تجاوز إلى المحتوى

من «الممتع في صنعة الشعر» لعبد الكريم النهشلي (ت ٤٠٥هـ)

باب في الجهارة وخلافها

العرب تستحسن أن يكون الرجال جهيراً بليغا، جميلا. قال يونس بن حبيب: ليس لعي مروة؛ ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو بلغ عنان السماء.

ونظر عمر إلى جبلة بن سلمى فقال: ما أجود قناتك! فقال: سنانها أجود يريد: قلبه. وقال بعضهم:

فلا تذهبن عيناك في كل شرمحطوال فإن الأقصرين أمازره

المزير: العاقل. قال كثير:

ترى الرجال النحيل فتزدريهوفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير إذا تراهفيخلف ظنك الرجل الطرير

طر شاربه: أي نبت.

وقال غيره:

وفي الصمت ستر للعيي وإنماصحيفة لب المرء أن يتكلما
للشاعر أبو بكر الصديق، من قصيدة «عجبت بإزراء العيي بنفسه»

وقال أعرابي: رأيت عورات الناس بين أرجلهم وعورة فلان بين فكيه. يريد من العيى.

خطب رجل جميل قليل المال امرأة، وخطبها رجل آخر دميم له مال فتزوجت الدميم لماله فقال:

ألا يا عباد الله ما تأمروننيبأصبح من صلى وأقبحه فعلا
يدب على أحشائها كل ليلةدبيب القريبانات يقرونها سهلا

وقال آخر:

وما حسن الرجال لهم بفخرإذا ما أخطأ الحسن البيان
كفى بالمرء عيباً أن تراهله وجه وليس له جنان

وقال المتنبي:

وما الحسن في وجه الفتى شرفاً لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»
وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأدنون غير الأصادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

ضحك المعتصم من عبد العزيز المكي لما دخل عليه، وكان مفرط القبح، فقال المكي

للمأمون: مم يضحك هذا؟. ما اصطفى الملك يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لبيانه. قال الله ﷿: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدنيا مكين أمين). فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجهي، فأعجب المأمون قوله. وقالوا: أفضل اللفظة بديهة أمن وردت في مقام خوف. وقال الشاعر:

سأرفض ما يخاف علي منهوأترك ما هويت لما خشيت
لسان المرء يغني عن حجاهوعي المرء يستره السكوت

وكان عمرو بن معدى كرب جميلا وسيما، فارساً، شاعراً، وكان يختار للوفادة لجماله وبيانه. وهو القائل:

ظللت كأني للرماح ذريئةأقاتل عن أبناء جرم وفرت
وجاشت إلي النفس أول وهلةوردت على مكروهها فاستقرت
ولو أن قومي أنطقتني رماحهمنطقت ولكن الرماح أجرت

قال: والبيت الأول من أمض ما هجى به أحد. والبيت الثاني من أصدق ما قاله فارس. ولا أعلم لعمرو في الجاهلية أسير منه، وهو يقدم على زيد الخيل في البأس والنجدة. وقد شهد حرب القادسية وفتوح فارس كلها، وأبلى فيها بلاء حسنا، وكان له مائة سنة.

وكتب عمر إلى سعد أن يستشير عمراً وطليحة بن خويلد الأسدي الذي كان يتنبأ ثم أسلم في الحرب، ولم يولهما من أمر المسلمين شيئاً. وسيف عمرو الصمصامة يضرب المثل به، ويقال إنه كان لعمرو بن ذي قيفان قتل به عمرو وقتل به، فوهبه عمرو لخالد بن سعيد أيام على اليمن فقال فيه:

خليلي لا أهبه على قلاهولكن التواهب للكرام
خليلي لم أخنه ولم يخنيكذلك ما خلاني أو ندامى
حبوت به كريماً من قريشفسر به وصين عن اللئام
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «خليل لم أهبه من قلاه»

ووصل الصمصامة بعد ذلك إلى موسى الهادي، فقال العتابي:

حاز صمصامة الزبيدي عمرومن جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعناخير ما طبقت عليه الجفون

وقيل إن المتوكل طلبه في الآفاق فقيل له إنه وصل إلى أفريقية، فبعث فيه، فقيل له إنه

وصل إلى اليمن، فوجه في طلبه حتى أخذ له بمال كثير فصقله، فأعجبه، ودفعه إلى باغص التركي، وكان شجاعاً، فيقال إنه قتله به حين دخل عليه مع الذين اتفقوا على قتله غدراً مع المستنصرية.

قال البحتري: كنت في ندمان المتوكل فرأيت في اليوم الذي قتل فيه علامات دلت على قتله منها أنه تجارينا تكبر كسرى وعتوه فوجه وجهه نحو القبلة، فصلى ركعات وقال: أبرأ إلى الله من الكبر والتجبر، وأخذ تراباً فجعله فوق رأسه ووجهه فتطيرت له من ذلك، ثم غنى ابن أبي العلاء صوتاً، فقال: ما بقي من سمع هذا الصوت إلا أنا وأنت. فتطيرت أيضاً له بذلك. ثم أرسلت له قبيحة مطرف خز ما رأيت مثله، فتناوله وشقه، وقال للخادم: قولي لسيدك: إذا مت فادفنيني فيه. ثم سكر ودخل القبة فكان آخر العهد به، وخرجت فلجأت إلى قناة حفرت في البستان إلى أن أصبحت فانتشرت مع الناس.

وقالوا: اللسان البليغ والشعر الجيد لا يجتمعان إلا قليلا، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة الشعر. قال الجاحظ: وقد اجتمع ذلك للعتابي.

قال عمران بن حطان:

وشهدت مجمعهم بوجه واضحبادي الملاحة والجمال نضير
وبيان أزهر ماجد ذي نجدةعال إذا اجتمع الرجال جهير

قال علي بن عبيدة الزنجاني: أتيت الحسن بن سهل بفم الصليخ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل فكتبت إليه:

مدحت ابن سهل ذا الأيادي وما لهبذاك يد عندي ولا قدم بعد
وما ذنبه والناس إلا أقلهمعيال له إن كان لم يبن له جد
سأمدحه للناس حتى إذا بداله في رأي عاذلي ذلك الحمد

فكتب إليه: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: مال وعقل وصبر. فقلت: للواسطة: تؤدي عنى؟ قال: نعم قلت: تقول له: لو كان لي

مال لأغناني عن الطلب منك، أو صبر لصبرت به على الذل ببابك، أو عقل لاستدللت به على النزاهة عن رفدك. قال: فأمر لي بثلاثين ألف درهم.

دخل ابن أبي محجن الثقفي على باب معاوية فقال: أبوك الذي يقول:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمةتروي عظامي بعد موتي عروقها
للشاعر أبو محجن الثقفي، من قصيدة «إذا مت فادفني إلى جنب كرمة»
ولا تدفنني بالفلاة فإننيأخاف إذا ما مت ألا أذوقها
للشاعر أبو محجن الثقفي، من قصيدة «إذا مت فادفني إلى أصل كرمة»

فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: وما ذاك؟

قال: قوله:

لا تسألي الناس عن مالي وكثرتهوسائلي الناس عن مجدي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهمإذا تطيش يد الرعديدة الفرق

قال بعض أصحاب الرشيد: دخلت عليه يوماً وهو شديد الغيظ، وهو يقول: قاتل الله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حيث يقول:

يا أيها الزاجري عن شيمتي سفهاًعمداً عصيت مقال الزاجر الناهي
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
أقصر فإنك من قوم أرومتهمفي اللوم فافخر بهم إن شئت أوباهي
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
لا سمعتي تجتوي يوماً ولا خلقيوليس حبلي لمن صافيت بالواهي
فزين الشعر أفواها إذا نطقتبالشعر يوماً وقد يزرى بأفواه

قال امرؤ القيس، وقد سار مستنصراً بملك الروم على بني أسد الذي قتلوا أباه. ويذكر عمرو بن قميئة:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونهوأيقن أنا لاحقان بقيصرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»
فقلت له لا تبك عينك إنمانحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

وعمرو بن قميئة عمر طويلاً فقال:

رمتني بنات الدهر من حيث لا أرىفكيف بمن يرمى وليس برام
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
فلو أنها نبل إذا لا تقيتهاولكنما أرمى بغير سهام
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وقال غيره:

حنتني حانيات الدهر حتىكأني حابل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنيولست مقيداً أني بقيد
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وقال عروة بن الورد:

أليس دوائي أن أدب على العصىفيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كل عشيةيطيف بي الولدان أهدج كالرال
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أليس ورائي أن أدب على العصا»

وقال النمر بن تولب:

يود الفتى طول السلامة والغنىفكيف ترى طول السلامة يفعل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
يعيد الفتى من بعد حسن وصحةينوء إذا رام القيام ويحمل

ولغيره:

كانت قناتي لا تلين لغامزوألانها الإصباح والإمساء
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كانت قناتي لا تلين لغامز»
ودعوت ربي بالسلامة جاهداًليصحني فإذا السلامة داء
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال حميد بن ثور:

أرى بصري قد رابني بعد صحةوحسبك داء أن تصح وتسلما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
ولا يلبث العصران يوماً وليلةإذا طلبا أن يدركا ما تيمما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أرى مر السنين أخذن منيكما أخذ السرار من الهلال

وقال لطبيب:

وكيف يقودني كلف بليليوهذا الشيب أصبح قد علاني
وودعني الشباب وكنت أسعىإلى داعي الشباب إذا دعاني
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «وكان يقودني كلف بسعدى»
فإن يضن الشباب فكل شيءمن الدنيا - ولا يغرك - فاني
وإني لو بقيت لمس ليلوصبح نهاره يتداولان
صحيحاً لا ألاقي الموت حتىأدب على القناة لأبلياني
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «وكان يقودني كلف بسعدى»

وقال جرير:

كان الخليط هو الخليط فأصبحوامتبدلين وبالديار ديار
لا يلبث القرناء أن يتفرقواليل يكر عليهم ونهار
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

وقيل لبعضهم: كيف حالك؟ قال: حال من يغنى ببقائه ويقسم بسلامته ويؤتي من مأمنه.

رجع إلى ذكر الجهارة وما تعلق بها

قال.. كان الرشيد إذا طاف بالبيت جعل لإزاره ذنبين عن يمين وشمال ثم طاف يأوسع من خطو الظليم، وأسرع من رجع يد الأرنب. ونظر إليه أعرابي في تلك الحال:

خطو الظليمريع مشياً وانشمر

قال عبد الملك بن صالح لرجل من آله عطس عنده وبين يديه رسول ملك الروم فلم يجهر، وكان أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر وهام ومواكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبيناهم يكلمونه، ووجه ذلك الرجل في قفا البطريك إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك، فلم يدر أي شيء أنكر منه، فلما مضى الوفد قال له: ويلك!، هلا إذا كنت ضيق المنخر، كز الخيشوم أتبعها صيحة تصدع بها كبد العلج!.

قال المبرد: كان يقال إن علي بن عبد الله بن عباس كان إلى منكب عبد الله بن العباس وعبد الله بن العباس إلى منكب العباس، وأن العباس كان إلى منكب عبد المطلب. قال: فطاف علي بن عبد الله بالبيت فرأته عجوز، وعلي قد فرع الناس كأنه راكب والناس مشاة. فقالت لا إله إلا الله إن الناس ليرذلون. عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض.

وكان أبو جعفر المنصور يعرف بعبد الله الطويل. ويقال صار شبه علي بن عبد الله فعظم الجسم إلى علي بن المهدي المعروف بابن ربطة أمه، وفي

علي بن سليمان بن علي. وكان العباس بن عمرو بن سعد بن عبادة ﵃ من مقيلي الظعن، وممن ينقل في ذروة البعير.

وقال رجل من طي:

جمعنا لهم من حي عوف ومالككتائب يردى المقرفين نكالها
فلما أتينا السفح من بطن حائلبحيث تلاقى طلحها وسيالها
ولما التقى الصفان واختلط القنانهالاً وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن العمارة ذلةوأن أشداء الرجال طوالها
دعوا لنزار فانتمينا لطيءٍكأسد الشرى إقدامها ونزالها
ولما التقينا بين السيف فيهملسائله فينا حفي سؤالها
ولما تدانوا بالسيوف تقطعتوسائل كانت قبل سلماً حبالها

وأعتذر بصيلة السلمي من الدمامة، وذلك أنه كان في إبل له، فمر به قوم من بني سليم، فاستسقوه لبناً، فسقاهم، فلما رأوه في الإبل وحده ازدروه، فأرادوا أن يستاقوها، فجالدهم حتى قتل منهم رجلا، وجرح آخر، وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني

سليم يمدحه:

ألم تسل الفوارس من سليمببصلة وهو مؤتزر مشيح
رأوه فازدروه وهو خرقوينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاًكما عض السبا الفرس الجموح
فأطلق غل صاحبه وأردىقتيلاً منهم، ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهموتحت الرغوة اللبن الصريح

حضر أبو عبيدة وخلف الأحمر مجلس الفضل بن الربيع، فسألهما عن قول عمر لابن محدورة حين أذن: كدت تشق مربطاك. فقال أبو عبيدة بالفتح والمد، وقال الأحمر هو بغير مد، مقصور، فجاء الأصمعي فقال مثل قول أبي عبيدة، فقال الأحمر: لا. فقال الأصمعي بلى. فلم يزل يحتج عليه حتى قهره.

وقد عظموا غناء العباس يوم حنين بعلو صوته وقوله: يا للأنصار يا لسورة البقرة، فتراجع الناس، ورأى النبي ﷺ مجتلدهم فقال: الآن حمى الوسيط.

وقالوا إن رجلا أسيراً أسمع أهله (من) مسيرة يوم.

وقال النابغة الجعدي:

زجر أبي عروة السباع إذاأشفق أن يلتبسن بالغنم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «هل بالديار الغداة من صمم»

قالوا: كان يزجر الأسد فيشق مرارته في جوفه، وهذا من المبالغة في الوصف.

وكذلك ذموا صغر الأفواه، وضيقها، وخفاء الأصوات، كما مدحوا ضد ذلك. وقال الشاعر:

كأن بني دوينة رهط زيدفراش حول نار يصطلينا
يطفن بحرها ويقعن فيهاولا يدرين ماذا يتقينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «الا حييت عنا يا مدينا»

والنساء يتقين من أزواجهن ويشردن من القبح والدمامة.

قال: تزوج امرأة شابة وكان شيخاً فعجز عنها، فقال:

بكف خضم بكرة لو تعلقتبحبل غلام رابض لاستقرت
سقاها بماء آجن خيص قلبهافقد نهلت منه قلى ثم علت
كأن شآبيب الدموع بخدهاشآبيب ماء المزن حين استهلت
للشاعر كسرة بنت دوشن، اقرأ القصيدة

قال دعبل: أبو زياد الكلابي أعرابي قدم أيام المهدي حين أصابت الناس مجاعة، فأقام

ببغداد أربعين سنة، ومات بها، وكان يقول الشعر. ومن قوله:

أراك إلى كثبان يبرين صبةوهذا لعمري إن قنعت كثبيب
فأين الأراك الدوح والسدر والغضامستخبر عمن يحب قريب

وكان نازلا على شط دجلة بالجزيرة، وثم رمل كثير. وكان العباس بن محمد الهاشمي أجرى عليهم حين نزلوا رغيفاً لكل إنسان، فلما كثروا قطعه عنهم. فقال أبو زياد:

إن يقطع العباس عنا رغيفهفما فاتنا من نعمة الله أكبر

قال أبو زياد الكلابي، وذكر شراد النساء: تزوج ذروة بن جحفة أحد بني الصموت امرأة تسمى مسكة، وكان رجلا فيه ردة، وكانت مسكة أشد نساء بني كلاب، فلما لقيته نفرت منه فذهبت في الجبال وفي الناس ثم ترد الوردة فتبيت الليالي ثم تجمح. وكان أمير القوم يقال له ابن هشام،

فأتت مسكة إلى مجلس قضائه، فرأى أحسن ما يكون من النساء، وأقبحهن حالا، عارية مهزولة، فقالت: زوجت رجلا فأجاعني وأعراني وأرعاني إبله، فأدخلها السلمي الأمير على بناته ونسائه وأرسل إلى ذروة زوجها، فلما جلس بين يديه. وكان راعي إبل قشفاً أزج الحاجبين كثير شعر الوجه. فنظر إلى مثل الكلب الكردي. وأرسل إلى مسكة فجاءت فقال: هذا زوجك؟ قالت: نعم. قال: اجلسي حذاء زوجك، فجعل ينظر إليها وإليه ثم قال: يا ذروة ما تقول؟ فقال ذروة:

يا ابن هشام نصرة المظلومإليك أشكو حيفة الخصوم
ورهاء ذات عطل وسيموخلق ليس بمستقيم
قد نفرت من شارف مردومجشم منها وخم الملغوم
ليس بمعسوف ولا مروموأعرضت كالفرس العذوم

وهي تمطى تمطي المحموم

الوسيم الحسن، والورهاء الخمصاء، والعذوم العضوض، والعطل الجسم والخلق، والشارف: الكبيرة من الإبل. يريد نفسه أنه أبيها جشم أي أبين مروم: أي معطوف عليه، إذا أحبه فقد ريمه، والملغم: الفم وما حوله وخم: متغير. قال فأخذ بناصيتها، فكلما جذبها تقع على ركبتيها وتقول: المظلومة!! وقال ذروة وقد ذهب بها:

يا مسك إن السلمي العادلاقضى قضاءٍ طبق المفاصلا
لما رأى ما تحكمين باطلالا جعلن القد والسلاسلا
منها بحيث تجعل الخلاخلاوالسوط حتى تسدل السدائلا

فذهب بها ذروة، فولدت له رجالا.

قال عبد العزيز زرارة الكلابي، وكان سيدا كريما لما سأله معاوية: أي فعله فعلتها أعجب إليك؟. قال: ما من ذاك شئ الا وقد تعجب، ولكني أعجبتني فعلة فعلتها ونحن مقبلون من نجد إلى الشام، فنزلنا ماء من مياه كلب فنظرت إلى خيمة بالفلاة، فعمدت إليها، فإذا رجل جالس على فرش تحت رقاق البيت، فأنخت ثم جلست إلى رجل جميل جهير قد اكتهل، فنسبني وسألني من أين جئت؟. فأخبرته ونسبته، فانتسب لي إلى كلب وإذا ستر في جانب البيت، فأسمع في الستر صلصلة، فلما طال ذلك قلت له: وقع في نفسي أن دون الستر إنسان مجنون. قال: لا عليك لا تسألن عنه، قلت: فإني رجل كنت أداوي المجانين، فضحك ضحكاً شديداً، وقال إنه لمجنون جنوناً ماله عندك دواء. فقلت: ما من شعبة من الجنون إلا لها عندي دواء. وجعل الكلبي يضحك، ثم قال: هذه امرأتي كانت في بيت من بيوت قومها، فلما تزوجتها والتقينا نفرت، فبلغ من الأمر أن قيدناها بقيدين من حديد. فقلت: إني لأرى شاهداً حسنا وجمالا، وإني لأعرف أنك في شدة، فما يضطرك إلى تركها عندك؟. فقال: وبكم تزوجتها بمال كثير، وأنا أخاف إن اختلعها أن يذهب مالي. قلت له: وبكم تزوجتها؟. قال: بخمسين من الإبل وخادم محليها وثيابها. قلت: أفرأيت إن أعطيتك ذاك أتتركها؟ قال: نعم. فأخبرني أن أباها قريب من الماء الذي هو به. فقلت له: أحملها إلى أبيها فحملها ووردنا الماء، فاجتمعنا بأبيها وأهلها، ودفعت إلى أبيها خمسين من الإبل وقيمة الخادم والحلي، وفارقها وفارقته.

وقال ابن أبي عيينة لامرأة من قرابته بدينا جار:

دعوتك بالقرابة والجواردعاء مصرح بادي السرار
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
لأني عنك مشغول بنفسيومحترق عليك بغير نار
وأنت توقرين وليس عنديعلى نار الصبابة من وقار
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
فأنت لأن ما بك دون ما بيتدارين العيون ولا أداري
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ولو والله تشتاقين شوقيجمعت إلي خالعة العذار
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وعبد العزيز بن زرارة هو الذي دخل على معاوية فقال: إني دخلت عليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواماً قدمهم الحظ وآخرين باعدهم الحرمان، وليس ينبغي للمقدم أن يأمن، ولا للمؤخر أن ييأس، وأول المعرفة الاختبار، فابل واختبر. وكان قد حجب عنه، فقال بعض شعراء كلب:

من يأذن اليوم لعبد العزيزيأذن له عبد العزيز غدا

ولمثل هذا السبب وشبهه من طرق المكارم وأتباع حسن الأحدوثة فعل ما فعل صعصعة بن ناجية بن عقال جد الفرزدق، وذلك أنه خطب للنبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني كنت أعمل عملا في الجاهلية أف ينفعني ذلك اليوم؟. قال: وما عملك؟. قال: أضللت ناقتين لي عشراوين فركبت جملا ومضيت في طلبهما فوقع لي بيت، فإذا شيخ جالس بفنائه سألته عن الناقتين فقال: ما نارهما؟. قلت: نار بني درام. قال: هما عندي وقد أحيى الله بهما قوماً من قومك من مضر فجلست معه، فإذا أنا بعجوز خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت، فان كان صبياً شاركنا في أموالنا وإن كانت حائلا وأدناها. فقالت: وضعت أنثى. قلت: أتبيعينها؟. قال: وهل تبيع العرب أولادها؟.. إنما أشتري حياتها ولا أشتري رقها. قال: بكم؟ قلت: بكم؟ قلت: احتكم. قال: بالناقتين والجمل. قلت: ذلك لك على أن تبيعيني الجمل وإياها، ففعل. فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنة في العرب أن أشتري كل موءودة بناقتين عشراوين وجمل. فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة قد أنقذتها. فقال رسول الله ﷺ: لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله، وإن تعمل في الإسلام عملا صالحاً تثب عليه. فقال الفرزدق يفتخر بذلك:

ألم تر أنا بني دارمزرارة منا أبو معبد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عرفت المنازل من مهدد»
ومنا الذي منع الوائداتوأحيى الوئيد فلم توئد
ألسنا بأصحاب يوم النساروأصحاب ألوية المرود

قال الزبير بن بكار: لما ولدت السوداء بنت زهرة بن كلاب أرسل أبوها من يئدها، فخرج بها الوائد حتى أتى الحجون، فلما وضعها في حفرتها صاح به صائح من الجبل يا وائد الصبية! أمض ودعها عنك في البرية، إن لها علما في الإنسانية. فرجع بها إلى أبيها

وأخبره فقال: دعها فان لها لشأنا. فعمرت وكانت تقول: يا بني زهرة إن فيكم لنذيرة أو والدة نذير فاعرضوا علي نساءكم، فعرضوهن حتى مرت عليها الثريا أم عبد الرحمن بن عوف ﵁. فقالت: لست بها ولتلدن. فولدت حمزة. وصفية، والمقوم بني عبد المطلب. وعرضت عليها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. فقالت إنها لنذيرة أو لتلدن نذيراً، فولدت النبي ﷺ.

وسمع عمر بن الخطاب ﵁ امرأة في الطواف وهي تقول:

فمنهن تسقى بماءٍ مبردٍنقاح، فتلكم عند ذلك قرت
ومنهن تسقى باخر آجنأحاح ولولا خشية الله فرت

ففطن عمر ما تشكو، فبعث إلى زوجها، فوجده متغير الفم، فخيره بين خمسمائة درهم أو جارية من الفئ على أن يطلقها، فاختار خمسمائة درهم. فأخذها وطلقها.

قال أبو عبيدة ك كان الحارث بن السليل الأسدي قد زار علقمة بن حصفة الطائي فنظر إلى ابنته الزباء، وكانت من أجمل النساء، فقال له: أتيتك خاطبا، وقد ينكح الطالب، ويدرك الراكب، ويمنح الراقب، فقال له: أنت كفء كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو. ثم أخبر أمها

فقالت لأبنتها: أي الرجال أحب إليك، الكهل الجحجاح الواصل المناح، أم الفتى الوضاح؟ قالت: بل الفتى الوضاح. قالت: إن الفتى يغيرك، والشيخ يجبرك، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحديث السن الكثير المن. قالت يا أماه:

فإن الفتاة تحب الفتىكحب الرعاء أنيق الكلا

قالت: أي بنية إن الفتى شديد الحجاب كثير العتاب. قالت: إن الشيخ يبلى شبابي، ويشمت بي أترابي. فلم تزل بها أمها حتى تزوجها الحارث ثم رحل بها، فبينما هو جالس يوماً بفناء قبته وهي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يتعالجون فتنفست الصعداء، ثم أرخت عينيها بالبكاء. فقال لها ما يبكيك؟. فقالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ؟ فقال لها: ثكلتك أمك!. تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. أما وأبيك لرب غارة شهدتها وسبيئة أردفتها، وخمرة شربتها. الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ثم قال:

تهزأت أن رأتني لابساً كبراوغاية الناس بين الموت والكبر
فإن يكن قد علا رأسي وغيرهصرف الزمان بتغير من الشعر
فقد أروح للذات الفتى جذلاوقد أصيب بها حيناً من البقر
عنى إليك فإني لا يوافقنيعور الكلام ولا شرب على الكدر

قيل لأبي دؤاد الإيادي، ونظر إلى ابنته تسوس فرسه: أهنتها يا أبا دؤاد. قال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني.

قال عبد الكريم في كتابه: وأكثر ألقاب الشعراء بالأبيات تقع لهم شنعة فيسمى الشاعر بها مثل: النابغة، والمزق، والمثقب، وذى الرمة، ومسكين الدرامي، والبعيث، وأبي العيال الهذلي، والمرقش، والمتلمس، وعارق الطائي، ومزرد، ومعفر بن حمار البارقي، والخطفي، والمستوغر بن زيد وعائذ الكلب.. إلى كثير من هؤلاء.

فالنابغة بقوله:

قد نبغت منهم شئون

ويقال: سمي الجعدي بالنابغة لأنه نبغ بالشعر بعد ما نيف على الأربعين ومعفر لقوله:

كأن نعام الدو باض عليهموأعينهم تحت الحبيك حواجر
للشاعر معقر بن حمار البارقي، اقرأ القصيدة
يفرج عنا كل ثغر نخافهمسح كسرحان القصيمة ضامر
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
وكل طموح في العنان كأنهاإذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر
لها ناهض في الوكر قد مهدت لهكما مهدت للبعل حسناء عافر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «وكل لجوج في العناق كأنها»

والممزق لقوله:

فإن كنت مأكولاً فكن خير آكلوإلا فأدركني ولما أمزق
للشاعر الممزق العبدي، من قصيدة «أرقت فلم تخدع بعيني وسنة»

وعارق الطائي بقوله:

ألا حيي قبل البين من أنت عاشقهومن أنت مشتاق إليه وشايقه
حلفت بهدي ممعط بركاتهتخب بصحراء الغبيط درادفة
لئن لم يغير بعض ما قد صنعتملانتخبن للعظم ذو أنا عارقه

والمثقب بقوله:

وثقبن الوصاوص للعيون

وذو الرمة لقوله:

أشعث باقي رمة التقليد

ومسكين بقوله:

أنا مسكين وكانت لحاجةوإني لمسكين إلى الله راغب
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهمبشعري ولا تعيى علي المكاسب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «سميت مسكينا وكانت لجاجة»

واسم مسكين الربيعة من ولد عمرو بن عدس بن درام، وكان كريماً شريفاً، وهو القائل أيضاً:

ناري ونار الجار واحدةوإليه قلبي ينزل القدر
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إن أدع مسكينا فما قصرت»
ما ضر جار لي أجاورهإلا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجتحتى يضمن جارتي الخدر

وسمي البعيث بقوله:

تبعث مني ما تبعث بعدماأمرت حبال كل مرتها شزر
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وأبو العيال، واسمه خداش، وسمي أبو العيال لقوله:

ومن يك مثلي ذا عيال ومقترامن المال يطرح نفسه كل مطرح
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «قلت لقوم في الكنيف تروحوا»
ليبلغ عذراً أو يفيد غنيمةومبلغ نفس عذرها مثل منجح

وسمى المرقش لقوله:

الدار قفر والرسوم كمارقش في ظهر الأديم قلم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «هل بالديار أن تجيب صمم»

وسمى المستوغر بقوله:

ينش الماء في الربلات منهانشيش الرضف في اللبن الوغير
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة

الربلات: أصول الفخذين. والرضف: الحجارة المحماة. والوغير: ساعة يحلب وسمى المتلمس لقوله:

فهذا أوان الأرض حي ذبابهزنابيره والأزرق المتلمس

وسمي مزرد لقوله يصف زبدة:

فجاء بها صفراء ذات أسرةتكاد عليها ربة البيت تكمد
فقلت تزردها عبيد فإننيلدرد الموالي في المسنين مزرد

وسمي بشار المرعث لقوله:

من لظبي مرعثساحر الطرف والنظر
قال لي لست قاتليقلت أو يغلب القدر

والخطفي بقوله:

يرفعن لليل إذا ما أسدفاأعناق جناق وهاماً رجفا

وعنقا بعد الرسيم خطفا

وقال الأخطل لجرير: لم سمي أبوك الخطفي؟. قال: لاختطافه الفرسان في الحرب. قال: على أي عيرية كان يفعل ذلك.

وعائذ الكلب عبد الله بن مصعب الزبيري. سمى بقوله:

ما لي مرضت فلم يعدني عائدمنكم ويمرض عبدكم فأعوذ

وكان سبب عشى الأعشى ميمون بن قيس أنه قال: كنت يوماً بمنفوحة وهو موضع بئر ينزع في حوضه من الطرى حين أنتصف النهار وننتظر ورود الشاء علي، فالتفت التفاتة فإذا الحوض مترع، وإذا فيه امرأة شابة جميلة حاسرة عن ساقها وسط الحوض، فلما رأيتها راعتني بجمالها، فألقيت من يدي الدلو حتى إذا دنوت منها فتناولتها أهوت إلى الأرض، فأخذت قبضة من تراب فألقت بها في وجهي وعيني ألم شديد، فوضعت يدي على عيني ثلاثة أشهر لا أفتح عينا، ثم انكشف عني، ولم يبق من بصري إلا سفافة أعشو بها ثم عمى بعد ذلك.

زعموا أن زرارة بن معبد رأى يوماً لقيطا ابنه مختالا وهو شاب، فقال: إنك لمختال كأنك أصبت بنت قيس بن خالد ذي الجدين، ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء. فقال لقيط: لله علي لا يلمس رأسي غسل حتى

آتيك بذلك، فسار لقيط حتى أتى قيس بن خالد سيد ربيعة، وكان على قيس يمين ألا يخطب إليه أحد علانية إلا إصابة بشر. فأتاه لقيط، فخطب إليه علانية، فقال له قيس: ومن أنت؟. قال: لقيط بن زرارة. قال: فما حملك على أن تخطب إلي علانية؟. قال: لأني إن عالنتك لم أشنك، وإن ساررتك أخدعك. قال قيس: كفء كريم لا تبيت عندي والله عزبا. ثم أرسل إلى أمها أني زوجت لقيط بن زرارة القدور بنت قيس فاصنعيها ليبتني بها ففعلت. وساق عنه قيس المهر، فابتنى بها، وأقام معهم ما شاء الله ثم ارتحل بأهله حتى أتى المنذر بن ماء السماء فأخبره بما قال له أبوه، فأعطاه مائة من هجانه، وانصرف إلى أبيه بابنة قيس وبمائة من هجائن المنذر.

وكان قيس وصى ابنته عند رحيلها مع لقيط فقال: كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب طيبك الماء، وإني قد زوجتك فارساً من فرسان مضر وإنه يوشك أن يقتل، فان كان ذلك فلا تجمشي عليه وجها، ولا تحلقي شعراً فلما أصيب لقيط تحملت إلى قومها وقالت لهم: أوصيكم بابني عبد الله بالغرائب سراً، فو الله ما رأيت مثل لقيط لم يجمش عليه وجه، ولم يحلق عليه شعر، ولولا أني عروس ما جمشت عليه وحلقت. ثم خلف عليها رجل من قومها، فسمعها تكثر من ذكر لقيط، فقال: ما أعجبك من لقيط؟ قالت: خرج يوم دجن وقد شرب وتطيب فطرد البقر وصرع منها وأتاني وبه نضح الدماء والطيب فضممته ضمة، وشممته شمة، فوددت أني مت ثمة. فلم أر منظراً قط أحسن من لقيط. فسكت عنها زوجها حتى إذا كان يوم دجن شرب وتطيب وركب فصرع من البقر، فأتاها وبه نضح من الدم والطيب والشراب فضمته إليها فقال: كيف ترين أبا الحسن أم لقيط؟. فقالت: ماء ولا كصيدا. وصيدا ركية ليس في الأرض أطيب منها.

وقال بعضهم: النساء ثلاثة: فهينة لينة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش. وأخرى وعاء ولود، وأخرى غل تمل، يضعها الله في عنق من يشاء.

والرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل آخر إذا أخرجه أمر شاور ذوي الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً.

وقال الأعشى في امرأة له من عترة خلقها:

أيا جارتا بيني فإنك طالقةكذاك أمور الناس عار وطارقة

وقد استدل ابن عباس بهذا البيت الذي للأعشى، على أن العرب كانت تعرف الطلاق الثلاث.

وقال الفرزدق لما طلق النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي:

ندمت ندامة الكسعي لماغدت مني مطلقة نوار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ندمت ندامة الكسعي لما»
وكانت جنتي فخرجت منهاكآدم حين أخرجه الصرار
ولو أني ملكت زمام نفسيلكان علي للقدر الخيار

كان أبو الهذيل العلاف المعتزلي إذا أنشد هذا البيت لعنه إذ كان شاهداً علي فساد مذهبه.

وقال المتوكل الليثي في امرأته، وكانت أقعدت غنده، فلما طلقها أفاقت فقال:

قفي قبل التفرق يا أماماوردي قبل بينكم السلاما
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
سعى الواشون حتى أزعجوهاورث الحبل فانجذم انجذاما
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
فلست بزائل ما دمت حيامسراً من تذكرها هياما
نرجيها وقد شحطت نواهاومستك المنى عاماً فعاما
صليني واعرفي أني كريمحلفت لمن يصارمني لحاما
ولا وأبيك لا أنساك حتىيجاور هامتي في القبر هاما

وقال غيره:

أحب الأرض تسكنها سليمىوإن كانت توارثها الجدوب
وما نفعي بحب تراب أرضيولكن من يحل بها حبيب
أعاذل لو شربت الخمر حتىيكون لكل أنملة دبيب
إذا لعذرتني وعلمت أنيلما أنفقت من مالي مصيب

وكان النمر بن تولب سيداً شريفاً كريماً، وكان في يوماً، فسأله سائل فأعطاه فحلها، فأنكرت عليه امرأته، فقال:

دعيني وأمري سأكفيكهوكوني قعيدة بيت صناعا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
فإنك لن ترشدي غاوياًولن تدركي لك حقاً مضاعا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال:

بكرت باللوم تلحانافي بعير ضل أو حانا
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
علقت لوماً تكررهأن لو آذاك أعيانا
اعملي أن كل مؤتمرمخطئ في الرأي أحيانا
فإذا ما لم تصب رشداًكان بعض اللوم تبيانا

قال يزيد بن عبد الله بن السحير أخو مطرف بن عبد الله: بينما نحن بمربد البصرة جلوس إذ أتانا شيخ أشعث الرأس فقلنا: والله كأن هذا ليس من أهل البلد إن قال أجل. وإذا معه قطعة من جراب أو أديم. قال: هذا كتاب كتبه لي رسول الله ﷺ، فقرأناه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني زهيرة بن قيس حي من عكل إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وفارقتم

المشركين، وأعطيتم الخمس من الغنائم وسهم البنى والصفى فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله).

فقال له القوم: حدثنا أصلحك الله - بما سمعته من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوم شهر الصبر وصوم ثلاثة أيام من الشهر يذهبن وجر الصدر. فقال له القوم: أنتم سمعتم هذا من رسول الله ﷺ؟ فقال: لا أركم تخافون أن أكذب على رسول الله. لا أحدثكم حديثاً. ثم أهوى بيده إلى صحفيته وانصاع مدبراً. فقيل لنا بعد ذلك إنه النمر بن تولب.

وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد لبعض العرب:

رعيت لسلمى بو ضيم وإننيلآبى قديما إباء الضيم وابن أباه
فقد وقفتني بين شك وتهمةوما كنت وقافاً على الشبهات
فيا بعل سلمى كم تطيل أذاتهاعدمتك من بعل تطيل أذاتي
بنفسي حبيب حال بابك دونهتقطع نفسي دونه حسرات
وو الله لولا أن نسيا كرعتهفما لست بالمأمون من فتكاتي

البو: أن يخاف انقطاع لبن الناقة إذا مات سقيها فيؤخذ جلد حوارها فيحشى تبناً ويلطخ بشيء من سلاها فتعطف عليه بعد أن يعم أنفها بالعمامة حتى تكرب، ثم تسل الخرقة فتجد روحاً، وترى ذلك البو تحتها فترأمه، أي تشمه فيدر لبنها.

وقال الزبير: كان معد بن حواس التغلبي وامرأته نصرانيين فأسلمت امرأته في ولاية عمر بن الخطاب، وفرت منه إلى عمر، فخرج معد يطلبها فنزل على الزبير فاستجار به، وشكا إليه امرأته، فقال له الزبير: هل انقضت عدتها؟. قال: لا. قال: فاسلم، وأتى به عمر ﵁ فردها عليه، فقال:

إن الزبير بن عوام تداركنيبعد الإله وقد حاطتني الظلم
للشاعر معد بن حواس التغلبي، اقرأ القصيدة
أهلي فداؤك ما جودا بحجرتهإذ ساع طلمي وإذ زلت بي القدم
إذ لا يقوم بها إلا فتى أنفعاري الأشاجع في عرنينه شمم
للشاعر معد بن حواس التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال: كان أبو خلدة اليشكري بطلا فارساً، وكان مع عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، فاشتاق إلى البصرة فأتاها، فأقام بها شهراً، فرأى في بني عجل بالبصرة حليمة بنت

الحسن، فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، فعرفها فقيل لها إنه صعلوك مغتر فإياك وإياه. فقالت: هذا زوج لغرض معين لا آمن أن أقيم معه، وهو مع ابن الأشعث بعد يغدو إلى حرب ويروح منها فقال:

لما خطبت إلى حليمة نفسهاقالت حليمة لا أرى لك مالا
أودى بمالي يا حلي تكرميوتورعي وتحملي الأثقالا
إني وعيشك لو رأيت مقامنافي الصف حين نقارع الأبطال
يوماً لسرك أن تكوني خادميعندي إذا كره الكماة نزالا

فأجابته إلى التزويج.

قال الحجاج: ما حرض علي أحد أيام حرب ابن الأشعث كتحريض أبي حزابة من ربيعة بن مالك، فإنه قام بين الصفين فسل درعه ثم أحدث عليها وقال: هكذا فاصنعوا بدروعكم يا أهل العراق، فإنها لا تصلح إلا لهذا فحموا وقاتلوا قتال الأسد، وحرض أيضاً علي أبو جلدة اليشكرى، فقال:

ألا حيى من حال العدى دون أهلهوكيف يحيى شاحط الدار نازح
جرى طائر بالبين وانشقت العصىوصاح ببين من خليلك صائح
لعمري لأهل الشام أطعن بالقناوأحمي لما يخشى عليه الفضائح
للشاعر أبو جلدة اليشكري، اقرأ القصيدة
فررنا وخلينا البلاد التي بهاتقوم إذا متنا علينا النوائح
جزعنا فلا ماتت نفوس نحبهاوقد نزعت منا النفوس الشحائح
هزمنا فما راجع من بعد هجرةإلى قينة والدين بالناس واضح
ومنا مقيم بالقرى متربصوآخر قد ضاقت عليه المناوح
أجبنا وما من مورد الموت مهربألا قبحت تلك النفوس الشحائح
وما كان إلا أن لقينا فهاربمع الريح أو ساع وآخر سابح
بخلنا بأرواح النفوس وليتهاأتاح لها ريب المنون المتائح
وكنا نرجى الخير عند سراتنافما منهم عند الملمة صالح
فقل للحوريات يبكين غيرناولا يبكنا إلا الكلاب النوابح

قال المبرد: تزوج فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مردبن عيسى بن سليمان بن علي بن

عبد الله، فقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب:

أفاطم قد زوجت عيسى فأيقنيبذل لديه عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت عن غير خبرةفتى من بني العباس ليس بعاقل
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
فإن قلت من رهط النبي فإنهوإن كان حر الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفاه منك بطائلوما ظفرت كفاك منه بطائل
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
إذا ما بنو العباس يوماً تبادرواعرى المجد واتباعوا كرام الفضائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسهإلى بيع بياحاته والمباقل
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
يرخم بيض العام تحت دجاجةليخرج بيضاً من فراريج قابل
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

البياحات ضرب من السمك، وبفاطمة كان ينسب أبو عيينة أخوه يكني عنها بدنيا، وذلك قوله:

ألم تنه نفسك أن تعشقاوما أنت والعشق لولا الشقا
أمن بعد شربك كاس النهىوشمك ريحان أهل النقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
عشقت فأصبحت في العاشقينأشهر من فرس أبلقا
أدنياي من غمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
أنا لك عبد فكوني كمنإذا سره عبده أعتقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
سقى الله دنيا على نأيهامن القطر منبعقاً ريقاً
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ألم أخدع النفس عن حبهاوقد يخدع الكيس الأحمقا
بلى وسبقتهم إننيأحب إلى المجد أن أسبقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ويوم الجنازة إذ أرسلتعلى رقبة أن جز الخندقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
إلى السال فاحتل لنا مجلساقريبا وإياك أن تخرقا
فكنا كغصين من بانةرطيبين حدثان ما أورقا
فقالت لها أختها استنشديهمن شعره الحسن المنتقا
فقلت أمرت بكتمانهوحذرت إن شاع أن يسرقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
فقالت بعيشك قولي لهتمنع لعلك أن تنفقا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

السال: موقع وخفضه ضرورة.

وقال أيضاً:

هزأت دنياي أن شاب رأسيمن هواها ولداتي شباب
قلت لا تهزأي فلو أن ما بيبغراب لشاب منه الغراب
ولقد قالت وآلت يميناًجاءني منها بذاك الكتاب
أترى أنك أعشق منيلا وربي غير أني أهاب

وقال أبو عيينة أيضاً يتغزل بدنيا ويهجو ابن عمه خالداً:

قل لدنيا بالله لا تهجريناواذكرينا في بعض ما تذكرينا
لا تخوني بالغيب عهد صديقلم تجافيه ساعة أن يخونا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
واذكري ما كان إذ ينفضالريح علينا الحيري والياسمينا
أنا باللهو معجب وهو دينيكل قوم بدينهم راضونا
حفظ الله اخوتي حيث كانوامن بلاد ممسين أو مصبحينا
اخوة عارون عن كل عيبوهم في المكارم الألونا
وهم الأكرمون يعلم ذاك الناسوالأطيبون للأطيبينا
يتباهون في المواكب عزاويقرون بالعشي العيونا
ويظلون يشربون ويسقونبكأس السرور شربا معينا
أشتهي قربهم على كل حالإن في قربهم لدنيا ودنيا
أزعجتني الأقدار عنهم وقدكنت بقربي منهم شحيحاً ضنينا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
وتبدلت خالداً لعنة الله عليهمولعنة اللاعنينا
رجل يعقر اليتيم ولا يؤتيزكاة ويحرم المسكينا
ويصون الثياب والعرض بالويرائي ويمنع الماعونا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
نزع الله منه صالح ما أعطاهآمين عاجلاً آمينا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
في حرم الدنيا إذا كان فيهاخالد ناطقاً مع الناطقينا
ولعمر المبادرين إلى مكة ركباًسارين أو مدلجينا
إن أضياف خالد وبنيهليجوعون فوق ما يشبعونا
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
وتراهم في غير نسك يصومونومن غير الجوع ويحكم تصبرونا
أنشدوه ما قلت فيه من الشعروأنتم من مثله آمنونا
أيكم جاءه بما قلت أهديتله بطة وجدياً سميناً
يا بني خالد فبئس أبو القومأنتم والله بئس البنونا

هذا شعر مطبوع وكان أبو عيينة يهجو خالداً، ويعف عن ذكر الحرمات لقرابته منه ثم يبلغ به منه إلى ما يهلكه به ويؤديه، ويتخلص أحسن تخلص.

كان سعيد بن ببان رجلا دميما أعور، وهو سيد تغلب بالكوفة فقدم الأخطل الكوفة، فأراد سعيد نزوله عنده، وأمر زوجته، وكانت من أجمل النساء فأصلحت دارها وفرشتها بأحسن فرش، ولبست ثيابها وحليها ثم دعاه، فقال له بعد أن أكل وشرب، ونظر الأخطل إليه، وإلى قبحه وإلى جمالها: كيف ترى زينا وحالنا يا أبا مالك؟ فأنت تدخل منازل الحلفاء والملوك، فان رأيت عيباً نهبت عليه. فقال له الأخطل ما في دارك عيب غيرك. قال سعيد: أنا والله أحمق منك يا نصراني، حيث أدخلتك داري، ثم أخرجه وطرده، فخرج الأخطل وهو يقول:

وكيف يداويني الطبيب من الجوىوبرة عند الأعور بن ببان
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلما على التقادم والبلى»
فهلا زجرت الطير ليلة جئتهبصيغة بين النجم والدبران
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلما على التقادم والبلى»

صيغة كوكبان صغيران بين النجم والدبران.

زعم بعض البغداديين أن من عجائب أيام المقتدر أن امرأة يقال لها ثمل كانت تجلس للمظالم، ولم تنظر امرأة في هذا في جاهلية ولا إسلام.

ويقال إنه لم تلد امرأة خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك وغير أم يزيد بن الوليد الناقص وأخيه إبراهيم، وغير الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد.

وكان موسى أول ولايته لا يخالف أمه في أمر إلى أن أكثرت وسألته يوماً في حاجة لعبد الله بن مالك بعد أربعة أشهر من خلافته، فغضب الهادي وقال: ويلي على ابن الفاعلة، والله لا قضيتها لك. قالت: إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً. قال: مكانك فاسمعي كلامي، والله لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي أو خاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؟!. أمالك مغزل فيشغلك، أو مصحف فيذكرك، أو بيت يصونك؟. إياك أن تفتحي بابك في حاجة لملي أو ذمي. وانصرفت وهي

ما تعقل، فلم تنطلق بعد ذلك عنده بحلو ولا مر، وتخلفت عنه، فيقال إنها دست إليه بعض جواريه فسقته فمات. ويقال: بل مات بأجله، فلما قيل لها إنه يسيل قالت: وما أصنع به؟. فقال لها خاصتها ليس هذا وقت تعتب، فقالت: أعطوني ما نتطهر به للصلاة، ثم قالت: إنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويلي خليفة ويولد خليفة، فمات الهادي وتملك هارون (الرشيد) وولد المأمون.

ولما مات موسى الهادي أتى إلى الخيزران من عرفها. قالت: إن كان مات موسى فقد بقي هارون، وقالت لخادمها: هات لي سويقاً فشربته وسقت منه زينب بنت سليمان بن علي وأختها أم الحسين، وعائشة أختها، وريطة أم علي بن المهدي، وفرقت عليهن أربعمائة ألف درهم، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟. قالوا لها: حلف ألا يصلي الظهر إلا ببغداد. فارتحلت فلحقته.

وولي موسى الخلافة وهو ابن واحد وعشرين سنة وشهور ولم يل الخلافة أحد أصغر منه إلا المقتدر، فانه ولى وهو ابن أحد عشر سنة.

وكانت في موسى سكاكة شديدة وصعوبة مرام، وسوء ظن ن وكان يجب ألا يسأل، فإذا أعطى أجزل من نفسه ابتداء. وكان يكرم الأدب

وأهله. أختص ابن دأب عيسى بمجالسته. وكان عيسى من أكثر أهل الحجاز أدباً، وأعذبهم ألفاظا. وكان قد حظي عنده، وكان يدعو له بتكأة. وما طمع أحد منه في هذا. وكان يقول له: ما استقللت بك يوماً ولا ليلة قط، ولا غبت عني إلا ظننت أني لا أرى غيرك. وأمر له بثلاثين ألف دينار. فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانه لقبض المال، فلقي الحاجب فقال له: ليس ذلك إلى، والمال يحتاج إلى توقيع. فأمسك ابن دأب عن ذكره. فبينا موسى في مستشرف له نظر إلى ابن دأب وقد أقبل وليس معه غلام، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب؟، ما غير من حاله؟ ولا تزيا لنا وقد بررناه بالأمس. فقال إبراهيم: إن أذن لي أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا. قال: لا، هو علم بأمره. فدخل ابن دأب وأخذ في حديثه إلى أن عرض له الهادي بشيء من أمره فقال: أرى ثوبك غسيلا وهذا مقام تحتاج فيه إلى الجديد واللين. فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه. قال له: ألم نصرف إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك؟. فقال: ما وصل إلى شيء. فدعا بصاحب بيت مال الخاصة فقال: عجل له الساعة بثلاثين ألف

دينار. فحملت بين يديه.

قال إسحاق الموصلي: بينا نحن بين يدي الهادي في منادمته إذ جاء صبي صغير من خدمه فدنا من أذنه فأسر إليه كلمة واحدة، فنهض، ورفع مصلاه، فإذا سيف منتضى، فأخذه بيده وقال: كونوا بحالكم حتى أرجع ومضى، ولم يكن إلا يسيرا حتى رجع والسيف بجنبه، وقد ذهب عن قلبي فكره، وعن عقلي حفظه. وقال: خذوا في أمركم، فذهب عني الغناء، والتوى علي، وفطن لما بي، فقال: يا ابن اللخناء صر إلى ما كنت عليه. لا يخطر ببالك شيء ليس من شأنك. قال: فعانيت الغناء بكل حيلة فما تهيأ لي شيء أرتضيه، فو الله أنا لعلى تلك الحال إذ رجع إلينا ذلك الصبي، فدنا من أذنه فأسر إليه كلمة ما علمت أنه زاد عليها، فأخذ السيف ونهض، فما كان إلا كمقدار الوقت الأول حتى رجع إلينا كالثائر والسيف يقطر دماً، والصبي الذي كان ساره قد حمل رأسين فقال: أدخل بهما فطف من المقاصير، وقل: هذا جزاء كل امرأتين نامتا في لحاف واحد.

قال ابن دأب: فلما رأيت تريث الهادي وسكوت القوم لم أزل استنزله عن غضبه درجة بشعر مرة، وحديث أخرى حتى أستبشر، ووصلنا وقضى حوائجنا. رحم الله الهادي لو رأى ما كان بعده، وعاين زماننا لرأى العجب. حسبنا الله (ونعم الوكيل).

قالوا: لا تثمر الطبيعة إلا عند حسيب، كما لا تنفع الرياضة إلا في نجيب. وقالوا: الحسيب محتاج إلى الأدب، والأدب مستغن عن الحسب.

قيل لعبد الله بن عباس: لم تكتب العلم؟. قال إذا نشطت فهو لذاتي وإذا اغتممت فهو سلوتي. نظر المغيرة بن شعبة إلى امرأته فارعة بنت همام تخلل مع الغداة فطلقها، فبلغها أنه قال: والله لئن تخللت من طعام يومها لقد شرهت وانهمت، ولئن تخللت من طعام ليلتها لقد أغبت وانتنت. فقال: أبعد الله المطلاق المذواق، والله ما تخللت إلا من شظية المسواك.

وقال محمد بن علي بن أبي طالب ﵄: خير النساء التي إذا أعطيت شكرت وإذا حرمت صبرت. التي تسرك إذا نظرت (أليها) وتيعك إذا أمرت.

وقال بعض الشعراء يذم امرأته:

جزاك الله يا حبناء شراًلبذلة أهل بيت أو لصون
تعين علي دهري ما استطاعتوليست لي على دهري بعون
إذا خرجت لحاجتها أتتنيمن الكذب العجيب بكل لون

وقال غيره يمدح امرأته بعد موتها:

سقى حدباء تضمر أم عمروبنخلة ما استهل من الغمام
زما للأرض استسقى ولكنلأصداء أقمن بها وهام

النص من طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الممتع في صنعة الشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.