١أَوَدُّ مِنَ الأَيّامِ مالا تَوَدُّهُ
وَأَشكو إِلَيها بَينَنا وَهيَ جُندُهُ
الواحدي: يقول أحب من الأيام الإنصاف والجمع بيني وبين أحبتي وذلك مالا توده الأيام وأشكو إليها الفراق والأيام جند للفراق لأنها سبب البعد والتفريق وقوله بيننا إنتصابه بالشكو لا بالظرف ويرد بالبين الفراق والهاء في جنده للبين أي الزمان هو الذي حتم البين فإذا شكوت إليه لم يشكني
٢يُباعِدنَ حِبّاً يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُ
فَكَيفَ بِحِبٍّ يَجتَمِعنَ وَصَدُّهُ
الواحدي: يباعدن معناه يبعدن ووصله وصده معطوفان على الضمير في يجتمعن من غير أن أتى بتوكيد وهو جائز في الضرورة وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد لأنهما يكونان فيها والظرف يتضمن الفعل وإذا تضمنه فقد لابسه فكأنه اجتمع معه يقول إذا كانت الأيام يبعدن منا الحبيب المواصل لنا فكيف يقربن الحبيب المقاطع المهاجر لنا والمعنى أن الأيام يبعدن عنا حبيبا ووصله موجود فكيف الطمع في حبيب صده موجود
٣أَبى خُلُقُ الدُنيا حَبيباً تُديمُهُ
فَما طَلَبي مِنها حَبيباً تَرُدُّهُ
الواحدي: قوله تديمه من فعل الدنيا وكذلك ترده أي تدفعه ويجوز أن يريد ترده إلى الوصل يقول حبيب تديمه الدنيا لنا قد أبت ذلك أي تأبى أن تديم لنا حبيبا على الوصال فكيف إذ أطلب منها حبيبا تمنعه عن وصالنا أو كيف أطلب منها أن ترده إلى الوصل بعد أن أعرض وهجر
٤وَأَسرَعُ مَفعولٍ فَعَلتَ تَغَيُّراً
تَكَلُّفُ شَيءٍ في طِباعِكَ ضِدُّهُ
الواحدي: يقول أن الدنيا لو ساعدتنا بقرب أحبتنا لما دام لنا ذلك لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئا وهو ضد طباعه فيدعه عن قريب ويعود إلى طبعه كما قال حاتم، ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه، يدعه وتغلبه عليه إليه الرواجع، ومثله قول الأعور الشني، ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه، يدعه وتغلبه عليه الطبائع، وأدوم أخلاق الفتى ما نشأ به، وأقصر أفعال الرجال البدائع، ومثله قول إبراهيم المهدي، من تحلى شيمة ليست له، فارقته وأقامت شيمه، ومثله، يا أيها المتحلي غير شيمته، إن التخلق يأتي دونه الخلق،
٥رَعى اللَهُ عيساً فارَقَتنا وَفَوقَها
مَهاً كُلُّها يولى بِجَفنَيهِ خَدُّهُ
الواحدي: يدعو الإبل التي حملت النسوة فذهبت بهن وهو قوله وفوقها مها ثم ذكر أنهن يبكين لأجل الفراق فقال كلها يولى أي يمطر خده بجفنيه من الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي جعل بكاءهن كالمطر من جفونهن
٦بِوادٍ بِهِ ما بِالقُلوبِ كَأَنَّهُ
وَقَد رَحَلوا جيدٌ تَناثَرَ عِقدُهُ
الواحدي: أي فارقتنا بواد به من الوجد والوحشة لفراقهم ما بالقلوب أي استوحش وتغير لارتحالهم فصار كأنه جيد تناثر عقده يعني أن الوادي كان متزينا بهم فلما ارتحلوا تعطل من الزينة
العكبري: الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق الْمَعْنى يُرِيد ان الوادى كَانَ متزينا بهم فَلَمَّا ارتحلوا عَنهُ تعطل كالعنق إِذا سقط عَنهُ العقد وهى القلادة من الْجَوْهَر قَالَ أَبُو الْفَتْح بقى الوادى مستوحشا لرحيلهم عَنهُ كالجيد إِذا سقط عقده وَبِه مَا بالقلوب أى قد قَتله الوجد لفقدهم قَالَ وَيجوز أَن يكون شبه تفرق الحمول والظعن يدر تناثر فَتفرق وَنقل الواحدى قَوْله الأول حرفا فحرفا وَنقل ابْن القطاع قَوْله الثانى حرفا فحرفا وَزَاد فِيهِ يصف زهو الوادى وَحسنه فتعوض بالعطل من الحلى
٧إِذا سارَتِ الأَحداجُ فَوقَ نَباتِهِ
تَفاوَحَ مِسكُ الغانِياتِ وَرَندُهُ
الواحدي: الرند شجر طيب الريح يقال أنه الآس يقول مراكب هذه النسوة إذا سارت فوق نبات الوادي وهو رند وهن قد استعملن المسك وتطيبن به اختلطت رائحة المسك برائحة الرند وذلك هو التفاوح
العكبري: الْغَرِيب الأحداج جمع حدج وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة حدوج وَهُوَ مركب النِّسَاء مثل المحفة وحدجت الْبَعِير أحدجه بِالْكَسْرِ حدجا إِذا شددت عَلَيْهِ الحدج وَأنْشد الْأَعْشَى (أَلا قُلْ لَمْيثاءَ مَا بالُها ... ألِلْبَيْنِ تُحْدَجُ أجْمالُهَا) وتفاوح تفَاعل من فاح يفوح وهى لَفْظَة فصيحة حَسَنَة والغانيات جمع غانية وهى الْمَرْأَة الَّتِى غنيت بجمالها وَقيل بزوجها والرند نبت طيب الرَّائِحَة يُقَال إِنَّه الآس الْمَعْنى يَقُول لما سَارَتْ الأجمال المحدجة فَوق الرند والغانيات قد تطيبن بالمسك اخْتلطت الريحان ففاحت فعبق الوادى بِالرِّيحِ الطّيبَة قَالَ أَبُو الْفَتْح قَالَ لى المتنبى لما قلت هَذِه القصيدة وَقلت تفاوح أَخذ شعراء مصر هَذِه اللَّفْظَة فتداولوها بَينهم قَالَ أَبُو الْفَتْح وهى لَفْظَة فصيحة مستعملة سَأَلت شيخى أَبَا الْحرم مكى بن رَيَّان الماكسينى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ الدِّيوَان سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة مَا بَال شعر المتنبى فى كافور أَجود من شعره فى عضد الدولة وأبى الْفضل ابْن العميد فَقَالَ كَانَ المتنبى يعْمل الشّعْر للنَّاس لَا للممدوح وَكَانَ أَبُو الْفضل ابْن العميد وعضد الدولة فى بِلَاد خَالِيَة من الْفُضَلَاء وَكَانَ بِمصْر جمَاعَة من الْفُضَلَاء وَالشعرَاء فَكَانَ يعْمل الشّعْر لأجلهم وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْد سيف الدولة بن حمدَان جمَاعَة من الْفُضَلَاء والأدباء فَكَانَ يعْمل الشّعْر لأجلهم وَلَا يبالى بالممدوح وَالدَّلِيل على هَذَا مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح عَنهُ فى قَوْله (تفاوَح ... ) لِأَنَّهُ لما قَالَهَا أنكرها عَلَيْهِ قوم حَتَّى حققوها فَدلَّ أَنه كَانَ يعْمل // الشّعْر الْجيد // لمن يكون بِالْمَكَانِ من الْفُضَلَاء
٨وَحالٍ كَإِحداهُنَّ رُمتُ بُلوغَها
وَمِن دونِها غَولُ الطَريقِ وَبُعدُهُ
الواحدي: يقول رب حال هي في الصعوبة والامتناع كإحدى هؤلاء النسوة في تعذر الوصول إليها طلبت أن أبلغها وقبل الوصول غليها بعد الطريق وما فيه من مهالك يعني أنه يطلب أحوالا عظيمة وغول الطريق ما يغول سالكه من تعبه ومشقته
العكبري: الْإِعْرَاب أى وَرب حَال قَالَ أَصْحَابنَا وَاو رب تعْمل فى النكرَة الْخَفْض بِنَفسِهَا وَإِلَيْهِ ذهب الْمبرد وَقَالَ البصريون الْعَمَل لرب مقدرَة وَحجَّتنَا أَنَّهَا نائبة عَنْهَا فَلَمَّا نابت عملت الْخَفْض بِنَفسِهَا وَكَانَت كواو الْقسم لِأَنَّهَا نابت عَن الْبَاء وَيدل على أَنَّهَا لَيست عاطفة أَن حرف الْعَطف لَا يجوز الِابْتِدَاء بِهِ وَنحن نرى الشَّاعِر يَبْتَدِئ بِالْوَاو فى أول القصيدة كَقَوْلِه (وبلدةٍ ليسَ بهَا أنِيسُ ... ) وَمثله كثير يدل على أَنَّهَا لَيست عاطفة وَحجَّة الْبَصرِيين على أَن الْوَاو وَاو عطف وحرف الْعَطف لَا يعْمل شَيْئا لِأَن الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وحرف الْعَطف غير مُخْتَصّ فَوَجَبَ أَن لَا يكون عَاملا وَإِذا لم يكن عَاملا وَجب أَن الْعَامِل رب مقدرَة وَيدل على أَن رب مضمرة أَنه يجوز ظُهُورهَا مَعهَا نَحْو وَرب بَلْدَة الْغَرِيب غول الطَّرِيق مَا يغول سالكه من تَعبه أى يهلكه الْمَعْنى يَقُول رب حَال فى الصعوبة كإحدى هَؤُلَاءِ النسْوَة فى بعد الْوُصُول إِلَيْهَا من دونهَا بعد الطَّرِيق وتعبه وَمَا فِيهِ من المهالك يُرِيد أَنه يطْلب أحوالا عَظِيمَة لَا يقدر على الْوُصُول إِلَيْهَا كَمَا أَنه لَا يقدر على الْوُصُول إِلَى إِحْدَى هَؤُلَاءِ الغانيات قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيجوز أَن تكون الْحَال حَسَنَة كإحدى هَؤُلَاءِ الغوانى فى الْحسن
٩وَأَتعَبُ خَلقِ اللَهِ مَن زادَ هَمُّهُ
وَقَصَّرَ عَمّا تَشتَهي النَفسُ وُجدُهُ
الواحدي: هذا مثل ضربه لنفسه كأنه يقول أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به وهذا مأخوذ مما في الحديث أن بعض العقلاء سئل عن أسوء الناس حالا فقال من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته وقد قال الخليل أبن أحمد، رزقت لبا ولم أرزق مروته، وما المروة إلا كثرة المال، إذا أردت مساماة تقاعدي، عما ينوه باسمى رقة الحال،
العكبري: الْغَرِيب الوجد السعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿من حَيْثُ سكنتم من وجدكم﴾ الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ كَأَنَّهُ يَقُول أَنا أتعب خلق الله لزِيَادَة همتى وقصور طاقتى من العى عَن مبلغ مَا أهم بِهِ وَهَذَا مَأْخُوذ مِمَّا فى الحَدِيث " إِن بعض الْعُقَلَاء سُئِلَ عَن أَسْوَأ النَّاس حَالا فَقَالَ من قويت شَهْوَته وبعدت همته واتسعت مَعْرفَته وَضَاقَتْ مقدرته " وَقد قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد (رُزِقْتُ لُباًّ وَلم أُرْزَقْ مروءته ... وَمَا المروء إِلَّا كَثْرَة المَال ... ) إِذا أردْت مساماة تَقاعَدُ بِى ... عَمَّا يُنَوِّهُ باسمِى رِقَّةُ الحالِ) وأصل هَذَا كُله من قَول الْحَكِيم أتعب النَّاس من قصرت مقدرته واتسعت مروءته
١٠فَلا يَنحَلِل في المَجدِ مالُكَ كُلُّهُ
فَيَنحَلَّ مَجدٌ كانَ بِالمالِ عَقدُهُ
الواحدي: هذا نهي عن تبذير المال والاسراف في إنفاقه يقول لا يذهبن مالك كله في طلب المجد لأن من المجد مالا يعقد إلا بالمال فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان يعقد بالمال ألا ترى إلى قول عبد الله بن معاوية، أرى نفسي تتوق إلى أمور، يقصر دون مبلغهن مالي، فلا نفسي تطاوعني ببخل، ولا مالي يبلغني فعالي، يتأسف على قصور ماله عن مبلغ مراده وأبو الطيب يقول ينبغي أن تقتصد في العطاء وتدخر المال لتطيعك الرجال فتنال العلى وتصل إلى الشرف ثم ضرب لهذا مثلا فقال
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَا تسرف فى الْعَطِيَّة فالإسراف غير مَحْمُود وَلَا تذْهب مَالك كُله فى طلب الْمجد والرياسة لِأَن الْمجد لَا يعْقد إِلَّا بِالْمَالِ فَإِذا ذهب المَال انحل ذَلِك العقد الذى كَانَ يعْقد بِالْمَالِ أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر عبد الله بن مُعَاوِيَة (أرَى نفسِى إِلَى أُمورٍ ... يٌ قصِّرُ دُون مَبلغهنّ مالى) (فَلَا نَفْسِى تُطاوِعنى لبُخْلٍ ... وَلا مالى يبلِّغُنِى فَعالى) يتأسف على قُصُور مَاله عَن مبلغ مُرَاده وَأَبُو الطّيب يَقُول ينبغى أَن تقصد فى الْعَطاء وتدخر الْأَمْوَال لتعطيك الرِّجَال فتنال الْعلَا وَتصل إِلَى الشّرف وَضرب لَهُ مثلا فَقَالَ
١١وَدَبِّرهُ تَدبيرَ الَّذي المَجدُ كَفُّهُ
إِذا حارَبَ الأَعداءَ وَالمالُ زَندُهُ
الواحدي: يقول دبر مالك تدبير المحارب الذي لا يقدر على الضرب إلا باجتماع الزند والكف جعل الكف مثلا للمجد والزند مثلا للمال فكما لا يحصل الضرب إلا باجتماع الزند والكف كذلك لا يحصل الكرم والعلو إلا باجتماع المال يريد أنهما قرينان
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد لَا يقوم الْكَفّ إِلَّا بالزند وَكَذَا الْأَعْدَاء لَا تبيدهم إِلَّا بِالْمَالِ فَجعل الْكَفّ مثلا للمجد والزند مثلا لِلْمَالِ فَكَمَا لَا يحصل الضَّرْب إِلَّا باجتماع الْكَفّ والزند كَذَلِك لَا يحصل الْعُلُوّ وَالْكَرم إِلَّا باجتماع المَال وَالْمجد فهما قرينان وَقد بَينه فِيمَا بعده
١٢فَلا مَجدَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مالُهُ
وَلا مالَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مَجدُهُ
الواحدي: أي الفقير الذي لا مال له لا يبلغ الشرف والذي لا مجد له كأنه ليس له مال وأن كان مثريا لأنه إذا لم يطلب بماله المجد فكأنه لا مال له لمساواته الفقير
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَن صَاحب المَال بِلَا مجد فَقير وَصَاحب الْمجد بِلَا مَال مُتَوَجّه عَلَيْهِ زَوَال مجده لعدم المَال وَيُرِيد أَن صَاحب المَال إِذا لم يطْلب الْمجد بِمَالِه فَكَأَنَّهُ لَا مَال لَهُ لمساواته الْفَقِير وَهَذَا كُله من قَول الْحَكِيم أعظم النَّاس محنة من قل مَاله وَعظم مجده وَلَا مَال لمن كثر مَاله وَقل مجده
١٣وَفي الناسِ مَن يَرضى بِمَيسورِ عَيشِهِ
وَمَركوبُهُ رِجلاهُ وَالثَوبُ جِلدُهُ
الواحدي: يقول في الناس من هو دني الهمة يرضى بما تيسر له من العيش ولا يطلب ما وراءه يمشي راجلا عاريا
١٤وَلَكِنَّ قَلباً بَينَ جَنبَيَّ مالَهُ
مَدىً يَنتَهي بي في مُرادٍ أَحُدُّهُ
الواحدي: يقول لكن لي قلبا ليس له غاية ينتهي بي إلى تلك الغاية في مطلوب أجعل له حدا يعني إذا جعلت حدا لمطلوبي لم يرض قلبي بذلك فطلب ما وراءه
١٥يَرى جِسمَهُ يُكسى شُفوفاً تَرُبُّهُ
فَيَختارُ أَن يُكسى دُروعاً تَهُدُّهُ
الواحدي: هذا القلب الذي لي يرى جسمه يكسى ثيابا رقيقة بلينها ونعمتها فيأبى ذلك ويريد أن يكسى دروعا تكسره بثقلها يعني لا يرضى قلبي بأن أتنعم بالثياب الرقيقة ويريدني على طلب المعالي بلبس الدروع
١٦يُكَلِّفُني التَهجيرَ في كُلِّ مَهمَهٍ
عَليقي مَراعيهِ وَزادِيَ رُبدُهُ
الواحدي: يقول قلبي يكلفني السير في الهواجر في كل فلاة بعيدة لا عليق لفرسي منها إلا أن يرتعي في مراعيها ولا زاد لي فيها إلا النعام الربد وهي السود أصيدها فآكلها
العكبري: الْغَرِيب التهجير السّير فى كل الهواجر والمهمه الفلاة الواسعة من الأَرْض والربد النعام الذى خالط سوادها بَيَاض الْمَعْنى يَقُول قلبى يكلفنى السّير فى كل هاجرة فى كل فلاة بعيدَة لَا لفرسى عليق إِلَّا نبتها وَلَا لى زَاد بهَا إِلَّا النعام أصيدها فآكلها
١٧وَأَمضى سِلاحٍ قَلَّدَ المَرءُ نَفسَهُ
رَجاءُ أَبي المِسكِ الكَريمِ وَقَصدُهُ
الواحدي: يقول رجائي أب المسك وقصدي إياه أمضى سلاح أتقلده على الحوادث والنوائب يعني إنهما يدفعان عني ما أخافه
العكبري: الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح رجاؤه وقصده عشيرة من لَا عشيرة لَهُ وَقَالَ الواحدى رَجَاء أَبى الْمسك وقصدى إِيَّاه أمضى سلَاح أتقلده على الْحَوَادِث والنوائب يُرِيد أَنَّهُمَا يدفعان مَا أخافه وَهُوَ أحسن من قَول أَبى الْفَتْح وَهُوَ المخلص من أحسن المخالص
١٨هُما ناصِرا مَن خانَهُ كُلُّ ناصِرٍ
وَأُسرَةُ مَن لَم يُكثِرِ النَسلَ جَدُّهُ
الواحدي: يقول هما ينصران على الزمان من لا ناصر له ومن ليست له عشيرة يعز بهم فيكونان له بمنزلة الأسرة والعشيرة
١٩أَنا اليَومَ مِن غِلمانِهِ في عَشيرَةٍ
لَنا والِدٌ مِنهُ يُفَدّيهِ وُلدُهُ
الواحدي: الولد يكون واحدا وجمعا يذكر أنه وهب له غلمانا وأنه منهم في عشيرة لأنه إذا ركب ركبوا معه وأطافوا به فكأنهم عشائره وأقاربه ثم قال لنا والد منه أي هو لنا كالوالد ونحن له كالأولاد البررة نقول له نفديك بأنفسنا
٢٠فَمَن مالِهِ مالُ الكَبيرِ وَنَفسُهُ
وَمَن مالِهِ دَرُّ الصَغيرِ وَمَهدُهُ
الواحدي: يعني أنه عم الكبير والصغير ببره فالذي يملكه مما وهبه له ونفسه أيضا من ماله لأنه غذى بإنعامه واللبن الذي يرتضعه الصغير وموضعه الذي هيىء لنومه من ماله أيضا لأنه ملك له الأمر والتصرف في كل شيء
العكبري: الْغَرِيب الدّرّ اللَّبن يُقَال در الضَّرع بِاللَّبنِ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه قد عَم بِمَالِه الصَّغِير وَالْكَبِير فالذى يملكهُ هُوَ مِمَّا وهبه لَهُ والذى يرضعه الصَّغِير والذى يمهد لَهُ للنوم وَهُوَ سَرِير ينَام فِيهِ الصبى يمهد لَهُ بفرش وَهُوَ المهد هُوَ أَيْضا من مَاله لِأَنَّهُ ملك لَهُ الشّرف وَالعطَاء وَالْفضل فى كل شئ قَالَ أَبُو الْفَتْح يهب للنَّاس أنفسهم كَمَا يهب لَهُم المَال لِأَنَّهُ مَالك الْجَمِيع كَبِيرهمْ وصغيرهم
٢١نَجُرُّ القَنا الخَطِيَّ حَولَ قِبابِهِ
وَتَردي بِنا قُبُّ الرِباطِ وَجُردُهُ
الواحدي: أي نخدمه أينما نزل ونصبت قبابه وتعدو بنا في صحبته ضوامر الخيل وجردها والرباط اسم لجملة الخيل
العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله وجرده وحد الضَّمِير وَلم يقل وجردها لِأَن الرِّبَاط اسْم وَاحِد غير متكثر بِمَنْزِلَة الْقَوْم والرهط الْغَرِيب الخطى مَنْسُوب إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ خطّ هجر لِأَن الرماح تقوم فِيهِ والرباط اسْم لجَماعَة الْخَيل وَيُقَال الرِّبَاط الْخَيل الْخمس فَمَا فَوْقهَا قَالَ الشَّاعِر الْعَدْوى بشير بن أَبى حمام العبسى (وإنَّ الرّباطَ النُّكْد من آل داحس ... أبَيْنَ فَمَا يُفْلِحْنَ يَوْمَ رِهانٍ) وتردى الرديان وَهُوَ ضرب من الْعَدو الْمَعْنى يَقُول نَحن فى خدمته أَيْن نزل وَأَيْنَ ضرب قبابه تعدو بِنَا الْخَيل فى صحبته القب والضوامر
٢٢وَنَمتَحِنُ النُشّابَ في كُلِّ وابِلٍ
دَوِيُّ القِسِيِّ الفارِسِيَّةِ رَعدُهُ
الواحدي: أراد بالوابل السهام التي يرمونها لكثرتها شبهها بالوابل من المطر وأراد بدوي القسي صوتها ولما استعار للسهام اسم الوابل جعل صوت القسي رعدا لذلك الوابل يقول نتناضل ونترامى بالسهام والقسي كعادة الفرسان والشبان من أهل الحروب
العكبري: الْغَرِيب نمتحن أى نختبر وامتحنت الْبِئْر إِذا أخرجت مَا فِيهَا من التُّرَاب والطين والقسى الفارسية يُرِيد المنسوبة إِلَى فَارس يُرِيد صَنْعَة الْعَجم الْمَعْنى لما جعل السِّهَام وابلا اسْتعَار لَهَا رعدا وَشبههَا بالوابل لكثرتها وبدوى الرَّعْد لِكَثْرَة أصواتها يَقُول نَحن نتناضل بالقسى ونترامى بِالسِّهَامِ فهم يتلاعبون بالأسلحة كعادة الفرسان فى الْحَرْب
٢٣فَإِلّا تَكُن مِصرُ الشَرى أَو عَرينُهُ
فَإِنَّ الَّذي فيها مِنَ الناسِ أُسدُهُ
الواحدي: روى أبن جنى فإن التي قال لأنه أراد الفئة والجماعة والشرى موضع كثير الأسد والعرين الأجمة يقول أن لم يكن مصر هذا الموضع الذي هو مأسدة، ولا عرين هذا الموضع فإن أهلها من الناس أسود الشرى
العكبري: الْإِعْرَاب الشرى أَو عرينه الشرى فى مَوضِع نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ أَو عرينه عطف عَلَيْهِ وروى أَبُو الْفَتْح (فَإِن الَّتِى فِيهَا ... ) أنث لإِرَادَة الْجَمَاعَة والفئة الْغَرِيب الشرى الْموضع الْكثير الْأسد وَقَالَ الجوهرى أَصله طَرِيق فى سلمى كثير الْأسد والعرين الأجمة الْمَعْنى يَقُول إِن لم تكن مصر هَذَا الْموضع الْكثير الْأسد وَلَا مَوَاضِع الْأسد فَإِن أَهلهَا من النَّاس أسود الشرى وَيجوز على رِوَايَة ابْن جنى إِرَادَة التَّأْنِيث لِأَن الْأسود مُؤَنّثَة فأنث الْمَوْصُول
٢٤سَبائِكُ كافورٍ وَعِقيانُهُ الَّذي
بِصُمِّ القَنا لا بِالأَصابِعِ نَقدُهُ
الواحدي: هذا تفسير لقوله فإن الذي فيها من الناس أسده سبائك كافور أي هم سبائك كافور وعقيانه والسبائك جمع سبيكة وهي المذاب من الذهب والفضة على معنى أنهم له بمنزلة الذخائر والأموال لغيره من الملوك لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل غيره بالمال وكلن نقد هذه السبائك لا يكون بالأنامل إنما يكون بالرماح أي يستعملون الرماح فيتبين المطعان ومن يصلح للحرب ممن لا يصلح لها
٢٥بَلاها حَوالَيهِ العَدُوُّ وَغَيرُهُ
وَجَرَّبَها هَزلُ الطِرادِ وَجِدُّهُ
الواحدي: أي اختبرها الأعداء في المحاربة حوالي كافور أي حاربوا أعداءه وشهدوا معه المعارك فصاروا مجربين بكثرة القتال وهزل الطراد وهو أن يطارد بعضهم بعضا وجده وهو أن يطاردوا الأعداء في القتال
العكبري: الْغَرِيب بلاها اختبرها وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم﴾ الْآيَة الْمَعْنى يَقُول اختبرها الْعَدو حوالى كافور لِكَثْرَة مَا حَاربُوا أعداءه مَعَه وشهدوا مَعَه المعارك فصاروا مجربين بِكَثْرَة الْقِتَال وَيُرِيد بهزل الطراد أَنهم يطارد بَعضهم بَعْضًا ملاعبة وجده مطاعنة الْأَعْدَاء فى الْحَرْب
٢٦أَبو المِسكِ لا يَفنى بِذَنبِكَ عَفوُهُ
وَلَكِنَّهُ يَفنى بِعُذرِكَ حِقدُهُ
الواحدي: يريد أنه كثير العفو وأن عفوه أكثر من ذنب المذنبين وأنه ليس بحقود وإذا اعتذر إليه الجاني ذهب حقده
العكبري: الْمَعْنى أَبُو الْمسك كنية كافور يَقُول عَفوه أَكثر من ذَنْب الجانى وَأَنه كثير الْعَفو وَأَنه لَيْسَ بحقود فَإِذا اعتذر إِلَيْهِ الجانى ذهب حقده وَهَذَا // معنى حسن جدا //
٢٧فَيا أَيُّها المَنصورُ بِالجَدِّ سَعيُهُ
وَيا أَيُّها المَنصورُ بِالسَعيِ جَدُّهُ
الواحدي: يريد أن النصرة والسعادة قد اجتمعتا له وإذا سعى في أمر نصر سعيه بالجد فيصير مجدودا في ذلك السعي وجده أيضا منصور بسعيه لأنه لا يعتمد على الجد في الأمور بل يسعى فيها وأن كان مجدودا والجد والسعي إذا اجتمعا لإنسان بلغ أقصى المبالغ
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا سعى نصر سَعْيه بالجد لِأَن الله ينصره وجده أَيْضا مَنْصُور بسعيه وسعيه سَعَادَة لجده وَزِيَادَة فى قدره وَالْمعْنَى أَن النَّصْر والسعادة قد اجْتمعَا لَهُ وَالْجد والسعى إِذا اجْتمعَا لإِنْسَان نَالَ مَا يُرِيد من المطلوبات
٢٨تَوَلّى الصِبا عَنّي فَأَخلَفتُ طيبَهُ
وَما ضَرَّني لَمّا رَأَيتُكَ فَقدُهُ
الواحدي: أي اعطيتني الخلف من طيب الصبي والمعنى أني سررت بك سروري بالشباب حتى لم يضرني فقد الشباب مع رؤيتك
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لما شبت وَذهب عَنى الشَّبَاب أعطيتنى الْخلف من الصِّبَا يُرِيد أَنى فرحت بك فَرح الشَّبَاب فَلم يضرنى فقد الشَّبَاب مَعَ رؤيتك وَكذب فِيمَا قَالَ لِأَن كافورا لَا صُورَة لَهُ وَلَا معنى بل كَانَ من أقبح صور السودَان
٢٩لَقَد شَبَّ في هَذا الزَمانِ كُهولُهُ
لَدَيكَ وَشابَت عِندَ غَيرِكَ مُردُهُ
الواحدي: هذا تأكيد لما ذكره يريد أن الكهول في حسن سيرتك وعدلك صاروا شبابا والأحداث عند غيرك صاروا شيبا بظلمه وسوء سيرته
٣٠أَلا لَيتَ يَومَ السَيرِ يُخبِرُ حَرُّهُ
فَتَسأَلَهُ وَاللَيلَ يُخبِرُ بَردُهُ
الواحدي: يذكر أنه قاسى في الطريق إليه حر النهار وبرد الليل يقول ليتهما يخبران فتسألهما عما قاسيت
العكبري: الْإِعْرَاب اللَّيْل عطف على اسْم لَيْت وَقَوله (فتسأله ... ) نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب التمنى وَمثله فى الْمَعْنى قِرَاءَة حَفْص عَن عَاصِم (لعلى أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع ... ) لما كَانَ فى لَعَلَّ معنى التمنى الْمَعْنى أَنه يُرِيد شدَّة مَا لقى فى طَرِيقه إِلَيْهِ من حر النَّهَار وَبرد اللَّيْل وَهَذَا يكون فى أَوَاخِر أَيَّام الصَّيف وَأول الخريف لِأَن النَّهَار يكون كربا وَاللَّيْل بَارِدًا وَمَا أحسن مَا جمع بَعضهم الْفُصُول الْأَرْبَعَة فَقَالَ (إِذا كانَ يُؤْذيكَ حضرُّ المَصيفِ ... وكَرْبُ الخَرِيفِ وبَرْدُ الشِّتا) (ويُلْهِيكَ حُسْنُ زَمانِ الرَّبيعِ ... ففعلُك للخير قُلْ لى مَتى)
٣١وَلَيتَكَ تَرعاني وَحَيرانُ مُعرِضٌ
فَتَعلَمَ أَنّي مِن حُسامِكَ حَدُّهُ
الواحدي: ترعاني ليس من رعاية الحفظ إنما هو بمعنى تراني وترقبني وحيران اسم ماء ومعرض ظاهر يقال اعرض الشيء إذا بدا للناظر ومنه، وأعرضت اليمامة واشمخرت، كأسياف بأيدي مصلتينا، يقول ليتك كنت تراني وأنا بهذا الماء فترى جلدي وانكماشي فتعلم أني ماض في الأمور مضاء حد حسامك
العكبري: الْغَرِيب ترعانى لَيْسَ هُوَ من رِعَايَة الْحِفْظ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى ترانى وتراقبنى وحيران مَاء بِالشَّام بِالْقربِ من سلمية على يَوْم مِنْهَا ومعرض ظَاهر يُقَال أعرض الشئ إِذا بدا للنَّاظِر وَمِنْه قَوْله (وأعْرَضَتِ اليمامَة واشْمَخَرَّتُ ... ) الْمَعْنى يَقُول ليتك ترعانى وَأَنا على هَذَا المَاء فَكنت ترى انكماشى فتعلم أَنى مَاض فى الْأُمُور كمضاء السَّيْف
٣٢وَأَنّي إِذا باشَرتُ أَمراً أُريدُهُ
تَدانَت أَقاصيهِ وَهانَ أَشَدُّهُ
العكبري: الْغَرِيب أقاصيه أباعده وأشده أصعبه الْمَعْنى يُرِيد إِذا طلبت أمرا سهل على أصعبه وَهَان شديده لعزمى وَقُوَّة همتى يصف نَفسه بِالْجلدِ والشجاعة
٣٣وَما زالَ أَهلُ الدَهرِ يَشتَبِهونَ لي
إِلَيكَ فَلَمّا لُحتَ لي لاحَ فَردُهُ
الواحدي: أي مازال أهل الدهر متساوين متشاكلين في مسيري إليك فلما ظهرت لي ظهر الفرد الذي لا مشاكل له وهذا كقوله، الناس ما لم يروك أشباه، ومعنى قوله إليك أي قاصدا إليك وسائرا إليك فهو من صلة الحال المحذوفة
العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله لى يتَعَلَّق بيشتبهون وَإِلَيْك يتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَهُوَ حَال وَالتَّقْدِير سائرا إِلَيْك وقاصدا إِلَيْك الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ أهل الدَّهْر يتشاكلون ويتساوون فى مسيرى إِلَيْك فَلَمَّا ظَهرت لى ظهر الْفَرد الذى لَا يشاكله أحد مِنْهُم وَهَذَا كَقَوْلِه (النَّاسُ مَا لم يَرَوك أشْباهُ ... والدَّهْرُ لَفْظٌ وأنْتَ مَعْناهُ) قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا فى غَايَة الْحسن فى الْمَدْح وَلَو أَرَادَ مُرِيد أَن يَنْقُلهُ هجو الْأَمْكِنَة لَوْلَا تَقْدِيم الْمَدْح فِيهِ
٣٤يُقالُ إِذا أَبصَرتُ جَيشاً وَرَبُّهُ
أَمامَكَ رَبٌّ رَبُّ ذا الجَيشِ عَبدُهُ
الواحدي: هذا تفسير للذي قبله أي إذا رأيت جيشا وملكه فاستعظمته قيل لي أمامك ملك هذا الذي تراه عبده فالذين رآهم هم الذين اشتبهوا له والذي قيل له رب ذا الجيش عبده هو الفرد الذي لاح
العكبري: الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا تَفْسِير لما قبله يَقُول إِذا رَأَيْت جَيْشًا وَملكه فاستعظمته قيل أمامك أى قدامك ملك هَذَا الذى ترَاهُ عَبده فَكيف هُوَ فَالَّذِينَ رَآهُمْ هم الَّذين اشتبهوا لَهُ والذى قيل لَهُ رب هَذَا الْجَيْش عَبده هُوَ الْفَرد الذى لَاحَ لَهُ
٣٥وَأَلقى الفَمَ الضَحّاكَ أَعلَمُ أَنَّهُ
قَريبٌ بِذي الكَفِّ المُفَدّاةِ عَهدُهُ
الواحدي: أي إذا لقيت إنسانا ضاحكا علمت قرب عهده بكفك وأخذه عطاءك
٣٦فَزارَكَ مِنّي مَن إِلَيكَ اِشتِياقُهُ
وَفي الناسِ إِلّا فيكَ وَحدَكَ زُهدُهُ
العكبري: الْإِعْرَاب قدم الِاسْتِثْنَاء كَقَوْل الْكُمَيْت (وَمالِىَ إِلَّا آلَ أحمدَ شِيعَةٌ ... ومالىَ إِلَّا مذهبَ الحقّ مذْهبُ) وَرفع زهده على الِابْتِدَاء لتقديم الظّرْف الذى هُوَ خَبره وَتَقْدِيره زهده فى النَّاس إِلَّا فِيك الْمَعْنى يَقُول زارك رجل يعْنى نَفسه اشتياقه كُله إِلَى رؤيتك وزهده فى النَّاس كلهم إِلَّا فِيك وَحدك يُرِيد أَنه زهد فى قصد النَّاس سواهُ
٣٧يُخَلِّفُ مَن لَم يَأتِ دارَكَ غايَةً
وَيَأتي فَيَدري أَنَّ ذَلِكَ جُهدُهُ
الواحدي: أي غاية كل طالب مرتبة دارك ونهاية ما يأتيه متكسب المجد أن يقصدك فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية فإذا أتاها علم أن ذلك جهده في ابتناء المجد واكتساب المعالي كما قال هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى
العكبري: الْمَعْنى يَقُول غَايَة كل طَالب مرتبَة دَارك وَنِهَايَة مَا يَأْتِيهِ مكتسب الْمجد أَن يقصدك فَمن لم يَأْتِ دَارك فقد خلف غَايَة إِذا أَتَاهَا علم أَن ذَلِك جهده فى ابتناء الْمجد واكتساب المَال كَقَوْلِه (هى الغَرَضُ الأقصَى ورُؤْيتك المُنَى ... )
٣٨فَإِن نِلتُ ما أَمَّلتُ مِنكَ فَرُبَّما
شَرِبتُ بِماءٍ يَعجِزُ الطَيرَ وِردُهُ
الواحدي: يقول أن بلغت أملي فيك فلا عجب فكم قد بلغت الممتنع من الأمور الذي لا يدرك وجعل الماء الذي لا يرده الطير مثلا للممتنع من الأمر وإنما ضرب هذا المثل لأمله فيه لبعد الطريق إليه وأبن جنى يقول يمكن أن يقلب هذا هجاء ومعناه إن أخذت منك شيئا على بخلك وامتناعك من العطاء فكم قد وصلت إلى المستصعبات واستخرجت الأشياء المعتاصة
٣٩وَوَعدُكَ فِعلٌ قَبلَ وَعدٍ لِأَنَّهُ
نَظيرُ فَعالِ الصادِقِ القَولِ وَعدُهُ
الواحدي: يقول وعدك فعل بلا وعد وهو عين النقد لأن الفعل قبل الوعد نقد ومن كان وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله لأنه إذا وعد شيئا فعله فلركون النفس إلى وعده كأنه نقده
العكبري: الْمَعْنى يَقُول وَعدك نقد لِأَن الْفِعْل قبل الْوَعْد نقد وَمن كَانَ وافيا بمواعيده فوعده نَظِير فعله لِأَنَّهُ إِذا وعد شَيْئا فعله لركون النَّفس إِلَى وعده فَكَأَنَّهُ نقد
٤٠فَكُن في اِصطِناعي مُحسِناً كَمُجَرِّبٍ
يَبِن لَكَ تَقريبُ الجَوادِ وَشَدُّهُ
الواحدي: يقول جربني في اصطناعك إياي ليتبين لك أني موضع للصنيعة فإن بالتجربة يعرف الفرس وأنواع جريه من التقريب والشد
٤١إِذا كُنتَ في شَكٍّ مِنَ السَيفِ فَاِبلُهُ
فَإِمّا تُنَفّيهِ وَإِمّا تُعِدُّهُ
الواحدي: يقال نفاه ونفاه مخففا ومشددا يقول إذا جربت السيف بان لك صلاحه وفساده فإما أن تلقيه لأنه كهام وإما أن تعده للحرب لأنه حسام وهذا مثل ضربه لنفسه يقول جربني فإما أن تصطنعني وإما أن ترفضني ثم أكد هذا بقوله
العكبري: الْغَرِيب يُقَال نَفَاهُ ونفاه مخففا ومشددا قابله فاختبره الْمَعْنى يَقُول إِذا جربت السَّيْف بَان لَك صَلَاحه وفساده فإمَّا أَن تلقيه لِأَنَّهُ كهام وَإِمَّا أَن تتخذه للحرب لِأَنَّهُ حسام وَهَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ فَيَقُول جربنى فإمَّا أَن تصطنعنى وَإِمَّا أَن ترفضنى فَلَا فضل للسيف الهندوانى على غَيره من السيوف إِذا لم يجرب
٤٢وَما الصارِمُ الهِندِيُّ إِلّا كَغَيرِهِ
إِذا لَم يُفارِقهُ النِجادُ وَغِمدُهُ
الواحدي: يقول السيف القاطع الهندي كغيره من السيوف إذا لم يسل في الحرب ولم يجرب أي إنما يعرف ما عنده من المضاء وحسن الأثر إذا جرب كذلك أنا ما لم أجرب لم يعرف ما عندي ولم يكن بيني وبين غيري فرق وكان يطلب منه أن يوليه يقول له جربني لتعرف ما عندي من الكفاية وأني اصلح لأن أكون واليا وهذا من قول الطائي، لما انتضيتك للخطوب كفيتها، والسيف لا يكفيك حتى ينتضي،
العكبري: الْغَرِيب الهندى الْقَاطِع من ضرب الْهِنْد والنجاد حمائل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول السَّيْف الهندى الْقَاطِع كَغَيْرِهِ من السيوف إِذا كَانَ فى غمده وَلم يجرب وَإِنَّمَا يعرف مضاؤه إِذا سل وجرب وَأَنا كَذَلِك إِذا لم أجرب لم يعرف مَا عندى وَلم يكن بينى وَبَين غيرى فرق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ يطْلب مِنْهُ أَن يوليه ولَايَة فَقَالَ لَهُ جربنى لتعرف مَا عندى من الْكِفَايَة وأنى أصلح أَن أكون واليا وَهَذَا من قَول الطائى (لمَّا انْتضَيتك للخُطوب كَفَيْتَها ... والسَّيفُ لَا يَكْفِيك حَتَّى يُنتَضَى)
٤٣وَإِنَّكَ لَلمَشكورُ في كُلِّ حالَةٍ
وَلَو لَم يَكُن إِلّا البَشاشَةَ رِفدُهُ
الواحدي: الكناية تعود إلى المشكور يقول أنت مشكور من جهتي في كل حال وإن لم تعطني إلا طلاقة وجهك أي أكتفي منك بأن أراك بشاشا طلق الوجه واشكرك على ذلك
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فى رفده يرجع إِلَى المشكور كَمَا تَقول أَنْت الذى قَامَ أَخُوهُ الْمَعْنى يَقُول أَنْت المشكور عندى فى كل حَالَة وَإِن لم ترفدنى إِلَّا بشاشة وَجهك أَنا أكتفى مِنْك بِأَن أَرَاك طلق الْوَجْه وَأَنا أشكرك على ذَلِك
٤٤فَكُلُّ نَوالٍ كانَ أَو هُوَ كائِنٌ
فَلَحظَةُ طَرفٍ مِنكَ عِندِيَ نِدُّهُ
الواحدي: يقول نظرك إلى نظير كل نوال منك أخذته أو سآخذه
٤٥وَإِنّي لَفي بَحرٍ مِنَ الخَيرِ أَصلُهُ
عَطاياكَ أَرجو مَدَّها وَهيَ مَدُّهُ
الواحدي: يريد كثرة ما يصل إليه من الخير والبر والصلات والمد زيادة الماء يقول أرجو زيادة عطاياك فإنها زيادة ذلك البحر الذي أنا فيه وهي مادته
العكبري: الْغَرِيب الْمَدّ الزِّيَادَة وَمد الْبَحْر زَاد الْمَعْنى يَقُول انا فى بَحر من الْخَيْر يُرِيد لِكَثْرَة مَا يصل إِلَيْهِ من الْبر والصلات وَيُرِيد إنى أَرْجُو عطاياك فَإِنَّهَا زِيَادَة الْبَحْر الذى أَنا فِيهِ
٤٦وَما رَغبَتي في عَسجَدٍ أَستَفيدُهُ
وَلَكِنَّها في مَفخَرٍ أَستَجِدُّهُ
الواحدي: يقول لست أرغب في ذهب ومال من جهتك ولكن في فخر جديد كأنه أراد أن يوليه ولاية كما قال المهلبي، يا ذا اليمينين لم أزرك ولم، أصحبك من خلة ولا عدم، زارك بي همة منازعة، إلى جسيم من غاية الهمم، ومثله، لم تزرني أبا علي سنو الجدب وعندي من الكفاف فضول، غير أني باغ جليلا من الأمر وعند الجليل يبغي الجليل، ومثله للطائي، ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم، فإني لم أخدمك إلا لأخدما، ومثله لأبي الطيب، فسرت إليك في طلب المعالي، وسار سواي في طلب المعاش،
٤٧يَجودُ بِهِ مَن يَفضَحُ الجودَ جودُهُ
وَيَحمَدُهُ مَن يَفضَحُ الحَمدَ حَمدُهُ
الواحدي: أي تجود به أنت وجودك فافضح لجود غيرك بزيادته عليه واحمدك أنا وحمدي يفضح حمد غيري لأنه فوقه
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تجود بِهِ وجودك فاضح جود غَيْرك بِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ وأحمدك أَنا وحمدى يفضح حمد غيرى لِأَن حمدى فَوْقه
٤٨فَإِنَّكَ ما مَرَّ النُحوسُ بِكَوكَبٍ
وَقابَلتَهُ إِلّا وَوَجهُكَ سَعدُهُ
الواحدي: يقول النحوس لا يمر بكوكب وله من وجهك سعد إذا قابلته كما قال الطائي، تلقى السعود بوجهه وبحبه، وعليك مسحة بغضة فتحبب، والمعنى إنك تسعد المنحوس وتغني الفقير ودس الأسود إلى أبي الطيب من قال له قد طال قيامك في مجلسه يريد أن يعلم ما في نفسه فقال
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.