تجاوز إلى المحتوى

تذكرت ما بين العذيب وبارق

المتنبيالطويلالعصر العباسي

اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه

عن القصيدة

«تذكرت ما بين العذيب وبارق» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٧ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف القاف.

بحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن · قصائد أخرى رويّها القاف

من هذه القصيدة في كتب التراث

معنى قول المتنبي

سَقَتني بِها القُطرُبُّلِيَّ مَليحَةٌ

عَلى كاذِبٍ مِن وَعدِها ضَوءُ صادِقِ

قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول سقتني الشراب القطربلي امرأة مليحةٌ على وعدها الكاذب ضوء الوعد الصادق أي يستحسن كلامها فيقبل كذبها قبول الصدق ويجوز أن يريد أنها تقرب الأمر وتعد كأنها تريد الوفاء بذلك فهو ضوء الصدق ويجوز أن يريد أن الوعد الكاذب منها محبوب مطلوبٌ

شرح القصيدة بيتًا بيتًا
  1. ١

    تَذَكَّرتُ ما بَينَ العُذَيبِ وَبارِقِ

    مَجَرَّ عَوالينا وَمَجرى السَوابِقِ

    الواحدي: العذيب وبارق موضعان معروفان ويجوز أن يكون ما بينهما ظرفا للتذكر والظاهر أنه ظرف للمجر والمجرى ويحمل الكلام على أني جعل ما بين العذيب مفعول تذكرت ويجعل مجر عوالينا بدلا منه على أن يكون بدل الاشتمال كأنه قال مجر عوالينا فيه فحذف للعلم به ويجوز أن تكون ما زائدة والمعنى أنهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين وكانوا يجرون الرماح عند مطاردة الفرسان ويسابقون على الخيل والمجرى بفتح الميم وضمها يكونان مصدرا ومكانا

  2. ٢

    وَصُحبَةَ قَومٍ يَذبَحونَ قَنيصَهُم

    بِفَضلَةِ ما قَد كَسَّروا في المَفارِقِ

    الواحدي: وتذكرت صحبة قومٍ صعاليك يذبحون ما يصيدون بما بقي من نصول سيوفهم التي قد كسروها في الرؤوس وفي هذا إشارة إلى جودةٍ ضربهم وقوةِ سواعدهم

  3. ٣

    وَلَيلاً تَوَسَّدنا الثَوِيَّةَ تَحتَهُ

    كَأَنَّ ثَراها عَنبَرٌ في المَرافِقِ

    الواحدي: الثوية موضع بقرب الكوفة يقول تذكرت ليلا اتخذنا فيه هذا المكان وسائد لنا أي نمنا عليه وكان طيب التراب وكأن ثراها الذي تتربت به مرافقنا حين اتكأنا عليها عنبر فيها قال ابن الصعلوك الفاتك لا وسادة له قال العروضي فيما استدرك عليه ألا ينظر أبو الفتح إلى قوله توسدنا الثوية وإنما يصف تصعلكه وتصعلك اصحابه وصبرهم على شدائد السفر وإن الفضلات المكسرة من السيوف مداهم والأرض وسائدهم لنه وضع رأسه على المرفق من يده وإنما سميت الوسادة مرفقةً لأن المرفق يوضع عليها ولا يفتخر الصعلوك بوضع الرأس على الوسادة وهذا من قول البحتري، في رأس مشرفةٍ حصاها لؤلؤ، وترابها مسك يشاب بغنبرِ،

  4. ٤

    بِلادٌ إِذا زارَ الحِسانَ بِغَيرِها

    حَصا تُربِها ثَقَّبنَهُ لِلمَخانِقِ

    الواحدي: أي إذا حمل حصى هذه البلاد إلى النساء الحسان بأرض غيرها ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته والحصى مرفوع بفعله وهو قول البحتري حصاها لؤلؤ

    العكبري: الْغَرِيب المخانق الْعُقُود وَاحِدهَا مخنق والحسان النِّسَاء وَاحِدهَا حسناء الْمَعْنى يَقُول إِذا حمل حَصى هَذِه الأَرْض إِلَى النِّسَاء الحسان بِأَرْض غَيرهَا ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته وفاعل زار حَصى تربها قَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا أَرَادَ مَا يُوجد حول الْكُوفَة من الْحَصَى الفرومى ذ أى أَن تُرَاب تِلْكَ الأَرْض يَنُوب عَن العنبر وحصباءها تنوب عَن الدّرّ والياقوت كَأَن النِّسَاء يتحلين بِهِ وينظمنه فى عقودهن وَفِيه نظر إِلَى قَول دعبل (فكأنَّمَا حَصْباؤُها فِى أرْضِها ... خَرَزُ العَقِيقِ نُظِمْنَ فىِ سِلْكِ)

  5. ٥

    سَقَتني بِها القُطرُبُّلِيَّ مَليحَةٌ

    عَلى كاذِبٍ مِن وَعدِها ضَوءُ صادِقِ

    الواحدي: قطربل موضع معروف تنسب إليه الخمر ومنه قول ابن هانيء، قطربلٌ مربعي ولي بقربي الكرخ مصيف وأمي العنبُ، يقول سقتني الشراب القطربلي امرأة مليحةٌ على وعدها الكاذب ضوء الوعد الصادق أي يستحسن كلامها فيقبل كذبها قبول الصدق ويجوز أن يريد أنها تقرب الأمر وتعد كأنها تريد الوفاء بذلك فهو ضوء الصدق ويجوز أن يريد أن الوعد الكاذب منها محبوب مطلوبٌ

    العكبري: الْغَرِيب القطربلى شراب مَعْرُوف مَنْسُوب إِلَى قطربل ضَيْعَة من أَعمال بَغْدَاد ينْسب إِلَيْهَا الْخمر وَمِنْه قَول أَبى نواس (قُطْرُبُّلٌ مَرْبَعِى وَلى بقُرَى الْكَرْخِ ... مَصِيفٌ وأُمِّى الْعِنَبُ) الْمَعْنى يَقُول سقتنى بِتِلْكَ الأَرْض شرابًا فى غَايَة الْجَوْدَة امْرَأَة مليحة فتانة سَاحِرَة خداعة على كَاذِب من وعدها ضوء صَادِق أى يستحسن كَلَامهَا فَيقبل كذبهَا قبُول الصدْق وَقَالَ الواحدى وَيجوز أَن يُرِيد أَنَّهَا تقرب الْأُمُور وتبعدها كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْوَفَاء بذلك فَهُوَ ضد الصدْق وَيجوز أَن يُرِيد أَن الْوَعْد الْكَاذِب مِنْهَا مَحْبُوب وَهُوَ من قَول النميرى (تُعَلِّلُهُ مِنْها غَدَاةَ يَرَى لَهَا ... ظَوَاهِرَ صِدْقٍ والبَوَاطِنُ زُورُ)

  6. ٦

    سُهادٌ لِأَجفانٍ وَشَمسٌ لِناظِرٍ

    وَسُقمٌ لِأَبدانٍ وَمِسكٌ لِناشِقِ

    الواحدي: قال ابن جنى أي قد اجتمعت فيها الأضداد فعاشقها لا ينام شوقا إليها وإذا رآها كأنه يرى بها الشمس وهي سقم لبدنه ومسك عند شمه هذا كلامه وقد جعل البيت من صفة المليحة وقال العروضي البيت من صفة القطربلي والخمر تجمع هذه الأوصاف فإن من اشتغل بشربها لهى عن النوم وهي بشعاعها كالشمس للناظر وهي ترخى الأعضاء فيصير شاربها كالسقيم لعجزه عن النهوض وهي طيبة الرائحة فهي مسك لمن شمها

    العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد اجْتمعت فِيهَا هَذِه الأضداد فعاشقها لَا ينَام شوقا إِلَيْهَا وَإِذا رَآهَا فَكَأَنَّهُ يرى الشَّمْس بهَا وهى سقم لبدنه ومسك عِنْد شمه وَجعل الْوَصْف للمليحة وَقَالَ العروضى هُوَ من وصف الْخمر لِأَن الْخمر تجمع هَذِه الْأَوْصَاف فَإِن من شربهَا لهى عَن النّوم وهى بشعاعها كَالشَّمْسِ للنَّاظِر وهى ترخى الْأَعْضَاء فَيصير شاربها كالسقيم لعَجزه عَن النهوض وهى طيبَة الرَّائِحَة فهى مسك لمن شمها وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابْن وَكِيع هَذَا وَقَالَ ينبغى أَن يَقُول (سُهادٌ لأََجْفانٍ وَنَوْمٌ لِساهِرٍ ... وَسُقْمٌ لأبْدَانٍ وَبُرْءُ سَقامِ) حَتَّى يَصح التَّقْسِيم والطباق

  7. ٧

    وَأَغيَدُ يَهوى نَفسَهُ كُلُّ عاقِلٍ

    عَفيفٍ وَيَهوى جِسمَهُ كُلُّ فاسِقِ

    الواحدي: رفع الأغيد عطفا على المليحة والمعنى أنه جمع بين خفة الروح وحسن الجسم والفاسق يميل إليه حبا لجسمه والعاقل العفيف الذي لا يفسق يهوى روحه لخفته وظرافته

    العكبري: الْإِعْرَاب رفع أغيد عطفا على المليحة أى وسقانى أغيد الْغَرِيب الأغيد الناعم الطَّوِيل الْعُنُق وَالْفَاسِق الْخَارِج عَن الشَّرِيعَة الْمُقدم على الْمعْصِيَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه كريم النَّفس لَا يمِيل إِلَيْهِ مَا فِيهِ حرج فالعاقل اللبيب يمِيل إِلَى محبَّة النَّفس وَالْفَاسِق الْجَاهِل يمِيل إِلَى الْجِسْم وَمِنْه اللبيب يهوى الْأَرْوَاح وَالْفَاسِق يهوى السفاح وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحكمى (فَتَنْتِنى وَصِيفَةٌ ... كالغُلامِ المُراهِقِ) (هِمَّةُ السَّالِكِ الْعَفِيفِ ... وَسُؤْلُ المُنافِقِ)

  8. ٨

    أَديبٌ إِذا ما جَسَّ أَوتارَ مِزهَرٍ

    بَلا كُلَّ سَمعٍ عَن سِواها بِعائِقِ

    الواحدي: يقول إذا أخذ العود فمس الأوتار أتى بما يشغل كل سمع عما سوى الأوتار لحذقه وجودة ضربه كما قال الآخر، إذا ما حن مزهرها إليها، وحنت نحوه أذن الكرامُ، وأصغوا نحوها الأسماع حتى، كأنهم وما ناموا نيامُ، ووصفه بالأدب أما لن ضرب العدو من آداب اليد وإما لأنه يحفظ الأبيات المليحة والأشعار النادرة ويؤكد هذا قوله

    العكبري: الْغَرِيب المزهر الْعود الذى يسْتَعْمل فى الْغناء والعائق الْمَانِع الْمَعْنى إِذا أَخذ الْعود وجس الأوتار أَتَى بِمَا يشغل كل سمع عَمَّا سوى الأوتار لحذقه وجودة ضربه كَقَوْل الآخر (إِذا مَا حَنَّ مِزْهَرُها إلَيْها ... وَحَنَّتْ نَحوَهُ أذِنَ الْكِرَامُ) (وأصْغَوْا نَحْوَها الأسْماعَ حَتَّى ... كأنَّهُمُ وَما نامُوا نِيامُ)

  9. ٩

    يُحَدِّثُ عَمّا بَينَ عادٍ وَبَينَهُ

    وَصُدغاهُ في خَدَّي غُلامٍ مُراهِقِ

    الواحدي: يريد أنه يأتي بالألحان القديمى والأشعار التي قيلت في الدهور الماضية والدساتين الفهلوية فهو بغنائه يحدث عما بين عادٍ وبينه وهو مع ذلك شاب مراهق ويريد بالتحديث على ما ذكرنا الغناء وقال ابن جنى أي هو أديب حافظ لأيام الناس وسيرهم واقاصيصهم والتحديث على هذا ليس الغناء

    العكبري: الْغَرِيب عَاد كَانُوا فى قديم الزَّمَان أهلكهم الله بِالرِّيحِ البادر والمراهق الذى قد راهق الْحلم أى قاربه وَأَدْنَاهُ الْمَعْنى إِنَّه ينشد الْأَشْعَار الْقَدِيمَة والألحان الَّتِى قيلت فى الدهور الْمَاضِيَة فَهُوَ بغنائه يحدث عَمَّا بَين زمَان قوم عَاد وَبَين زَمَانه وَهُوَ مَعَ ذَلِك شَاب أَمْرَد قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ أديب حَافظ لأيام النَّاس وسيرهم

  10. ١٠

    وَما الحُسنُ في وَجهِ الفَتى شَرَفاً لَهُ

    إِذا لَم يَكُن في فِعلِهِ وَالخَلائِقِ

    الواحدي: إذا لم يحسن فعل الفتى وخلقه لم يكن حسن وجهه شرفا له كما قال الفزاري، ولا خير في حسن الجسومِ وطولها، إذا لم يزن حسن الجسوم عقولُ، وكما قال العباس بن مرداس، فما عظم الرجال لهم بفخرٍ، ولكن فخرهم كرم وخيرُ

    العكبري: الْغَرِيب الْخَلَائق الْخِصَال يُقَال الْخَلَائق وَالشَّمَائِل الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْحسن فى وَجه الْفَتى شرفا ورفعة إِذا لم يكن فى الْأَفْعَال وَالْخَلَائِق وَالشَّمَائِل وَضرب هَذَا مثلا لما قدمه من حسن الأغيد الذى وَصفه باحسانه فى صناعته وتقدمه فى رِوَايَته وَالْمعْنَى إِذا لم يحسن فعل الْفَتى وخلقه لم يكن حسن وَجهه شرفا لَهُ كَقَوْل الفرزدق ذ (وَلا خَيْرٌ فِى حُسْنِ الجُسُومِ وَطُولِهَا ... إِذا لَمْ يَزِنْ حُسْنَ الجُسُومِ عُقُولُ) وكقول الْعَبَّاس بن مرداس السلمى (وَما عِظَمُ الرّجالِ لَهُمْ بفَخْرٍ ... وَلَكِنْ فَخْرُهُمْ كَرَمٌ وَخِيْرُ) وكقول أَبى الْعَتَاهِيَة (وَإذا الجَمِيلُ الوَجْهِ لَمْ ... يَأْتِ الجَمِيلَ فَمَا جَمالُهُ) وكقول دعيل (وَما حُسْنُ الوُجُودِ لَهُمْ بِزَيْنٍ ... إذَا كانَتْ خَلائِقُهُمْ قِباحا)

  11. ١١

    وَما بَلَدُ الإِنسانِ غَيرُ المُوافِقِ

    وَلا أَهلُهُ الأَدنَونَ غَيرُ الأَصادِقِ

    الواحدي: هذا حث على السفر والتغرب يقول ليس بلد الإنسان إلا ما يوافقه ولا أقاربه إلا أصدقائه والمعنى أن كل مكانٍ وافقه وطاب به عيشه فهو بلده وكل قوم صادقوه واصفوا له المحبة فهم رهطه الأدنون

    العكبري: الْغَرِيب الأصادق جمع صديق وهم الَّذين يصدقون الود وَفَسرهُ الواحدى بالأصدقاء والأدنون الأقربون الْمَعْنى يَقُول هَذَا حاثا على التغرب وَترك حب الأوطان وَأَن كل بلد وَافَقَك فَهُوَ بلدك وكل اهل ود أصفوك ودهم أهلك فَمَا بلد الْإِنْسَان إِلَّا الذى يُوَافقهُ بِكَثْرَة مرافقه ويساعده على الظفر بجملة مقاصده والأدنون من أَهله اللاصقون بِهِ من قرَابَته الَّذين يصفونه ودهم والأحبة الَّذِي لَا يؤخرون عَنهُ فَضلهمْ وَبَين هَذَا الحريرى بقوله وَأحسن (وَجُبِ البِلادَ فأَيُّها ... أرْضَاكَ فاخْتَرُه وَطَنْ) وَأخذ صَدره من قَول الْقَائِل (يُسٍْرُ الفَتى وَطَنٌ لَهُ ... والفَقْرُ فِى الأوْطانِ غُرْبَه) وَأخذ عَجزه من قَول الآخر (دَعَوْتُ وَقَدْ دَهَتْنِى دَاهِياتٌ ... وَلِلأَيَّامِ دَاهِيَةٌ طَرُوقُ) (شَفِيقاً لَا شَقِيقا فِيهِ غِلّ ... أَلا إنَّ الصَّدِيقَ هُوَ الشَّفِيقُ)

  12. ١٢

    وَجائِزَةٌ دَعوى المَحَبَّةِ وَالهَوى

    وَإِن كانَ لا يَخفى كَلامُ المُنافِقِ

    الواحدي: يقول دعوى المحبة جائزة غير محظورة وإن كان لا يخفى كلام من ينافق في دعوى المحبة والمعنى أن كل احد إذا أراد أن يدعي المحبة أمكنه ذلك ولكن يتبين الصادق من الكاذب في دعواه يعرض في هذا بمشيخة من بني كلاب إذ طرحرا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم يبدون له المحبة غير صادقين.

    العكبري: الْإِعْرَاب جَائِزَة خبر المبتدإ مقدم عَلَيْهِ وَدَعوى الْمحبَّة ابْتِدَاء الْغَرِيب الْمُنَافِق الذى يظْهر خلاف مَا يَعْتَقِدهُ الْمَعْنى يَقُول يجوز أَن يدعى الْمحبَّة من لَا يعتقدها ويظاهر بهَا من لَا يلتزمها وَلَكِن الْمُنَافِق لَا يخفى اضْطِرَاب لَفظه وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن شكره لسيف الدولة لَيْسَ كشكر من يتصنع لَهُ وَلَا يخلص لَهُ حَقِيقَة وده وَقَالَ الواحدى هُوَ تَعْرِيض بمشيخة من بنى كلاب طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم يبدون لَهُ الْمحبَّة غير صَادِقين وَهُوَ مثل قَول الآخر (والعَيْنُ تَعْلَمُ مِنْ عَيْنَىْ مُحَدثِّها ... مَنْ كانَ مِن حِزْبِها أوْ مِنْ أعاديها وَمن قَول الآخر (خَلِيلَىَّ لِلْبَغْضَاءِ حالٌ مُبَيَّنَةٌ ... وَللْحُبّ آياتٌ تُرَى وَمَعارِفُ)

  13. ١٣

    بِرَأيِ مَنِ اِنقادَت عُقَيلٌ إِلى الرَدى

    وَإِشماتِ مَخلوقٍ وَإِسخاطِ خالِقِ

    الواحدي: يقول بتدبير من فعلوا هذا حين انقادوا إلى الهلاك وشماتة الأعداء وسخط الله تعالى

  14. ١٤

    أَرادوا عَلِيّاً بِالَّذي يُعجِزُ الوَرى

    وَيوسِعُ قَتلَ الجَحفَلِ المُتَضايِقِ

    الواحدي: يقول قصدوك بما يعجز الناس ذلك وهو العصيان يعني أنه لا يقدر أحد على أن يعصيك فإن ذلك يعجز الناس ويكثر قتل الجيش الكثير يقال أوسعته الشيء أي أكثرت له منه

    العكبري: الْغَرِيب على هُوَ سيف الدولة والجحفل الْجَيْش الْكثير الْمَعْنى يَقُول قصدوك بالعصيان الذى يعجز النَّاس لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد على عصيانك ويوسع أى يكثر قتل الْجَيْش الْعَظِيم بكثرته لما شَمله من الْقَتْل وَمَا يُورِدهُ أَشد موارد الْخَسْف الْمَعْنى أَنه لَا يقدر أحد على عصيانه وَلَا يقدر جَيش على ملاقاته

  15. ١٥

    فَما بَسَطوا كَفّاً إِلى غَيرِ قاطِعٍ

    وَلا حَمَلوا رَأساً إِلى غَيرِ فالِقِ

    الواحدي: يعني حين عصوه وقاتلوه بسطوا أكفهم إلى من قطعها وحملوا رؤوسهم إلى من فلقها

    العكبري: الْغَرِيب يُشِير إِلَى بنى عقيل وَكَانُوا فى تِلْكَ الْحَرْب جزر السيوف وغرض الحتوف الْمَعْنى يَقُول مَا بسطوا كفا إِلَّا إِلَى سيف من سيوفه قطعهَا وَلَا حملُوا رَأْسا إِلَّا إِلَى فالق من أَصْحَابه فلقها

  16. ١٦

    لَقَد أَقدَموا لَو صادَفوا غَيرَ آخِذٍ

    وَقَد هَرَبوا لَو صادَفوا غَيرَ لاحِقِ

    الواحدي: يقول لقد اقدموا في الحرب ولكنهم وجدوا منك من أخذهم عند الأقدام ولحقهم عند الهرب يعني لم ينفعهم الإقدام ولا الهرب

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول لقد أقدموا وتشجعوا فى تِلْكَ الْحَرْب لَو صادفوا غير آخذ لَهُم مقتدر على الْإِيقَاع بهم وهربوا جاهدين لَو صادفوا من لَا يلحقهم جيوشه ويقحم فى آثَارهم جموعه يُرِيد أَنهم لم يؤتوا من ضعف فى حربهم وَلَا من تَقْصِير فى هَرَبهمْ وَلَكنهُمْ رَأَوْا من لَا يواقف فى حَرْب وَلَا يمْتَنع مِنْهُ بهرب وَالْمعْنَى مَا نفعهم الْإِقْدَام وَلَا الْهَرَب

  17. ١٧

    وَلَمّا كَسا كَعباً ثِياباً طَغَوا بِها

    رَمى كُلَّ ثَوبٍ مِن سِنانٍ بِخارِقِ

    الواحدي: أي لما أنعم عليهم فألبسهم ثياب إنعامه لم يشكروا نعمته فلسبهم النعمة بالإغارة عليهم وكأنه خرق بأسنته ما ألبسهم من ثياب نعمته

    العكبري: الْغَرِيب كَعْبًا يُرِيد أَوْلَاد كَعْب بن ربيعَة والسنان الرمْح الْمَعْنى يُرِيد أَنه انْعمْ عَلَيْهِم فكساهم ثِيَاب نعْمَة فَلم يشكروها فسلبهم إِيَّاهَا بالإغارة فَلَمَّا جَحَدُوا تِلْكَ المنن وَكَفرُوا تِلْكَ النعم رمى كل ثوب بخارق خرقها من أسنته وهاتك هتكها من عُقُوبَته

  18. ١٨

    وَلَمّا سَقى الغَيثَ الَّذي كَفَروا بِهِ

    سَقى غَيرَهُ في غَيرِ تِلكَ البَوارِقِ

    الواحدي: يريد بالغيث إنعامه عليهم وقوله سقى غيره أي سقاهم كأس الموت في غير بوارق الغيث يعني في بوارق السيوف والمعنى لما أمطر عليهم الخير والجود وكفروا به أمطر عليهم العذاب لأنه أتاهم من عسكره في مثل السحائب البارقة فكانت ضد السحائب التي أحسن إليهم بها فكفروها أي أن اساءتك إليهم اوجع من اساءة غيرك لأنك كنت محسنا إيهم وهم تعودوا احسانك فإذا تغيرت لهم كان أشد عليهم

    العكبري: الْغَرِيب البوارق جمع بارق وَسَقَى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن الْمَعْنى يَقُول لما سقاهم الْغَيْث من جوده الذى أخصبت بِهِ مَنَازِلهمْ وتروضت بسقياه مواضعهم فقابلوا ذَلِك بالْكفْر وتلقوه بقلة الشُّكْر أرسل عَلَيْهِم من جيوشه غير ذَلِك الْغَيْث فبرقت عَلَيْهِم السيوف وهطلت عَلَيْهِم الحتوف وعادت البوارق الَّتِى كَانَت تقدم عَلَيْهِم نعْمَة بوارق سلَاح أمْطرت عَلَيْهِم نقمه واستعار الْبَرْق للنعمة والنقمة وَهُوَ من قَول البحترى (لقدْ نَشأتْ بالشَّامِ مِنْكَ سَحَابَةٌ ... تُؤَمَّلُ جَدْوَاها ويُخْشَى دَمارُها) (فإنْ سأَلُوا كانَتْ غَمامَةَ وَابِلٍ ... وَغَيْثا وَإلَاّ فالدَّمارُ قِطارُها)

  19. ١٩

    وَما يوجِعُ الحِرمانُ مِن كَفِّ حارِمٍ

    كَما يوجِعُ الحِرمانُ مِن كَفِّ رازِقِ

    العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن إساءته إِلَيْهِم أوجع لَهُم من إساءة غَيره لأَنهم تعودوا إحسانه فَإِذا قطعه عَنْهُم أوجع ذَلِك فَهُوَ يَقُول موبخا لبنى كَعْب لما حرمت أَنْفسهَا من فضل سيف الدولة الذى كَانَ عِنْدهم عَادَة دائمة ونعمة سابغة وَمَا يوجع الحرمان مِمَّن لَا يرتقب فَضله وَلَا يؤلم الْمَنْع مِمَّن لَا يؤمل بذله كَمَا يوجع ذَلِك مِمَّن قد أنست النُّفُوس إِلَى كريم عوائده وسكنت الْقُلُوب إِلَى جميل عواطفه يُرِيد أَنهم كَانُوا أصدقاء فحرموا فَضله ورفده

  20. ٢٠

    أَتاهُم بِها حَشوَ العَجاجَةِ وَالقَنا

    سَنابِكُها تَحشو بُطونَ الحَمالِقِ

    الواحدي: كنى عن الخيل ولم يجر لها ذكر يقول أتاهم بالخيل وقد احاطت بها الرماح والعجاج فهي حشو هذين وحوافرها تحشو العيون بما تثير من الغبار قال ابن جنى أي تحشو الجفون بالعجاجة قال العروضي أحسن من هذا وأبلغ أن الخيل تطأ رؤس القتلى فتحشو حمالقها بسنابكها كما قال، وموطئها من كل باغٍ ملاغمه، فأما أن يرتفع الغبار فيدخل في العيون فلا كثير افتخارٍ في هذا.

    العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى بهَا للخيل وَلم يجر لَهَا ذكر لِأَنَّهُ ذكر الْجَيْش فَدلَّ على الْخَيل وَالْعرب تأتى بضمير الشئ من غير ذكر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأثرن بِهِ نقعا فوسطن بِهِ جمعا﴾ أى بالوادى وَلم يجر لَهُ ذكر وحشو نصب على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ محشوة والحمالق حذف الْيَاء مِنْهُ وَالْأَصْل حماليق ليقيم الْوَزْن الْغَرِيب الحماليق جمع حملاق وَهُوَ بطن جفن الْعين الْمَعْنى يَقُول أَتَاهُم بِالْخَيْلِ وَقد أحاطت بِهِ الرماح والعجاج فَهُوَ حَشْو هذَيْن وحوافرها تحشو الجفون بِمَا تباشر من الْغُبَار وَقَالَ ابْن جنى تحشو الجفون بالغبار وَقَالَ العروضى أحسن من هَذَا أَن الْخَيل تطَأ رُءُوس الْقَتْلَى فتحشو حماليقها بسنابكها كَمَا قَالَ (وَمَوْطِئُها مِنْ كُلّ باغٍ مَلاغِمُهُ ... ) وَأما أَن يرْتَفع الْغُبَار فَيدْخل الجفون فَلَا كَبِير افتخار فِيهِ

  21. ٢١

    عَوابِسَ حَلّى يابِسُ الماءِ حُزمَها

    فَهُنَّ عَلى أَوساطِها كَالمَناطِقِ

    الواحدي: عوابس كالحة لما أصابها من الجهد وأراد بيابس الماء ما جف من العرق وعرق الخيل إذا جف أبيض شبه حزمها وقد أبيض العرق عليها بالمناطق المحلاة بالفضة

    العكبري: الْإِعْرَاب عوابس نصب على الْحَال وهى حَال من غير مَذْكُور بل من ضَمِيره الْغَرِيب الحزم جمع حزَام وَهُوَ مَا يشد بِهِ الرحل ويابس المَاء الْعرق والمناطق جمع منْطقَة وهى مَا يشد بِهِ الْوسط الْمَعْنى يَقُول أَتَت الْخَيل كوالح لشدَّة مَا لحقها من الركض متغيرة الْوُجُوه لما نالها من شدَّة الطّلب قد يبس عرقها على الحزم كَأَنَّهُ حلى قد فضَض والعرق إِذا يبس ابيض شبه الْعرق عَلَيْهَا بالمناطق المحلاة بِالْفِضَّةِ

  22. ٢٢

    فَلَيتَ أَبا الهَيجا يَرى خَلفَ تَدمُرٍ

    طِوالَ العَوالي في طِوالِ السَمالِقِ

    الواحدي: تدمر بلد بالشام يقول ليت أباك حيٌّ فيراك وقد خلفت تدمر تطارد قبائل العرب برماحك الطويلة في المفارز الطوال

    العكبري: الْغَرِيب الهيجاء الْحَرْب يمد وَيقصر وَأَبُو الهيجاء كنية والدسيف الدولة وتدمر مَوضِع بِالشَّام يضْرب الْمثل بصلابة أحجاره قَالَ البحترى فى الاستطراد يصف فرسا ويهجو رجلا (حَلَفْتُ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ حافِرَهُ ... مِنْ صَخْرِ تَدْمُرَ أوْ مِن وَجهِ عُثمان) والسمالق جمع سملق وهى الفياقى الْبَعِيدَة المستوية من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول لَيست أَبَاك حى فيراك وَأَنت تقَاتل الْعَرَب خلف تدمر برماحك الطوَال فى الفيافى الطوَال

  23. ٢٣

    وَسَوقَ عَليٍّ مِن مَعَدٍّ وَغَيرِها

    قَبائِلَ لا تُعطي القُفِيَّ لِسائِقِ

    الواحدي: أي ويرى سوقك من العرب وغيرهم قبائل لا تنهزم من أحد ولا تولي أقفيتها إلى من يسوقها والمعنى أنك أذللت من العرب من لم يذلله غيرك وزاد اللازم في لسائق زيادةً للتوكيد

    العكبري: الْغَرِيب القفى جمع قفا كعصى وعصا وَيجمع فى الْقلَّة على أقفاء كرحى وأرحاء وَقد جَاءَ أقفية على غير قِيَاس لِأَنَّهُ جمع الْمَمْدُود مثل سَمَاء وأسمية وَيجوز أَن يكون جَمَعُوهُ أقفية على لُغَة من مده وأنشدوا (حَتَّى إذَا قُلْنا تَيَفَّعَ مالِكٌ ... سَلَقَتُ رُقَيَّةُ مالِكا لِقَفائِهِ) الْمَعْنى يَقُول وَيرى سوقك من الْعَرَب وَغَيرهم قبائل لَا تنهزم من أحد وَلَا تولى أقفيتها إِلَى من يَسُوقهَا أى إِنَّه ذلل الْعَرَب بِمَا لم يذللها بِهِ غَيره وَزَاد اللَّام فى قَوْله لسائق توكيدا

  24. ٢٤

    قُشَيرٌ وَبَلعَجلانِ فيها خَفِيَّةٌ

    كَراءَينِ في أَلفاظِ أَلثَغَ ناطِقِ

    الواحدي: يريد بني العجلان فحذف النون لمشابهتها اللام كما قالوا في بني الحارث بلحارث والمعنى إن هاتين القبيلتين خفيتا وقلتا في جملة القبائل التي هربت بين يديك خفاء رأبين في لفظ الثغ إذا كررهما

    العكبري: الْإِعْرَاب رفع قُشَيْر على خبر الِابْتِدَاء وَيجوز النصب على الْبَدَل من قبائل وَيجوز الْجَرّ على الْبَدَل من غير وبلعجلان يُرِيد بنى العجلان فَحذف ثِقَة بالسامع كَمَا قَالُوا فى بنى الْحَارِث بلحارث وفى بنى العنبر بلعنبر حذفوا النُّون شبها بِاللَّامِ والألثغ الذى لَا يفصح بالحرف وخفية حَال الْغَرِيب قُشَيْر وَبَنُو العجلان ابْنا كَعْب بن ربيعَة وهما قبيلتان معروفتان والألثغ الذى لَا يفصح بالْكلَام فى حُرُوف مَعْرُوفَة كالكاف وَالتَّاء وَالرَّاء وَالسِّين الْمَعْنى يُرِيد أَن هَاتين القبيلتين خفيتا وقلتا فى جَمِيع الْقَبَائِل الَّتِى هربت بَين يَدَيْهِ كخفاء راءين فى لفظ ألثغ إِذا كررهما وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الجموع الَّتِى ظهر عَلَيْهَا سيف الدولة من الْعَرَب وَمَعَ هَذَا إِنَّمَا اعتصموا من بالهرب

  25. ٢٥

    تُخَلِّيهِمِ النِسوانُ غَيرَ فَوارِكٍ

    وَهُم خَلَّوِ النِسوانَ غَيرَ طَوالِقِ

    الواحدي: أي لشدة ما لحقهم من الخوف تركت النساء أزواجهن من غير فرك ولا بغض والرجال النساء من غير طلاق

  26. ٢٦

    يُفَرِّقُ ما بَينَ الكُماةِ وَبَينَها

    بِضَربٍ يُسَلّي حَرُّهُ كُلَّ عاشِقِ

    الواحدي: يفرق عليٌّ وهو سيف الدولة بين الشجعان وبين نسائهم بضرب شديدة ينسى العاشق معشوقه

    العكبري: الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع الْمَعْنى يَقُول يفرق سيف الدولة فضميره فى الْفِعْل بَين الشجعان وَبَين نِسَائِهِم بِضَرْب شَدِيد ويروى بطعن يسلى العاشق عَن تعشقه يُشِير إِلَى شدته أى أَن شدَّة ذَلِك الضَّرْب أنستهم حياطة أحبتهم وَحَملهمْ على إِسْلَام ذُرِّيتهمْ وكل هَذَا مِمَّا يُقيم لَهُم الْعذر فى هَرَبهمْ مِنْهُ

  27. ٢٧

    أَتى الظُعنَ حَتّى ما تَطيرُ رَشاشَةٌ

    مِنَ الخَيلِ إِلّا في نُحورِ العَواتِقِ

    الواحدي: رواية ابن جنى الظعن جمع ظعينة قال وةالمعنى أن خيل سيف الدولة لحقوا بنساء هؤلاء فكانوا إذا طعنوا تناضح الدم في نحور النساء وإذا لحقوا بالعواتق فهو أعظم من لحاقهم بغيرهن لانهن أحق بالصون والحماية انتهى كلامه ويروى حتى ما يطير رشاشه من الخيل يعني الخيل الطاعنى وهي خيل سيف الدولة وإن شئت من الخيل المطعونة وهي خيل القبائل وروى ابن فورجة اتى الظعن أي طاعن الأعداء وهم في بيوتهم حتى يطير رشاشه فينحور النساء غزوا العدو في عفر داره قال والهاء في رشاشه للطعن وانكر رواية ابن جنى الظعن جمع ظعينة وذلك أنه إذغا روى الظعن لم يكن يعود الضمير إلى مذكور في رشاشه إلا أن يروي رشاشة.

    العكبري: الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح الظعن جمع ظَعِينَة وهى النِّسَاء فى الهوادج ورشاشة بِالتَّنْوِينِ وروى غَيره الطعْن مصدر طعن يطعن طَعنا من الطعان بِالرِّمَاحِ والعواتق جمع عاتق وهى الْجَارِيَة الَّتِى قد أدْركْت وهى الشَّابَّة وَمن روى الطعْن من الطعْن بِالرِّمَاحِ يرْوى رشاشه بِالْإِضَافَة برد الضَّمِير على الطعْن الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن خيل سيف الدولة لَحِقُوا بنساء الْعَرَب فَكَانُوا إِذا طعنوا تناضح الدَّم فى نحور النِّسَاء وَإِذا لَحِقُوا بالعواتق فَهُوَ أعظم من لحاقهم بغيرهن لِأَن الْعَوَاتِق أَحَق بالصون والحماية وَقَالَ ابْن فورجة أَتَى الطعْن أى طعن سيف الدولة الْأَعْدَاء وهم فى بُيُوتهم حَتَّى مَا تطير رشاشه إِلَّا فى نحور النِّسَاء يُرِيد أَنهم غزوهم فى عقر دَارهم وقتلوهم بَين نِسَائِهِم وغلبوهم على حريمهم

  28. ٢٨

    بِكُلِّ فَلاةٍ تُنكِرُ الإِنسَ أَرضُها

    ظَعائِنُ حُمرُ الحَليِ حُمرُ الأَيانِقِ

    الواحدي: يريد أن تلك العواتق كانت بكل فلاة بعيدة من الأنس وهو قوله ظعائن حمل الحلي أي حليهن الذهب ونوقهن حمر وهي نوق الملوك وذوي اليسار والمعنى أنه أبعد في طلبهم حتى بلغ فلواتٍ لا عهد لها بالأنس

    العكبري: الْإِعْرَاب فى الْبَيْت تَقْدِيم وَتَأْخِير فظعائن مُبْتَدأ تقدم خَبره عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير ظعائن حمر الحلى والأيانق بِكُل فلاة تنكر أرْضهَا الْإِنْس الْغَرِيب الظعائن جمع ظَعِينَة وهى النِّسَاء المحمولات فى الهوادج وحمر الحلى يُرِيد أَن حليهن الذَّهَب وَفِيه ثَلَاث لُغَات حلى بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَبهَا قَرَأَ جمَاعَة سوى حَمْزَة وعَلى وحلى بِكَسْر الْحَاء وَاللَّام وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة وحلى بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام على مَا فى الْبَيْت وَبهَا قَرَأَ يَعْقُوب والأيانق جمع نَاقَة يُقَال نَاقَة ونوق وأيانق ونياق وأنيق الْمَعْنى يَقُول بِكُل فلاة ظعائن حمر الحلى بِالذَّهَب وحمر النوق وهى نُوق الْمُلُوك وذوى الْيَسَار لِأَنَّهَا أكْرم النوق يُشِير إِلَى رفْعَة هَؤُلَاءِ النسْوَة فى قومهن ورفعة بعولتهن يُرِيد أَنهم هربوا بنسائهم إِلَى فلاة بعيدَة لم يقصدها أحد فَلهَذَا قَالَ تنكر أرْضهَا الْإِنْس لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَة لم يدخلهَا أحد يصف شدَّة هَرَبهمْ وَأَنَّهُمْ لَحِقُوا وَمَا نفعهم هَرَبهمْ وَالْمعْنَى أَنهم بعدوا فى الْهَرَب حَتَّى دخلُوا فلاة فَلَا عهد لَهَا بالإنس فلحقهم وَقَالَ الواحدى حمر الحلى وحمر الأيانق من الرشاش الذى أصَاب نحور الْعَوَاتِق فحمر حليهن ونوقهن فَيكون الْكَلَام مُتَّصِلا بِمَا قلبه كَأَنَّهُ ينظر إِلَى قَول الحبيب (وفِى الكِلَّةِ الوَرْدِيَّةِ اللَّوْنِ جُؤْذَرٌ ... مِنَ العَيْنِ وَرْدُ اللَّوْنِ وَرْدُ المَجاسِدِ)

  29. ٢٩

    وَمَلمومَةٌ سَيفِيَّةٌ رَبَعِيَّةٌ

    يَصيحُ الحَصى فيها صِياحَ اللَقالِقِ

    الواحدي: ملمومة معطوفة على ظعائن يريد ا، جيشه بلغ تلك الفلاة البعيدة والملمومة الكتيبة المجموعة سيفية منسوبة إلى سيف الدولة وربعية لأنه من ربيعة والحصى فيها تصيح من وقع حوافر دوابها صياح اللقالق

    العكبري: الْإِعْرَاب ملمومة عطف على قَوْله ظعائن يُرِيد وبالفلاة ملمومة الْغَرِيب الملمومة الكتيبة المجتمعة وسيفية منسوبة إِلَى سيف الدولة وربعية منسوبة إِلَى ربيعَة وهى قَبيلَة سيف الدولة واللقالق جمع لقلق وَهُوَ طَائِر كَبِير يسكن الْعمرَان فى أَرض الْعرَاق وَهُوَ كثير فى قرى الْعرَاق يخوت على صدوح الطير وَهُوَ من طيور الْخَلِيل وهى أَرْبَعَة عشر صنفا يجمعها قَوْلك أأن صالحك عمك عِشْت أوز أنيسَة نسر صرد أنوق لقلق حبرج كركى عبار مرزم ككم عِقَاب شرشور تدرج الْمَعْنى يَقُول وفى تِلْكَ الفلوات كَتِيبَة سميت لِكَثْرَة فرسانها سيفية ربعية يصبح الْحَصَى من وَقع حوافرها كَمَا تصيح اللقالق وواحدها لقلق وَيُسمى أَيْضا أَبَا الْجذع تَسْمِيَة أهل الضّيَاع وَيُقَال فِيهِ لقلاق أَيْضا فَشبه صَوت حوافر الْخَيل والحصى بِصَوْت اللقالق وَهُوَ // تَشْبِيه حسن // ويروى تصيح بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا فَتكون فى مَوضِع نصب من قَوْلك أصحته فصاح ويروى بِالْيَاءِ فَيكون الْحَصَى فَاعِلا ليصيح

  30. ٣٠

    بَعيدَةُ أَطرافِ القَنا مِن أُصولِهِ

    قَريبَةُ بَينَ البيضِ غُبرُ اليَلامِقِ

    الواحدي: يريد أن رماحهم طويلة فقد تباعدت أطرافها من أوصلها وهم متضايقون متكاثفون مجتمعون فقد تقارب ما بين بيضها وقد اغبرت ثيابهم لما تثير خيلهم من الغبار وكان الوجه غبراء اليلامق ولكنه حمل اللغظ على المعنى لأن الكتيبة جماعةٌ وهذا كما تقول مررت بكتيبةٍ صفر الأعلام طوال الرماح

    العكبري: الْإِعْرَاب بعيدَة صفة لملمومة وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول غبراء اليلامق إِلَّا أَنه حمله على الْمَعْنى لَا اللَّفْظ لِأَن الكتيبة الْجَمَاعَة كَمَا تَقول مَرَرْت بكتيبة حمر الْأَعْلَام الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وهى الخوذة تكون على الرَّأْس واليلامق الأقبية وَاحِدهَا يلمق الْمَعْنى يُرِيد طول رماحهم وَأَنَّهُمْ شَدَّاد الْأَجْسَام وَأَنَّهُمْ ملئوا الأَرْض بكثرتهم فهم متلاصقون لكثرتهم وَقد تَبَاعَدت أَطْرَاف القنا من أُصُولهَا لطولها فقد تقَارب مَا بَين بيضها وَقد اغبرت ملابسهم لما تثير خيلهم من الْغُبَار ويحيط بهم من العجاج وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الفلوات الَّتِى ظن هَؤُلَاءِ الْعَرَب أَنَّهَا تعصمهم من خيل سيف الدولة أقحمها عَلَيْهِم وَلم يتهيب اختراقها مِنْهُم

  31. ٣١

    نَهاها وَأَغناها عَنِ النَهبِ جودُهُ

    فَما تَبتَغي إِلّا حُماةَ الحَقائِقِ

    الواحدي: روى ابن جنى سيبه يقول جود سيف الدولة يغنيهم عن نهب الأموال فما يطلبون إلا الشجعان الذين يحمون ما يحق عليهم حمايته

    العكبري: الْغَرِيب النهب الْغَارة وحماة الْحَقَائِق المانعون حريمهم الْمَعْنى يَقُول جود سيف الدولة يغنيها عَن النهب فَمَا يطْلبُونَ إِلَّا الشجعان الَّذين يحْمُونَ مِمَّا يحِق عَلَيْهِم حمايته وَهَذَا معنى قَول أَبى تَمام (إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ هِمَّتُها ... يوْمَ الكَرِيهةِ فىِ المَسْلوبِ لَا السَّلَبِ)

  32. ٣٢

    تَوَهَّمَها الأَعرابُ سَورَةَ مُترَفٍ

    تُذَكِّرُهُ البَيداءُ ظِلَّ السُرادِقِ

    الواحدي: توهمت الأعراب حربك سورة متنعمٍ إذا صار في البيداء تذكر ما كان فيه من الظل والنعمي كعادة الملوك فانصرف عنهم وتركهم هربا من العطش والحر والسورة الوثبة

    العكبري: الْغَرِيب السُّورَة الوثبة والمترف المتنعم والسرادق مَا يكون حول الْفسْطَاط الْمَعْنى يَقُول ظن الْأَعْرَاب أَن وثبة سيف الدولة وثبة متنعم إِذا سَار فى الْبَيْدَاء وهى الأَرْض الْبَعِيدَة ذكرته طيب الْعَيْش فى ظلّ سرادقه كعادة الْمُلُوك فظنوا أَنه لَا يقدر على حر الْبَيْدَاء وعطشها فَإِذا بعدوا عَنهُ فى الأَرْض المنقطعة تَركهم وَمضى فظنوا أَنه فى قصدهم كقصد ملك شَأْنه الإتراف والدعة وَمن شَأْنه السّكُون والراحة تعوقه الْبَيْدَاء عَن مُبَاشرَة هجيرها واقتحامها ومواجهة سمومها يذكرهُ ظلّ السرادق وأبنيته ومواصلته الإيثار لخفض ذَلِك ودعته وَفِيه نظر إِلَى قَول البحترى (أَلُوفُ الدّيارِ فإنْ أزْمَعَ ... التَّرَحُّلَ حَرَّمَ إيْطَانها) (إذَا هَمَّ لَمْ يَهْتَدِمْ عَزْمَهُ ... مَقاصِيرُ يَعْتادُ أكْنانَها) وَينظر إِلَى قَول النميرى (كَذَبَ العِدَا لوْ كُنتَ صَاحِبَ نَعْمَةٍ ... صَرَعَتْكَ بينَ إقامَةٍ وكَلالِ)

  33. ٣٣

    فَذَكَّرتَهُم بِالماءِ ساعَةَ غَبَّرَت

    سَماوَةُ كَلبٍ في أُنوفِ الحَزائِقِ

    الواحدي: يقال ذكرته الشيء وذكرته بالشيء وذكرتك الله وذكرتك بالله والباء زائدة وعلى هذا قال فذكرتهم بالماء والمعنى أنت ذكرتهم الماء في هذا الوقت الذي غبرت فيه سماوة كلب وهي برية معروفة في انوف حزائقهم لما هربوا بين يديك فذكرتهم الماء حين اشتد عطشهم هناك يقول عرفتهم صبرك عن الماء وأن الأمر لم يكن على ما ظنوا من أنك لا تصبر عن الماء في اتباعهم

    العكبري: الْغَرِيب يُقَال ذكرته الشئ وأذكرته بالشئ وذكرتك الله وَبِاللَّهِ فالباء زَائِدَة وعَلى هَذَا قَالَ فذكرتهم بِالْمَاءِ سماوة كلب أى أَرض كلب وهى مَعْرُوفَة والحزائق جمع حزيقة وهى الْجَمَاعَة الْمَعْنى يُرِيد أَنْت ذكرتهم بِالْمَاءِ فى هَذَا الْوَقْت الذى غبرت سماوة كلب فى أنوف حزائقهم لما هربوا بَين يَديك فذكرتهم المَاء حِين اشْتَدَّ عطشهم هُنَاكَ فعرفوا حِينَئِذٍ صبرك عَن المَاء وهم لم يقدروا أَن يصبروا عَنهُ فَرَأَوْا أَن مَا ظنوه فِيك بَاطِل وَهُوَ يشبه قَول الآخر (فلمَّا استَيقَنوا بالصَّبرِ مِنَّا ... تذَكَّرَتِ الْحزائِقُ والعَشِيرُ)

  34. ٣٤

    وَكانوا يَروعونَ المُلوكَ بِأَن بَدَوا

    وَأَن نَبَتَت في الماءِ نَبتَ الغَلافِقِ

    الواحدي: يقول هؤلاء القبائل كانوا يخوفون الملوك بأنهم نشؤوا في البادية فيصبرون على عدم الماء وإن الملوك لا يصبرون عن الماء لأنهم نشؤوا فيه كما ينبت الغلفق في الماء وهو الطحلب

    العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله (بِأَن بَدَوا ... ) يُرِيد بِأَنَّهُم فهى مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَأَن نَبتَت يُرِيد الْمُلُوك الْغَرِيب يروعون يفزعون ويخوفون وبدوا دخلُوا الْبَادِيَة والبادية الأَرْض المنقطعة والغلافق جمع غلفق وَهُوَ الطحلب الذى يكون على المَاء الْمَعْنى يَقُول كَانَت الْعَرَب تخوف الْمُلُوك وَتقول إِنَّهُم لَا يقدرُونَ علينا لأننا فى القفار وهم لَا يصبرون عَن المَاء كدواب المَاء الَّتِى قد نشأت فِيهِ فهم لَا يقدرُونَ على فِرَاقه فهم يخَافُونَ منا لبعدهم عَنَّا وظنوا أَن سيف الدولة مثل أُولَئِكَ الْمُلُوك الَّذين كَانُوا يخوفونهم بِعَدَمِ المَاء فى الْمَوَاضِع الَّتِى تسلك إِلَيْهِم

  35. ٣٥

    فَهاجوكَ أَهدى في الفَلا مِن نُجومِهِ

    وَأَبدى بُيوتاً مِن أَداحي النَقانِقِ

    الواحدي: يقول حركوك بحربهم وكنت أهدي في الفلاة من النجم وأظهر بيوتا فيها من مواضع بيض النعام والنعام تجمع لبيضها الحشيش الكثير فيجتمع منه الكثير ويتراكب حتى يصير كالتل والنقانق جمع النقنق وهو الظليم

    العكبري: الْإِعْرَاب بُيُوتًا نصب على التميير وحرفا الْجَرّ يتعلقان باسمى التَّفْضِيل الْغَرِيب أداحى جمع أدحى وَهُوَ مَوضِع بيض النعام والنقانق جمع نقنق وَهُوَ ذكر النعام والبيوت جمع بَيت وَهُوَ فى الْجمع بِضَم الْبَاء وَكسرهَا لُغَتَانِ فصيحتان وبالكسر قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ وبالرفع قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَفْص وورش عَن نَافِع وبدا لزم الْبَادِيَة وسكنها الْمَعْنى هاجوك للحرب وتعرضوا لَك ثِقَة مِنْهُم بِأَن الْمُلُوك لَا يصبرون على الْحر والعطش وَلَا يفارقون الرِّيف فوجدوك أهْدى إِلَيْهِم فى فلاتهم من النُّجُوم وَأظْهر بُيُوتًا فى سُكْنى الْبَادِيَة من الظليم لِأَن النعام يتَّخذ الْحَشِيش وَيجْعَل بعضه على بعض ويقصد بِهِ أقْصَى الفلاة فيبيض عَلَيْهِ

  36. ٣٦

    وَأَصبَرَ عَن أَمواهِهِ مِن ضِبابِهِ

    وَآلَفَ مِنها مُقلَةً لِلوَدائِقِ

    الواحدي: يقول كنت أصبر عن الماء من الضب وهو لا يرد الماء قط وكنت آلف مقلةً للهجير من الضباب التي تسكن الفلوات والوديقة شدة الحر عند دنو الشمس من الرؤوس

    العكبري: الْإِعْرَاب أَصْبِر فى مَوضِع نصب عطفا على أهْدى وَأبْدى ونصبهما على الْحَال وَيجوز أَن يَكُونَا منصوبين بِفعل مُضْمر تَقْدِيره فهاجوك فألفوك ومقلة نصب على التَّمْيِيز الْغَرِيب أمواهة جمع مَاء يُقَال مَاء وأمواه ومياه والضباب جمع ضَب وَهُوَ دَابَّة لَا ترد المَاء وَلَا تطلبه والودائق جمع وديقة وهى شدَّة الْحر قَالَ الهذلى (حامى الْحَقِيقَةِ نَسَّالُ الوَديقَةِ مِعْتاقِ ... الوَسيقَةِ لَا نِكْسٌ وَلا وَكِلُ) الْمَعْنى وجدوك أَصْبِر عَن المَاء من الضباب لِأَنَّهَا لَا تطلب المَاء // وَهَذَا مُبَالغَة // وآلف مِنْهَا للهواجر وَأَشد مِنْهَا إقداما وجراءة وكل هَذَا إِشَارَة إِلَى أَنهم قصروا عَن مَعْرفَته باختراق القفر وعجزوا عَمَّا أظهره فى ذَلِك من الْجلد وَالصَّبْر

  37. ٣٧

    وَكانَ هَديراً مِن فُحولٍ تَرَكتَها

    مُهَلَّبَةَ الأَذنابِ خُرسَ الشَقاشِقِ

    الواحدي: المهلبة المقطوعة الهلب وهو شعر الذنب والشقاشق جمع الشقشقة هي لهاة البعير إذا هدر فيها أخرجها من فمه يقول كان طغيانهم وغيهم مثل هدير فحول تهادرت فانتدب لها قرم مصعب فضغمها وسار عليها فتركها مهلبة الاذناب ساكنة الهدير يريد هربت بين يديه وولته أذنابها فهلبها أي أخذ خصل شعرها فسكن هديرها خوفا ورهبا هذا كلام ابن جنى وقال ابن فورجة الفحل إذا أخذ هلبه ذل لأن الفحول إنما تتخاطر بأذنابها وإذا أخذ شعر ذنبها ذلت ألا ترى إلى قول الشاعر، أبى قصرُ الأذناب أن تخطروا بها، وإنما هذا مثل يريد أنه أتاهم فاذلهم وصغر أمرهم

    العكبري: الْإِعْرَاب هديرا خبر كَانَ وَاسْمهَا ضمير فِيهَا تَقْدِيره كَانَ فعلهم وكيدهم ومهلبة الأذناب وخرس الْمَفْعُول الثانى لتركت بِمَعْنى صيرتها الْغَرِيب المهلبة الأذناب هى الْمُقطعَة شعر الأذناب والهلب شعر الذَّنب والشقاشق جمع شقشقة وهى مَا يخرج من فَم الْبَعِير عِنْد هديره وَلَا تخرج إِلَّا عِنْد هياجه الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ طغيانهم مثل هدير من فحول تهادرت فَانْتدبَ لَهَا قوم ففجعوها وتركوها مهلبة سَاكِنة الهدير يُرِيد أَنَّهَا هربت من بَين يَدَيْهِ وذلت وهلبها أى أَخذ خصل شعرهَا وَسكن هديرها خوفًا ورهبا وَقَالَ ابْن فورجة الْفَحْل إِذا أَخذ شعر ذَنبه ذل أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر (أَبى قِصَرُ الأذْنابِ أنْ تَخْطِرُوا بِها ... ) وَإِنَّمَا هَذَا مثل يُرِيد أَنه أَتَاهُم وأذلهم وأصغر أَمرهم وَالْمعْنَى يَقُول تركت فحول تِلْكَ الْقَبَائِل كفحول إبل تستذل بِقطع الأذناب وسكنتها بغلبتك عَلَيْهَا فَانْقَطَعت أصوات شقاشقها وَالْمعْنَى أَنه أذلّ أعزاء الْأَعْرَاب وَذهب بقوتهم وظفر بهم

  38. ٣٨

    فَما حَرَموا بِالرَكضِ خَيلَكَ راحَةً

    وَلَكِن كَفاها البَرُّ قَطعَ الشَواهِقِ

    الواحدي: يقول هم بفرارهم منك واحواجهم إياك إلى الركض خلفهم لم يحرموا خيلك راحةً لأنك لو لم تذهب إليهم لقصدت الروم ولما قصدت هؤلاء كفى خيلك السير في البراري قطع الجبال بأرض الروم

    العكبري: الْغَرِيب الشواهق جمع شَاهِق وَهُوَ العالى من الْجبَال الْمَعْنى يَقُول مَا عاقوك بِمَا كلفته من اقتحام الفلاة عَلَيْهِم عَن لَذَّة وَلَا منعُوا بذلك خيلك من رَاحَة وَلَا أخرجوك عَن عادتك وَلَا عدلوا بك عَن طريقك وَلَكِن كفت فلواتهم خيلك اقتحام شَوَاهِق جبال الرّوم الَّتِى تركتهَا وقصدت إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب لِأَنَّك لَو لم تقصد إِلَيْهِم لقصدت الرّوم فقد كفت البرارى خيلك بالسير فِيهَا قطع جبال الرّوم

  39. ٣٩

    وَلا شَغَلوا صُمَّ القَنا بِقُلوبِهِم

    عَنِ الرِكزِ لَكِن عَن قُلوبِ الدَماسِقِ

    الواحدي: أي أنك لو لم تحاربهم ما كنت تركز رماحك تاركا للحرب بل كنت تغزو الروم فهم إنما شغلوا رماحك بحربهم عن طعن قلوب أهل الروم أي فلا راحة لخيلك ولا لسلاك والدماسق جمع دمستق على حذف التاء لأن هذا الأسم لو كان عربيا كانت التاء زائدةً

    العكبري: الْغَرِيب صم القنا الصلاب مِنْهَا وركز الرمْح إِذا جعله فى الأَرْض قَائِما لَا يطعن بِهِ والدماسق جمع دمستق على حذف التَّاء لِأَن هَذَا الِاسْم لَو كَانَ عَرَبيا لكَانَتْ التَّاء فِيهِ زَائِدَة وَهُوَ اسْم أعجمى يتَغَيَّر مَجْمُوعَة عَن مفرده على عَادَة الْعَرَب فى الْأَسْمَاء الأعجمية الْمَعْنى أَنه يُشِير إِلَى أَن جَيش سيف الدولة لم يكن يتَكَلَّف فى طلب الْأَعْرَاب مئونة وَلَا يتجشم مشقة وَإِنَّمَا خرج من حَرْب إِلَى حَرْب فَلم تكن رماحة قبل قِتَالهمْ مركورة وَلَا غير مستعملة متروكة وَإِنَّمَا شغلوها بطعن نحورهم عَن نحور الدماسق وهى قواد جَيش الرّوم فقتاله الْعَرَب بجيشه كقتاله الرّوم بِهِ

  40. ٤٠

    أَلَم يَحذَروا مَسخَ الَّذي يَمسَخُ العِدا

    وَيَجعَلُ أَيدي الأُسدِ أَيدي الخَرانِقِ

    الواحدي: يريد بمسخ الأعداء أن يجعل الشجعان منهم جبناء والأقوياء ضعفاء ويجعل الأيدي القوية كأيدي الأسود ضعيفةً كأيدي الخرانق وهي الأناث من أولاد الأرنب

    العكبري: الْإِعْرَاب أسكن الْيَاء من الأيدى ضَرُورَة وهى فى مَوضِع نصب الأولى مفعول يَجْعَل الأول وَالثَّانيَِة مَفْعُوله الثانى الْغَرِيب المسخ قلب الْخلقَة والخرانق جمع خرنق وهى الْإِنَاث من أَوْلَاد الأرانب وَقيل الصغار مِنْهَا وخرنق امْرَأَة شاعرة وهى خرنق بنت هفان من بنى سعد بن ضبيعة الْمَعْنى يُرِيد أَنه يَجْعَل الشجعان أذلاء والأقوياء ضعفاء وَيجْعَل الأيدى القوية كأيدى الخرانق وفيهَا قصر وَالْمعْنَى ألم يحذر الْأَعْدَاء سطوته الَّتِى هى على عدوه كالمسخ الذى يقلب الْخلق ويقبح الصُّور وَيُعِيد بهَا عزيزهم ذليلا وكثيرهم بِالْقَتْلِ قَلِيلا وَيجْعَل أيدى الْأسد من أعاديه وَقد تناهت فى الْقُوَّة كأيدى الخرانق قَصِيرَة مِمَّا يكسبهم من الذلة وَالصغَار وَالْمعْنَى لحبيب (لَوْ أنَّ أيْدِيَكُمْ طِوَالٌ قَصَّرَتْ ... عنهُ فكيْفَ تكونُ وَهىَ قِصاَرُ)

  41. ٤١

    وَقَد عايَنوهُ في سِواهُم وَرُبَّما

    أَرى مارِقاً في الحَربِ مَصرَعَ مارِقِ

    الواحدي: يقول قد روك في سواهم كيف فعلت وكيف غلبت فكان من حقهم أن يعتبروا بغيرهم هذا معنى قوله وربما أرى مارقا في الحرب أي ربما أرى سيف الدولة العاصي الذي خرج عن الطاعة مصرع آخر حتى يعتبر الثاني بالأول كما قال أشجع، شد الخطام بأنف كل مخالفٍ، حتى استقام له الذي لم يخطم،

    العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد عَايَنت الْعَرَب وقائعه فى غَيرهم فَمَا وعظتهم تِلْكَ المصارع وَلَا بصرتهم تِلْكَ الزواجر وَكَانَ من حَقهم أَن يعتبروا وَقد أَرَاهُم مصرع العاصى الْخَارِج عَن أمره حَتَّى يعْتَبر الثانى بِالْأولِ وَهَذَا معنى قَول الشَّاعِر (شَدَّ الخِطامَ بِأَنْفِ كُلّ مُخالِفٍ ... حَتَّى اسْتَقامَ لَهُ الَّذِى لَا يُخْطَمُ) والمارق الذى يَمْرُق من الطَّاعَة والديانة وَهُوَ من مَسْرُوق السهْم

  42. ٤٢

    تَعَوَّدَ أَن لا تَقضَمَ الحَبَّ خَيلُهُ

    إِذا الهامُ لَم تَرفَع جُنوبَ العَلائِقِ

    الواحدي: العلائق جمع العليقة وهي المخلاة تعلق من رأس الدابة لتعتلق وجنوبها نواحيها وجيوبها ما جيب من أعلاها أي فتح وجيب المخلاة فمها وعلى هذا يروى لم ترقع ويكون المعنى إذا الرؤس لم تسد جيوب المخالي يقول تعودت خيله أن لا تقضم إلا من المخلاة لأنها أبدا تسافر ويجوز أن يريد بالهام هام الأعداء وأنها لكثرتها قد اجتمعت حتى توضع عليها مخالي دوابه فترفعها إليها وقد تعودت خيله في اعلافها ذلك وهذا قول ابن جنى حكاه عن ابي الطيب فقال الفرس إذا علقت عليها المخلاة طلبت لها موضعا مرتفعا تجعلها عليه ثم تأكل فخيله أبدا إذا أعطيت عليقها رفعته على هام الرجال الذين قتلهم لكثرة ما هناك من ذاك

    العكبري: الْغَرِيب القضم أكل الدَّابَّة الشّعير والعلائق جمع عليقة وهى المخلاة وجنوبها نَوَاحِيهَا وجيوبها مَا فتح من أَعْلَاهَا وجيب المخلاة فمها الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن معنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ الْفرس إِذا علق عَلَيْهِ المخلاة طلب لَهَا موضعا مرتفعا يَجْعَلهَا عَلَيْهِ ثمَّ يَأْكُل فخيله إِذا أَعْطَيْت عليقها رفعته على هام الرِّجَال الْقَتْلَى لكثرتهم حولهَا فقد تعودت خيله فى غَزَوَاته ذَلِك

  43. ٤٣

    وَلا تَرِدَ الغُدرانَ إِلّا وَماؤُها

    مِنَ الدَمِ كَالرَيحانِ تَحتَ الشَقائِقِ

    الواحدي: قال ابن جنى أي لكثرة من قتل من أعدائه قد جرت الدماء إلى الغدران فغلبت على خضرة الماء حمرة الدم والماء يلوح من خلال الدم وماء الغدير أخضر من الطحلب فشبه خضرة الماء وحمرة الدم بالريحان تحت الشقائق وقال ابن فورجة إنما يعني أنه لا يروم الهوينا ولا تشرب خيله الماء إلا وقد حاربت عليه وأحرم الماء من دم الأعداء كما قال بشار، فتًى لا يبيت على دمنةٍ، ولا يشرب الماء إلا بدمْ،

    العكبري: الْإِعْرَاب وَلَا ترد نَصبه عطف على لَا تقضم الْغَرِيب الغدران جمع غَدِير وَهُوَ مَا غدره السَّيْل أى تَركه والشقائق نور أَحْمَر ينْسب إِلَى النُّعْمَان واحدتها شَقِيقَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لِكَثْرَة مَا قتل من الْأَعْدَاء جرت دِمَاؤُهُمْ إِلَى الغدران فَغلبَتْ على خضرَة المَاء حمرَة الدَّم وَالْمَاء يلوح من خلال الدَّم فالريحان تَحت الشقائق لِأَن مَاء الغدير أَخْضَر من الطحلب فَشبه خضرَة المَاء وَحُمرَة الدَّم بالريحان تَحت الشقائق وَقَالَ ابْن فورجة لَا تشرب خيله المَاء إِلَّا وَقد حَارَبت عَلَيْهِ واحمر المَاء من دم الْأَعْدَاء كَمَا قَالَ بشار (فَتًى لَا يَبِيتُ عَلى دِمْنَةٍ ... وَلا يَشْرَبُ المَاءَ إلَاّ بِدَمِ) وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أَن خيله لَا تقرب الغدران وَارِدَة وَلَا تقتحم مياهها شاربة إِلَّا وَتلك الْمِيَاه تَحت مَا يسفكه من دِمَاء أعدائه كالريحان فى خضرته إِذا استبان تَحت الشقائق واستولت بحمرتها على جملَته وَأَشَارَ بخضرة المَاء إِلَى صفائه وكثرته وَنبهَ بذلك على جمومه وَأَن هَذِه الْخَيل إِنَّمَا تأنس من المَاء مَا هَذِه صفته وَترد مِنْهُ مَا هَذِه حَقِيقَته وَفِيه نظر إِلَى قَول جرير (وَما زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِماءَها ... بدِجْلَةَ حَتَّى ماءُ دجَلَةِ أشْكَلُ)

  44. ٤٤

    لَوَفدُ نُمَيرٍ كانَ أَرشَدَ مِنهُمُ

    وَقَد طَرَدوا الأَظعانَ طَردَ الوَسائِقِ

    الواحدي: يقول هؤلاء الذين وفدوا إليك من بني نمير كانوا أرشد من الذين هربوا عاصين وطردوا نساءهم كما تطرد الوسائق وهي جمع وسيقة وهي طريدة من الغنم ثم ذكر كيف فعل بنو نمير

    العكبري: الْغَرِيب نمير قَبيلَة من قيس عيلان تلقوا سيف الدولة حِين قصد إِلَى بنى عَامر ابْن صعصعة وأظهروا لَهُ الخضوع فَسَلمُوا مِنْهُ والأظعان الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة من النِّسَاء والظعينة الْمَرْأَة مَا دَامَت فى الهودج والوسائق جمع وسيقه وهى الْقطعَة من حمر الْوَحْش الْمَعْنى يَقُول فعل ابْن نمير كَانَ أرشد من فعل هَؤُلَاءِ لأَنهم تعلقوا بعفوه وخضعوا لَهُ فَسَلمُوا من جَيْشه وَكَانُوا قد طردوا نِسَاءَهُمْ طرد الوسائق خوفًا مِنْهُ ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ مستعفين فَعَفَا عَنْهُم فَكَانُوا أرشد من غَيرهم

  45. ٤٥

    أَعَدّوا رِماحاً مِن خُضوعٍ فَطاعَنوا

    بِها الجَيشَ حَتّى رَدَّ غَربَ الفَيالِقِ

    الواحدي: يقود ردوا عن أنفسهم معرة الجيش بإظهارهم الخضوع لك فقام خضوعهم مقام رماحٍ طاعنوا بها مدافعين عن أنفسهم وهذا من قول أبي تمام، فحاط له الإقرار بالذنب روحه، وجثمانه إذ لم تحطه قنابله،

    العكبري: الْغَرِيب الفيالق جمع فيلق وهى الكتيبة الْكَثِيرَة السِّلَاح وَغرب كل شئ حَده الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم ردوا عَن أنفسهم بِمَا أعدُّوا من خضوعهم لَهُ رماحا نَافِذَة وأسلحة مَاضِيَة فطاعنوا بذلك الخضوع جَيْشه وَكفوا بذلك الِاعْتِرَاف خيله فَرد ذَلِك الخضوع حد فيالقه فَكف جَيش الِاعْتِرَاف بَأْس كتائبه وَأصَاب مَا استدفعته بَنو نمير سَائِر بنى عقيل بِسوء نظرهم وَقلة تدبرهم لَهُ وَهَذَا معنى قَول أَبى تَمام (فَحاطَ لَهُ الإقْرَارُ بالذَّنْبِ رُوحَهُ ... وجُثْمانَهُ إذْ لَمْ تَحُطْهُ قَبائِلُهْ)

  46. ٤٦

    فَلَم أَرَ أَرمى مِنهُ غَيرَ مُخاتِلٍ

    وَأَسرى إِلى الأَعداءِ غَيرَ مُسارِقِ

    الواحدي: يقول يم أرأحدا يرمي أعداءه جهارا ويسري إلى اعدائه معالنا غير مسر كما يرمي هو ويسري هو يعني أنه لا يحتاج إلى المخاتلة والمسارقة في الظفر بعدوه

    العكبري: الْغَرِيب المخاتل المخادع وَهُوَ أَيْضا المسارق الْمَعْنى يَقُول لم أر أحدا أرمى من سيف الدولة غير مخادع فى رميه وَلَا أسرى إِلَى الْأَعْدَاء مِنْهُ غير مسارق فى قَصده يُرِيد أَنه يتَنَاوَل أُمُوره تنَاول قدرَة يحاولها محاولة اعتزام وَشدَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى المخاتلة والمسارقة لِأَن الطعْن من قبله وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد (مَنْ كانَ يَخْثِلُ قِرْنا عندَ مَوْقِفِهِ ... فإنَّ قِرْنَ يَزِيدٍ غَيْرُ مُخْتَتَلِ) وللبحترى مثله (فنُدْرِكُ بالإقْدامِ بُغْيَتَنا الَّتِى ... نُطالِبُها لَا بالخَدِيعَةِ والمَكِْ)

  47. ٤٧

    تُصيبُ المَجانيقُ العِظامُ بِكَفِّهِ

    دَقائِقَ قَد أَعيَت قِسِيَّ البَنادِقِ

    الواحدي: أي أنه يقدر على ما لا يقدر عليه غيره حتى يصيب بالمنجنيق ما لا يصيب غيره بالقسيّ التي ترمي بها البنادق وقال يصف أيقاعه بهذه القبائل

    العكبري: الْغَرِيب المجانيق جمع منجنيق هُوَ مَا يرْمى بِهِ على الْحُصُون فى الْحصار والبنادق جمع بندقة وَهُوَ مَا يعْمل من الطين ويرمى بهَا الطير الْمَعْنى يُرِيد أَنه لسعة قدرته وَمَا مكنه الله من الْأُمُور فى رَعيته تصيب المجانيق الْعِظَام مَعَ اخْتِلَاف رميها وَتعذر ضَبطهَا دقاقا يقصر قسى البندق عَن مثلهَا ويعجز عَمَّا يبلغ من أمرهَا يُشِير إِلَى أَنه معَان مؤيد مَنْصُور مُسَدّد

هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري

أبيات مشهورة منها(٥)
التعليقات(٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.