١"يَعْلَمْنَ ذَاكِ وَمَا عَلِمْتِـ، وَإِنَّمَا
أَوْلَاكُمَا يُبْكَي عَلَيْهِ العَاقِلُ"
العكبري: الْغَرِيب الأولى الأحق والعاقل يُرِيد بِهِ الْفُؤَاد ويروي يبكي على مَا لم يسم فَاعله وروى أَبُو الْفَتْح ببكى على الْمصدر وَبهَا قَرَأت على شَيْخي الْمَعْنى يَقُول منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وَأَنت مقفرة من ذكر أهلك وَلست تذكرين منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد فأولاكما بالبكاء عَلَيْهِ الْعَاقِل يَعْنِي منَازِل الْقلب يُرِيد أَن قلبِي أولى بالبكاء لِأَنَّك جماد لَا تعلمين مَا حل بك من فرقة أهلك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح منَازِل الْحزن بقلبي تعلم مَا يمر بهَا من ألم الْهوى وَأَنت لَا تعلمين ذَاك
٢وَأَنَا الَّذِي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفُهُ
فَمَنِ المُطَالَبُ وَالقَتِيلُ القَاتِلُ
العكبري: الْغَرِيب اجتلب افتعل من الجلب وجلبت الشَّيْء أجلبه جلبا وجلبا وجلبت واجتلت بِمَعْنى وَأَصله فِيمَا يجلب للْبيع من بلد إِلَى بلد وَهُوَ فِي الْبَيْت بِمَعْنى سقته إِلَى نَفسِي والمنية من أَسمَاء الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول طرفِي جلب موتِي بِالنّظرِ فَمن أطلب بدمي وَأَنا قتلت نَفسِي وَهُوَ مَنْقُول من قَول قيس بن ذريح (وَما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكوُنَ منِيَّتي ... بكفى إِلَّا أَن من حَان حائن) وَقد أحسن دعبل بن على الْخُزَاعِيّ بقوله (لَا تعجبني يَا سلم من رجل ... ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكى) (لَا تأخذُا بظلامَتِي أحَداً ... قَلْبِي وَطَرْفي فِي دَمِي اشْتركا)
٣تَخْلُو الدِّيَارُ مِنَ الظِّبَاءِ وَعِنْدَهُ
مِنْ كُلِّ تَابِعَةٍ خَيَالٌ خَاذِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي الظّرْف عَائِدًا إِلَى قَوْله الَّذِي اجتلب وَهُوَ صلته يُرَاد بِهِ الشَّاعِر المجتلب الْغَرِيب الظباء جمع ظَبْيَة فِي الْكَثْرَة وَيجمع ظَبْي على فعول وظبيات والتابعة الَّتِي تتبع أمهَا فِي المرعى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الصَّغِيرَة من الظباء والخاذل الْمُتَأَخر وَمِنْه ظَبْيَة خاذل وخذول إِذا تَأَخَّرت عَن المرعى الْمَعْنى يَقُول تَخْلُو دِيَارهمْ من حسانها وتفارقها وخيال من أهواه لَا يفارقني وَقَالَ الواحدي تَخْلُو الديار من الحسان وَعِنْدِي من كل تَابِعَة أَي صَغِيرَة مِنْهُنَّ خيال يأتيني فَكَأَنَّهُ تَأَخّر عَنْهُن وَقَالَ تَابِعَة لِأَنَّهُ أَرَادَ صغر سنّهَا
٤"اللَّائِي أَفْتَكُهَا الجَبَانُـ، بِمُهْجَتِي
وَأَحَبُّهَا قُرْباً إِلَيَّ البَاخِلُ"
العكبري: الْإِعْرَاب اللاء قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون نعتا للظباء وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَحْمُولا على قَوْله من كل تَابِعَة لِأَن كل قد دلّت على معنى الْجمع فَإِذا حمله على الظباء كَانَ فِي مَوضِع خفض لِأَنَّهُ نعت وَإِذا حمله على كل فَهُوَ بدل معرفَة من نكرَة قَالَ وَلَو أمكنه أَن يقدم بمهجتي على الجبان لَكِن أوجه وَالْبَاء مُتَعَلقَة بأفتك وأفعل إِذا كَانَ لتفضيل لَا يعْمل شَيْئا وَهَذَا الْبَيْت مثل قَوْلك مَرَرْت بالذين أحبهم فلَان إِلَيّ فَالْوَجْه تَقْدِيم إِلَى على فلَان لِئَلَّا يفصل بَينه وَبَين أحب وَقَالَ الْخَطِيب الْبَاء مُتَّصِلَة فِي الْمَعْنى بأفتكها إِلَّا أَنه لَا يُمكن تعلقهَا بِهِ لِأَنَّهُ قد اخبر عَنهُ بقوله الجبان ومحال أَن يخبر عَن الِاسْم وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة فَلَمَّا امْتنع ذَلِك علق الْبَاء بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ أفتكها فَكَأَنَّهُ أضمر بعد ذكر الجبان فتكت بمهجتي الْغَرِيب اللاء جمع فِي الْمُؤَنَّث كَالَّذِين فِي الْمُذكر وَقد اخْتلف الْقُرَّاء فِي يائها فَقَرَأَ قنبل عَن ابْن كثير وقالون عَن نَافِع بِالْهَمْز من غير يَاء وَقَرَأَ ورش بياء مختلسة بَدَلا من الْهَمْز وَإِذا وقف صيرها يَاء سَاكِنة وقرا البزي وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء بياء سَاكِنة بَدَلا من الْهمزَة فِي الْحَالين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز وياء بعْدهَا فِي الْحَالين والفاتك الجريء وَالْجمع الفتاك والفتك أَن يَأْتِي الرجل صَاحبه وَهُوَ غافل فيشد عَلَيْهِ فيقتله وَفِيه ثَلَاث لُغَات فتك بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ سُكُون التَّاء فيهمَا وبكسر الْفَاء مَعَ سُكُون التَّاء والجبان خلاف الشجاع الْمَعْنى يَقُول أفتك هَؤُلَاءِ الظباء بمهجتي هِيَ النافرة الَّتِي أَنا مغرم بهَا والبخيلة مِنْهُنَّ بالوصل أحبهنَّ قربا إِلَيّ
٥كَافَأْنَنَا عَنْ شِبْهِهِنَّ مِنَ المَهَا
فَلَهُنَّ فِي غَيْرِ التُّرَابِ حَبَائِلُ
العكبري: الْغَرِيب المها بقر الْوَحْش تشبه النِّسَاء بِهن لسواد أعينهن والحبائل جمع حبالة الضائد الْمَعْنى يَقُول نَحن نصيد بقر الْوَحْش وَهَؤُلَاء المشبهات لبقر الْوَحْش كافأننا وأخذن بثأرهن فِي صيدنا لمشابهن فصدننا بأعينهن من غير حبائل فِي التُّرَاب
٦مِنْ طَاعِنِي ثُغَرِ الرِّجَالِ جَآذِرٌ
وَمِنَ الرِّمَاحِ دَمَالِجٌ وَخَلَاخِلُ
العكبري: الْغَرِيب الثغر جمع ثغرة وَهِي نقرة النَّحْر الَّتِي بَين الترقوتين والجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية والدملج والدملوج المعضد وَجمعه دماليج والخلخال مَا يكون من ذهب أَو فِي فضَّة فِي السَّاق الْإِعْرَاب جآذر يجوز أَن يكون فَاعل كأفاننا وَيجوز ان يكون مُبْتَدأ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ ودمالج وخلاخل مُبْتَدأ وَمن الرماح الْخَبَر يُرِيد لَهُنَّ دمالج وخلاخل يكتفين بهَا عَن الرماح الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح نسَاء مثل الجآذر بحليهن يفعلن مَا يفعل الطاعن بِالرُّمْحِ وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَفِي مَعْنَاهُ (هَل يَغْلِبَني وَاحِدٌ أقاتلُهُ ... رِيم عَلى لَبَّاتَهِ سَلاسلُهْ) (سلاحُهُ يَوْمَ الْوَغَى مَكاحلُهُ ... ) وَنَقله من قَول مُسلم بن الْوَلِيد (بارَزْتُهُ وَسِلاحُهُ خَلْخالُهُ ... حَتى فَضَضْت بِكَفِّي الخَلخْالا)
٧وَلِذَا اسْمُ أَغْطِيَةِ العُيُونِ جُفُونُهَا
مِنْ أَنَّهَا عَمَلَ السُّيُوفِ عَوَامِلُ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا سميت أغطية الْعُيُون جفونها لِأَنَّهَا ضمنت أحدقا تعْمل عمل السيوف
٨دُونَ التَّعَانُقِ نَاحِلَيْنِ كَشَكْلَتَيْ
نَصْبٍ أَدَقَّهُمَا وَضَمَّ الشَّاكِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب ناحلين حَال من وَقْفَة أَي كم وَقْفَة وقفناها ناحلين وَقَالَ الْخَطِيب هِيَ حَال من الضَّمِير فِي بِنَاء يُرِيد بِهِ وبالمحبوبة الْغَرِيب الشكلة أَرَادَ الشكلة الَّتِي تكون فِي الْإِعْرَاب وَهِي الفتحة وَهِي من قَوْلهم شكلت الدَّابَّة أَي ضبطتها والشكلة تضبط الْحُرُوف وَضم الشاكل الْكَاتِب يُرِيد بِالضَّمِّ الْقرب وَلم يرد الضَّم الَّذِي فِي الْإِعْرَاب الْمُسَمّى رفعا الْمَعْنى يَقُول وقفنا دون التعانق قرب بَعْضنَا من بعض وَلم نتعانق فكأننا لقربنا شكلتان دقيقتان جمع الْكَاتِب بَينهمَا وَهُوَ تَشْبِيه حسن شبه تقاربهما بتقرب الشكلتين ونحولهما بنحول الشكلة ووصفها بالنحول مثله لَان بهَا مَا بِهِ من الوجد وَمثل هَذَا فِي قرب التعانق لِأَنِّي إِسْحَاق الْفَارِسِي (ضَممَنهْا ضَمَّةً عُدنا بهَا جَسَدَاً ... فلَوْ رَأتْنا عُيونٌ مَا خَشِيناها) وَمثله الآخر (إنّي رَأيْتُكَ فِي نَوْمي تعانِقُنِي ... كَمَا تُعانِقُ لامُ الكاتِبِ الألِفا)
٩مَا دُمْتَ مِنْ أَرَبِ الحِسَانِ فَإِنَّمَا
رَوْقُ الشَّبَابِ عَلَيْكَ ظِلٌّ زَائِلُ
العكبري: الْغَرِيب الأرب الْحَاجة وَكَذَلِكَ الإربة وروق الشَّبَاب وريقه أَوله الْمَعْنى يَقُول مَا دَامَ للحسان فِيك حَاجَة وَطلب يَعْنِي مَا دمت شَابًّا أنعم ولذ فَإِنَّهُ ظلّ زائل عَنْك
١٠لِلَّهْوِ آوِنَةٌ تَمُرُّ كَأَنَّهَا
قُبَلٌ يُزَوِّدُهَا حَبِيبٌ رَاحِلُ
العكبري: الْغَرِيب آونة جمع أَوَان وَمِنْه بَيت الْكتاب (أَبُو حَنَشٍ يُؤَرّقُنِي وَطلْقٌ ... وَعمَّارٌ وَآوِنَةً أُثالا) وَذكر هَذَا الْبَيْت سِيبَوَيْهٍ على ترخيم أثالة فِي غير النداء ضَرُورَة على قَول من قَالَ يَا حَار وَقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول للهو واللعب أَو أَن يمر سَرِيعا كزويد الحبيب الراحل من عنْدك قبلا فَهِيَ لذيذة وَلكنهَا وشيكة الذّهاب كَذَلِك سَاعَات اللَّهْو وَأَيَّام السرُور قصار
١١جَمَحَ الزَّمَانُ فَمَا لَذِيذٌ خَالِصٌ
مِمَّا يَشُوبُ وَلَا سُرُورٌ كَامِلُ
العكبري: الْغَرِيب الْجِمَاع الْإِسْرَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ أَي يسرعون﴾ والجموح من الرِّجَال الَّذِي يركب هَوَاهُ فَلَا يُمكن رده قَالَ الشَّاعِر (خَلَعْتُ عذاَرِي جامِحا مَا يَبرُدُّني ... عَنِ البيِضِ أمثْالِ الدُّمى زَجْرُ زَجِرِا) وجمح الْفرس إِذا غلب فارسه وجمحت الْمَرْأَة إِذا خرجت من بَيت زَوجهَا إِلَى أَهلهَا بِغَيْر طَلَاق قَالَ الراجز (إِذا رَأتْنِي ذاتُ ضِعنٍ حَنَّتِ ... وجّمَحَتْ مِن زَوْجِها وَأنَّتِ) والمشوب الْمُخْتَلط الْمَعْنى يَقُول جمح الزَّمَان أَي قهر وَغلب فَمَا تخلص اللَّذَّة من أَذَى يشوبها بِهِ الدَّهْر فَلَا يكمل سرُور الْإِنْسَان وَهُوَ من قَول الآخر (وَكَذاكَ لَا خَيْرٌ على الدُّنيا وَلا شَرٌّ يُداَم ... )
١٢حَتَّى أَبُو الفَضْلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رُؤْ
يَتُهُ المُنَى وَهْيَ المَقَامُ الهَائِلُ
العكبري: الْغَرِيب الهائل المهيب المخيف والمنى جمع منية الْمَعْنى يَقُول كل شَيْء لَا تخلص اللَّذَّة فِيهِ وَلَا بُد من شَيْء ينغصه حَتَّى أَبُو الْفضل هَذَا الممدوح رُؤْيَته أماني النَّاس فَإِذا وصلوا إِلَيْهَا تغصتها عَلَيْهِم هيبته وَهُوَ منظره قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا خُرُوج مَا روى أعرب مِنْهُ
١٣مَمْطُورَةٌ طُرُقِي إِلَيْهَا دُونَهَا
مِنْ جُودِهِ فِي كُلِّ فَجٍّ وَابِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب الْهَاء فِي إِلَيْهَا ودونها للرؤية فِي رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأت وروى غَيره إِلَيْهِ دونه رَاجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع والوابل الْمَطَر الْكثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يصبهَا وابل فطل﴾ الْمَعْنى يَقُول طرق إِلَى رُؤْيَة الممدوح أَو إِلَى الممدوح ممطورة بآثار إحسانه فَالنَّاس يصلونَ إِلَى إحسانه قبل الْوُصُول إِلَيْهِ
١٤"مَحْجُوبَةٌ بِسُرَادِقٍ مِنْ هَيْبَةٍ
تُثْنَى الأَزِمَّةُ، وَالمَطِيُّ ذَوَامِلُ"
العكبري: الْغَرِيب السرادق مَا كَانَ حول الشَّيْء يمنعهُ وَيمْنَع مَا فِيهِ والسرادق الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق قَالَ رؤبة بن العجاج (يَا حَكمَ بنِ المُنْذِرِ بن الجارُودْ ... سُرادقُ المْجدِ علَيْك ممْدُود) والأزمة جمع زِمَام والذوامل السائرات سير الذميل وَهُوَ الْمُرْتَفع عَن الْعُنُق وَمثله الرسيم الْمَعْنى يَقُول رُؤْيَته محجوبة بسرادق من هيبته قَالَ الواحدي أَي الطّرق إِلَيْهِ محجوبة وَالْبَيْت يدل على أَنه يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهِ لهيبته وان هيبته ترد عَنهُ الْمطِي الذوامل إِلَيْهِ وَهَذَا إِلَى الهجاء أقرب مِنْهُ إِلَى الْمَدْح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ على الطّرق إِلَيْهِ سرادقا يمْنَع من الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره وَالنَّاس أبدا ينحون نَحوه وَقَالَ ابْن فورجة أَلا يعلم أَبُو الْفَتْح أَن الهيبة تثنى الزائر عَن الألتقاء بِهِ وَلَا تثنى زائر غَيره إِلَيْهِ وَمَا قيل فِي هَذَا الْبَيْت يدل على هَذَا يَقُول رُؤْيَته محجوبة بالهيبة الَّتِي لَو أَن مطيا ذملت فِي سَيرهَا واعترضتها هَذِه الهيبة لَا نثنت وَعدلت وَلم تقدم إشفاقا من الْإِقْدَام واستعظاما للهجوم
١٥لَوْ لَمْ يُهَبْ لَجَبُ الوُفُودِ حَوَالَهُ
لَسَرَى إِلَيْهِ قَطَا الفَلَاةِ النَّاهِلُ
العكبري: الْغَرِيب لجب أصوات الْوُفُود وهم الَّذين يفدون عَلَيْهِ يطْلبُونَ الْعَطاء وَيُقَال حوله وحواليه وحواله وحوليه والناهل الشَّارِب الأول دون العال الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم تخف القطا أصوات الْوُفُود لسرت إِلَيْهِ لتشرب مِنْهُ وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَن القطا يرَاهُ مَاء معينا فيهم يوروده ويشفق من لجب الْوُفُود على عَادَة الطير قَالَ الواحدي لعُمُوم نَفعه تهم الطير بالوفود عَلَيْهِ لتنقع غَلَّتهَا وَلَيْسَ هُوَ مَاء يشرب أَو يرَاهُ الطير كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ
١٦يَدْرِي بِمَا بِكَ قَبْلَ تُظْهِرُهُ لَهُ
مِنْ ذِهْنِهِ وَيُجِيبُ قَبْلَ تُسَائِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ قبل أَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَمَّا حذف حرف النصب رد الْفِعْل إِلَى الرّفْع الْمَعْنى يَقُول هُوَ لذكائه يدْرِي مَا تطلب قبل أَن تظهره لَهُ وَمن حِدة ذهنه يجب قبل أَن تسائل
١٧"كَلِمَاتُهُ قُضُبٌـ، وَهُنَّ فَوَاصِلٌ
كُلُّ الضَّرَائِبِ تَحْتَهُنَّ مَفَاصِلُ"
العكبري: الْغَرِيب قضب جمع قاضب فواصل تفصل كَمَا يفصل بَين الْخُصُوم والمفاصل جمع مفصل الْمَعْنى يَقُول كَلِمَاته سيوف فواصل أَيْنَمَا أَصَابَت فصلت كالسيوف الَّتِي تقضب المفاصل يُرِيد أَنَّهَا تفصل بَين الْخُصُوم فِي الْأَحْكَام كَمَا تفصل السيوف إِذا ضربت على المفاصل
١٨هَزَمَتْ مَكَارِمُهُ المَكَارِمَ كُلَّهَا
حَتَّى كَأَنَّ المَكْرُمَاتِ قَبَائِلُ
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن مكارمه هزمت مَكَارِم النَّاس فَكَأَن المكارم قبائل غلبت قبائل يُرِيد أَن مكارمه كَثِيرَة تغلب مَكَارِم النَّاس كلهَا
١٩وَقَتَلْنَ دَفْراً وَالدُّهَيْمَ فَمَا تَرَى
أُمُّ الدُّهَيْمِ وَأُمُّ دَفْرٍ هَابِلُ
العكبري: الْغَرِيب دفر والدهيم اسمان من أَسمَاء الداهية والدفر النن وَسميت الداهية بِهِ لخبثها وَيُقَال للدنيا أم دفر لخبثها وأصل الدهيم أَن نَاقَة كَانَ أسمها الدهيم حملت رُؤُوس قوم فَقَالُوا أثقل من حمل الدهيم فَصَارَت مثلا وَكَانَت الدهيم لعَمْرو بن ربان وَكَانَ لَهُ جمَاعَة بَنِينَ فَقتلُوا وحملت رؤوسهم على الدهيم وخليت فَذَهَبت إِلَى بَيت أَبِيهِم عَمْرو فرأت النَّاقة أمة لَهُ وفوقها الرؤوس وَهِي لَا تعلم مَا هِيَ فَقَالَت لقد جنى بنوك اللَّيْلَة بيض النعام فَضربت الْعَرَب بهَا الْمثل وَتقول أم الدهيم وَالْعرب تَقول صحبتهم الدهيم وهابل ثاكل وهبلت الْمَرْأَة وَلَدهَا ثكلته فَهِيَ هابل والهبل الثكل وَقيل سميت الدُّنْيَا أم دفر لأجل رِيحهَا فَتكون من كَرَاهَة الرَّائِحَة يُرِيدُونَ أَنَّهَا خبيثة وَيجوز أَن يكون من الدّفع من دفرت أَي تدفع النَّاس فتخرجهم مِنْهَا الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ فَمَا تريان فاكتفي بضمير الْوَاحِد من الِاثْنَيْنِ وَقَالَ صدر الْبَيْت يتم بِهِ الْكَلَام وَأم الدهيم ابْتِدَاء وهابل خير لأم دفر وَأم الدهيم وَتَقْدِيره أم الدهيم هابل وَأم دفر كَذَلِك وَيجوز أَن يكون اكْتفى بضمير الْوَاحِد كَمَا قَالَ الآخر (لِمَنْ زُحْلُوفَةٌ زَلُّ ... بِها العَينْان تَنْهلُّ) وَلم يقل تنهلان لاكتفائه بِأحد الضميرين دون الآخر وَقَول الْخَطِيب أوجه من قَول أبي الْفَتْح أَن يكون النّصْف الثَّانِي مُتَعَلقا بالاول وَأم الدهيم مَرْفُوع مَا لم يسم فَاعله وَالْوَاو فِي وَأم دفر وَاو عطف عطف جملَة على جملَة وَأم دفر مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ وَالْمعْنَى فَمَا ترى أم الدهيم يَعْنِي أَنَّهَا نفدت وَلَيْسَت ترى وَأم دفر هابل وَقد استغنينا عَن تكلفه فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مكارمه أفنت وأذهبت الْأُمُور الشدائد والدواهي حَتَّى نفدت فَكَأَن أمهَا صَارَت ثاكلة فَلَا تعرف الخطوب لِأَن مكارمه أعدمتها وانفدتها
٢٠"عَلَّامَةُ العُلَمَاءِ وَاللُّجُّ الَّذِي
لَا يَنْتَهِيـ، وَلِكُلِّ لُجٍّ سَاحِلُ"
العكبري: الْغَرِيب اللج مُعظم المَاء والساحل المرسى الَّذِي يرسى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعلم النَّاس وَالْعُلَمَاء وَهُوَ فِي جوده لج لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى وكل لج لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى
٢١لَوْ طَابَ مَوْلِدُ كُلِّ حَيٍّ مِثْلَهُ
وَلَدَ النِّسَاءُ وَمَا لَهُنَّ قَوَابِلُ
العكبري: الْغَرِيب القوابل جمع قَابِلَة وَهِي الَّتِي تشارف الْمَرْأَة عِنْد الْولادَة الْمَعْنى لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا الممدوح لولد النِّسَاء وَلَا قوابل لَهُنَّ يشاهدنهن يَعْنِي لِأَنَّهُ أَرَادَ مثل مولده فِي الطّيب وَالطَّهَارَة وَلِهَذَا نصب مثله يُرِيد لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا
٢٢لَوْ بَانَ بِالكَرَمِ الجَنِينُ بَيَانَهُ
لَدَرَتْ بِهِ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى الحَامِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب أَرَادَ أذكر أم أُنْثَى فَحذف همزَة الاستفهام لدلَالَة أم عَلَيْهَا كَقَوْل عمر بن أبي ربيعَة (فَوَ اللهِ مَا أدرِي وَإنْ كُنْتُ دارِيا ... بسَبْعٍ رَمَينَ الجَمْر أمْ بثمانِ) الْغَرِيب الْجَنِين الْوَلَد إِذا كَانَ فِي الْبَطن وَالْجمع أجنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ الْمَعْنى يَقُول لَو بَان الْجَنِين بَيَانه بِالْكَرمِ لعرف الذّكر من الْأُنْثَى وَالْمعْنَى لما بَان كرمه حِين كَانَ جَنِينا ظَاهر الْكَرم عرف أَنه مَوْلُود كريم فَلَو بَان حَال الْجَنِين تبيان كرمه لعرف الذّكر من الْأُنْثَى
٢٣لِيَزِدْ بَنُو الحَسَنِ الشِّرَافُ تَوَاضُعاً
هَيْهَاتَ تُكْتَمُ فِي الظَّلَامِ مَشَاعِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب يَقُول زَاد الشَّيْء وزدته أَنا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وزدناهم هدى﴾ وَأَرَادَ لِيَزْدَادَ الْغَرِيب المشاعل جمع مشعل وَهُوَ مَا يضرم فِيهِ النَّار ليهتدي بِهِ فِي الْأَسْفَار وَغَيرهَا الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَأْمُرهُم بِأَن يزدادوا تواضعا فَإِن فضائلهم لَا تكْتم بالتواضع وَضرب بذلك مثلا بكتمان المشاعل فِي الظلام فَإِنَّهَا لَا تخفى وَمَتى كَانَ الظلام أَشد كَانَت أظهر كَذَلِك مَتى كَانَ تواضعهم أَكثر كَانَت فضائلهم اكثر وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ لهَذَا الممدوح نسب فِي ولد الْحسن بن عَليّ ﵉ فامرهم بالتواضع لأَنهم كلما ازدادوا فِي التَّوَاضُع ظهر شرفهم وَإِن أخفوا نسبهم لَا ينكتم كَمَا ان المشاعل لَا تنكتم فِي الظلام
٢٤"سَتَرُوا النَّدَى سَتْرَ الغُرَابِ سِفَادَهُ
فَبَدَا، وَهَلْ يَخْفَى الرَّبَابُ الهَاطِلُ"
العكبري: الْغَرِيب سفد بِالْكَسْرِ يسفد سفادا وَهُوَ نزو الذّكر على الْأُنْثَى يُقَال ذَلِك فِي التيس وَالْبَعِير والثور وَالطير وَالسِّبَاع وَحكى أَبُو عُبَيْدَة سفد بِالْفَتْح وأسفده غَيره والرباب غيم يتَعَلَّق بأسافل السَّحَاب إِذا كثر مَاءَهُ الْمَعْنى يَقُول هم يكتمون معروفهم كَمَا يكتم الْغُرَاب سفاده ثمَّ ذَلِك لَا يكتم كَمَا لَا يخفي السَّحَاب الهاطل
٢٥جَخَفَتْ وَهُمْ لَا يَجْخَفُونَ بِهَا بِهِمْ
شِيَمٌ عَلَى الحَسَبِ الأَغَرِّ دَلَائِلُ
العكبري: الْغَرِيب الجفخ الْفَخر جفخ تكبر وفخر مثل جخف وجمح فَهُوَ جفاخ وحماح وَذُو جفخ والشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة والعلامة والأغر الْأَبْيَض الْوَاضِح الْمَعْنى هَذَا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير تَقْدِيره جفخت بهم شيم وفخرت وهم لَا يفخرون بهَا وشيمهم دَلَائِل على حسبهم الظَّاهِر وَهُوَ مَا يعد من مآثر الْآبَاء وَقَالَ ابْن وَكِيع فِي معنى الْبَيْت الاول وَهَذَا من قَول حبيب (أرَادُوا لِيُخْفُوا قَبرَهُ عَنْ عَدُوّه ... وَطِيبُ تُرابِ القَبرِ دَلّ عَلى القَبرِ)
٢٦مُتَشَابِهِي وَرَعِ النُّفُوسِـ: كَبِيرُهُمْ
وَصَغِيرُهُمْ عَفُّ الإِزَارِ حُلَاحِلُ
العكبري: الْغَرِيب يُقَال عف وعفيف والحلاحل السَّيِّد الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هم ورعون يشبه ورعهم ورع بعض وشا بهم عفيف الْإِزَار كِنَايَة عَن ترك الزِّنَا وعف مثل طب وعفيف مثل طَبِيب وَالْمعْنَى أَنهم أهل ورع كبارهم وصغارهم عفيفون
٢٧"يَا افْخَرْ فَإِنَّ النَّاسَ فِيكَ ثَلَاثَةٌ:
مُسْتَعْظِمٌـ، أَوْ حَاسِدٌ، أَوْ جَاهِلُ"
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد يَا هَذَا افخر فَحذف المنادى كَقِرَاءَة عَليّ بن حَمْزَة أَلا يسجدوا لله الَّذِي يخرج الخبء وَيجوز أَن يكون جعله تَنْبِيها بِمَنْزِلَة أَلا كَقَوْل ذِي الرمة (أَلا يَا اسْلمَى يَا دَارَ مَيَّ على البِلَي ... وَلَا زَالَ مُنهَلاً يَجَزْعائِكِ القْطرُ) وَمثله فِي الشّعْر كثير الْمَعْنى يَقُول النَّاس فِيك ثَلَاثَة أَقسَام إِمَّا مستعظم يستعظمك لما يرى من عظمتك أَو حَاسِدًا يحسدك على فضلك أَو جَاهِل يجهل قدرك
٢٨لَا تَجْسُرُ الفُصَحَاءُ تُنْشِدُ هَا هُنَا
بَيْتاً وَلَكِنِّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ
العكبري: الغربي الهزبر الْأسد والباسل الشَّديد الْمَعْنى يَقُول من هيبتك ومعرفتك وانتقادك الشّعْر جيده من رديئه لَا يهجم أحد من الشُّعَرَاء الفصحاء على الإنشاد بَين يَديك وَلَكِنِّي لجودة شعري أجسر على الْإِنْشَاء بَين يَديك قَالَ الواحدي أَجود مَا قبل فِي هَذَا قَول أبي نصر بن نباتة (ويْلمَّها عِنْد السُّرادِقِ هَيْبّةً ... لَوْ سالمَتْ قَصب العِظامِ خَصائلِي) (نَفَضَتْ عَلىَّ مِنَ الْقُبوَلِ محبَّةً ... قامَتْ بِضبْعِي فِي المَقامِ الهَائِلِ)
٢٩"مَا نَالَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ كُلُّهُمْ
شِعْرِيـ، وَلَا سَمِعَتْ بِسِحْرِي بَابِلُ"
العكبري: الْغَرِيب بابل مَوضِع بالعراق بَين الْكُوفَة وبغداد وَإِلَيْهِ ينْسب السحر وَفِيه كَانَ نزُول الْملكَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الله ﵎ فِي سُورَة الْبَقَرَة الْمَعْنى يَقُول مَا نَالَ شعراء الْجَاهِلِيَّة شعري كامرئ الْقَيْس وَزُهَيْر وطرفة ولبيد وَغَيرهم وَلَا سمع أهل بابل بسحري يصف نَفسه بالفصاحة
٣٠مَنْ لِي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعِي
أَنْ يَحْسِبَ الهِنْدِيَّ فِيهِمْ بَاقِلُ
العكبري: الْغَرِيب بِأَقَلّ رجل يُوصف بالعي من الْعَرَب يضْرب بِهِ الْمثل وَذَلِكَ أَنه اشْترى ظَبْيًا بِأحد عشر درهما فَمر بِقوم فَقيل لَهُ بكم اشْتَرَيْته فعيي عَن الْجَواب فَفتح يَدَيْهِ وَفرق أصابعهما وَأخرج لِسَانه يُرِيد أحد عشر درهما فَأَفلَت الظبي فَصَارَ مثلا فِي العي قَالَ حميد الأرقط يهجو ضيفا (أَتَانَا وَما دَاناهُ سَحْبانُ وَائلٍ ... بَيانا وَعلْما بالذِّي هُوَ قائِلُ) (فَما زَالَ عَنْهُ اللَّقْمُ حَتى كأنَّهُ ... مِنَ العيّ لِّما أنْ تَكَلَّمَ باقِلُ) الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بَاقِل لم يُؤْت من سؤ حسابه وَإِنَّمَا أَتَى من سؤ عِبَارَته وَلَو قَالَ أَن يفحم الخطباء فيهم بَاقِل أَو نَحْو هَذَا لَكَانَ أسوغ قَالَ الواحدي وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِن باقلا كَمَا أَتَى من الْبَيَان أَتَى من الْحساب فَإِنَّهُ لَو بنى من سبابته وإبهامه دَائِرَة وَمن خِنْصره عقدَة لم يفلت مِنْهُ الظبي فصح قَول أبي الطّيب فِي نسبته إِلَى جهل الْحساب وَمعنى الْبَيْت يَقُول من يكفل لي بفهم أهل عصر يدعونَ أَن باقلا كَانَ يعلم حِسَاب الْهِنْد مَعَ سؤ علمه بِالْحِسَابِ يُرِيد أَنهم جهال لَا يعْرفُونَ الْجَاهِل من الْعَالم وَلَا النَّاقِص من الْفَاضِل وَصغر الْأَهْل تحقيرا لَهُم
٣١وَأَمَا وَحَقِّكَ فَهْوَ غَايَةُ مُقْسِمٍ
لَلْحَقُّ أَنْتَ وَمَا سِوَاكَ البَاطِلُ
العكبري: الْغَرِيب مقسم بِكَسْر السِّين الْحلف وَبِفَتْحِهَا الْقسم الْمَعْنى يَقُول لَهُ وَيقسم إِنَّك الْحق وَمَا سواك بَاطِل
٣٢الطِّيبُ أَنْتَ إِذَا أَصَابَكَ طِيبُهُ
وَالمَاءُ أَنْتَ إِذَا اغْتَسَلْتَ الغَاسِلُ
العكبري: الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح بِنصب المَاء وَهِي روايتنا وَتَقْدِيره أَنْت إِذا اغْتَسَلت الْغَاسِل المَاء إِلَّا ان انتصابه على هَذَا لَيْسَ على الْغَاسِل لِأَن الصِّلَة لَا تعْمل فِيمَا قبل الْمَوْصُول كَمَا لَا يجوز زيدا أَنْت الضَّارِب وَلكنه مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْغَاسِل أَي وتغسل المَاء إِذا اغْتَسَلت وَصَارَ قَوْله أَنْت إِذا اغْتَسَلت بَدَلا مِنْهُ ودالا عَلَيْهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى﴾ لِأَنَّهُ نَصبه بالرجع فَهُوَ من صلته وَلَا يفصل بَين الصِّلَة والموصول بالْخبر وَإِذا لم يُمكن حمله فِي الْإِعْرَاب عَلَيْهِ وَكَانَ الْمَعْنى مَعَ ذَلِك يَقْتَضِيهِ أضمر لَهُ فعل ينصبه دلّ عَلَيْهِ الرجع تَقْدِيره يرجعه يَوْم تبلى السرائر يقدر بعد الْخَبَر وروى غير أبي الْفَتْح بِرَفْع المَاء عطفا على الطّيب وَقَالَ أَنْت مُبْتَدأ والغاسل خَبره وَالتَّقْدِير الغاسله بِإِرَادَة الْهَاء إِذا اغْتَسَلت وإعراب الْبَيْت الطّيب مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان وطيبه خبر أَنْت وَتَقْدِيره الطّيب أَنْت طيبه إِذا أَصَابَك وَالْمَاء وَأَنت الغاسله إِذا اغْتَسَلت الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك أطيب من الطّيب وأطهر من المَاء إِذا اغْتَسَلت وَهُوَ من قَول ابْن الجويرية (تَزِينُ الحَلْىَ إنْ لَبِسَتْ سُلَيْمي ... وَتحْسُنُ حِينَ تَلْبَسُها الثِّيابُ) وكقول الآخر (وَإذا الدُّرُّ زَانَ حُسْنَ وُجُهٍ ... كانَ لِلدُّرّ حُسْنُ وَجْهكِ زَيْنا) (وَتَزِيدينَ أطْيَبَ الطيبِ طِيبا ... أنْ تَمَسَّيهِ أينَ مِثْلُكَ أيْنا)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.