من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الكافوريات (٦)
ثم قال: ولكنني رأيت أن من القبيح الذي لا يجمل، وخلاف الإنصاف الذي لا يحسن، أن يجاد لنا بجزيل العطاء، ولا نقضي حق ذلك بمخلد الثناء. فأشار أن مدحه لفاتك، مع ما ابتدأه به من الفضل، وتابعه له من البر، فرض لا يسمح تركه، وواجب لا يضيع مثله.
فَكُنْتُ مَنْبِتَ رَوْضِ الحَزْنِ باكَرَهُغَيْثٌ بِغَيْرِ سِبَاخِ الأَرْضِ هطَّالُ
غَيْثٌ يُبَيَّنُ لِلنُّظَّارِ مَوْقِعُهُأَنَّ الغَيُوثُ بما تَأْتِيهِ جُهَّالُ
الحزن: ما غلظ من الأرض وارتفع، والسباخ من الأرض: مواضع مالحة ينبع فيها الماء، ولا يكون فيها نبت، واحدتها: سبخة، والغيث: المطر المحمود، والهطال: المتتابع.
فيقول مخبرا عن نفسه: فكنت بما أسداه إلي فاتك من الفضل، وما ابتدأني به من الإحسان والبر، كمنبت روض الحزن إذا باكره الغيث بسقيه، وجاد عليه بصوبه، فآنق وأعجب، وحسن وأبهج. فأراد أن النعمة أصابت منه أهلها، وحلت عند من يستقل بشكرها، وكانت كالغيث يصيب الحزن، ولم تكن كالغيث الذي يصوب على سباخ الأرض، فيضيع ولا ينبت، ويذهب ولا يثمر.
ثم قال، وهو يشير إلى جلالة ما وضع عنده فاتك من إحسانه، وكثرة ما أظهره عليه من إنعامه: إن ذلك الانفصال كان ضربا من الغيث، يبين موقعه للنظار أن
الغيوث لا تحل محله، ولا تبلغ مبلغه، وأنها جاهلة بما يدركه، مقصرة عما يفعله، وأن السحاب لا يماثله في جوده، ولا يساويه فيما يبذله من فضله. فأشار إلى كثرة ما وضع عنده فاتك من العطاء ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة.
لا يُدْرِكُ المَجْدَ إِلاَّ سَيَّدٌ فَطِنٌلِمَا يَشُقُّ عَلَى السَّادَاتِ فَعالُ
لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْولا كَسُوبٌ بِغَيْرِ السَّيفِ سَئالُ
يقول: لا يدرك المجد ويبلغه، ويجوزه ويكسبه، إلا سيد ثاقب الفطنة، فاضل كريم الجبلة، يفعل من الجميل ما يشق على السادات فعله، ويخلد من الكرم ما يتعذر على ذوي الإحسان مثله.
ثم قال: لا وارث لما وهب فيكون جاهلا بحقيقة قدره، ولا كسوب بغير السيف فيهون عليه ما يسمح ببذله، ولكنه غصب ما أكتسبه من غير مسئلة، وغلب عليه دون استعمال رغبة، فأعطى المال بعدما عاناه من المشقة من جمعه، وجاد به بعدما تكلفه من المغالبة على كسبه. فأشار إلى أن جمع المال بنفسه، وأدرك الشرف بشجاعته وبأسه، وأعطى بكرم طبعه، ولم يجهل مقدار ما بذله من فضله.
قالَ الزَّمانُ لَهُ قَوْلاً فَأَفْهَمَهُإِنَّ الزَّمانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ
تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بِرَاحتِهِأَنَّ الشَّقِيَّ بِهَا خَيْلٌ وَأَبْطَالُ
الأبطال: الشجعان من الرجال، الواحد: بطل.
فيقول: إن الزمان نادى فاتكا فأفهمه، ووعظه فأسمعه وعرفه، أنه على الإمساك عذال لا يفتر عذله، ولائم لا يقلع لومه، فألف الجود لعلمه بحسن عواقبه، وعادى البخل لتيقنه بقبح مصائره، ورأى أن الزمان لا يمتع البخيل بما كسب، ولا يفقد الجواد خلفا فيما وهب وبذل.
ثم قال: تدري القناة عند اهتزازها براحته، وتصرفها على حسب إرادته، أن الشقي بها خيل يعتودها بالطعن، وأبطال يعمهم بالتجريح والقتل. فأشار إلى أن
السلاح أطال صحبته، حتى عرف مذاهبه، ولازمه حتى تيقن مقاصده.
كَفَاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنْقَصَةٌكالشَّمْس قُلْتُ، وما لِلشَّمْسِ أَمْثَالُ
القائِدُ الأسْدَ غَذَّتْها بَرَاثِنُهُبِمِثْلِها مِنْ عِداهُ وهيَ أَشْبالُ
القاتِلُ السَّيْفَ في جِسْمِ القَتِيْلِ بِهِوَلِلسُّيُوفِ كما لِلنَّاسِ آجالُ
براثن الأسد: مخالبها، والأشبال: صغار الأسد، والآجال: أوقات الهلاك، الواحد: أجل.
فيقول: والسيد المدرك للمجد هو فاتك، هذا الممدوح، في كرم خصاله، وشرف خلاله، ودخول الكاف في تشبيهه منقص لما أكمله الله من مجده، وأفرده به من جلالة قدره؛ لأنه كالشمس في شرف عنصرها، وعلو موضعها، وما للشمس أشباه تعادلها، ولا أمثال تقارنها.
ثم قال مشيرا إليه: القائد الأسد من اصحابه، والسباع الضارية من أشياعه الذين غذاهم بقتل نظرائهم من الفرسان، وعودهم الإيقاع بأمثالهم من الأقران، وهم كالأشبال التي لم تتكامل قوتها، وصغار السباع التي تتناهى شدتها، فأنسها بالوقائع حتى قوى أسرها، واقتحم بها على المهالك حتى بلغت الأشد من سنها.
ثم قال، وهو يريد فاتكا: القاتل السيف في جسم من يقتله، والكاسر له في أعضاء من يضربه، والسيوف كالناس في الفناء الذي يدركها، والآجال التي بلغها. فأشار إلى أن فاتكا في غاية الجرأة، وضربه في غاية الشدة والقوة.
تُغِيْرُ مِنْهُ عَلَى الغَاراتِ هَيْبَتُهُومَا لَهُ بأَقاصِي الأَرْض أَهْمَالُ
لَهُ مِنَ الوَحْشِ ما اخْتَارَتْ أَسِنَّتُهُعَيْرٌ وَهيْقٌ وَخَنْسَاءٌ وَذَيَّالُ
الأهمال: [الإبل] المتروكة لا يعنى بحفظها، واحدها همل، والمال، الماشية من الإبل والبقر والغنم، والوحش: كل ما لا يستأنس من دواب البر، والعير هاهنا: حمار الوحش، والهيق: ذكر النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والخنس: انخفاض
قصبة الأنف، وعرض أرنبته، والذيال: الثور الوحشي.
فيقول: إن فاتكا لبعد ذكره، وجلالة قدره، تتهيبه الفرسان في غاراتها فتحجم عن مقابلة أعماله، وتحذره فتعرض مولية عن السائمة من ماله، وهي مهملة ر يحفل بأمرها، ومتروكة لا يعرج على حفظها.
ثم قال، يشير إلى ما فاتك عليه، من مواصلة الغارات، وملازمة الفلوات، والتقوت بلحوم الوحش، والمعرفة بصيده، والاقتدار على جميع صنوفه: له من الوحش ما اختاره وقصده، وحاوله واعتمده، لا تفوت رغبته، ولا تسبق أسنته، فحمار الوحش وظليم النعان والذكر والأنثى من البقر، سواء عليه، وضرب واحد عنده، يسبق جميع ذلك بركضه، ويملكه بكرم خيله.
تُمْسِي الضُّيُوفُ مُشَهَّاةً يَعَقْوَتِهِكَأَنَّ أَوْقَاتَها في الطَّيبِ آصالُ
لو اشْتَهَتْ لَحْمَ قَارِيْهَا لَبَادَرَهاخَرَادِلٌ مِنْهُ في الشَّيْزَى وأَوْصَالُ
المشهي: الذي يعطي شهوته، والعقوة: ما حول الدار، والآصال: العشايا، الواحدة: أصيل، والقاري: المضيف، والخرادل: القطع، والشيزى: جفن تصنع من الشيزى وهو خشب أسود.
فيقول: تمسي الضيوف إذا احتلت بأفنية دار فاتك مكرمين، لا يمطلون لشهوة، مرفهين لا يستوحشون إلى نعمة، كأن أوقاتهم آصال في برد نسيمها، وما يتصل لهم من مسراتها ونعيمها.
ثم قال: ولو اشتهوا لحم القاري لهم لما تعذر عليهم لانخلاعه في مبرتهم، وحرصه على موافقتهم ومسرتهم، ولبادرهم منه خرادل مقطعة، وأوصال في الشيزى ممثلة، فكيف يظن بسائر ذلك مما يمكن إكرامهم به، وما يقدر استحسانهم له؟! وهذا من الإفراط الذي يخبر فيه بما لا يمكن، إشارة إلى استيفاء غاية ما يمكن.
لا يَعْرِفُ الرُّزَْء في مَالٍ ولا وَلَدٍإِلاَّ إِذَا حَفَزَ الأَضْيافَ تِرحَالُ
يُرْوي صَدَى الأَرْضِ مِنْ فَضْلاتِ ما شَرِبُوامَحضُ اللَّقَاحِ وَصَافِي اللَونِ سَلْسَالُ
الصدى: العطش، والمحض: اللبن الذي لم يشبه ماء، واللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة الحلوب، والسلسال والسلاسل: الذي يسهل جريه في الحلق، وأراد هاهنا الخمر، وذكرها على المعنى؛ لأن الخمر في معناها شراب، والشراب مذكر، والعرب تؤنثها وتذكرها، والتأنيث أشهر.
فيقول: إن فاتكا ممدوحه كريم الضيافة، مشهور السماحة، مرحب بقاصده، شديد الأنس بزائره، لا يوجعه الرزء لفقدان ماله وولده اللاصقين بنفسه، كايجاع فقدان أضيافه، ولا يوحشه ذلك كإيحاش ترحل زواره.
ثم قال مشيرا إلى سعة ضيافته، وكثرة ما يبذله للزوار من كرامته: يروي صدى الأرض بفضلات ما يسقيه أضيافه من اللبن والخمر، وما يتابع لهم من الألطاف والبر، فيفضل عنهم من ذلك ما يقوم للأرض مقام السقي البالغ، وما يحل محل المطر الساجم. وهذا ما قدمنا تفسيره من استجازة الوصف بما لا يمكن، إشارة إلى بلوغ غاية ما يمكن.
تَقْرِي صَوَارمُهُ السَّاعاتِ عَبْطَ دَمٍكأَنما السَّاعُ نُزَّالٌ وَقُفَّالُ
تَجْري النُّفُوسُ حَوَالَيْهِ مُخَلَّطَةًمِنْها عُدَاةٌ وَأَغْنَامٌ وآبالُ
لا يَحْرِمُ البُعْدُ أَهْلَ البُعْدِ نائِلَهُوَغَيْرُ عَاجِزَةٍ عَنْهُ الأطَيْفالُ
القرى: الضيافة، وعبط الدم: إجراؤه عبيطا، والعبيط: الطري، والساع: جمع ساعة من ساعات الزمان، والنزال والقفال: الأضياف الذين منهم من يقصد فينزل، ومنهم من ينصرف فيقفل، والآبال: جمع إبل على سبيل التكثير، والنائل: العطاء، والأطيفال: صغار الصبيان، وصغر الجمع على لفظه.
فيقول: إن فاتكا يعم ساعات زمانه بدماء يسفكها فيها، وأنفس يتلفها عند ورودها،
حتى كأن ساعات زمانه متضيقة عليه، فهو يقضي بالقرى واجب حقها، ويعتبط الدماء فيها بإجرائها وسفكها.
ثم أكد ذلك وفسره فقال: تجري النفوس حواليه مختلفة، ويكثر إتلافه لها ممتزجة، ومن تلك النفوس نفوس أعداء يتلفها بالقتل، وفيها نفوس أغنام وآبال يذهبها بالذبح والعقر؛ فمن تلك النفوس ما يذهب به الإكرام والضيافة، ومنها ما يذهب به الإيقاع والإخافة، فساعدته مشمولة بالحالتين، مغمورة بهذين الأمرين.
ثم قال: وهو يشير إلى فاتك: لا يحرم البعد نائله من بعد عنه، ولا يعوق مؤمله عما رجاه؛ لأن جوده يعم عموم الغيث، ويفيض كفيض البحر، فهو يدرك النائي البعيد، كما يشمل الداني القريب، وليس يعجز صغار الأطفال عن الاشتمال به، ولا يخرجها الصغر عن التناول له؛ لأنه عام لا خصوص فيه، ممكن لا يعترض المنع عليه، يدركه الكبير والصغير، ويتقلب فيه القريب والبعيد.
أَمْضَى الفَرِيْقَيْنِ في أَقْرانِهِ ظُبَةًوالبِيْضُ هادِيَةٌ والسُّمْرُ ضُلالُ
يُرِيكَ مَخْبَرُهُ أَضْعَافَ مَنْظَرهِبَينْ الرّجالِ وفِيها المَاءُ والآلُ
وَقَدْ يُلَقبُهُ المَجْنُونَ حاسِدُهُإِذا اخْتَلَطْنَ وَبَعْضُ العَقلِ عُقالُ
القرن: الند والمثل، والظبة: حد السيف، والهادي إلى الشيء: الذي يقصده بوجهه، والآل: السراب، وهو الذي يتخيل في قيعان الأرض عند شدة الحر، كأنه ماء، والعقال: داء يكون في أرجل الدواب يمنعها من المشي.
فيقول: إن فاتكا شديد البأس، مقدام النفس، وإنه أمضى الفريقين ظبة من أصحابه واعدائه، إذا حميت الحرب واستمر الجلاد والضرب، وقصرت الرماح وضلت، عن مقاصدها، وضاق المجال عن استعمال التطاعن بها، وصار الأمر إلى مباشرة الحتوف والتجالد بالسيوف، فصارت السيوف هادية مبصرة، والرماح متضللة مقصرة، فحينئذ يكون فاتك أمضى الفريقين من أصحابه وأعدائه، وأنفذ
الطائفتين من أوليائه وأضداده.
ثم قال: إن فاتكا وإن كان جمع الجمال والوسامة، والبهاء والجلالة فإنه يريك بما يخبره من فضله، وتؤديه المحبة إليك من كرمه وبأسه، أضعاف ما يؤديه ظاهره في الرجال، وما يتعرف فيه من الوسامة والجمال، وفي الرجال ما هو كالماء الذي يرويك ولا يعطشك، ويصدقك ولا يخذلك، وفيها ما هو كالآل الذي يكذب ولا يصدق، ويخدع ولا ينفع.
ثم قال: وقد يلقبه المجنون حاسده الذي لا يلحقه، وظالمه الذي لا ينصفه، وإنما ألزمه هذا اللقب إقدامه على الطعن والضرب، واقتحامه في غمرات الحرب، وبعض العقل في ذلك الموقف عقال يعقل صاحبه، وسبب من أسباب الضعف يعجز إلفه، وكان فاتك يلقب بالمجنون، ففسر عليه أبو الطيب هذا اللقب تفسيرا أذهب قبحه، وحسن عند المنكر له أن يتقلد مثله.
يَرْمِي بِهَا الجَيْشَ لا بُدَّ لَهُ وَلَهَامِنْ شَقَّهِ ولو أَنَّ الجَيْشَ أَجْبَالُ
إِذا العِدَى نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُلم يَجْتَمِعْ لَهُمْ حِلْمٌ ورئْبالُ
فيقول مشيرا إلى السيوف التي قدم ذكرها: يرمي بها الجيش الذي يناصبه، والجمع الذي يتعرض له، ولا بد له ولتلك السيوف المطيفة به من شق ذلك الجيش، وفض ذلك الجمع، ولو كان هضابا عارضة، وأجبالا قاتلة.
ثم قال: إذا العدى المتمرسون، والأضداد المتعرضون له، نشبت مخالبه فيهم، وأظهر سطوته عليهم، لم يجتمع لهم في ذلك الموطن أسد تحذر عاديته، وحلم تؤمن بادرته، فأشار إلى أن الاستسهال للموت، والاقتحام على الحرب، ليس من طريق الحلم، ولا تحمل عليها أحكام العقل.
يَرُوعُهُمْ مِنْهُ دَهْرٌ صَرْفُهُ أَبداًمُجَاهِرٌ وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تَغْتالُ
أَنالَهُ الشَّرَفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُفَمَا الَّذي بِتَوَقي ما أَتَى نالوا
إِذا المُلُوكُ تَحَلَّتْ كانَ حِلْيَتُهُمُهَنَّدٌ وأَصَمُّ الكَعْبِ عَسَّالُ
يروعهم: يفزعهم، وصروف الدهر: ما يقع من حوادثه، والمجاهرة بالشيء: الإعلان به، والاغتيال: الإهلاك على غفلة، والشرف: ارتفاع المنزلة في الفضل، والتوقي: التوقع، والمهند: السيف، والأصم: اليابس، والكعب: العقدة الناشزة في آخر كل أنبوب من القناة، والعسال: المضطرب، وأراد الرمح بهذه الصفة.
فيقول مشيرا إلى فاتك، ومخبرا عن أعدائه: يروعهم منه ملك، هو كالدهر في قدرته عليهم، ونفاذ ما يريده فيهم، إلا أن ما يبعثه عليهم من صروفه، إنما يبعثه مجاهرا، ويمضيه على الأعداء مغالبه، والدهر يغتال بصروفه، ولا يؤذن بخطوبه، فجعل لفاتك على الدهر مزية بينة، وزيادة ظاهرة.
ثم قال: أناله من الشرف أعلى منازله، ومن السلطان أرفع مراتبه؛ إقدامه وجرأته، واقتحامه على المهالك وشدته، فما الذي ناله أعداؤه بتوقيهم لما أقدم عليه، وإبطائهم عما تسرع إليه؟
ثم قال: إذا الملوك تحلت بحسن الملبس، وقدرت لأنفسها الهيبة بجمال المنظر، كان فاتك المذكور حليته سيف مهند يتقلده، ورمح عسال يتحمله، يريد: أنه احتاز الرئاسة مغالبة بسيفه، واستحقها لشجاعة نفسه.
أَبو شُجاع أبو الشُّجْعانِ قاطِبَةًهَوْلٌ نَمَتْهُ مِنَ الهَيْجَاءِ أَهْوالُ
تَمَلَّكَ الحَمْدَ حَتى ما لِمُفْتَخِرٍفي الحَمْدِ حَاءٌ ولا مِيْمٌ ولا دَالُ
عَلَيْهِ مِنْهُ سَرَابِيْلٌ مُضَاعَفَةٌوَقَدْ كَفَاهُ مِنَ الماذِيَّ سِرْبَالُ
قاطبة: يؤيد جميعا، والهول: ما أخاف وأفزع، والمضاعف من الثياب: الذي يكون عليه مثله، والماذي: الدروع.
فيقول، وهو يريد فاتكا: أبو شجاع كنيته، وهي له صفة ثابتة، وحقيقة ظاهره؛ لأنه أبو الشجعان قاطبة، برئاسته فيهم واستعلائه عليهم، وأنه كبيرهم وقدوتهم،
وقطبهم وعمدتهم، والهول الذي ينميه من الحرب أهوال لا يعهد مثلها، ولا يشارك في شرفها وفضلها.
ثم قال: تملك الحمد وأحاط به، واحتازه وأصبح خالصا له، فما لأحد منه نصيب يعلم، ولا حظ يتبين ويعرف، وجعل ذكر الحاء والميم والدال إشارة [إلى] انفراده بجملته، واحتيازه لعامته.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: عليه من الحمد سرابيل مضاعفة، وحلل متتابعة؛ يشير إلى رغبته فيه، واستكثاره منه، وليس عليه من الدروع إلا سربال واحد؛ لأنه لا يكثر التوقع، ولا يحتفل في التحرز. فأشار إلى أنه مستكثر مما يشتمل به من كريم الذكر، ومستخف بما يدفع به عادية الحرب، فوصفه بالرغبة في الإحسان، وقلة التوقع عند لقاء الأقران.
وكَيْفَ أَسْتُرُ ما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍوَقَدْ غَمَرْتَ نَوالاً أَيُّها النَّالُ
لَطَّفْتَ رَأيَكَ في وَصْلي وَتَكْرُمَتِيإنَّ الكَرِيْمَ عَلى العَلْيَاءِ يَحْتَالُ
حَتَّى غَدَوْتَ وَلِلأَخْبَارِ تَجْوَالٌولِلكَواكِبِ في كَفيْكَ آمالُ
النوال: العطاء، والنال: الكثير النوال، يقال: رجل نال: إذا كان كثير النوال، كما يقال رجل مال، إذا كان كثير المال، روى ذلك يعقوب، ولطفت: بلغت الغاية من الرفق.
فيقول، وهو يخاطب فاتكا: وكيف استر ما أوليتني من الفضل، وأغفل ما ألزمتني من الشكر، قد أفضت علي بحورا غمرتني من جودك، وحملتني أعباء أثقلتني من برك، يا أيها النال الذي لا ينقطع نواله، ولا يتأخر تطوله وإفضاله.
ثم قال: لطفت رأيك فيما فتحته لي من باب صلتك، وما خصصتني من ظاهر كرامتك، إن الكريم على العلياء محتال لا تعجز حيلته، ومجتهد لا تضعف نيته.
ثم قال: حتى غدوت بما أوليتني من فضلك، وما وجدت لي من إحسانك وبرك،
قد جعلت للأخبار مجالا تستعمل في ذكره، ومكانا تتصرف في مثله، وصيرت الكواكب مع علو مواضعها، وارتفاع منازلها، تأمل من يديك زيادة في الرفعة، واستكثارا من علو الرتبة.
وهذا من الغلو الذي أشار فيه بذكر ما لا يمكن إلى إحراز غاية ما يجوز ويمكن.
وَقَدْ أَطَالَ ثَنائي طُول لابِسِهِإِنَّ الثَّنَاَء عَلَى التَّنْبالِ تِنْبالُ
إِنْ كُنْتَ تَكْبُرُ أَنْ تَخْتَالَ في بَشَرٍفإِنَّ قَدْرَكَ في الأَقْدَارِ يَخْتَالُ
التنبال: القصير من الرجال، والاختيال: إظهار الزهو والعجب.
فيقول مشيرا إلى فاتك: وقد أطال لساني بالثناء، وفتح لب باب المدح والإطراء، جلالة قدر من مدحته، وكثرة فضائل من وصفته، وإنما أنا في ذلك ذاكر لما عاينت، ومخبر عما شاهدت، والثناء إنما يقصر على التقصير الحال، الراغب عن الكرم والإفضال.
ثم قال، يخاطب فاتكا: إن كنت تكبر عن استعمال الاختيال والزهو، وتكلف التعظم والكبر في بشر أنت منهم، ومن قوم أنت فيهم، فقدرك في أقدار الملوك المتشبهين بك، يختا بجلالته، وينفرد برفعته وفخامته.
كَأَنَّ نَفْسَكَ لا تَرْضَاكَ صَاحِبَهاإلاَّ وَأَنْتَ على المِفْضالِ مِفْضَالُ
ولا تَعُدُّكَ صَوَّانا لِمُهْجَتِهاإِلا وأَنْتَ لَهَا في الرَّوْعِ بَذَّالُ
الروع: الفزع.
فيقول: كأن نفسك لا تألفك راضية بفعلك، ولا تصحبك شاكرة لسعيك، حتى يكون كل مفضال إنما يفضل بما تعب له، ويجود بما تعطيه وتبذله.
ثم قال: وكأن نفسك لا تعدك صائنا لمهجتها، ولا تعتقدك ساعيا في مسرتها وغبطتها، إلا إذا ابتذلتها في الروع، بتقحم المهالك، وعرضتها في الحرب لمواجهة المتالف.
لأَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ كُلُّهُمُالجودُ يُفْقِرُ والإقْدَامُ قَتَّالُ
وإنما يَبْلُغُ الإِنْسَانُ طَاقَتَهُما كُلُّ مَاشِيَةٍ بالرَّجْلِ شِمْلالُ
الشملال: الناقة القوية السريعة.
فيقول مبينا لصواب ما قدم ذكره من أفعال فاتك: لولا المشقة في إيثار المجد، وكثرة التمون في اكتساب الحمد، لساد الناس كلهم، وأدركوا الشرف بأسرهم، ولكن الجود يورث الإقلال والفقر، والشجاعة توجب التلف والقتل، وهذه الشدائد لا يتكلفها إلا من شرف طبعه، ولا يتحملها إلا من وطن على المكاره نفسه.
ثم أكد ما قدمه، فقال: وإنما يبلغ المرء فيما يقصده مقدار طاقته، ويدرك ما يحاوله على حسب استطاعته، فليس كل كريم يحوز غاية الكرم، ولا كل شريف يبلغ نهاية الشرف، كما أن كل ماشية من النوق برجلها شملال سريعة، وكريمة النجار قوية، وكذلك ليس كل من يتعاطى الكرم من الأمراء، ويوصف بالتقدم والفضل من الرؤساء، يبلغ في ذلك مبلغ فاتك الذي لا يعادل في فضله، ولا يماثل في جلالة قدره.
إِنَّا لَغِي زَمَنٍ تَرْكُ القَبِيحِ بِهِمِنْ كْثَرِ النَّاسِ إِحْسانٌ وإجْمَالُ
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني، وحاجَتُهُما قاتَهُ، وَفُضولُ العَيْشِ أَشْغَالُ
يقول منبها على غرابة فاتك في دهره، وانفراده بالكرم من أبناء عصره: إنا من إدبار خير الزمان، وزهد أهله في الفضل والإحسان، لفي زمن إمساك أهله عن قبيح الفعل، وتأخرهم عن مذموم السعي، [فضل] يؤثر، وإحسان يحمد ويشكر، فكيف أتفق فيه مثل فاتك، وهو رئيس المحسنين، وزعيم الكرماء المنعمين؟!.
ثم قال، مشيرا إلى ما خلده فاتك من الفضل، وأبقى على نفسه من جميل الذكر، وأن التوفيق في ذلك موصول برأيه، والصواب مقصور على فعله: ذكر الفتى بجميل مساعيه، وما يخلده من مكارمه ومعاليه، عمره الثاني التالي لعمره، وحظه
من الدنيا المبقي لذكره، وحاجته فيما عدا هذا قوت يبلغه، وكفاف من العيش يستره، ومن رغب من الدنيا غير ذلك، فإنما يتعلق بفضول تشغله، وأباطيل تموته.
تم السفر بحمد الله وعونه وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما. يتلوه: ومات أبو شجاع فاتك.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع