تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الكافوريات (٢)

ثم قال: ليت حوادث الأيام السالفة، وتصاريف المدد الخالية، باعتني ما أعدمتنيه من القوة، وسلبتنيه من الإقبال والشبيبة، بما استفدته بها من المعرفة، وأشرفت عليه بكثرة التجربة.

ثم قال: فما تمنع الحداثة من الحلم، ولا تبعد عن التقدم في العلم، فقد توجد الحلوم الراجحة، والعلوم البالغة، في الكهول والفتيان، والشيوخ والشبان.

تَرَعْرَعَ المَلِكُ الأُسْتَاذُ مُكْتَهِلاًقَبْلَ اكْتِهَالٍ، أَدِيْباً قَبْلَ تَأْدِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
مُجَرَّباً فَهِمَاً مِنْ تَجْرِبَةٍمُهَذَّباً كَرَماً، مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
حَتَّى أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا نِهَايَتَهاوَهَمُّهُ في ابتداءاتٍ وتَشْبِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

ترعرع الصبي: إذا تحرك للمشي، والاكتهال: بلوغ سن المشيب، والأديب:

المدرك للأدب، والتأديب: تعليم الأدب، والمهذب: الخالص من العيوب، والتهذيب: التفعيل من ذلك، والنهاية: الغاية، والهم: الهمة، وتشبيب الشيء: رفعه والزيادة فيه.

فيقول، وهو يريد كافورا: ترعرع الملك الأستاذ، وله من المعرفة في صغره مثل الذي للكهل مع تجربته وكبره، قد استفاد بكرم طبعه، كالذي استفاده الكهل في مدة عمره، وتأدب بجبلته دون تأديب، وعلم دون تعليم، فأدرك في صغره حال التكهل، وتأدب بطبعه قبل معاناة التأدب.

ثم قال على نحو ما قدمه: عالما لما لم يجربه؛ لما هو عليه من صحة فهمه، مهذب دون أن يهذبه أحد؛ بطبيعته وكرمه.

ثم قال: فأدرك من الدنيا أرفع منازلها، وحل منها من أجل مراتبها، حديث السن، مقتبل العمر، وهمته في تشبيب وزيادة، وابتداء من طلب الغاية.

يُدَبَّرُ المُلْكَ مِنْ مِصْرٍ إلى عَدَنٍإِلى العِرَاقِ فَاَرْضِ الرُّومِ فالنُّوَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
إِذا أضتَتْها الرَّياحُ النُّكْبُ مِنْ بَلَدٍفَما تَهُبُّ بها إِلاَّ بِتَرْتِيْبِ
ولا تُجاوِزُها شَمْسٌ إذا شَرَقَتْإِلاَّ ومِنْهُ لَهَا أُذُنٌ بتَغْرِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

مصر: بلد معروف من بلاد المغرب، وعدن: قاعدة بلاد اليمن، وهي في الجنوب، والعراق: بلاد معروفة في المشرق، وأرض الروم: معروفة في المغرب، والنوب: ضرب من السودان، أخبر عنهم وهو يريد بلادهم على سبيل التجوز، والعرب تفعل ذلك، والنكب: جمع نكباء، وهي ريح بين ريحين، وترتيب الشيء تصريفه على رتب معروفة، وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت.

فيقول: إن كافورا ملك جليل المنزلة، بعيد أقطار المملكة، يملك من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، ومن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ويدبر ذلك

تدبير من يعمه بهيبته، ويضبطه بحسن سياسته، وليس بعد أقطار ملكه، يمنعه من أن يشتمل جميعها بحزمه.

ثم قال: فإذا هبت الرياح النكب في هذه البلاد، مع اضطراب هبوبها، وشدة اختلاف سيرها، سبق إلى النفوس أن ضبطه يحصرها، وما يحيط به من الاستقامة يسددها، فتحله من الضبط والحزامة ما لا يمكن. يشير بذلك إلى إنه قد بلغ فيهما غاية ما يمكن، ومثل هذا التجوز متعاهد في لسان العرب؛ فهم إذا أرادوا أن يدلوا على المرأة قد بلغت غاية الحسن، سموها بالشمس، وإذا أرادوا أن الرجل قد بلغ غاية الجود، سموه بالبحر، فيجعلون الكذب شاهدا على الصدق، والمحال إشارة إلى الحق.

ثم قال على نحو ما قدمه: ويسبق إلى النفوس أن كافورا مع ما هو عليه من قوة الملك، وشدة الحزم، لا يخرج في أعماله شيء عن حكمه، ولا يتصرف إلا على حسب أمره، وأن الشمس إذا سامتت تلك الأعمال أدركها ذلك الحكم، وأحاط بها ذلك الحزم، فتجري في الشروق والغروب على ذلك. وهذا وإن كان محالا في نفسه، كذبا في حقيقته، فإنما يتجوز بعلم أهل اللسان المراد فيه، وأن المفهوم منه: أن الممدوح كافورا يبلغ في الضبط أبعد غايته، ويستوفي فيه أقصى نهايته، هذا مفهوم ما قصده، وحقيقة مراده فيما نظمه.

يُصَرَّفُ الأَمْرَ فيها طِيْنُ خاتَمِهِوَلَوْ تَطَلَّسَ مِنهُ كُلُّ مَكْتُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
يَحُطُّ كُلَّ طويلِ الرُّمحِ حامِلُهُعَنْ سَرْجِ كُلَّ طويل البَاعِ يَعْبُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسَامِعِهِقَمِيْصُ يُوسُفَ في أَجْفَانِ يَعْقُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

التطليس: إفساد الخط، ويحط: ينزل، واليعبوب: الفرس الطويل السريع، وأجفان العيون: ما يحيط بالمقل.

فيقول: إن كافورا يصرف الأمر في البلد التي تقدم ذكره لها، تصريف مالك لا

يخالف، وقادر لا يعارض، تنفذ فيها كتبه ولو طلس طين خواتمها، ولا تتعرض وإن تغير نقش طوابعها؛ لأن هيبته تمنع من مراجعته، وجلالته تحول دون مخالفته.

ثم أكد ذلك فقال: يحط حامل تلك الطينة، والمسند إلى تلك القوة، كماة الفرسان عن خيولهم، ويستنزلهم من سروجهم، حتى ينتصف منهم، ويدرك ما يطلبه عندهم، وإن كانوا في غاية الجرأة، وعلى أتم أحوال الرفعة. ودل بطول رماح المذكورين على شجاعتهم، وبفراهة خيلهم على رئاستهم.

ثم قال، مشيرا إلى موضعه من الفضل، وحرصه على العطاء والبذل: كأن السؤال في مسامعه؛ لسروره به، وما يعتقده من الارتياح له، قميص يوسف، الذي أعاد إلى يعقوب بصره، حرصه عليه، وأذهب عنه العمى استبشاره بالنظر عليه.

إذا غَزَتْهُ أَعَادِيْهِ بِمَسأَلَةٍفَقَدْ غَرَتْهُ بِجَيْشٍ غَيْرِ مَغْلُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
أَو حَارَبَتْهُ فَما تَنْجُو بِتَقْدِمَةٍمِمَّا أَرَادَ ولا تَنْجو بِتَجْبِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
أَضْرَتْ شَجَاعَتُهُ أَقْصَى كَتَائِبِهِعلى الحِمَامِ فَمَا مَوْتٌ بِمَرْهُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

التقدمة: تفعلة من التقدم، والتجبيب: الهروب، يقال: جبب الرجل: إذا هرب، وأضرت: بمعنى عودت، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعات من الخيل، والحمام: الموت.

فيقول: إذا غزت كافورا أعاديه بجيش؛ من خضوعهم وضراعتهم، ورغبتهم ومسألتهم، فقد غزوه بجيش لا يغلبه، وعارضوه بأمر لا يدفعه، يريد: إنه من الفضل في حال يجيب معها من سأله، ولا يضيع من رجاه وأمله.

ثم قال: وإن عدلوا إلى محاربته، وأقدموا على مخالفته، فما يغني عنهم التقدم، لعجزهم عن القيام به، ولا يعصمهم الهرب، لتقصيرهم عن الفوت له، بل هم في كلا الحالين في قبضة ملكه، وعلى الوجهين مسلمون لأمره.

ثم قال: إن من سكن أقصى ثغوره، وبعد عنه من كتائبه وجيوشه، يتصرفون بأوامره، ويشجعون بشجاعته، ويحتملون على مذاهبه، ويخذون بحظ من صرامته، فما يخاف الموت فيهم ولا يرهب، ولا يهاب ولا يتوقع، وإذا كانت هذه حال من بعد عنه، فكيف الظن بمن شهده وقرب منه.

قَالُوا هَجَرْتَ إليه الغَيْثَ! قُلْتُ لَهَمْ:إلى غُيُوثِ يَدَيْهِ والشآبِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
إِلى الَّذي تَهَبُ الدَّوْلاَتِ رَاحُتُهُولا يَمُنُّ على آثار مَوْهُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الشآبيب: الدفع الغزيرة من المطر، واحدها شؤبوب، والدولات: مدد السلطان في الملك، الواحدة: دولة.

فيقول: إن بعض من عذله على اعتماده لكافور في مصر بقصده، ونسبه في ذلك إلى قلة الاختيار لنفسه، فقال له: أتهجر الشام وتدعها، وتتناسى كثرة الغيوث بها، وما تظهره من ترويض أرضها، وتجدده من بهجة حسنها، وتقصد مصر الذي تعرض السحاب عن سقيها، ولا تمطر شيئا من أرضها، فقال: إنه هجاها إلى غيوث يدي كافور، الذي عمت الأرض بمواهبه، وروتها بشآبيب مكارمه، وأنست السحاب بكثرتها، وزادت عليها بوفور جملتها، فهجرت تلك البلاد، وسيف الدولة مالكها، إلى كافور ملك الملوك، وسيد السادات، الذي يرفع من أحوال قصاده، وأقدار خدامه، حتى يجعلهم ذوي دولات تؤمل، وممالك تهاب وتتوقع، ولا يمن مع ذلك بعظيم ما تفعله، ولا يستكثر جليل ما يبذله. فدل على تقصير سيف الدولة عن كافور أبين دلالة، وأشار إلى ذلك أوضح إشارة، وهذه العبارة التي عبرنا بها عنه، وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من أغراض شعره.

ولا يَرُوعُ بِمَغْدُورٍ بِهِ أَحَداًولا يُفَزَّعُ مَوْفُوراً بِمَكُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
بَلى يَرُوعُ بِذِي جَيْشٍ يُجَدَّلُهُذا مِثْلِهِ في أَحَمَّ النَّقْعِ غِرْبِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

الترويع: التفزيع، والموفور: الكثير المال، والمنكوب: المعرض لسقوط الحال،

والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الشديد السواد.

فيقول: إن كافورا وفي لا يخترم، وكريم لا يغدر، يصل إلى ما يطلبه وصول مستقدر، وينفذ مستظهر، ولا يغدر بأحد ليروع الناس بغدره، ولا يغلب ذا مال فينكبه، ليفزع ذوي الوفر بظلمه. وبرأ كافورا من هذه الأحوال معرضا بسيف الدولة فيما كان يواقعه منها.

ثم قال: بلى إن كافورا يروع برئيس جيش يقتله، وزعيم قوم يجدله، يقصده في الحرب ويصرعه في أحم غربيب من النقع، فيجدله هناك غير مساتر، ويعتمده غير مخادع، ويخوف ذا جيش مثل جيشه، ورئيس جمع مثل جمعه، فيغنيه اقتداره عن الغدر، ويدفع عنه كرمه قبيح الذكر.

وَجَدْتُ أَنْفَعَ ماٍ كُنْتُ أَذْخِرُهُما في السَّوابِقِ مِنْ جَرْيٍ وتَقْريبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
لَمَّا رَأَيْنَ صُروفَ الدَّهْرِ تَغْدُرُ بيوَفَيْنَ لي وَوَفَتْ صُمُّ الأَنابِيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
فُتْنَ المَهَالِكَ حَتَّى قَالَ قَائِلُها:ماذا لَقِيْنَا مِنَ الجُرْدِ السَّراحِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

ذخرت الشيء: إذا صنته مساعدا به، والسوابق: الخيل السريعة، والجري: معروف، والتقريب: ضرب من العدو لا يبلغ الجري، والأنابيب: ما بين كعوب القنا، واحدتها: أنبوب، والصم: الصلاب، والجرد من الخيل: القصار شعر الجلود، والسراحيب: الطوال العناق، الواحد: سرحوب.

فيقول: وجدت أنفع مال ادخرته، وأقرب معين استغنيته، ما أيدتني الخيل به، عند قصدي لكافور، من تقريبها وجريها، وشدة نهوضها في سيرها، وأشار إلى ما لحقه من طلب خيل سيف الدولة، وحرصها على الظفر به.

ثم قال: لما رأت سوابق خيلي أن الدهر قد غدرت بي صروفه، واعتمدتني خطوبه، وفت لي بما أمدتني من قوة جريها، وشدة عدوها، ووفت لي عند ذلك صم أنابيب الرماح التي امتنعت بموضعها، وتهيبت لمعرفتي بالتصريف لها.

ثم قال: فاتت بي تلك السوابق المهالك التي طلبتني مجتهدة، وصممت نحوي معتزمة، حتى قالت وقد فتها ونادت وقد أعجزتها: ماذا لقينا من الجرد السراحيب، التي حمت من كنا نطلبه، ومنعت مما كنا نرجوه ونرتقبه؟!

تَهْوي بِمُنْجَردٍ لَيْسَتْ مَذَاهِبهِلِلُبْسِ ثَوْبٍ ومَأْكُولٍ ومَشْرُةبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
يَرْمي النُّجومَ بِعَيْنَيْ مَنْ يُحاوِلُهاكأَنَّها سَلَبٌ في عَيْنِ مسْلُوبِ

تهوي: تنصب في العدو، والمنجرد: المجد في الذهاب.

فيقول: والسوابق التي ذكر أنها تهوي منه، بمجد معتزم، ومستبصر مجتهد، ليس مذهبه في أن يستجد الملابس، ويتخير المطاعم والمشارب، وإنما مذهبه في ابتناء المكارم، واحتياز المفاخر، والوصول إلى أجل المراتب.

ثم قال على نحو ما قدمه: يرمي النجوم بعيني من يحاول مواضعها، ويروم تناولها، حنى كأنه لاستبصاره في ذلك ينظر منها إلى سلب سلبه، ومنع منه، وملك كان بيده فدفع عنه.

حَتَّى وَصَلْتُ إلى نَفْسٍ مُحَجَّبَةٍتَلْقَى النُّفوسَ بِفَضْلٍ غَيرِ مَحْجُوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
في جِسْم أَرْوَعَ صَافِي العَقْلِ تُضْحِكُهُخَلائِقُ النَّاسِ إِضْحَاكَ الأَعَاجِيْبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
فالحَمْدُ قَبْلُ لَهُ، والحَمْدُ بَعْدُ لهاولِلْقَنَا ولإدْلاَجِي وتَأْويْبي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الإدلاج: سير الليل، والتأويب: سير النهار، والأروع: ذو الجسم والهيئة.

فيقول: حتى وصلت إلى كافور، فشهدت منه نفسا محجبة؛ بعلو المرتبة، مستترة بعظم المملكة، وفضلها ظاهر لا يحجب، وجودها قريب لا يمتنع.

ثم قال: وتلك النفس الكريمة العنصر، الرفيعة الموضع، في جسم ملك أروع، صافي الإدراك والعقل، محسن في القول والفعل، تضحكه خلائق الناس؛ بتقصيرها عن التمام، وعدولها إلى النقصان، إضحاك الأعاجيب التي ينكرها مشاهدها، والغرائب التي يستبعدها معايبها.

ثم قال: فالحمد قبل كل، لكافور بما أولاني من تفضله، وكريم تقبله، والحمد بعد ذلك لسوابق الخيل التي أدنتني إليه، ووفدت بي عليه، وللرماح التي أدللت بها، ووثنت بامتناعي بحسن التصريف لها، وبجلدي على الإدلاج والتأويب، وشدة الإسراع في المسير.

وَكَيْف أَكْفُرُ يا كَافُورُ نِعْمَتَهاوَقَدْ بَلَغْنَكَ بي يا كُلَّ مَطْلُوبي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
يأَيُّها المَلِكُ الغَانِي بِتَسْمِيَةٍفي الشَّرْقِ والغَرْبِ عن وَصْفٍ وتَلْقِيبِ
أَنْتَ الحَبِيْبُ وَلكِنَّي أَعُوذُ بِهِمِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبَّاً غَيْرَ مَحْبُوبِ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «بالله عج بالحمى البدري مدكرا»

الغاني: الظاهر الغنى، وهو فاعل من غني: يغنى، واللقب: يقرن باسم الرجل مما تؤكد به معرفته.

فيقول: وكيف أكفر يا كافور نعمة السوابق التي أدنتني إليك، وأنجتني من القوم الذين حاولوا تعويقي عنك، وبلغن بي إليك، وأنت الأمل الذي أوضعت نحوه، والملك الذي أصلت فضله، والذي هو كل مطلوب يقصد، وكل رجاء يعتمد. وجانس بين أكفر وكافور، والتجنيس من بديع الكلام.

ثم قال، وهو يخاطب كافورا: يا أيها الملك الجليل قدره، والرئيس المعظم أمره، الذي يحوز له اسمه من كرم الذكر، ويحدد له من الاعتلاء والفخر، ما يغنيه عن الشرف بتلقيب الخلفاء، والاحتمال في ذلك على أحوال سائر الرؤساء.

ثم قال له: أنت الحبيب الذي أصفيته غاية مودتي، وآثرته بأملي وخالصتي، وبه أعوذ وبكرمه، وبما حملني من جليل نعمه، من أن أكون محبا لا يقارض بحبه، ومخلصا لا يجازى بحقيقة وده.

وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة.

أَوَدُّ من الأيَّامِ ما لا تَوَدُّهُوأَشْكُو إليها بَيْنَنَا وهيَ جُنْدُهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يُباعِدْنَ حِبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُفكيفَ بِحِبّ يَجْتَمِعْنَ وصَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

البين: الفرقة، والصد: المجانبة.

فيقول: إنه يود من الأيام ما لا تود الأيام مثله، ويكالبها بما لا تعتقد فعله، ويشكو إليها من بين أحبته، وفراق أعزته، ما هي جنده الذي يوجبه، وسببه الذي يدنيه ويقربه.

ثم قال: إن الأيام بطبعها، وما هي عليه من معهود أمرها، تبعد من الأحباب من تجامعه، وهو على أتم الوصل، وأكرم المذاهب في القول والفعل، فكيف بها في حبيب تجامعه، وهو على بصيرة في الصد، ونية في ترك الإقامة على العهد؟!

أَبى خُلُقُ الدُّنيا حَبِيْباً تُدِيْمُهُفما طَلَبي مِنْها حَبِيْباً تَرُدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراًتَكَلُّفُ شَيءٍ في طِباعِكَ ضِدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الخلق: الطبيعة: والطباع: نحو ذلك، والضد: الخلاف في كل شيء.

فيقول: أبت بطبيعتها، وما هي عليه عند تأمل حقيقتها، أن تمتع بالأحبة، وتديم وصلهم، وتعتزم بالفرقة على قربهم، فكيف أطلب منها أن ترد من فقد، وتقرب من بعد؟!

ثم قال: وأسرع شيء فعلته إلى التغير، وأقرب ذلك إلى الاستحالة والتبدل، شيء تتكلفه وأنت مطبوع على ضده، وتظاهر به وأنت مجبول على غيره؛ يريد: أن الدنيا خلقت على تشتيت الفرقة، وقطع وصائل الألفة، وإن أظهرت غير ذلك، أسرعت في إحالته، وعدلت بطبيعتها إلى إزالته.

رَعَى اللَّهُ عِيْسَاً فَارَقَتْنَا وَفَوْقَهامَهاً كُلُّها يُوْلَى بِجَفْنَيْهِ خَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كَأَنَّهُوَقَدْ رَحَلوا جِيْدٌ تَنَاثَرَ عِقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
إِذا سارتِ الأَحْداجُ فَوْقَ نَبَاتِهِتَفاوَحَ مِسْكُ الغَانِيات وَرَنْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

العيس: البيض من الجمال، الواحد أعيس، والمها: بقر الوحش، والولي: المطر الذي يتلو أول أمطار السنة، وذلك المطر يسمى الوسمي، ويولي: يتابع فيه الولي، فاستعار الأسم له معه، وأشار به إلى تتابعه، والجيد: العنق، والعقد: معروف، والأحداج: ضرب من الهوادج، إلا أنها لا تقبب، واحدها: حدج، والتفاوح: التساجل في الفوح، والغانيات: الشواب من النساء، الواحدة غانية، والرند: شجر طيب الريح، ويقال إنه الآس.

فيقول: تولى الله بأكرم ولايته عيسا فارقتنا بمن نحبه، ورحلت عنا بمن نوده، وفوق تلك العيس من أحبتها مها تفوت المها بحسنها، وتزيد عليها بفتور لحظها، وكلها للتأسف على مفارقتنا، والتألم لمباعدتنا، يولي خده بدمعه، ويبعثه على مواصلة البكاء، تمكن وجده.

ثم قال، مشيرا إلى الموضع الذي رحل عنه أحبته: بواد ناله ألم تلك الفرقة، واستيحاش تلك الرحلة، كالذي نال قلوبنا، وأوجع نفوسنا، فكأنه وقد رحل عنه، واستقلت ظغائنهم منه، جيد تناثرت جواهر عقده، وتقطعت جوامع حليه، فتعوض بالعطل من ذلك الحلي، وبالوحشة من ذلك الحسن. ثم قال: إذا سارت الأحداج بين أشجار غياضه، وارتحلت بين زهرات رياضه، تفاوح مسك الغانيات وريح الرند وأشباهه من ذلك النبات.

وحَالٍ كإحْدَاهُنَّ رُمْتُ بُلُوغَهَاومِنْ دُونِها غَوْلُ الطَّريق وبُعْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وأَتْعَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُوقَصَّرَ عَمَّا تشْتَهي النَّفْسُ وُجْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الغول والاغتيال: إذهاب الشيء في غير مهملة، والهم والهمة: بمعنى واحد، والوجد: السعة في المال.

فيقول: ورب حال تشبه من وصفه من أحبته في بعد تناولها، وتعذرها على محاولها، أعمل في بلوغها نفسه، واستنفذ في إدراكها جهده، ومن دون ما طلب

منها غول الطريق، وكثرة مخاوفه، وبعده وشدة مكارهه.

ثم قال مقيما لعذره فيما تمونه في السفر، وتكلفه من شدة الغرر: وأتعب خلق الله كلهم، من زادت همته ومعرفته، وقصرت جدته ومقدرته، فهو لا يزال يشتهي ما لا يبلغه، ويمتحن بما يأباه ويكرهه.

فلا يَنْحَلِلْ في المَجْدِ مالُكَ كُلُّهُفَيَنْحَلَّ مَجْدٌ كانَ بالمالِ عَقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
ودَبَّرْهُ تَدْبِيْرَ الذي المَجْدُ كَفُّهُإِذا حَارَبَ الأَعْدَاَء والمالُ زَنْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فلا مَجْدَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُولا مَالَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

المجد: كرم الفعل، والزند: إحدى قصبتي الذراع، والزندان: القصبتان، وباجتماعهما يكون الساعد، ورأساهما يتصلان بكف الإنسان.

فيقول على نحو ما قدمه من تفصيل المال، وبسط العذر في طلبه، وما يجب من تشييد المجد به: فلا ينحلل في المجد مالك بجملته، ولا تعدم نفسك ما تسند إليه من قوة، فينحل من مجدك ما عقده الغنى والسعة، ويذهب منه ما أوجبه الإكثار والجدة.

ثم قال: ودبر الأمرين في الجمع بهما، والحراسة لحالهما، تدبير من يجعلهما كالكف والزند في احتياج كل واحد منهما إلى صاحبه، وتأيده على التصرف بجانبه.

ثم قال على نحو ما قدمه: فلن تجد مجدا بائنا لمن أغفل ماله وأتلفه، ولن تجد مالا زاكيا لمن ضيع مجده وأهمله.

وفي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَسْورِ عَيْشِهِومَرْكُوبُهُ رِجْلاَهُ والثَّوْبُ جِلْدُهُ
وَلكِنَّ قَلْباً بَيْنَ جَنْبَيَّ ما لَهُمَدَّى يَنْتَهي بي في مُرَادٍ أَحْدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفَاً تَرُبُّهُفَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعاً تَهُدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

المدى: الغاية، والشفوف: ثياب رقاق، واحدها شف، وتربه: تنميه وتنعمه، وتهده:

تحطه وتهدمه.

فيقول: وفي الناس من لا تسمو به همته، ولا تنهض به منته، فيقنعه ما تيسر من عيشه، ويرضيه ما اتفق له من دهره، فيعرى ولا يألم، ويركب رجليه ولا يحزن.

ثم قال: ولكن قلبا بين جنبي بعيدا مرامه، جليلا مراده، ليس لما يبغيه مدى أقف عنده، ولا لما يحاوله طرف أحصر بالوصف حده.

ثم قال: يرى ذلك القلب جسمه في دعة من العيش، وصلاح من الأمر، تربه الشفوف الناعمة، وتتصل له الأحوال الوادعة، فيختار دروعا تهده حملها، ومخاوف لا يأمن عليه مثلها.

يُكَلَفُني التَّهْجِيرَ في كُلَّ مَهْمَهٍعَلِيْقِي مَرَاعِيْهِ وزاديَ رُبْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وأَمْضَى سِلاحٍ قَلَّدَ المرءُ نَفْسَهُرَجاءُ أَبي المِسْكِ الكَريمِ وقَصدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
هُما ناصِرا مَنْ خانَهُ كُلُّ ناصِرٍوأُسْرَةُ مَنْ لَمْ يُكْثِرِ النَّسْلَ جَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

التهجير: المسير في الهاجرة، والمهمة: القفر، والعليق: قضيم الدابة، والربد: النعام، وأسرة الرجل: رهطه وأقاربه.

فيقول مشيرا إلى ما قدمه من ذكر قلبه: يكلفني ذلك القلب يبعد مطالبه، وارتفاع [همته]، وجودة مقاصده، الأسفار البعيدة، والمئون الشديدة، والتهجير في كل مهمه، لا يجد فيه علفا مراعيه، ولا زادا غير ما أصيده من النعام الربد فيه.

ثم قال: وأمضى ما تقلده المرء من السلاح والشكة، وما يستعين به من النفاذ والقوة، رجاء أبي المسك والقصد إليه، وتأميله والتعويل عليه.

ثم قال، يريد الرجاء والقصد اللذين قدم ذكرهما: [هما] ناصرا كل من بعدت عليه النصرة، ومكثرا كل من تعذرت عليه الكثرة، وأسرة من قل نسل جده، وعدم عشيرة تؤيده على أمره.

أَنا اليَوْمَ مِنْ غِلْمانِهِ في عَشِيرَةٍلَنَا والدٌ مِنْهُ يُفَدَّيهِ وُلْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فَمِنْ مالِهِ مالُ الكَبِيْرِ ونَفْسُهُوَمِنْ مَالِهِ دَرُّ الصَّغِيْرِ ومَهْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

العشيرة: القبيلة، وولده: جمع ولد، يقال: ولد وولد، كما يقال أسد وأسد، والدر: اللبن.

فيقول: أنا اليوم من غلمان كافور وحشمه، والمنتسبين إلى نعمه، في عشيرة حافلة، وجماعة وافرة، لنا منه والد بما شملنا من خيره ورأفته، وله منا بنون نفديه، ونستهلك في طاعته.

ثم قال: فمن ماله مال كبيرنا ونفسه، ومنه در صغيرنا ومهده، يعمنا بتعهده وإحسانه، ويغذونا بتطوله وإنعامه، فالكبير لا يعد نفسه وماله إلا من عنده، والصغير لا ينشأ ولا يتقلب إلا في فضله.

نَجُرُّ القَنَا الخَطَّيَّ حَوْلَ قِبابِهِوتَرْدِي بنا قُبُّ الرَّباطِ وَجُرْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
ونَمْتَحِنُ النُّشَّابَ في كُلَّ وابِلٍدَوِيُّ القِسِيَّ الفَارِسِيَّةِ رَعْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

القنا: الرماح، والخطية منها المجتلبة من الخط، وهو موضع، والرديان: ضرب سريع من العدو، والرباط: الخيل المرتبطة لجهاد العدو. والقب: الضامرة، والجرد: التي قصر شعر جلودها، وذلك من دلائل كرمها، وقد تقدم ذكر ذلك، والوابل: المطر الغزير.

فيقول: نجر القنا الخطي حول قباب كافور مرتقبين لأمره، ونتكاثر في أفنيته متظاهرين على نصره، تردي بنا عتاق الخيل وجردها، وتحملها كرائمها وقبها.

ثم قال: ونمتحن النشاب في أظهر شكة، ونرمي به في أحفل عدة، فكأنه لكثرته، وما يتفق من وفور جملته، وابل؛ دوي قسيه رعده، وعارض؛ قطر سحابه نبله.

فَأِنْ لا تَكُنْ مِصْرُ الشَّرَى أَو عَرِيْنَهُفإِنَّ الذي فيها من النَّاسِ أُسْدُهُ
سَبَائِكُ كافورٍ وعِقْيانُهُ الذيبِصُمَّ القَنا لا بالأَصَابع نَقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
بَلاَهَا حَوَالَيْهِ العَدُوُّ وغَيْرُهُوجَرَّبَها هَزْلُ الطَّرادِ وجِدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الشرى: موضع كثير الأسد، والعرين: مأوى الأسد، والسبائك: قطع تخلص بالإذابة من الذهب والفضة، والعقيان: ذهب يوجد بنفسه دون أن يخلص من تراب المعادن، والقنا: الرماح، وصمها: صلابها، والنقد: تمييز الدراهم والدنانير، وبلاها: بمعنى خبرها، والطراد تجاول الفرسان.

فيقول: فإن لم تكن مصر الشرى، الموضع المعروف بالأسد، وعرينه الذي يأوي أسده إليه، فإن الذين من جند كافور أسد الشرى في بأسهم وشدتهم، ونظيرها في إقدامهم وجرأتهم.

ثم قال: وهم مال كافور الذي ادخره، ووفره من الذهب والعقيان الذي جمعه، ينتقدهم بصم القنا في طرادهم، ويختبرهم بالتصريف لهم في قتالهم، لا بالأصابع التي بها تنتقد الأموال، وتميز الفضة والعقيان.

ثم قال: جربت تلك الأسد حواليه الأعداء في حربه، والأولياء في موادعته وسلمه، وأبان عنها هزل الطراد وجده، وجهد الاختيار وعفوه، فغلبوا من غالبهم، وظهروا على من خالفهم، وخلصت لكافور طاعتهم، وشهرت في أعدائه نكايتهم.

أَبو المِسْكِ لا يَفْنَى بِذَنْبِكَ عَفْوُهُولكِنَّهُ يَفْنَى بِعُذْرِكَ حِقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فيأَيُّها المَنْصُورُ بالجَدَّ سَعْيُهُويأَيُّها المَنْصُورُ بالسَّعْيِ جَدُّهُ
تَوَلَّى الصبَّا عَنَّي فَأَخْلَفْتَ طِيْبَهُوما ضَرَّنِي لَمَّا رأَيْتُكَ فَقْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
لَقَدْ شَبَّ في هذا الزَّمانِ كُهُولُهُلَدَيْكَ وشابَتْ عِنْدَ غَيْركَ مُرْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الحقد: إضمار العداوة، والجد: البخت، والكهل من الرجال: الذي خالطه الشيب.

فيقول مخبرا عن كافور: أبو المسك لا يفني ذنوبك بكثرتها عفوه، ولا يضيق بتتابعها فضله، ولكن حلمه يفني حقده عليك بأيسر عذر، ويتغمد إساءتك بأهون سعي.

ثم قال مخاطبا له: فيا أيها الملك الذي قرن الله سعيه بإقبال جده فأنجحه، وقرن

جده بمشكور سعيه فمكنه، فلم يخل حزمه من جد يصحبه، ولم يخل جده من حزم يمضيه ويؤيده.

ثم قال مخاطبا له: تولى الصبا عني، بكثرة السن، وفناء أكثر العمر، فعوضتني منه بالمسرات التي تابعتها لي، وجددت عندي ما سلف من طيبه بالكرامات التي وصلتها لي، وما ضرني فقد الشباب لما صرت في جنبتك، ولا عدمت طيبه مع ما تتابع علي من نعمتك.

ثم قال مخاطبا له: لقد شب لديك كهول الرجال بما احيينه من همههم، وأسبغته من نعمهم، وبما يسره الله على يديك من السعادة لهم، وشاب المرد عند غيرك من الملوك، بعجزهم عن ضبط أعمالهم، واضطراب أحوال رعاياهم وأحوالهم.

أَلا لَيْتَ يَوْمَ السَّيْرِ يُخْبِرُ حَرُّهُفَتَسْأَلَهُ واللَّيْلَ يُخْبِرُ بَرْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
ولَيْتَكَ تَرْعَانِي وحَيْرانُ مُعْرضٌفَتَعْلَمَ أَنَّي مِنْ حُسَامِكَ حَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وأَنَّي إذا بَاشَرتُ أَمْراً أُرِيْدُهُتَدَانَتْ أَقاصِيهِ وَهَانَ أَشُدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

المراعي للشيء: الناظر إليه، وحيران معرض: ماء على طريق سلمية، هو منها على أقل من يوم، واعترض دونه أبو الطيب، فغال المعترضين له، واستظهر عليهم، والمعرض: الظاهر، والحسام: السيف القاطع، وحده: معروف.

فيقول لكافور مخبرا عن شدة سيره، وما تجشمه من المخاوف في قصده: ألا ليت نهار سيري نحوك يخبرك بما قاسيت من حره، وليت ليله يعرفك بما لاقيت من برده، فتتبين قدر بداري نحوك، وما تمونته عند قصدي أرضك.

ثم قال: وليت تشهدني وحيران؛ هذا الماء، مغب ظاهر، ومعرض بين، والأعداء يدفعونني عنه، ويمنعونني مجتهدين منه، فتشهد حينئذ بلائي في مقاتلتهم، ونفاذي في منازلتهم، وتعلم أن مثلي إذا صار في جندك والممتثلين لأمرك، كان من سيفك في موضع حده، ونائب في قوة فعاله.

ثم قال: وكنت تعلم أني من الصرامة والجزالة، على حال من إذا باشر أمرا يريده، وحاول بعيدا يرومه، تدانى له منه ما بعد؛ لشدة بطشه، وسهل له منه ما صعب؛ لشجاعة نفسه.

وما زالَ أَهْلُ الدَّهْرِ يَشْتَبِهونَ ليإِليكَ فَلمَّا لُحْتَ لي لاَحَ فَرْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
يُقالُ إِذا أَبْصَرْتُ جَيْشاً وَرَبَّهُأَمَامَكَ ربُّ؛ ربُّ ذا الجَيْش عَبْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وَاألْقَى الفَمَ الضَّحَّاكَ أَعْلَمُ أَنَّهُقَرِيْبٌ بِذِي الكَفّ المُفَدَّاة عَهْدُهُ

رب الجيش: الذي يملكه ويدبره.

فيقول مخاطبا لكافور: وما زال أهل الدهر الذين شهدتهم، وملوكه الذين قصدتهم، تتقارب عندي أمورهم، وتتماثل في نفسي أحوالهم، حتى بدوت لي، فعلمت أنك واحد الدهر، والمخصوص بين أهله بأعظم الفضل.

ثم قال: إنه كلما لقي في قصده نحو كافور جيشا كثير أهله، وأميرا رفيعا قدره، قيل له: أمامك من كافور مقصودك أمير، أمير هذا الجيش واحد من حشمه، وتابع من عبيده وخولة.

ثم قال: وألقى الفم الضحاك الذي أضحكه الجذل، وغلب صاحبه الفرح، فأعلم أن ذلك الفم قريب عهده بيد كافور، المفداة لكثرة ما يبذله، المعظمة لجلالة ما يفعله.

فَزَارَكَ مِنّي مَنْ إِلَيْكَ اشْتِياقُهُوفي النَّاسِ إِلاَّ فِيكَ وحدكَ زُهْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
يُخَلَّفُ مَنْ لم يَأْتِ دَارَكَ غايةًويَأْتي فيُدْرَى أَنَّ ذلكَ جَهْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فإِنْ نِلْتُ ما أَمَّلْتُ مِنْكَ فَرُبَّماشَرِبْتُ بِماءٍ يُعْجِزُ الطَّيْرَ وِرْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الزهد في الشيء: قلة الرغبة فيه، والورد: حلول المشرب.

فيقول لكافور: فزارك مني من لا يشتاق إلا إليك، ولا يحرص إلا عليك، ومن هو زاهد في الناس إلا فيك وحدك، ومعرض عنهم عندما تخيره من قصدك.

ثم قال مخاطبا لكافور: يخلف المتأخر عن إتيان دارك، واعتماد أرضك، غاية

مؤملة، وأمنية منتظرة، ويأتيك فيعلم أنه قد تمكن في السعد، وبلغ في نفسه غاية الجهد.

ثم قال: وإن نلت منك ما أملت، وأدركت ما حاولت، فكثيرا ما شربت بالمياه التي يعجز الطير ورودها، ولا تدركها بغاية جهدها. يريد أنه إذ ظفر من كافور ببغيته، فليس بستغرب ذلك مع نفاذه وقوته.

وَوَعْدُكَ فِعْلٌ قَبْلَ وَعْدٍ لأَنَّهُنَظِيرُ فَعَالِ الصَّادِقِ القَوْلِ وَعْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فَكُنْ في اصْطِنَاعِي مُحْسِناً كَمُجَرَّبٍيَبينْ لَكَ تَقْرِيبُ الجَوَادِ وَشَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
إِذا كُنْتَ في شَكًّ مِن السَّيْفِ فابْلُهُفَإِمَّا تُنَفَّيِه وإِمَّا تُعِدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وما الصَّارِمُ الهِنْدِيَّ إِلاَّ كَغَيْرِهِإِذا لَمْ يَفَارقْهُ النَّجادُ وغِمْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

التقريب: ضرب من الجري لا يستفرغ الجهد، وشد الفرس: استيفاء غاية الجري، وبلوت الشيء: إذا اختبرته، وتنفيته: إذا طرحته، والصارم: السيف القاطع، والنجاد: محملة.

فيقول لكافور: ووعدك أيها الرئيس يسابقه فعلك، ويتقدمه نجازك، وكذلك وعد من صدق قوله، وتيقن فضله، يقترن فعله به، ولا يتأخر إنجازه له.

ثم قال يخاطبه: فكن في اصطناعك لي، وما تصنعه من الجميل في، محسنا كمجرب، ومفضلا كمختبر، يتبين لك عفو شكري وجهده، وتقريب امتداحي وشده. وكنى بالجواد عن نفسه، وضرب بحاليه مثلا من جريه.

ثم قال: إذا كنت في شك من السيف وفعله، وصرامته في قطعه، فاختبره بتجربتك، واحمله على محنتك، فإما تنفيه وتطرحه؛ لنبو حده، وإما تعده وتعجب به، لما تشتهده من فعله.

ثم قال: وما السيف الهندي الصارم، والحسام النافذ القاطع، إلا كغيره من متأخر السيوف، إذا لم يفارق السيف غمده، ويشهد بصرامته فعله، لأن صور السيوف

متقاربة، وظواهرها متشابهة، وكذلك الرجال تكشف فضائلهم الخبرة، وتبين غناءهم التجربة.

وَإِنَّكَ لَلْمَشْكُورُ في كُلَّ حَالةٍولو لَمْ يَكُنْ إِلاَّ البَشَاشَةَ رِفْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
وكلُّ نَوَالٍ كانَ أَو هُو كائِنٌفَلَحْظَةُ طَرْفٍ مِنْكَ عِنْديّ ندُّهُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإِني لَفي بَحْرٍ مِنَ الخَيْرِ أَصْلُهُعَطَايَاكَ أَرجو مَدَّها وهي مَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

البشاشة: الترحيب، والرفد: العون بالعطاء، ومد البحر: زيادته وتكاثره.

فيقول لكافور: وإنك للجدير بالشكر، والمستحق لأكرم الذكر، ولو لم يكن عطاؤك إلا برك، ونوالك إلا ترحيبك وبشرك.

ثم قال: وكل نوال سبق قبلك، أو ما يمكن أن يكون بعدك، فلحظة طرف منك تفي بذلك وتعدله، وتزيد عليه وتفضله؛ لأن مشاهدتك أمان من الفقر، والنظر إليك استظهار على الدهر.

ثم قال: وإني لفي بحر من مواهبك، وغمرة من فواضلك، وعطاياك مرجوة لمد ذلك البحر، ومتابعة ذلك الفضل، وهي عند أتم ما يبلغه الرجاء من مواصلة ذلك المد، وارتهان أوفر الشكر والحمد. وكنى بالبحر ومده عن متابعة كافور عليه بفضله.

وما رَغْبَتي في عَسْجَدٍ أَسْتَفِيْدُهُولكِنَّها في مَفْخَرٍ أَسْتجِدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
يَجُودُ بِهِ مَنْ يَفْضَحُ الجُودَ جُودُهُويَحْمَدُهُ مَنْ يَفْضَحُ الحَمْدَ حَمْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فإِنَّكَ ما مَرَّ النُّحوسُ بِكَوْكَبٍوقابَلْتَهُ إِلاَّ ووجْهُكَ سَعْدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

العسجد: الذهب.

فيقول: وما رغبتي في وفر أدخره، ومال أكتسبه، ولكنها في كرامة أستجد فخرها، ورتبة من الشرف أخلد ذكرها.

ثم قال، وهو يشير إلى كافور: يجود لي بتلك الرتبة، ويخصني بتلك الرفعة، من

يفصح كل جود بعظم جوده، ويزيد على كل فضل بجلالة فضله، ويحمد ذلك مني من يفصح حمده حمد الحامدين، ويدني على من تقدم من الشاكرين.

ثم قال، وهو يخاطب كافورا: فإنك ما مرت النحوس بكوكب، ولا أحاطت به في موضع، وقابلته لوجهك، وأقبلت عليه بنفسك، إلا والإقبال ينهضه، والسعادة تكشفه؛ لأن النحوس قد رفعها الله بتمكن سعدك، وأنقذ منها ببركتك وإقبال جدك.

وشكى إليه إبراهيم بن عباس طول قيامه في مجلس كافور، فقال له ارتجالا:

يَقلُّ لَهُ القِيامُ على الرُّؤوسِوبذْلُ المُكْرَمَاتِ مِنَ النُّفُوسِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يقل له القيام على الرؤوس»
إِذا خَانَتْكَ في يَوْمٍ ضَحوكٍفَكَيْفَ تَكُونُ في يَوْمٍ عَبُوسِ؟

النفوس المكرمات: المعتمدات بالكرامة، والواحدة مكرمة، يقال: أكرمت النفس، فهي مكرمة، واليوم العبوس: الذي يكثر فيه لشدة أهواله.

فيقول لمخاطبه [يقل] أن يقام له على الرؤوس إعظاما لقدره، وأن توضع مواضع الأقدام اعترافا لشكره، وأن يبذل في طاعته من النفوس ما أكرم، ويمتهن له منها ما شرف وعظم.

ثم قال للذي خاطبه: إذا خانتك نفسك في قضاء حقه، ومعارضة فضله، فلم تسعدك على القيام له في يوم سرور وغبطة، وضحك وبهجة، فكيف تظنها في يوم حرب عبوس، يستكره مثله، شديدا لا يؤمن بأسه؟!

ودخل إليه بعد انتقاله من البركة إلى الدار الثانية، فقال، وأنشدها إياه في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.

أَحَقُّ دَارٍ بأَنْ تُدْعَى مُبارَكَةدَارٌ مباركَةُ المَلْكِ الذي فِيها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأَجْدَرُ الدُّورِ أَنْ تُسْقَى بِسَاكِنِهادَارٌ غدا النَّاسُ يَسْتَقُونَ أَهْليها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق دار بأن تسمى مباركة»

الملك: الملك، خففت الكسرة فيه من اللام، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا الموضع، فتقول في إبل إبل، وفي عضد عضد؛ لأنهم يستثقلون الكسر والضم فيصيرون فيها إلى التخفيف.

فيقول: أحق دار بأن يقضى لها بركة، ويقطع عليها بالسعادة، دار قد قصر الله البركة على الملك الساكن لها، وقضى بالسعادة على الرئيس المستقر بها.

ثم قال: وأجدر الدور بأن تسقيها السحاب بإقبال ساكنها، وتخضب ساحتها بيمن عامرها، دار غدا الناس يستسقون فضل من سكنها، ويعم جميعهم نعم من عمرها.

هذي مَنازِلُكَ الأُخْرَى يُهَنَّئُهافَمَنْ يَمُرُّ على الأُولى يُعَزَّيَها
إذا حَلَلْتَ مَكاناً بَعْدَ صاحِبِهِجَعَلْتَ فيهِ على ما قَبْلَهُ تِيْها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق دار بأن تسمى مباركة»

يقول: هذه الأخرى من منازلك، يشير إلى الدار التي انتقل عنها، يهنئها بتشرفها بك، وبما اخترته من الرفعة في اشتمالها عليك، فمن يمر على الدار التي أخليتها من نفسك، وأوحشتها إلى أنسك، يسليها عما عدمته، ويصبرها على ما فارقته وحرمته.

ثم قال: إذا حللت في مكان بعد آخر، ترحل عنه، وتطير إلى ذلك المكان، تنتقل منه، أظهرت فيه على المنازل التي فارقتها، وزهوا على الأماكن التي رحلت عنها وتركتها.

لا تٌنْكِرِ الحِسَّ مِنْ دَارٍ تَكُونُ بهافإِنَّ رِيْحَكَ رَوْحٌ في مَغَانِيْهَا
أَتَمَّ سَعْدَكَ مَنْ لَقَّاكَ أَوَّلَهُولا اسْتَرَدَّ حَياةً مِنْكَ مُعْطيها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق دار بأن تسمى مباركة»

الحس: الإدراك والمعرفة، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى.

فيقول لكافور: لا تنكرن ما ذكرته من حس الديار لحلولك وارتحالك، وقطونك وانتقالك، فعبق ريحك في تلك المواضع، وطيب نسميك في تلك المنازل، روح في مغانيها يكسبها الحس، وحياة لها تفيدها العلم، فهي تزهى وتسر بقربك، وتكتئب وتستوحش لبعدك.

ثم قال داعيا له: أتم الله لك السعد كما لقاك أوله، وتابعه لديك ووصل لك أكمله، ولا استرد حياتك كما أعطاها، ممتعا بمدتك، وأطال بقاءك متفضلا ببركتك.

وقاد إليه فرسا، فقال يمدحه، أنشده يوم الأحد، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة.

فِراقٌ وَمَنْ فارَقْتُ غَيْرُ مُذَمَّمِوأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وما مَنْزلُ اللَّذَّاتِ عِنْدي بِمَنْزِلٍإذا لَمْ أَبَجَّلْ عِنْدَهُ وأكَرَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
سَجِيَّةُ نَفْسٍ ما تَزالُ مُلِيْحَةًمِنَ الضَّيْمِ مَرْمِيًّا بها كُلُّ مَخْرَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

أممت الشيء ويممته: بمعنى قصدته، والتبخيل: التعظيم، والسجية: الخليقة، والمليح: المشفق الحذر، والضيم: الذل، والمخرم: منقطع أنف الجبل.

فيقول وهو يشير إلى مفارقته سيف الدولة، وقصده لكافور: فراق تكلفته، ومن فارقت من سيف الدولة محمود لا يذم، ومشكور لا ينكر فضله، وأم لكافور اخترته، وقصد إليه آثرته، ومن يممت أكرم ميمم، ومن أملت أفضل مرجو ومؤمل.

ثم قال: وما منزل اللذات والسعة، ومحل الرفاهية والدعة، عندي بمنزل يؤثر، ومحل يؤلف، إذا لم يتصل لي بذلك التبخيل والتكريم، والتوقير والتعظيم. يشير إلى أن سيف الدولة وإن كان خصه يسابغ فضله، فإنه لم يوفه حقيقة بره.

ثم قال: وتلك مني سجية نفس كريمة، أبية شريفة، لا تزال تأنف الضيم وتنكره، وترغب العز وتطلبه، متجشمة في ذلك البعيدة، مقتحمة على المخارم المنيعة.

رَحَلْتُ فَكَمْ بَاكٍ بِأَجْفَانِ شَادنٍعليَّ وكمْ باكٍ بأَجفَانِ ضَيْغَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وما رَبَّةُ القُرْطِ المَلِيْحِ مَكَانُهُبِأَجْزَعَ مِنْ رَيَّ الحُسَامِ المُصَمَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
فَلَوْ كَانَ ما بي مِنْ حَبِيْبٍ مُقَنَّعٍعَذَرْتُ ولكِنْ مِنْ حَبِيبٍ مُعَمَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

الشادن: ولد الظبية، والضيغم: الأسد، والحسام المصمم: القاضي فيما يضرب به، والقرط من الحلي: معروف.

فيقول: رحلت عن سيف الدولة، فكم فارقت من حبيب أشجيته، فبكى علي بأجفان شادن، يشير إلى من تخلفه بحلب من أهله، وكم خلفت من خليل أحزنته، فبكى

علي بأجفان أسد، يشير إلى سيف الدولة، وأنه أوجعه بفراقه، وأحزنه برحيله.

ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما ربة القرط من أهل الظاهرة الملح، البارعة الحسن، بأجزع علي مفارقتها لي من سيف الدولة؛ رب الحسام المصمم في قطعه، النافذ في كرامته وفعله.

ثم قال مشيرا إليه: فلو كان ما أشكوه من الأسف، وأظهره من الشوق والشغف، من حبيب مقنع، يحسن العشق بمثله، ولا يستنكر الشغف بشكله، عذرت نفسي في [ما] أظهره، وسقط اللوم عني فيما أذكره، ولكنه من حبيب معمم، خالص مودتي له كالشغف، وأسفي على مفارقتي له أشد الأسف. وأشار بما ذكره إلى سيف الدولة، وما هو عليه من الشكر له، وشدة الإعجاب به.

رَمَى واتَّقَى رَمْيِي ومِنْ ما اتَّقىهَوًى كاسِرٌ كَفَّي وقَوْسِي وأَسْهُمِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
إذا سَاَء فِعْلُ المَرْءِ سَاَءتْ ظُنُونُهُوصَدَّقَ ما يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وعادَى مُحِبَّبيهِ بِقَوْلِ عُداتِهِوأَصْبَحَ في لَيْلٍ مِنَ الشَّك مُظْلِمِ

يقول، وهو يشير إلى سيف الدولة: رماني بما أظهره من العقوق لي، واستجازه من التقصير بي، واتقى أن أرميه بالذم لفعله، وأجزيه على ذلك بمثله، ومن دون ما حذره واتقاه وتوقعه، هوى مني له صادق، وشكر متمكن خالص، يكسر القوس التي بها يكون الرمي، والكف التي يكون بها الفعل، والسهم الذي يطيش ويرسل، ويسير وينفذ. وكنى بالقوس والكف والسهم عن النية والقول والفعل.

ثم قال: إذا ساء فعل المرء فيما يقدمه، وسبق منه المكروه فيما يتقلده، ساءت ظنونه في مقارضته على فعله، ومجازاته على الظلم بمثله، وصدق في ذلك ما يعن له من الأوهام الخاطرة، والظنون السيئة العارضة. وهذا مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع.

[ثم قال]: من تقدم بقبيح الفعل، وأكسبه ذلك سوء الظن، عادى من يحبه بقول من

يبغضه، وتنكر لمن يوده بنمائم من يكرهه، وأصبح من الشك في ليل مظلم، ومن التوقع في أمر مؤلم.

أصادِقُ نَفْسَ المَرْءِ منْ قَبْلِ جِسْمِهِوأَعْرِفُها في فِعْلِهِ والتَّكَلُّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وأَحْلُمُ عَنْ خِلَّي وأَعْلَمُ أَنهُمَتَى أَجْزِهِ حِلْماً على الجَهْلِ يَنْدَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
فَإِنْ بَذَلَ الإنسانُ لِي جُودَ عابِسٍجَزَيْتُ بِجِودِ التّاركِ المُتَبَسَّمِ

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.