من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من البد بدائه فى مجالس الخلفاء
خرج شبيب بن شيبة من دار المهدى، فقيل له: كيف رأيت الناس؟ قال:
رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا. نحا إلى هذا المعنى ربيعة الرقى فقال:
قد بسط المهدىّ كفّ الندىللناس والعفو عن الظالم
فالراحل الصادر عن بابهمبشر للوارد القادم
وقال مسلم بن الوليد فى نحو هذا المعنى:
جزيت ابن منصور على نأى دارهجزاء مقرّ بالصنيعة شاكر
فتّى راغم الأموال واصطنع العلاوأرّث نيران الندى للعشائر
[ترى الناس أرسالا على باب داره][على آمن يحدو به حمل صادر
وقال المتنبى:
وألقى الفم الضحّاك أعلم أنهقريب بذى الكفّ المفدّاة عهده
دخل خالد بن صفوان على أبى العباس السفاح، وعنده أخواله من بنى الحارث بن كعب، فقال: ما تقول فى أخوالى؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، وغرس الجود، إنّ فيهم لخصالا ما اجتمعت فى غيرهم من قومهم؛ إنهم لأطولهم أمما، وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، الجمرة فى الحرب، والرّفد فى الجدب، والرأس فى كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال: وصفت أبا صفوان فأحسنت، فزاد أخواله فى الفخر؛ فغضب أبو العباس لأعمامه، فقال: أفخر يا خالد؟ قال: أعلى أخوال المؤمنين! قال: وأنت من أعمامه؟ قال: كيف أفاخر قوما هم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد، وغرّقهم جرذ، وملكتهم أمّ ولد! فأشرق وجه أبى العباس.
قال يموت ابن المزرّع: سمعت خالى الجاحظ، وذكر كلام خالد هذا، فقال: والله لو فكر فى جمع معايبهم، واختصار اللفظ فى مثالبهم،
بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلا، فكيف على بديهته لم يرض له فكرا.
هكذا أورد هذه الحكاية الصولى، وقد جاءت بأطول من هذا، وليس من شرطنا.
قال معن بن أوس الهذلى:
لعمرك ما أدرى وإنى لأوجلعلى أيّنا تأنى المنية أول
وإنى أخوك الدائم الودّ لم أحلإذا ناب خطب أو نبا بك منزل
كأنك تشفى منك داء مساءتىوسخطى، وما فى ريبتى ما تعجّل
وإن سؤتنى يوما صبرت إلى غدليعقب يوما آخر منك مقبل
ستقطع فى الدنيا إذا ما قطعتنىيمينك فانظر أىّ كفّ تبدّل
وفى الناس إن رثّت حبالك واصلوفى الأرض عن دار القلى متحوّل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتىوبدّل سوءا بالذى كان يفعل
قلبت له ظهر المجنّ ولم أدمعليه العهد إلا ريثما أتحوّل
إذا انصرفت نفسى عن الشىء لم تكدعلى بوجه آخر الدهر تقبل
ودخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبى سفيان وأنشد شعر معن، فقال:
لمن هذا؟ فقال: لى يا أمير المؤمنين، قال: لقد شعرت بعدى يا أبا بكر! ثم دخل عليه معن فأنشد الشعر بعينه، فقال: يا أبا بكر، ألم تقل إنه شعرك؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، إنه ظئرى فما كان له فهو لى. أراد معاتبة معاوية فعاتبه بشعر معن؛ ليبلغ ما فى نفسه، وليس ادّعاؤه له على حقيقة منه.
وقال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك، فاستدنانى حتى كنت أقرب الناس إليه، ثم تنفّس الصعداء، وقال: يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك هو أشهى إلىّ حديثا منك! فعلمت أنه أراد خالدا القسرى، فقلت:
أفلا تعيده يا أمير المؤمنين؟ فقال: هيهات؟ إن خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا. وتمثل بهذا البيت:
إذا انصرفت نفسى عن الشىء لم تكدعليه بوجه آخر الدهر تقبل
وروى أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: كان عبد الملك بن مروان فى سمره مع أهل بيته وولده وخاصّته، فقال لهم: ليقل كلّ واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر، وليفصّل [من] رأى تفضيله، فأنشدوا وفضّلوا، فقال بعضهم: [امرؤ القيس، وقال بعضهم:] النابغة، وقال بعضهم: الأعشى، فلما فرغوا قال:
أشعر الناس والله من هؤلاء الذى يقول، وأنشد بعض هذه الأبيات التى أنشد، وهى لمعن بن أوس:
وذى رحم قلمت أظفار ضغنهبحلمى عنه وهو ليس له حلم
يحاول رغمى لا يحاول غيرهوكالموت عندى أن يحلّ به الرغم
فإن أعف عنه أغض عينا على قذىوليس له بالصّفح عن ذنبه علم
وإن أنتصر منه أكن مثل رائشسهام عدوّ يستهاض بها العظم
صبرت على ما كان بينى وبينهوما يستوى حرب الأقارب والسّلم
وبادرت منه النأى والمرء قادرعلى سهمه ما كان فى كفّه السهم
ويشتم عرضى فى المغيّب جاهداوليس له عندى هوان ولا شتم
إذا سمته وصل القرابة سامنىقطيعتها، تلك السفاهة والإثم
فإن أدعه للنّصف يأب إجابتىويدعو لحكم جائر غيره الحكم
فلولا اتقاء الله والرّحم التىرعايتها حقّ وتعطيلها ظلم
إذا لعلاه بارق وخطمتهبوسم شنار لا يشابهه وسم
ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحىوليس الذى يبنى كمن شانه الهدم
يودّ لو أبى معدم ذو خصاصةوأكره جهدى أن يخالطه العدم
ويعتدّ غنما فى الحوادث نكبتىوما إن له فيها سناء ولا غنم
فما زلت فى لينى له وتعطّفىعليه كما تحنو على الولد الأمّ
وخفضى له منى الجناح تألّفالتدنيه منى القرابة والرّحم
وصبرى على أشياء منه تريبنىوكظمى عن غيظى وقد ينفع الكظم
لاستلّ منه الضّغن حتى استللتهوقد كان ذا ضغن يصوبه الحزم
رأيت انثلاما بيننا فرقعتهبرفقى أحيانا وقد يرقع الثّلم
وأبرأت غلّ الصدر منه توسّعابحلمى كما يشفى بالادوية الكلم
فأطفأت نار الحرب بينى وبينهفأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع