من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
ذكر ابتداء أمره
ذكرت الرواة أنه ولد بالكوفة في كنده سنة ثلاث وثلاثمائة، وأن أباه
سافر إلى بلاد الشام، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها، ومن مدرها إلى وبرها، ويسلمه في المكاتب، ويردده في القبائل. ومخايله نواطق الحسنى عنه. وضوامن النجح فيه، حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع. وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده، وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والى البلدة، ورفع إليه ما هم به من الخروج. فأمر بحبسه وتقيده، وهو القائل في الحبس قصيدته التي أولها:
أيا خدد الله ورد الخدودوقد قدود الحسان القدود
ومنها استعطافه ذلك الأمير والتنصل مما قذف به:
أمالك رقي، ومن شأنههبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجاء، والموت منى كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلىوأوهن رجلي ثقل الحديد
ومنها:
وقد كان مشيهما في النعالفقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفلفها أنا في محفل من قرود
تعجل في وجوب الحدودوحدي قبل وجوب السجود!
أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب على الصلاة بعد، ويجوز أن يكون قد صغر سنه وأمر نفسه عند الوالي، لأن من كان صبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف
ونم شعره في الحبس ما كتب به إلى صديق له قد كان أنفذ إليه مبرة (من المسرح):
أهون بطول الثواء والتلفوالسجن والقيد، يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برك بيوالجوع يرضي الأسود بالجيف
يشبه قول أبي عيينة (من مخلع البسط):
ما أنت إلا كحلم ميتدعا لي إلى أكله اضطرار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع