من «أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
حل الصاحب وغيره نظم المتنبي قطعة من حل الصاحب وغيره نظم المتنبي واستعانتهم بألفاظه ومعانيه في الترسل
فصل له من رسالة في وصف قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة (كذا) فقد الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام
قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها، وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والأنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار. فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين ومثواهم القديم، نهزة الحوادث، وفرصة البوائق. ومجر العوالي، ومجرى السوابق. وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما (من
الكامل):
حتى أتي الدنيا ابن بجدتهافشكا إليه السهل والجبل
والآخر:
تذكرت ما بين العذيب وبارقمجر عوالينا ومجرى السوابق
وفصل له - لئن كان الفتح جليل الخطر، عظيم الأثر، فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسراراً في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها. وهو من قول أبي الطيب:
ولله سر في علاك، وإنماكلام العدى ضرب من الهذيان
فصل - ولو كان ما أحسنه شظية في قلم كاتب لما غيرت خطه، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه. وهو من قول أبي الطيب:
ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من خط كاتب
وقول نصر:
ضنيت حتى صرت لو زج بيفي ناظر النائم لم ينتبه
ومنه أخذ ابن العميد قوله:
فلو أن أبقيت في جسدي قذىفي العين لم يمنع من الإعفاء
فصل للصاحب في التعزية - إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه،
والأسوة في الدين وما يجب فيه. لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى والأسى بمذهبه. فكيف لنا بتعزية عند حادث رزيته، إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه. وإنما هو حل من قولي أبي الطيب:
أنت يا فوق أن يعزي عن الأحبابفوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاكقال الذي له قلت قبلا
وفصل له - وقد أثني عليه ثناء لسان الزهر، على راحة المطر وهو من قول أبي الطيب:
وذكى رائحة الرياض كلامهاتبغي الثناء على الحيا فيفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي:
شكرت نعمة الولي على الوسميثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناءطيب النشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأرواحمسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ البحر في وصف مراكبه وعجائبه:
وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكرة، سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلالا يفضل عن التبرض، وثمداً لا يكثر عن الترشف:
وكم من جبال جبت تشهد أنني الجبالوبحر شاهد أنني البحر
وله من رسالة في التهنئة ببنت أولها - أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، ثم يقول فيها:
ولو كان النساء كمثل هذيلفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
وهما لأبي الطيب من قصيدة في مرثية والدة سيف الدولة إلا يقول:
ولو كان النساء كمن فقدنا
وللصاحب من كتاب تعزية - وقلنا: قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل ولا يصل الصروف بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف، فأبي حكم الملوين، وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر
بالماضي:
وعاد في طلب المتروك تاركهإنا لنفعل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتاً كان بينهماكأنه الوقت بين الورد والقرب
أقول: هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الراحلة والرحل، لا يترك الموت ساعيا على وجه الأرض، حتى ينقله إلى بطن الترب من:
نحن بنو الموتى فما بالنانعاف ما لابد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوهوهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره. ولو ذكرت نظائره لامتد نفس هذا الباب. وليس هو بأوحد في الاقتباس من كلامه، هذا أبو إسحاق الصابي رسيله في ذلك وزميله، وقد قرأت له غير فصل فيما أشرت إليه، ونبهت عليه: فمنه ما كتب في تقريظ - شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة، ولقد آتاه الله في اقتبال العمر جوامع الفضل وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة. وإنما هو حل نظم أبي الطيب، وإن كان في معنى آخر:
لا تجد الخمر في مكارمهإذا انتشى خلة تلافاها
وأخذ من قول البحتري:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهمفما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما
ومنه ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء - منزلة قاضي القضاة
تجل عن التهنئة، لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر، ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق لها عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال، جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب المتنبي عناه أو حكاه بقوله
فوق السماء وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غاية نزلوا
ومنه ما كتب - وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل. وإنما هو من قول أبي الطيب:
وعدت إلى حلب ظافراكعود الحلي إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر:
ألا إن حل الشعر زينة كاتبولكن منهم من يحل فيعقد
وممن يحذو حذوهما الأستاذ أبو العباس أحمد إبراهيم الضبي، وما أظرف ما قرأت له في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن، روضة حزن بل جنة عدن. وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. وهو من بيت أبي الطيب:
كأن كل سؤال في مسامعهقميص يوسف في أجفان يعقوب
وفصل لأبي بكر الخوارزمي - وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء،
وامتلأت من ذكره الأرض والسماء، وأبصره الأعمى بلا عين، وسمه الأصم بلا أذن. وهو حل نظم أبي الطيب:
تنشد أثوابنا مدائحهبألسن ما لهن أفواه
إذا مررنا على الأصم بهاأغنته عن مسمعيه عيناه
ولأبي بكر من رسالة - ولقد تساوت الألسن حتى الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم. وهو قول أبي الطيب:
ولا تبال بشعر بعد شاعرهقد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وهذا ميدان عريض، وشوط بطين، وفيما ذكرته كفاية.
ولاستراقات الشعراء من أبي الطيب باب هذا مكانه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع