر له في أخذ عطاياك فأي فضل لي عليه؟ وما كان من الفائدة كذا لم أفرح به، وإنما أفرح بأخذ ما تختص به الأفاضل قال: وحدثني المتنبي قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر،
قال أحدثك بطريفة، كتبت إلى امرأتي وهي بحران كتابا تمثلت فيه ببيتك:
بم التعلل لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكن؟
فأجابتني عن الكتاب، وقالت: ما أنت والله كما ذكرته في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذا القصيدة:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكمثم استمر مريري وارعوي الوسن
قال: ولما سمع سيف الدولة البيت الذي يتلوه وهو قوله:
وإن بليت بود مثل ودكمفإنني بفراق مثله فمن
قال: سار وحق أبي قال: ولما سمع قوله لفنا خسرو:
وقد رأيت الملوك قاطبةوسرت حتى رأيت مولاها
قال: ترى هل نحن في الجملة؟
سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر:
وإن أحق الناس باللوم شاعريلوم على البخل الرجال ويبخل
وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله:
بليت بلي الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
فحضرت عنده يوما بحلب وقد أحضر مالا من صلات سيف الدولة، فصب بين يديه على حصير قد افترشه، ووزن وأعيد في كيس، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال قد تخللت خلل الحصير، فأكب عليها بمجامعه ينقرها ويعالج
استنقاذها منه، ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها، فتمثل ببيت قيس بن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس بين غمامةبدا حاجب منها وضنت بحاجب
ثم استخرجها، وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة وسمعته يقول: لما انشد المتنبي عضد الدولة قصيدته فيه التي أولها:
مغاني الشعب طيباً في المغاني
وانتهى إلى قوله فيها
وألقى الشرق منها في ثيابيدنانيرا تفر من البنان
قال له عضد الدولة: لأقرنها في يديك، ثم فعل. قال: ولما قدم أبو الطيب من مصر بغداد، وترفع عن مدح المهلبي الوزيرا، ذهاباً بنفسه عن مدح غير الملوك، شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء بغداد، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، وفيهم ابن الحجاج وابن سكرة (محمد بن عبد الله الزاهد) الهاشمي، والحاتمي، وأسمعوه ما يكره، وتماجنوا به، وتنادروا عليه، فلم يجبهم ولم يفكر فيهم، وقيل له في ذلك، فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء:
أرى المتشاعرين غروا بذميومن ذا يحمل الداء العضالا
ومن يك ذا فم مر مريضيجد مراً به الماء الزلالا
وقولي:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعرضعيف يقاويني قصير يطاول
لساني بنطقي صامت عنه عادلوقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
وأتعب من ناداك من لا تجيبهوأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبي فيهم غير أننيبغيض إلى الجاهل المتعاقل
وقولي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني فاضل
قال: وبلغ أبا الحسين بن لنكك بالبصرة ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء بغداد، واستحقارهم له، وكان حاسدا له، طاعنا عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان سقاء بالكوفة فشمت به وقال:
قولا لآهل زمان لا خلاق لهمضلوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم المتنبي فوق منيتهفزوجوه برغم أمهاتكم
لكن بغداد جاد الغيث ساكنهانعالهم في قفا السقاء تزدحم
قال: ومن قوله فيه:
متنبيكم ابن سقاء كوفانيوحي من الكنيف إليه
كان من فيه يسلح الشعر حتىسلحت فقحة الزمان عليه
ومن قوله أيضاً فيه:
ما أوقح المتنبيفيما حكى وادعاه
أبيح مالا عظيماحتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناهمن ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبياًفالجاثليق إله
ثم إن أبا الطيب المتنبي اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة
أبي الفضل بن العميد مراغما للمهلبي الوزير، فورد أرجان، وأحمد مورده، فيحكي أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، إذ ذاك شاب وحاله حويلة، ولم يكن استوزر بعد، وكتب إليه يلاطفه في استدعاء، وتضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزنا، ولم يجبه عن كتابه ولا إلى مراده، وقصد حضرة عضد الدولة
بشيراز، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية، وورود مشرع المنية، واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة، ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته، وأحفظهم لها، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان مثله معه كما قال الشاعر:
شتمت من يشتمني مغالطاًلأصرف العاذل عن لجاجته
فقال: لما وقع البزاز فيالثوب علمنا انه من حاجته
وكما قال الآخر:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونهاولم أر كالدنيا تذم وتحلب
وكما قال الآخر:
نبئت أني إذا ما غبت تشتمنيقل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع