١لَا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيهَا وَلَا مَالُ
فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ
الواحدي: يخاطب نفسه يقول ليس عندك من الخيل والمال ما تهديه إلى الممدوح جزاء له على إحسانه إليك فليسعدك النطق أي فإمدحه وجازه بالثناء عليه إن لم تعنك الحال أي على مجازاته بالمال وهذا من قول يزيد المهلبي، إن يعجز الدهر كفى جزائكمُ، فإنني بالهوى والشكر مجتهدُ، وقول الحطيئة، وإن لم يكن مالٌ يثابُ فإنه، سيأتي ثنائي زيداً ابن مهلهلِ،
٢وَاجْزِ الْأَمِيرَ الَّذِي نُعْمَاهُ فَاجِئَةٌ
بِغَيْرِ قَوْلٍ وَنُعْمَى النَّاسِ أَقْوَالُ
الواحدي: أي واجزه بالمدح والثناء عليه والشكر له فإن انعامه يأتي فجاءةً من غير تقدم سؤال وانتظار وغيره من الناس اقتصروا على القول دون الفعل وهذا من قول المهلبي، وكم لك نائلا لم أحتسبه، كما يلقى مفاجأة حبيبُ،
العكبري: الْغَرِيب النعمى إِذا كَانَت على فعلى قصرت وَإِذا كَانَت على فعلاء مدت وَهِي الْيَد والصنيعة وَمَا انْعمْ الله بِهِ عَلَيْك الْمَعْنى أجزه بالثناء والمدح وَالشُّكْر وَذَلِكَ أَن إنعامه يَأْتِيك فجاءة من غير أَن تقدم سؤالا وانتظارا وَغَيره من النَّاس اقْتصر على قَول دون فعل كَقَوْل الحبيب (الجُودُ عِنْدَهُمُ قَول بِلا عَمل ... ) وكقول المهلبي (وَكَمْ لَكَ نائِلاً لَمْ أحْتَسِبهُ ... كَمَا يُلْقى مُفاجأةً حَبِيبُ)
٣فَرُبَّمَا جَزَى الْإِحْسَانَ مُولِيَهُ
خَرِيدَةٌ مِنْ عَذَارَى الْحَيِّ مِكْسَالُ
الواحدي: المكسال من النساء الفاترة القليلة التصرف يقول ربما جازت بالإحسان من أولى الإحسان امرأة عاجزة من كل شيء والمعنى أن لم تعرض المكافاة فعلا فهي معرضةٌ قولا كالمكافاة من هذه المكسال يحث نفسه على الجزاء وترك التقصير فيما يمكن ثم ضرب لهذا مثلا فقال
العكبري: الْغَرِيب جزاه بِمَا صنع جَزَاء وجازيته أَيْضا وجازيته فجزيته أَي غلبته وجزى عني هَذَا أَي قضى وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ وَفِي حَدِيث أبي بردة بن نيار تجزي عَنْك وَلَا تجزى عَن غَيْرك فِي الْأُضْحِية أَي تقضى وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ أَجْزَأت عَنْك بِالْهَمْز وتجازيت ديني على فلَان أَي تقاضيته والمتجازى المتقاضى والخريدة الجاريية الحيية وَالْجمع خرائد وخرد والعذارى جمع عذراء وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي لم تفتض والمكسال الفاترة القليلة التَّصَرُّف الْمَعْنى يَقُول رُبمَا جَازَت على الْإِحْسَان إِلَى من يوليه جَارِيَة ضَعِيفَة الْحَرَكَة عاجزة عَن كل شَيْء وَهَذَا كُله حث لنَفسِهِ على الْجَزَاء وَترك التَّقْصِير فِيمَا يُمكن ثمَّ ضرب لهَذَا مثلا فَقَالَ الْبَيْت بعده
٤وَإِنْ تَكُنْ مُحْكَمَاتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُنِي
ظُهُورَ جَرْيٍ فَلِي فِيهِنَّ تَصْهَالُ
الواحدي: ضرب لنفسه المثل في عجزه عن المكافاة بالفعل بفرسٍ أحكم شكاله فعجز عن الجري لكنه يصهل يقول إن لم يكن عندي الفعل فعندي مكافاةٌ بالقول والمعنى أن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور فإن أمدحك إلى أوانٍ ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها وكان فاتك هذا يسر خلافا للأسود وينطوي على بغضه ومعاداته وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود
٥وَمَا شَكَرْتُ لِأَنَّ الْمَالَ فَرَّحَنِي
سِيَّانِ عِنْدِي إِكْثَارٌ وَإِقْلَالُ
الواحدي: يقول ليس شكريك عن فرح بما أهديته إليّ لأن القل والكثر عندي سواء لقلة مبالاتي بالدنيا قال ابن جنى وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك وكان يقول حمل إليّ ما قيمته الف دينار في وقت واحد
العكبري: الْغَرِيب السيان المثلان وإكثار وإقلال بِمَعْنى الْكثير والقليل الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا رَأَيْت أَبَا الطّيب أشكر لأحد مِنْهُ لفاتك وَكَانَ يَقُول حمل إِلَيّ فِي وَقت وَاحِد مَا قِيمَته ألف دِينَار وَالْمعْنَى يَقُول مَا شكرتك عَن فَرح بِمَا أهديته لي لِأَن الْقَلِيل وَالْكثير عِنْدِي سَوَاء
٦لَكِنْ رَأَيْتُ قَبِيحًا أَنْ يُجَادَ لَنَا
وَأَنَّنَا بِقَضَاءِ الْحَقِّ بُخَّالُ
الواحدي: بخال جمع باخل يقول إنما أشكر لأني استقبح البخل بقضاء الحق والسكوت عن شكر من يجود لي بالبر والنعمة
العكبري: الْغَرِيب البخال جمع باخل ككاتب وَكتاب وصائم وَصِيَام وحاسب وحساب الْمَعْنى يَقُول أَنا أشكر لِأَنِّي أستقبح الْبُخْل بِقَضَاء الْحق وَكَيف أسكت عَن شكر من يجود إِلَيّ بِمَالِه ووده وَالْبر وَالنعْمَة وَأَنا فِي إنعامه
٧فَكُنْتَ مَنْبِتَ رَوْضِ الْحَزْنِ بَاكَرَهُ
غَيْثٌ بِغَيْرِ سِبَاخِ الْأَرْضِ هَطَّالُ
الواحدي: يقول لما وصل إليّ بره كنت كمنبتِ روض الحزن جاد عليها بالبكرة غيث هطال بارضٍ منبتة طيبة يعني أن مطر بره لم يصادف مني سبخةً وخص روض الحزن لنها أنضر لبعدها عن الغبار
العكبري: الْغَرِيب روض الْحزن هِيَ الأَرْض الْبَعِيدَة وخصها لبعدها عَن الْغُبَار وسباخ الأَرْض هِيَ الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت لملوحتها وَاحِدهَا سبخَة الْمَعْنى يَقُول زكتْ عِنْدِي صنيعته كَمَا يزكو الْمَطَر الْكثير فِي الأَرْض الطّيبَة وَالْمعْنَى أَن مطر جوده لَا يُصَادف مني سبخَة لَا تنْبت
٨غَيْثٌ يُبَيِّنُ لِلنُّظَّارِ مَوْقِعُهُ
إِنَّ الْغُيُوثَ بِمَا تَأْتِيهِ جُهَّالُ
الواحدي: يقول موقع إحسانه مني يبين للمحسنين أنهم يخطئون مواقع الصنائع ومن نصب موقعه فمعناه أنه غيث يبين موقعه للناظرين لأنه أتى على مكان أثر فيه أحسن تأثير ثم قال مبتديا إن الغيوث بما تأتيه جهال لنها تأتي على الأرض العراة والسبخة
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول موقع إحسانه مني بَين للمحسنين أَنهم يخطئون مواقع الصَّنَائِع وَمن نصب موقعه فَمَعْنَاه أَنْت غيث بَين موقعه للناظرين لِأَنَّهُ أَتَى على مَكَان أثر فِيهِ أحسن تَأْثِير ثمَّ قَالَ مبتدئا إِن الغيوث يُرِيد أَنَّهَا تَأتي على الأَرْض السبخة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح والخطيب الْغَيْث كالجاهل فَهُوَ يمطر الْمَكَان الطّيب والقبيح وَهَذَا يُعْطي من هُوَ أهل للعطاء وَهُوَ ضد قَوْله فِي سيف الدولة (وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتي قَنَصٌ ... شُهْبُ الُبزَاةِ سَوَاءٌ فيهِ والرَّخَمْ)
٩لَا يُدْرِكُ الْمَجْدَ إِلَّا سَيِّدٌ فَطِنٌ
لِمَا يَشُقُّ عَلَى السَّادَاتِ فَعَّالُ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا يدْرك السِّيَادَة وعلو الْقدر إِلَّا من يفعل مَا يشق على الكرماء الْفُضَلَاء
١٠لَا وَارِثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ مَا وَهَبَتْ
وَلَا كَسُوبٌ بِغَيْرِ السَّيْفِ سَآلُ
الواحدي: يقول لا يدرك المجد إلا سيد لا وارثٌ أي لم يرث أباه شيئا لأنه كان جوادا فلم يخلف مالا ويمناه جهلت ما وهبت لكثرته وليس هو سأالا كسوبا بغير السيف يعني لا يطلب حاجته إلا بالسيف
العكبري: الْغَرِيب يمناه يَمِينه الْمَعْنى لَا يدْرك الْمجد وَارِث ورث أَبَاهُ مَالا لِأَن الممدوح لم يَرث أَبَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ جوادا فَلم يخلف مَالا ويمناه جهلت مَا وهبت لكثرته وَلَيْسَ هُوَ سئالا وَلَا كسوبا بِغَيْر سَيْفه لَا يطْلب حَاجته إِلَّا بِالسَّيْفِ
١١قَالَ الزَّمَانُ لَهُ قَوْلًا فَأَفْهَمَهُ
إِنَّ الزَّمَانَ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَذَّالُ
الواحدي: يقول عرفه الزمان أن المال لا يبقى ففهم ذلك عن الزمان ففرق ماله فيما يورث المجد ولم يكن هناك قول ولكنه بتصاريف الزمان
العكبري: الْإِعْرَاب الضميران فِي لَهُ وأفهمه يعودان على السَّيِّد الفطن الْمَعْنى يَقُول عرفه الزَّمَان أَن المَال لَا يبْقى ففهم ذَلِك عَن الزَّمَان فَفرق مَاله فِيمَا يُورث الْمجد وَلم يكن ثمَّ قَول وَلكنه اتعظ وَاعْتبر بتصاريف الزَّمَان وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أكْرم النَّاس من تَعب فِي جمع الْأَمْوَال بِالسَّيْفِ ثمَّ يَهَبهَا بعد وَقَالَ الْخَطِيب من رأى الممسكين وموتهم عَن الْأَمْوَال وتخليتها للأعداء فقد أرَاهُ الزَّمَان فيهم العبر فَكَأَنَّهُ حذره عَن الْإِمْسَاك وَالزَّمَان لم يقل قولا حَقِيقَة وَإِنَّمَا رأى تصاريفه فاتعظ فَكَانَ كمن قَالَ لَهُ الْبَيْت بعده
١٢تَدْرِي الْقَنَاةُ إِذَا اهْتَزَّتْ بِرَاحَتِهِ
أَنَّ الشَّقِيَّ بِهَا خَيْلٌ وَأَبْطَالُ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول تعلم القناة إِذا هزها أَن بهَا أشقياء خيل وأبطال لِكَثْرَة مَا قد عودهَا
١٣كَفَاتِكٍ وَدُخُولُ الْكَافِ مَنْقَصَةٌ
كَالشَّمْسِ قُلْتُ وَمَا لِلشَّمْسِ أَمْثَالُ
الواحدي: يقول لا يدرك المجد إلا سيدٌ كفاتك ولم يعرف ابن جنى وجه دخول الكاف في كفاتك فقال الكاف هاهنا زائدة وإنما معناه وتقديره فاتك أي هذا الممدوح فاتك هذا كلامه وجمعي البيت مبني على هذه الكاف فكيف يمكن أن يقال أنها زائدة ألا ترى أنه قال ودخول الكاف منقصة أي أنها توهم أن له شبيها وليس كذلك لأنه يقول كالشمس ولا مثل للشمس
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا قبل كفاتك وَدخُول الْكَاف منقصة جعل لَهُ شَبيه فانتقص بذلك وَإِنَّمَا قولي كَالشَّمْسِ وَإِن كَانَت لَا شَبيه لَهَا وَالْكَاف زَائِدَة كَقَوْل رؤبة (لَو أحِقُ الأقْرَابِ فِيهَا كالمَقَقْ ... ) أَي فِيهَا مقق وَهُوَ الطول وَلَا يُقَال فِيهَا كالطول إِلَّا على زِيَادَة الْكَاف وَأنْكرهُ الواحدي وَقَالَ لم يعرف ابْن جنى مَعْنَاهُ وَقَالَ الْكَاف زَائِدَة وَجَمِيع الْبَيْت مَبْنِيّ على الْكَاف فَكيف يُمكن زيادتها أَلا يرى أَنه قَالَ وَدخُول الْكَاف منقصة أَي أَنَّهَا توهم أَن لَهُ شَبِيها وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ كَالشَّمْسِ وَلَا مثل للشمس وَقَالَ الْخَطِيب لَا يدْرك الْمجد إِلَّا رجل صِفَاته هَذِه الَّتِي ذكرت ثمَّ شبهه بفاتك ثمَّ استدرك ذَلِك بقوله وَدخُول الكاف منقصة إِذا قلت هُوَ كفلان فقد جعلت لَهُ مثلا وَإِنَّمَا ذَلِك مجَاز وَتوسع كالشيء المستحسن يشبه بالشمس على الظَّاهِر وَلَيْسَ لَهَا مثل وَاجعَل أَبُو الْفَتْح الْكَاف زَائِدَة وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك إِنَّمَا هُوَ بضده
١٤الْقَائِدُ الْأُسْدَ غَذَّتْهَا بَرَاثِنُهُ
بِمِثْلِهَا مِنْ عِدَاهُ وَهْيَ أَشْبَالُ
الواحدي: أي الذي يقود إلى الحرب رجالا هم أسود تغذوها براثن فاتك بأمثالهم من الأعداء يعني أنه يغنمهم الأبطال وجعلهم كالأشبال له حيث قام بتغذيتهم
العكبري: الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَبهَا قَرَأت نصب الْأسد بإعمال إسم الْفَاعِل الْغَرِيب البراثن من السبَاع وَالطير بِمَنْزِلَة الْأَصَابِع من الْإِنْسَان والمخلب ظفر البراثن والأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يَقُود إِلَى الْحَرْب ورجالا كالأسود غذتهم براثنه أَي سيوفه وسلاحه فهن كالبراثن لَهُ وَيُشِير إِلَى غلمانه الَّذين رباهم وضراهم بإسلاب أعدائه مُنْذُ كَانُوا أشبالا إِلَى ان صَارُوا أسدا
١٥الْقَاتِلُ السَّيْفَ فِي جِسْمِ الْقَتِيلِ بِهِ
وَلِلسُّيُوفِ كَمَا لِلنَّاسِ آجَالُ
الواحدي: أي لجودة ضربته يقتل المقتول وما يقتله به وهو السيف أي يكسره فجعل ذلك قتلا للسيف
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لجودة ضربه يقتل الْمَقْتُول وَمَا يقْتله بِهِ وَهُوَ السَّيْف يُرِيد أَنه يكسرهُ فِي جِسْمه فَجعل ذَلِك قتلا للسيف وَجعل للسيوف آجالا كالناس وَغَيرهم
١٦تُغِيرُ عَنْهُ عَلَى الْغَارَاتِ هَيْبَتُهُ
وَمَالُهُ بِأَقَاصِي الْأَرْضِ أَهْمَالُ
الواحدي: يقول هيبته تمنع الإغارة على ماله وكأنها تغير على الغارة وماله مهمل لا راعي له باقاصي البر لا يغار عليه هيبةً منه والأهمال جمع همل والهمل جمع هامل وهو البعير الذي لا راعي له ويجوز أن يكون المعنى أن القوم يغيرون على الأموال فيحملونها إليه هيبةً لهم فكأن هيبته تغير على غارة غيره ثم قال وماله أهمال لا يغار عليه والأول قول ابن جنى لأنه قال يهابه أهل الغارات أن يتعرضوا له فكأن هيبته تغير على غاراتهم
العكبري: الْغَرِيب الأهمال والهمال الإيل بِلَا رَاع مثل النفش إِلَّا أَن النفش لَا يكون إِلَّا لَيْلًا والهمل لَيْلًا وَنَهَارًا وإبل همل هاملة وهمال وهوامل وتركتها هملا أَي سدى إِذا أرسلتها ترعى لَيْلًا وَنَهَارًا بِلَا رَاع وَفِي الْمثل اخْتَلَط المرعى بالهمل والمرعى الَّذِي لَهُ رَاع الْمَعْنى يَقُول يهابه أهل الغارات أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاراتهم وَمَاله همل لَا راعي لَهُ وَلَا يغار عَلَيْهِ لهيبته وَقَالَ الواحدي يجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن الأقوام يغيرون على الْأَمْوَال فيحملونها إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاره غَيره وَالْمعْنَى أَنه لجلالة قدره وعلو ذكره تهيبه الفرسان فِي غاراتها فتحجم عَن مقاتلة أهماله
١٧لَهُ مِنَ الْوَحْشِ مَا اخْتَارَتْ أَسِنَّتُهُ
عَيْرٌ وَهَيْقٌ وَخَنْسَاءُ وَذَيَّالُ
الواحدي: يقول ما اخترا من الوحش قدر على صيده والهيق الظليم والخنساء البقرة الوحشية سميت بذلك لخنس أنفها أي تأخره والذيال الثور الوحشي لأنه يجر ذنبه كالذيل
العكبري: الْغَرِيب العير حمَار الْوَحْش والهيق ذكر النعام والخنساء الْبَقَرَة الوحشية والخنس انخفاض قَصَبَة الْأنف وَعرض أرنبته وَالذَّيَّال الثور الوحشي الْمَعْنى يَقُول مَا طلب من الْوَحْش قدر عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ ملازم الحروب فِي الفلوات وَكَانَ يتقوت بلحوم الْوَحْش وَكَانَ عَارِفًا بصيد الْوَحْش والاقتدار على جَمِيع صنوفه فَمَا اخْتَارَهُ وَاعْتمد عَلَيْهِ لَا يفوت رغبته وَلَا يسْبق أسنته بل يملك جَمِيع أصنافه بركضه وكرم خيله
١٨تُمْسِي الضُّيُوفُ مُشَهَّاةً بِعَقْوَتِهِ
كَأَنَّ أَوْقَاتَهَا فِي الطِّيبِ آصَالُ
الواحدي: أي يعطي أضيافه ما يشتهون إذا نزلوا بداره فتطيب أوقاتهم عنده كأنها عشيات والعشايا تطيب عند العرب لهبوب الرياح وغروب الشمس وانقطاع الحر
العكبري: الْغَرِيب المشهى الَّذِي يُعْطي مَا اشْتهى والعقوة مَا حول الدَّار وَالْآصَال العشايا وَهِي جمع أصيل كيتيم وأيتام وَهُوَ آخر النَّهَار وَإِنَّمَا يستطاب لشدَّة الْحر قبله وَأَنه وَقت هبوب الرّيح وَانْقِطَاع الْحر بأفول الشَّمْس الْمَعْنى يَقُول إِذا أمست الضيوف بأفنية دَاره باتوا مكرمين لَا يشتهون شَهْوَة إِلَّا جَاءَتْهُم كَأَن أوقاتهم آصال لطيبها وَبرد نسيمها وَمَا يتَّصل بهم من شهواتها وَنَعِيمهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب (أيَّامُنا مَصْقُولَةٌ أطْرافُها ... بِكَ وَالَّليالِي كُلُّها أسحارُ)
١٩لَوِ اشْتَهَتْ لَحْمَ قَارِيهَا لَبَادَرَهَا
خَرَادِلٌ مِنْهُ فِي الشِّيزَى وَأَوْصَالُ
الواحدي: لو اشتهت أضيافه لحم المضيف لما بخل به عليهم ولأتاهم على العجلة قطع من لحمه ويقال لحم خراذل بالذال والدال جميعا أي مقطع والشيزي خشب يعمل منه الجفان ومنه قول زياد، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والأوصال جمع وصل وهو العضو
العكبري: الْغَرِيب الْقَارِي المضيف بادرها عاجلها خراذل بِالذَّالِ وَالدَّال الْقطع والأوصال جمع وصل وَهُوَ كل عظم لَا يكسر وَلَا يخلط بِهِ غَيره والشيزي جفان تصنع من خشب أسود وَقيل من الْجَوْز الْمَعْنى يُرِيد لَو اشتهت أضيافه لَحْمه لما بخل عَلَيْهِم بِهِ ولبادرهم بِهِ لِحِرْصِهِ على مسرتهم وَهَذَا من الإفراط الَّذِي يَجْسُر فِيهِ بِمَا لَا يكون إِشَارَة إِلَى اسْتِيفَاء الْغَايَة فِيمَا يُمكن
٢٠لَا يَعْرِفُ الرُّزْءَ فِي مَالٍ وَلَا وَلَدٍ
إِلَّا إِذَا حَفَزَ الْأَضْيَافَ تَرْحَالُ
الواحدي: يقول المصيبة عنده في المال والولد ارتحال الأضياف من داره أي يناله من ذلك ما ينال من يرزأ ماله وولده ومعنى حفز دفع
٢١يُرْوِي صَدَى الْأَرْضِ مِنْ فَضَلَاتِ مَا شَرِبُوا
مَحْضُ اللِّقَاحِ وَصَافِي اللَّوْنِ سَلْسَالُ
الواحدي: الصدى العطش والوجه أن يقول فضلات بفتح الضاد ويجوز تسكينه في الشعر للضرورة والمحض الخالص من اللبن واللقاح جمع اللقحة وهي الناقة الحلوب ومعنى محض لبن اللقاح يقول يسقيهم اللبن والخمر فيكر لهم منهما حتى يروي صدى الأرض ما فضل عنهم من سؤرهم يعني ما فضل في الاقداح وقال ابن جنى إذا انصرف أضيافه أراق بقايا ما شربوه ولم يدخره لغيرهم لأنه يتلقى كل وارد عليه بقرى يستحدثه ويريد بصافي اللون الخمر
العكبري: الْغَرِيب الصدى الْعَطش والمحض الَّذِي لم يشب بِمَاء واللقاح جمع لقحة وَهِي النَّاقة الحلوب والسلسال الَّذِي يسهل جريه فِي الْحلق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا انْصَرف أضيافه أراق بقايا مَا شربوه وَلم يدخروه لغَيرهم لِأَنَّهُ يلقى كل وَارِد بقري جَدِيد من اللَّبن وَالْخمر وَأَرَادَ بصافي اللَّوْن الْخمر وَقَالَ ابْن الإفليلي يروي عَطش الأَرْض بفضلات مَا يسقه أضيافه من اللَّبن وَالْخمر وَمَا يُتَابع لَهُم من الألطاف وَالْبر فيفضل عَنْهُم من ذَلِك مَا يقوم للْأَرْض مقَام السَّقْي وَمَا يحل لَهَا مَحل الْمَطَر
٢٢يَقْرِي صَوَارِمَهُ السَّاعَاتِ عَبْطَ دَمٍ
كَأَنَّمَا السَّاعُ نُزَّالٌ وَقُفَّالُ
الواحدي: العبط والعبيط الطري من الدم والساع جمع ساعة يقول كل ساعة تأتي عليه يجدد فيها ذبحا كأن الساعات نزال ينزلون وقفال قفلوا من سفر يعني أنه لا يطعم أضيافه الغاب بل يجدد الذبح والنحر كل ساعة فيجري دما عبيطا وقال ابن جنى يقول هو كل ساعة يريق دما طريا من اعدائه فكأنه يقرى الساعات وكأنها قومٌ ينزلون عليه فجعل ابن جنى عبط دم من الأعداء
العكبري: الْغَرِيب القري الضِّيَافَة وعبط آدم إراقته عبيطا والعبيط والعبط الطري من الدَّم وَاللَّحم والساع جمع سَاعَة والنزال والقفال الأضياف مِنْهُم من يرحل ومهم من ينزل الْمَعْنى قَالَ الواحدي كل سَاعَة تَأتي عَلَيْهِ تجدّد ذبحا كَأَن السَّاعَات قفال ونزال يُرِيد أَنه لَا يطعم أضيافه اللَّحْم الغب بل يجدد لَهُم النَّحْر وَالذّبْح كل سَاعَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كل سَاعَة يريق دَمًا طريا من أعدائه فَكَأَنَّهُ يقري السَّاعَات وَكَأَنَّهَا قوم ينزلون عَلَيْهِ فَجعل أَبُو الْفَتْح الدَّم من الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى أَنه يعم سَاعَات زَمَانه بدماء يسفكها فِيهَا
٢٣تَجْرِي النُّفُوسُ حَوَالَيْهِ مُخَلَّطَةً
مِنْهَا عُدَاةٌ وَأَغْنَامٌ وَآبَالُ
الواحدي: يعني بالنفوس الدماء يقول تجري عنده الدماء مختلطةً دم الأعداء ودم ذبائحه للاضياف وهذا من قول البحتري، ما أنفك منتضيا سيفي وغًى وقرًى، على الكواهلِ تدمي والعراقيبِ،
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد بالنفوس الدِّمَاء وَمِنْه سَالَتْ نَفسه وَمِنْه بَيت الحماسة للسمؤل (تَسِيلُ عَلى حَدّ الظَّباةِ نُفُوسُنا ... وَلَيْستْ على غَيرِ الظُّباةِ تَسيلُ) وأغنام جمع غنم وآبال جمع إبل على التكثير الْمَعْنى تجْرِي النُّفُوس حوله مختلطة وَيكثر إِتْلَافه لَهَا ممتزجة مِنْهَا نفوس أَعدَاء يبلغهَا بِالْقَتْلِ وأغنام وإبل يذهبها بالعقر وَالذّبْح فَمِنْهَا نفوس تذْهب بالإكرام والضيافة وأنفس تذْهب بالإيقاع والمخافة فساعاته مشمومة بالحالتين مغمورة بِهَذَيْنِ الْأَمريْنِ وَهُوَ من قَول البحتري (مَا انْفكَّ مُنتْضَيا سَيْفي وَغًى وَقِري ... عَلى الكَوَاهِلٍ تَدمي والعَوَاقِيِبٍ)
٢٤لَا يَحْرِمُ الْبُعْدُ أَهْلَ الْبُعْدِ نَائِلَهُ
وَغَيْرُ عَاجِزَةٍ عَنْهُ الْأُطَيْفَالُ
الواحدي: يصف عموم بره ون القريب والبعيد فيه سواء حتى الطفل الذي لا يقدر على النهوض إليه والتعرض لمعروفه
٢٥أَمْضَى الْفَرِيقَيْنِ فِي أَقْرَانِهِ ظُبَةً
وَالْبِيضُ هَادِيَةٌ وَالسُّمْرُ ضُلَّالُ
الواحدي: يقول هو أمضى الجيشين سيفا إذا كانت السيوف هاديةً لأنها تمضي قدما على استواء والأرماح ضلال لأنها تذهب يمينا وشمالا ف يالطعن وهو الطعن الشزر
العكبري: الْغَرِيب الْفَرِيقَانِ الجيشان والأقران جمع قرن وَهُوَ الْعَدو المكافئ وَالْبيض السيوف والظبة حد السَّيْف الْمَعْنى هُوَ أمضى الجيشين سَيْفا فِي أقرانه عِنْد المصادمة إِذا ضلت الرماح وهدت السيوف لِأَنَّهَا تمْضِي على اسْتِوَاء والرماح تذْهب يَمِينا وَشمَالًا وَأَرَادَ أَن الْبيض هادية تهتدي فِي ظلمَة النَّقْع لِأَن النَّهَار قد استتر بالغبار واستعار الْهدى للسيوف والظلال للرماح وَأحسن فِي الْمُقَابلَة وَأَرَادَ أَن الْقَوْم دنا بَعضهم من بعض يتجادلون بِالسُّيُوفِ فَكَانَ الرماح ضَالَّة فِي الرِّجَال فقصرت الرماح وضلت عَن مقاصدها وضاق المجال عَن التطاعن بهَا وَصَارَ الْأَمر إِلَى المجادلة بِالسُّيُوفِ ومباشرة الحتوف فَصَارَت السيوف هادية مبصرة والرماح ضَالَّة مقصرة فَحِينَئِذٍ يكون أمضى الْفَرِيقَيْنِ من أَصْحَابه وأعدائه
٢٦يُرِيكَ مَخْبَرُهُ أَضْعَافَ مَنْظَرِهِ
بَيْنَ الرِّجَالِ وَفِيهَا الْمَاءُ وَالْآلُ
الواحدي: يقول إذا أختبرته رأيته يربي اضعاف على ما أراك منظره ثم قال وفي الرجال الماء والآل يعني الذي يشبه الرجال بصورته وليس عنده ما عندهم من المعاني كالآل يشبه الماء وليس ماء
العكبري: الْغَرِيب الْآل السراب وَقيل هُوَ الَّذِي يتخيل فِي قيعان الأَرْض عِنْد شدَّة الْحر وَقيل الْآل الَّذِي يرفع الْأَشْخَاص ويرقصها أول النَّهَار وَآخره الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ قد جمع الْبَهَاء والوسامة والجلال وَالْجمال فَإِنَّهُ يُرِيك مَا تخبره من فَضله وتؤديه الْمحبَّة إِلَيْك من كرمه وبأسه أَضْعَاف مَا يُؤَدِّيه ظَاهره فِي الرِّجَال وَمَا ترى فِيهِ من الْبَهَاء وَالْجمال وَفِي الرِّجَال من هُوَ كَالْمَاءِ وَفِيهِمْ من هُوَ كالآل من لَهُ حَقِيقَة وَرُجُوع إِلَيْهِ كَالْمَاءِ وَمن لَا حَقِيقَة لَهُ كالآل يكذب وَلَا يصدق ويخدع وَلَا ينفع فَهُوَ يشبه المَاء وَلَيْسَ بِمَاء وَهُوَ يشبه الرِّجَال صُورَة وَلَيْسَ بِرَجُل
٢٧وَقَدْ يُلَقِّبُهُ الْمَجْنُونَ حَاسِدُهُ
إِذَا اخْتَلَطْنَ وَبَعْضُ الْعَقْلِ عُقَّالُ
الواحدي: يقول إذا اختلطت الرماح والسيوف عند الحرب لقبه حاسده مجنونا والعقل في ذلك الوقت عقال لأنه يمنع من الأقدام والعقال داء يأخذ الدواب في الرجلين وهذا الممدوح كان يلقب بالمجنون فهو يقول إنما يلقبه بهذا اللقب حاسده حسدا له على فرط شجاعته التي تشبه الجنون وقد نظر في لفظ البيت إلى قول أبي تمام، وإن يبن حيطانا عليه فإنما، أولئك عقالاته لا معاقله، وإلى قول الكلابي في معناه، ألا أيها المغتاب عرضي يعيبني، يسميني المجنون في الجد واللعب، أنا الرجل المجنون والرجل الذي، به يتقي يوم الوغى عرة الحرب،
العكبري: الْغَرِيب العقال دَاء يَأْخُذ الدَّوَابّ فِي أرجلها يمْنَعهَا من الْمَشْي الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز اخْتلطت السيوف والرماح عِنْد الْحَرْب وَلم يفضل الْجُنُون على الْعقل بِأَحْسَن من هَذَا وَلَو بَالغ فِي التَّصْرِيح بِأَن لقبه الْمَجْنُون لخلص من ذَلِك أحسن تخلص وَأَصله من قَول الفند الزماني (وَبَعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجهْل ... للذّلَّة إذْعانُ) وَفِيه مَعْنَاهُ لحبيب (وَإنْ يَمْينِ حبطانا عَلَيْه فَإَّنها ... أُولَئكَ عُقَّالاتُهُ لَا مَعاقلُهْ) أنْتَهى كَلَامه كَانَ فاتك يلقب بالمجنون ففسره أَبُو الطّيب تَفْسِيرا أذهب قبحه وَحسن عِنْد النكر لَهُ أَن يتلقب بِمثلِهِ وأصل الْبَيْت من قَول الْكلابِي (أَلا أُّيها المُغْتابُ عِرْضِي تَعِيبُني ... تُسَمِّينِيَ المْجنُونَ فِي الجِدّ وَاللَّعْب) (أَنا الرّجُلُ المْجنُونُ وَالرَّجُلُ الَّذي ... بِهِ تُتَّقَي يَوْمَ الوَغَى غِرَّةُ الحَرْب)
٢٨يَرْمِي بِهَا الْجَيْشَ لَا بُدَّ لَهُ وَلَهَا
مِنْ شَقِّهِ وَلَوَ انَّ الْجَيْشَ أَجْبَالُ
الواحدي: يقول يرمي بخيله الجيش ولا بد لهما من شق ذلك الجيش ولو كانوا أجبالا في القوة والثبات
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَيجوز أَن يكون لنَفسِهِ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَرْمِي بخيله للجيش وَلَا بُد لَهما من شقّ ذَلِك الْجَيْش وَلَوْلَا كَانُوا أجبالا وَقَالَ ابْن الأفليلي يَرْمِي بِالسَّيْفِ الَّذِي قدم ذكرهَا الْجَيْش الَّذِي يناصبه وَالْجمع الَّذِي يتَعَرَّض لَهُ وَلَا بُد لَهُ ولتلك السيوف المطيفة بِهِ من شقّ ذَلِك الْجَيْش
٢٩إِذَا الْعِدَى نَشِبَتْ فِيهِمْ مَخَالِبُهُ
لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُمُ حِلْمٌ وَرِئْبَالُ
الواحدي: هذا كأنه عذر للذي يلقبه بالمجنون من اعدائه لأنهم يرونه كالأسد في الشجاعة والأسد لا يوصف بالحلم كذلك هذا الرجل يبعد عنه الحلم إذا قاتل الأعداء
العكبري: الْغَرِيب الرئبال الْأسد الْمَعْنى يعْتَذر لمن لقبه بالمجنون بِأَنَّهُ إِذا قَاتل الْأَعْدَاء ونشبت فيهم مخالبه وَأظْهر سطوته عَلَيْهِم لم يجْتَمع لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت أَسد تحذر عاديته وحلم تؤمن بادرته وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الاستهال للْمَوْت والاقتحام للحرب لَيْسَ من طَرِيق الْحلم وَلَا يحمل عَلَيْهَا أَحْكَام الْعقل والأسد لَا يُوصف بالحلم كَذَلِك الرجل الَّذِي يبعد عَنهُ الْحلم إِذا قَاتل الْأَعْدَاء وَقَالَ ابْن القطاع إِذا نشبت مخالبه فِي قوم ذهب عَنْهُم التَّدْبِير والشجاعة
٣٠يَرُوعُهُمْ مِنْهُ دَهْرٌ صَرْفُهُ أَبَدًا
مُجَاهِرٌ وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تَغْتَالُ
الواحدي: أي يروع الأعداء من هذا الممدوح دهر يجاهر الناس بحوادثه وصروف الزمان تأتي اغتيالا لا مجاهرة جعل الممدوح كالدهر تعظيما لشأنه
العكبري: الْغَرِيب يروعهم يفزعهم وصروف الدَّهْر حوادثه والمجاهرة الإعلان والاغتيال الإهلاك على غَفلَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا دهر يغول الْأَعْدَاء جهارا وصروف الدَّهْر تهلكهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَجعله كالدهر تَعْظِيمًا لشأنه وَالْمعْنَى يروعهم ملك وَهُوَ كالدهر فِي قدرته عَلَيْهِم مغالبة والدهر يغتال بصروفه وَلَا يُؤذن بخطوبه فَجعل لفاتك على الدَّهْر مزية بَيِّنَة وَزِيَادَة ظَاهِرَة
٣١أَنَالَهُ الشَّرَفَ الْأَعْلَى تَقَدُّمُهُ
فَمَا الَّذِي بِتَوَقِّي مَا أَتَى نَالُوا
الواحدي: تقدمه في الحرب اعطاه أعلى الشرف فما الذي نال اعداؤه باحجامهم وتوقيهم ما يأتيه من المخاوف والأهوال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول انْتهى بِهِ تقدمه وجرأته إِلَى نيل الشّرف الْأَعْلَى واحترام أعداؤه أَن يصلوا إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ بتوقيهم مَا أرتكبه من الْأَهْوَال فغنم هُوَ وخابوا هم فَبلغ من الشّرف أَعلَى منازلة وَمن السُّلْطَان أرفع مراتبه بإقدامه وجرأته واقتحامه المهالك فَمَا الَّذِي ناله أعداءه بتوقيهم لما قدم عَلَيْهِ وإبطائهم عَمَّا تسرع إِلَيْهِ
٣٢إِذَا الْمُلُوكُ تَحَلَّتْ كَانَ حِلْيَتَهُ
مُهَنَّدٌ وَأَصَمُّ الْكَعْبِ عَسَّالُ
الواحدي: يقول إذا تزينت الملوك بالتاج والسوارين تزين هو بالسيف والرمح الشديد المهتز
العكبري: الْإِعْرَاب من رفع حليته جعل كَانَ فِيهَا ضمير الشان والقصة وحليته ابْتِدَاء وَمَا بعْدهَا الْخَبَر وَقَالَ الْخَطِيب اسْم كَانَ مُضْمر فِيهَا أَي كَانَ هُوَ هَذِه حَالَته وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع خبر كَانَ وَمن نصب حليته جعل اسْم كَانَ مهندا وَعطف عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَصفه فقربه من الْمعرفَة الْغَرِيب المهند السَّيْف الْقَاطِع وأصم الكعب الرمْح والعسال المهتز الْمَعْنى يُرِيد إِذا تزين الْمُلُوك بالتاج وَغَيره تزين هُوَ بِالسَّيْفِ المهند وَالرمْح الْعَسَّال وَالْمعْنَى أَنه احتاز الرياسة مغالبة بِسَيْفِهِ واستحقها بشجاعة نَفسه
٣٣أَبُو شُجَاعٍ أَبُو الشُّجْعَانِ قَاطِبَةً
هَوْلٌ نَمَتْهُ مِنَ الْهَيْجَاءِ أَهْوَالُ
الواحدي: يقول هو أبو شجاع كنيةً وهو أبو الشجعان كلهم حقيقةً لنهم كلهم دونه وهو سيدهم وهو هول عند الحرب في أعين الأعداء ونمته غذته وربته أهوال الحرب لأنه نشأ فيها فصارت له كالغذاء
العكبري: الْغَرِيب قاطبة جَمِيعًا والهول مَا أَخَاف وأفزع وَجمعه أهوال ونمته غذته وربته الْمَعْنى يَقُول أَبُو شُجَاع كنيته وَهِي لَهُ صفة ثَابِتَة وحقيقية ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَبُو شُجَاع برياسته فيهم وعلوه عَلَيْهِم وَهُوَ قدوتهم وسيدهم وَهُوَ هول فِي الْحَرْب فِي أعين الْأَعْدَاء فالحروب قد ربته لانه رَبِّي فِيهَا من وَقت أَن كَانَ صَغِيرا وَقد نمته مِنْهَا أهوال لَا يعْهَد مثلهَا لَا يُشَارك فِي شرفها وفضلها فالشجعان كلهم دونه وَفِي كل هول يَتَّقُونَ بِهِ ويقدمونه
٣٤تَمَلَّكَ الْحَمْدَ حَتَّى مَا لِمُفْتَخِرٍ
فِي الْحَمْدِ حَاءٌ وَلَا مِيمٌ وَلَا دَالُ
الواحدي: أي الحمد كله له بأسره وليس لغيره منه جزء يعني أنه المحمود في أفعاله وأقواله وليس يحمد دونه أحد
العكبري: الْمَعْنى الْحَمد كُله ينْصَرف إِلَيْهِ وَلَيْسَ لأحد جُزْء مِنْهُ فَهُوَ الْمَحْمُود فِي أَقْوَاله وأفعاله وَلَيْسَ يحمد دونه أحد وَالْمعْنَى تملك الْحَمد وأحاط بِهِ وَاخْتَارَهُ واصبح خَالِصا لَهُ فَمَا لأحد فِيهِ نصيب يعلم وَجعل ذكر الْحُرُوف إِشَارَة إِلَى انْفِرَاده بجملته
٣٥عَلَيْهِ مِنْهُ سَرَابِيلٌ مُضَاعَفَةٌ
وَقَدْ كَفَاهُ مِنَ الْمَاذِيِّ سِرْبَالُ
الواحدي: الماذي الدرع اللينة يقول يكفيه في الحرب سربال واحد من الدرع وعليه من الحمد سرابيل كثيرة أي أنه يتوقى الذم بأكثر مما يتوقى الحربَ
العكبري: الْغَرِيب الماذي الدروع اللينة شبه لينها بلين الْعَسَل الماذي والسربال الثَّوْب وَالْجمع سرابيل الْمَعْنى يَقُول عَلَيْهِ من الْحَمد سرابيل كَثِيرَة لِأَنَّهُ يتوقى الذَّم بِأَكْثَرَ مِمَّا يتوقى الْحَرْب فَعَلَيهِ مِنْهُ سرابيل مضاعفة وحلل متتابعة يُشِير إِلَى رغبته فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الدروع إِلَّا وَاحِد فَأَشَارَ إِلَى أَنه مكثر مِمَّا يشْتَمل عَلَيْهِ من كرم الذّكر ومقل مِمَّا يدْفع بِهِ عَنهُ عَادِية الْحَرْب فوصفه بالرغبة وبالإحسان وَقلة التوقي عِنْد لِقَاء الأقران
٣٦وَكَيْفَ أَسْتُرُ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ
وَقَدْ غَمَرْتَ نَوَالًا أَيُّهَا النَّالُ
الواحدي: النال الرجل الكثير النوال وهذا كما يقال كبش صاف أي كثير الصوف ويوم طان أي كثير الطين يقول لا أقدر أن استر إنعامك وإحسانك وقد غرقتني فيهما أي هو أشهر من أن يستتر
العكبري: الْغَرِيب النوال الْعَطاء والنال الْكثير الْعَطاء وَرجل نَالَ إِذا كَانَ كثير النوال مَا يُقَال رجل مَال إِذا كَانَ كثير المَال قَالَه يَعْقُوب وكبش صَاف كثير الصُّوف وَيَوْم طان كثير الطين وَرجل صات شَدِيد الصَّوْت وَيَوْم رَاح كثير الرّيح وَرجل خَافَ كثير الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لَا أقدر أستر إنعامك هُوَ أشهر من أَن يستر فَكيف أقدر على ستر مَا أوليتني وَقد أفضت عَليّ بجوار لَهُ غمرتني من جودك وحملتني أعباء أثقلتني من برك أَيهَا النال الَّذِي لَا يَنْقَطِع نواله وَلَا يتَأَخَّر تطوله وإفضاله
٣٧لَطَّفْتَ رَأْيَكَ فِي بِرِّي وَتَكْرِمَتِي
إِنَّ الْكَرِيمَ عَلَى الْعَلْيَاءِ يَحْتَالُ
الواحدي: يقول توصلت إلى إكرامي بالبر والصلة بلطف وتدبير ورأى وكذلك الكريم يحتال ليحصل لنفسه العلو وذلك أن فاتكا كان يراسل أبا الطيب ولا يجاهر ببره وإكرامه خوفا من الأسود فاتفق التقاؤهما في سفر وبره وأحسن إليه
العكبري: الْغَرِيب لطفت بلغت الْغَايَة من اللطف وتوصلت إِلَى إكرامي بِالْبرِّ والصلة بلطف رَأْي وتدبير والكريم يحتال أبدا حَتَّى يحصل لنَفسِهِ الْعُلُوّ وَكَانَ يراسل أَبَا الطّيب وَلَا يُجَاهر بإكرامه وبره وخوفا من الْأسد فاتفق لقاؤهما بسفر فَأحْسن إِلَيْهِ وأكرمه إِكْرَاما عَظِيما فَقَالَ إِن الْكَرِيم محتال لَا تعجز حيلته ومجتهد لَا تضعف نِيَّته
٣٨حَتَّى غَدَوْتُ وَلِلْأَخْبَارِ تَجْوَالٌ
وَلِلْكَوَاكِبِ فِي كَفَّيْكَ آمَالُ
الواحدي: يقول غدوت والأخبار تجول في الآفاق بحسن ذكرك والثناء عليها ولكل احد أمل في كفيك حتى للكواكب
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لم تزل تحتال على الْإِكْرَام وَطلب الْعُلُوّ حَتَّى غَدَوْت وَالْأَخْبَار تجول فِي الْآفَاق بِحسن ذكرك وَالثنَاء عَلَيْك لكل أحد أمل فِي كفيك حَتَّى الْكَوَاكِب تأملك وَيجوز لَو تمنينا الْوُصُول إِلَيْهَا لأوصلتنا
٣٩وَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ
إِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التِّنْبَالِ تِنْبَالُ
الواحدي: التنبال القصير وجمعه تنابل وتنابلة يقول مدح الشريف يشرف الشعر ومدح اللئيم يؤدي إلى لؤم الشعر والمعنى أن شعري قد شرف بشرف هذا الممدوح
العكبري: الْغَرِيب التنبال الْقصير وَالْجمع تنابلة وتنابل الْمَعْنى قَالَ الواحدي مدح الشريف يشرف الشّعْر ومدح اللَّئِيم يُؤَدِّي إِلَى لؤم الشّعْر وَالْمعْنَى إِن شعري قد شرف بشرف الممدوح وَالْمعْنَى قد أَطَالَ لساني بالثناء وَفتح لي بَاب الْمَدْح والإطراء جلالة قدر من مدحته وَكَثْرَة فَضَائِل من وَصفته وَإِنَّمَا أَنا فِي ذَلِك ذَاكِرًا لما عانيت ومخبر عَمَّا شاهدت وَالثنَاء إِنَّمَا يقصر عَن الْقصير الْحَال الرَّاغِب عَن الْكَرم والإفضال
٤٠إِنْ كُنْتَ تَكْبُرُ أَنْ تَخْتَالَ فِي بَشَرٍ
فَإِنَّ قَدْرَكَ فِي الْأَقْدَارِ يَخْتَالُ
الواحدي: يقول إن كنت تتعظم عن الاختيال فيما بين الناس فإن قدرك يختال في أقدار الناس لأنك أعظم قدرا من كل أحد
العكبري: الْغَرِيب اختال الرجل إِذا مشي الْخُيَلَاء وَهُوَ إِظْهَار الْعجب الْمَعْنى يَقُول إِن كنت لتواضعك وفضلك لَا تختال فِي بشر أَنْت فيهم فَإِن قدرك يختال فِي قدرهم من حَيْثُ لَا تعلم وَالْمعْنَى إِن كنت تكبر عَن اسْتِعْمَال الْكبر والزهو وَهُوَ تكلّف التعظم فِي قوم أَنْت فيهم فقدرك فِي أقدار الْمُلُوك المتشبهين بك يختال بجلالته وينفرد برفعته وفخامته
٤١كَأَنَّ نَفْسَكَ لَا تَرْضَاكَ صَاحِبَهَا
إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى الْمِفْضَالِ مِفْضَالُ
الواحدي: المفضال الكثير الفضل ويريد بالنفس الهمة والمناقب الشريفة التي فيه يقول لا ترضي نفسك بك صاحبا لها إلا إذا زدت فضلا على من هو كثير الفضل
العكبري: الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك يُرِيد همتك ومناقبك الشَّرِيفَة الَّتِي فِيك لَا ترْضى بك صباحا حَتَّى تزيد على كل كثير الْفضل فضلا وَالْمعْنَى كَانَ نَفسك لَا ترضاك وتألفك راضية بفعلك وَلَا تصحبك شاكرة لسعيك حَتَّى يكون كل مفضال وَهُوَ كثير الْعَطاء وَالْفضل إِنَّمَا يفضل لما تهبه لَهُ ويجود بِمَا تعطيه لَهُ وتبذله
٤٢وَلَا تَعُدُّكَ صَوَّانًا لِمُهْجَتِهَا
إِلَّا وَأَنْتَ لَهَا فِي الرَّوْعِ بَذَّالُ
العكبري: الْغَرِيب الروع والفزع والبذال خلاف الصائن الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك لَا تعدك صائنا لَهَا وَلَا تعتقدك ساعيا فِي مسرتها إِلَّا إِذا ابتذلتها فِي الروع تقتحم المهالك وعرضتها فِي الْحَرْب لمواجهة المتآلف
٤٣لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ
الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ
الواحدي: أي لولا أن في السيادة مشقة لصار الناس كلهم سادةً ثم ذكر مشقتها فقال من جاد افتقر ومن أقدم في الحرب قتل ولا سيادة دون الجود والشجاعة وهذا من قول منصور النمري، الجود أخشن مسًّا يا بني مطرٍ، من أن تبزكموه كفُّ مستلبٍ، ما أعلم الناس أن الجود مكسبةٌ، للمجد لكنه يأتي على النشبِ،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْمَشَقَّة تمنع من السِّيَادَة لساد النَّاس كلهم ثمَّ بَين الْعلَّة فِيهَا فَقَالَ الْجُود يُورث الإقلال والفقر والشجاعة توجب التّلف وَالْقَتْل وَذَلِكَ أَن المجدو السِّيَادَة يصعبان وَلَوْلَا الصعوبة سَاد النَّاس بأسرهم وَهُوَ من قَول النمري (الجُود أخْشَنُ مَساًّ يَا بَنِي مَطَرٍ ... مِنْ أنْ تَبزَّ كُمو كَفُّ مُسْتَلِبِ) (مَا أعْلَمَ النَّاسَ أنَّ الجُودَ مَكْسَبَةً ... للِمْجْدِ لَكِنَّهُ يأتْي عَلى النَّشَبِ)
٤٤وَإِنَّمَا يَبْلُغُ الْإِنْسَانُ طَاقَتَهُ
مَا كُلُّ مَاشِيَةٍ بِالرَّحْلِ شِمْلَالُ
الواحدي: يقول كلٌّ يجري في السيادة على قدر طاقته وليس كل من مشى كان شملالا وهي الناقة الخفيفة المشي
العكبري: الْغَرِيب الشملال النَّاقة القوية السريعة من النوق الْمَعْنى يَقُول كل أحد يجْرِي فِي السِّيَادَة على قدر طاقته وَلَيْسَ كل من يمشي على رجله شمالا يقدر على السرعة وَالْمعْنَى لَيْسَ كل كريم يبلغ غَايَة الْكَرم وَلَا كل شرِيف يبلغ غَايَة الشّرف وَلَيْسَ كل من سعى من الرؤساء يبلغ مبلغ فاتك الَّذِي لَا يعادل فِي فَضله وَلَا يماثل فِي جَلَاله قدره
٤٥إِنَّا لَفِي زَمَنٍ تَرْكُ الْقَبِيحِ بِهِ
مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ إِحْسَانٌ وَإِجْمَالُ
الواحدي: يقول من لم يعاملك بالقبيح في هذا الزمن فقد أحسن إليك لكثرة من يعاملك بالقبيح وهذا المعنى أراد أبو نواس في قوله، وصرنا نرى أن المتارك محسن، وإن خليلا لا يضر وصول،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِنَّا فِي زمَان من فِيهِ أَن لم يعاملنا بالقبيح فقد أحسن إِلَيْنَا واجمل لِكَثْرَة من يُعَامل فِيهِ بالقبيح وَالْمعْنَى أَنه نبه على انْفِرَاد فاتك فِي دهره وانفراده بِالْكَرمِ عَن أَبنَاء عصره وَهَذَا من أدبار الزَّمَان وزهد أَهله فِي الرياسة وَالْإِحْسَان فَقَالَ إِنَّا لفي زمن إمْسَاك أَهله عَن قبح الْفِعْل وتأخرهم عَن مَذْمُوم السَّعْي فضل يُؤثر وإحسان يحمد ويشكر فَكيف اتّفق فِيهِ فاتك وَهُوَ رَئِيس الْمُحْسِنِينَ وزعيم الكرماء المنعمين وَالْمعْنَى أَخذه أَبُو فراس فَقَالَ (وَصِرنْا نَرَى أنَّ المُتارِكَ مُحْسِنٌ ... وَأنَّ خَلِيلا لَا يَضُرُّ وَصولُ) واصله من قَول الْحَكِيم من لم يقدر على فعل الْفَضَائِل فَلْيَكُن فضائله ترك الرذائل
٤٦ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وَحَاجَتُهُ
مَا قَاتَهُ وَفُضُولُ الْعَيْشِ أَشْغَالُ
الواحدي: أي إذا ذكر الإنسان بعد موته كان ذلك حيوةً ثانية له وما يحتاج إليه في دنياه قدر القوت وما فضل من القوت فهو شغل كما قال سالم بن وابصة، غنى النفس ما يكفيك من سد حاجةٍ، وإن زاد شيئا عاد ذاك الغني فقرا وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد لأحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ٣٥٠ فقال يرثيه
العكبري: الْغَرِيب قَالَ ابْن القطاع صحف الروَاة هَذَا الْبَيْت فَرَوَوْه فَاتَهُ بِالْفَاءِ وَالصَّوَاب بِالْقَافِ وَعَلِيهِ قسر الواحدي فَقَالَ إِذا ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته كَانَ ذَلِك حَيَاة ثَانِيَة لَهُ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ قدر الْقُوت وَمَا فضل من الْقُوت فَهُوَ شغل كَقَوْل سَالم بن وابصة (غِنَىِ النَّفس مَا يكْفِيكَ مِنْ سَدّ خَلةٍ ... فإنْ زَاد شَيئا عادَ ذاكَ الغِنَيِ فَقراً) وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَنْبَغِي أَن يلْحق بالأمثال لِأَنَّهُ قد أوجز فِيهِ وَجمع وَمثله مَا يحْكى عَن بعض ولد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه رُؤِيَ يَسْتَقِي مَاء فَقيل لَهُ بعد الْخلَافَة فَقَالَ إِنَّمَا فَقدنَا الفضول انْتهى كَلَامه الْمَعْنى يُشِير إِلَى مَا خلده فاتك من الْفضل وَأبقى لَهُ من جميل الذّكر وَأَن التَّوْفِيق فِي ذَلِك موصل بِرَأْيهِ وَالصَّوَاب مَقْصُور على فعله يَقُول ذكر الْفَتى جميل مساعيه وَمَا يخلده من كرمه ومعاليه عمره الثَّانِي لعمره وخلقه من الدُّنْيَا المبقى لذكره وَحَاجته فِيمَا عدا هَذَا قوت يبلغهُ وكفاف من الْعَيْش يستره وَمن طلب من الدُّنْيَا غير ذَلِك فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِفُضُول شغله وأباطيل تموله وَالْمَطْلُوب من الدُّنْيَا العفاف والكفاف وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام الْحَكِيم تخليد الذّكر فِي الْكتب عمر لَا بيد وَهُوَ كل يَوْم جَدِيد
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.