من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
لأهل هذا العصر
الأمير أبو فراس الحمداني:
غنى النّفس لمن يعقل خيرٌ من غنى المال
وفضل النّاس في الأنفس ليس الفضل في الحال
ونحن أناسٌ لا توسّط عندنالنا الصّدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسناومن خطب الحسناء لم يغله المهر
ولقد ظننت بك الظّنون لأنه من ضنّ ظنّا
يجني عليّ وأحنو صافحاً أبداًلا شيء أحسن من حانٍ على جان
وندعو كريماً من يجود بمالهومن يبذل النّفس النفيسة أكرم
وأعظم آفات الرجال ثقاتهاوأهون من عاديته من يحارب
ولست أرى فساداً في فساٍديجرّ على فريقيه صلاحا
وجميل العدوّ غير جميلوقبيح الصّيق غير قبيح
أبو الطيّب المتنبي:
مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
إنّ المعارف في أهل النّهى ذمم
وخير جليسٍ في الزّمان كتاب
وتأبى الطّباع على النّاقل
ومنفعة الغوث قبل العطب
ومن فرح النّفس ما يقتل
إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
أنا الغريق فما خوفي من البلل
فإنّ الرّفق بالجاني عتاب
بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل
وكلّ امرىءٍ يولي الجميل محببّوكل مكان ينبت العزّ طيّب
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت الّلئيم تمرّدا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلامضرّ كوضع السيف في موضع الندى
والأمر لله ربّ مجتهدٍما خاب إلا لأنّه جاهد
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌإذا احتاج النهار إلى دليل
ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرىعدوّاً له ما من صداقته بدّ
وإذا كانت النفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداًفأفعاله الّلاتي سررن ألوف
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍفهي الشّهادة لي بأنّي فاضل
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً لهإذا لم يكن في فعله والخلائق
وما يوجع الحرمان من كفّ حارمكما يوجع الحرمان من كفّ رازق
إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح بهمن أكثر النّاس إحسانٌ وإجمال
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهما فاته وفضول العيش أشغال
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توهّم
ما كلّ ما يتمنّى المرؤ يدركهتجري الرياح بما لا تشتهي السّفن
وقيّدت نفسي في ذراك محبّةًومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا
السريّ الموصليّ الرفّاء:
خذوا من العيش فالأعمار فانيةٌوالدهر منصرمٌ والعيش منقرض
إذا العبء الثقيل توزّعتهرقاب القوم خفّ على الرّقاب
والفضل ما شهدت به الأعداء
وإنّك كلّما استودعت سرّاًأنمّ من النسيم على الرياض
لا تأنفنّ من العتاب وقرصهفالمسك يسحق كي يزيد فضائلا
ما أحرق العود الذي أشممتهخطأً ولا غمّ البنفسج باطلا
إلى كم أحبّر فيك المديحويلقى سواي لديك الحبورا
أبو بكر الخالدي:
إن خانك الدهر فكن عائذاًبالبيد والظلماء والعيس
ولا تكن عبد المنى فالمنىرؤوس أموال المفاليس
وأخٌ رخصت عليه حتى ملّنيوالشيء مملولٌ إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعزّ وجودهإن رمته إلا صديقٌ مخلص
أخوه أبو عثمان الخالدي:
يا هذه إن رحت فيسملٍ فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحياة قميصها خزفٌ وقار
صغيرٌ صرفت إليه الهوىوهل خاتمٌ في سوى خنصر
قالت: رقدت فقلت: الهمّ أرقدنيوالهمّ يمنع أحياناً من السّهر
أصفو وأكدر أحياناً لمختبريوليس مستحسناً صفوٌ بلا كدر
لا عار يلحقني أني بلا نشبفأيّ عارٍ على عينٍ بلا حور
الخبّاز البلدي:
إذا استثقلت أو أبغضت خلقاًوسرّك بعده حتى التّناد
فشرّده بقرض دريهماتٍفإن القرض داعية البعاد
المهلّبي الوزير:
سابقي بالوصل حوليأو مغيبي أو مشيبي
فهو للفتيان في الدنيا بمرصادٍ قريب
لو توسّطت إذا لم تترّكوكففت النفس عن بعد الأرب
كان أرجى لك في العتبى من أنتملأ الدلو إلى عقد الكرب
أبو إسحق الصّابي:
نعم الله كالوحوش وما تألف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قومٍ وصيرت لها البرّ والتقى أشراكا
وأحقّ من نكستهبالصّغر عن درجاته
من مجده من غيرهوسفاله من ذاته
ومن الظّلم أن يكون الرّضى سرّاًويبدو الإنكار وسط النادي
الضّبّ والنون قد يرجى التقاؤهماوليس يرجى التقاء الّلبّ والذهب
وحيث يكون النقص فالرزق واسعٌوحيث يكون الفضل فالرّزق ضيّق
جملة الإنسان جيفهوهيولاه سخيفه
فلماذا ليت شعريقيل للنّفس الشريفه
إنّما ذلك فيهصنعة الله اللطيفه
ابن نباتة السّعدي:
فلا تحقرنّ عدوّاً رماكوإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحزّ الرقابوتعجز عما تنال الإبر
أرى همم المرء اكتئاباً وحسرةًعليه إذا لم يسعد الله جدّه
وما للفتى في حادث الأمر حيلةٌإذا نحسه في الأمر قابل سعده
مثل خلعت على الزمان رداءهعوز الدراهم آفة الأجواد
يهوى الثناء مبرّزٌ ومقصرٌحبّ الثناء طبيعة الإنسان
ونبت بنا أرض العراق فما محنّاها بمحنه
غير الرحيل كفى البلاد برحلة الفضلاء هجنه
أحسد قوماً عليك قد غلبواوكل من بادر المدى غلبا
وكنت كالكرم من تكرّمهتلتفّ أوراقه بما قربا
ابن لنكك البصري:
عدّنا في زمانناعن حديث المكارم
من كفى الناس شرّهفهو في الجود حاتم
وماذا أرجّي من حياةٍ تكدّرتولو قد صفت كانت كأضغاث حالم
جار الزمان علينا في تصرّفهوأيّ دهرٍ على الأحرار لم يجر
عندي من الدهر ما لو أن أيسرهيلقى على الفلك الدوّار لم يدر
أبو الحسن السلامي:
تبسّطنا على الآثام لمّارأينا العفو من ثمر الذّنوب
والمرء ما شغلته فرصة لذّةٍناسي العواقب آمن الحدثان
وكان رقادي بين كاسٍ وروضةٍفصار سهادي بين طرف وصارم
ركوب الهول أركبك المذاكيولبس الدّرع ألبسك الغلائل
أبو الفرج الببّغاء:
ما الذلّ إلا تحمّل المننفكن عزيزاً إن شئت أو فهن
أكلّ وميض بارقةٍ كذوبأما في الدهر شيءٌ لا يريب
ومن طلب الأعداء بالمال والظبىوبالسعد لم يبعد عليه مرام
ولم أر مذ عرفت محلّ نفسيبلوغ غنى يساوي حمل منّ
ابن سكّرة الهاشميّ:
وعلّة الحال تنسي علّة الجسد
وقد ينبت الشّوك وسط الأقاحي
والموت أنصف حين عدّل قسمةبين الخليفة والفقير البائس
وكلّ ذي عيشٍ بلا درهمٍفعيشه ظلمٌ وعدوان
ابن الحجّاج:
وربّ كلامٍ تستثار به الحرب
خودٌ تزفّ إلى ضريرٍ مقعد
أصبحت أخلق منك بالزّبد
متخمٌ يفسو على جائع
أحسنت يا جامع سفيان
فقلت من يفسو على الكنف
أيها السائل عن حاليأنا المضروب لا زيد
وأنا المحبوس لكنليس في رجلي قيد
واللوزة المرة يا سيدييفسد في الطعم بها السكّر
دعوت نداك من ظمإٍ إليهفعنّاني بقيعتك السّراب
سرابٌ لاح يلمع في سباخٍفلا ماءٌ لديه ولا تراب
وبي مرضان مختلفان حالي العليلة منهما تمسي بحال
إذا عالجت هذا جفّ كبديوإن عالجت ذاك ربا طحالي
ما زلت أسمع كم من واثقٍ خجلٍحتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
أبو الحسن الموسوي النقيب:
ما السّؤدد المطلوب إلا دون مايرمي إليه السؤدد المولود
فإذا هما اتّفقا تكسّرت القناإن غالبا وتضعضع الجلمود
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطهلقد تقارب بين العزّ والهون
ومنظرٍ كان بالسرّاء يضحكنييا قرب ما عاد بالضرّاء يبكيني
الحرّ من حذر الهوان يزاول الأمر الجسيما
وهو العظيم وغير بدعٍ منه أن ركب العظيما
أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهممثل القذى مانعاً طرفي من الوسن
لقد تمازج قلبانا كأنّهماتراضعا بدم الأحشاء لا الّلبن
إشتر العزّ بما بيع فما العزّ بغال
بالقصار الصّفر إن شئت أو السمر الطّوال
ليس بالمغبون عقلامشتري عزٍّ بمال
إنّما يدّخر المال لحاجات الرجال
والفتى من جعل الأموال أثمان المعالي
أبو طالب المأموني:
لي في ضمير الدهر سر كامنلا بد أن تستله الأقدار
وما شرف الإنسان الا بنفسهأكان ذووة سادة أم مواليا
إذا الغيث وفى الروض واجب حقهوزاد فإن الغيث للروض ظالم
أبو الفضل بن العميد:
لن يصرف الدّهر عن سجيّتهأرب أريبٍ وحوال ذي حيل
أيّ معينٍ صفا على كدر الدّهر وأيّ النّعيم لم يزل
من يشف من داءٍ بآخر مثلهأثرت جوانحه من الأدواء
داوى جوىً بجوىً وليس بحازمٍمن يستكفّ النّار بالحلفاء
أنت قوتي وما بقاء امرىءٍ بان قوته
كيف يرجو البقاء إنفارق الماء حوته
آخ الرّجال من الأباعد والأقارب لا تقارب
إنّ الأقارب كالعقارب بل أضرّ من العقارب
ابنه أبو الفتح:
إذا بلغ المرء آمالهفليس له بعدها مقترح
متى لفظتني دار قومٍ تركتهاإذا كان لي منها ومن أهلها بدّ
بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصىوتقويم عبد الهون بالهون رادع
أبو القاسم بن عبّاد:
فإنّ الهموم بقدر الهمم
وما حسن الثّياب بلا طراز
كم صارمٍ جرّب في خنزير
احذر الغيبة فهي الفسق لا رخصة فيه
إنما المغتاب كالآكل من لحم أخيه
حفظ اللسان راحة الإنسانفاحفظ حفظ الشّكر للإحسان
فآفة الإنسان في الّلسان
إنّ أمّ الصّدق في الودّ لمقلاتٌ نزور
من لم يعدنا إذا مرضناإن مات لم نشهد الجنازه
لقد صدقوا والراقصات إلى منىًبأنّ مودّات العدى ليس تنفع
ولو أنّني داريت دهري حيّةًإذا استمكنت يوماً من الّلسع تلسع
القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز:
يتملّك الأحرار بالإيناس
والقلب يدرك مالا يدرك البصر
الهجر أروح من وصلٍ على حذروالموت أطيب من عيش على غررٍ
وما أعجبتني قطّ دعوى عريضةولو قام في تصديقها ألف شاهد
يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنّمارأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما
إذا قيل: هذا موردٌ قلت: قد أرىولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظمأ
وقالوا: اضطرب في الأرض فالرّزق واسعٌفقلت: ولكن مطلب الرّزق ضيّق
إذا لم يكن في الأرض حرٌّ يعيننيولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق
أبو بكر الخوارزمي:
ومن عجب الأيّام ترك التّعجب
لكلّ صناعةٍ يوماً مديل
قوموا انظروا كيف بخوت الّلئام
يا ملك الموت إلى كم تنام
ما أثقل الدهر على من ركبهحدثني عنه لسان التّجربه
لا تشكرن دهراً لخيرٍ سيّبهفإنه لم يتعمّد بالهبه
وإنما أخطأ فيك مذهبهكالسّيل إذ يسقي مكاناً خرّبه
والسمّ يستشفي به من شربه
من أسخط الدرهم أرضى اللهومن أذال المال صان الجاها
وإذا مدّة الشقيّ تناهتجاءه من شقائه متقاض
ولا تعجبا أن يملك العبد ربّهفإن الدمى استعبدن من نحت الدّمى
لا تصحب الكسلان في حاجاتهكم صالحٍ بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌكالجمر يوضع في الرّماد فيخمد
عليك بإظهار التجلّد للعدىفلا تظهرن منك الذبول فتحقرا
ألست ترى الريحان يشتمّ ناضراًويطرح في الميضا إذا ما تغيّرا
أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني:
أيا جامع المال من حلّهتبيت وتصبح في ظلّه
سيؤخذ منك غداً كلّهوتسأل من بعد عن كلّه
يا حريصاً على الغنىقاعداً بالمرصاد
لست في سعيك الذيخضت فيه بقاصد
إن دنياك هذهلست فيها بخالد
بعض هذا فإنّماأنت ساعٍ لقاعد
إسماعيل الشاشي:
وللشّباب تراعي حرمة الكتم
وكنت ارى أن التجارب عدّةٌفخانت ثقات الناس حتى التجارب
فركضاً في ميادين التّصابيأحقّ الخيل بالركض المعار
ولا تجزعنّ على أيكةٍأبت أن تظلّك أغصانها
أبو الفتح البستي:
إذا أحسست في لفظي فتوراًوخطّي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن نقصيعلى مقدار إيقاع الزمان
لا تحقر المرء إن رأيت بهدمامةً أو رثاثة الحلل
فالنحل لا شيء في ضؤولتهيشتار منه الفتى جني العسل
لا ترج شيئاً خالصاً نفعهفالغيث لا يخلو من العيث
فشرط الفلاحة غرس النباتوشرط الرّئاسة غرس الرّجال
إذا حيوانٌ كان طعمه ضدّهتوقّاه كالفار الذي يتقي الهرّا
ولا شكّ أن المرء طعمه دهرهفما باله يا ويحه يأمن الدهرا
ظلّ الفتى ينفع من دونهوماله في ظلّه حظّ
وطول جمام الماء في مستقرّهيغيّره لوناً وريحاً ومطعما
إذا مرّ بي يومٌ ولم أتّخذ يداًولم أستفد علماً فما هو من عمري
أنا كالورد فيه راحة قومٍثم فيه لآخرين زكام
ولم أر مثل الشكر جنّة غارسولم أر مثل الصبر جنّة لابس
ولن يشرب السمّ الزعاف أخو حجىًمدلاًّ بترياق لديه مجرّب
ما استقامت قناة رأيي إلابعد أن عوّج المشيب قناتي
أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي:
وكل غنىً يتيه به غنيٌّفمرتجعٌ بموتٍ أو زوال
وهب جدّي زوى لي الأرض طرّاًأليس الموت يزوي ما زوى لي
أخوك من إن كنت فينعمي وبؤسي عادلك
وإن بداك منعمابالبر منه عادلك
يصاب الفتى في أهله برزيّةٍوما بعدها منه أهمّ وأعظم
فإن يصطبر فيها فاجرٌ موفّرٌوإن كان مجزاعاً فوزرٌ مقدّم
جامل الناس في المعاش وخلّ المزاحمه
وتنصح وقل لمنيتعاطى المزاح: مه
وقد يهلك الإنسان كثرة مالهكما يذبح الطاووس من أجل ريشه
عمر الفتى ذكره لا طول مدّتهوموته خزيه لا فوته الدّاني
فأحي نفسك بالإحسان تزرعهيجمع له بك في الدنيا حياتان
قال لمن يحلقهوشعره مختلط
بالله قل ما لونهأأسودٌ أم أشمط
فقال: رفقاً يا فتىبين يديك يسقط
ومن سخط النصب في قدرهفقد رضي الخفض من قدره
ومن يطو مكنون أحشائهعلى حلل الحبّ قاسى الكروبا
لا عون للرجل الكريم كماله
ذو الفضل لا يسلم من قدحولو غدا أقوم من قدح
النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع