من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مقامات بديع الزمان الهمذانى
ومن إنشاء بديع الزمان فى المقامات: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت فى الأهواز فى رفقة متى ما ترقّ العين فيهم تسهل، ليس منّا إلا أمرد بكر الآمال، بضّ الجمال، أو مختطّ حسن الإقبال، مرجوّ الأيام والليال؛ فأفضنا فى العشرة كيف [نضع قواعدها، والأخوّة كيف] نحكم معاقدها، والسرور فى أى وقت نتعاطاه، والأنس كيف نتهاداه، وفائت الحظّ كيف نتلافاه، والشراب [من أين نخلصه، والمجلس كيف نرتبه؟ فقال أحدنا: على البيت والمنزل، وقال آخر:
على الشراب والنقل]، وقال بعضنا: إلى السماع والجماع، وقمنا نجر أذيال الفسوق، حتى انسلخنا من السوق، واستقبلنا رجل فى طمرين، فى يمناه عكّازة، وعلى كتفه جنازة؛ فتطيّرنا لما رأينا الجنازة، وأعرضنا عنها صفحا، وطوينا دونها كشحا، فصاح بناصيحة كادت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، وقال:
لترونّها صغرا، ولتركبنّها قسرا. مالكم تكرهون مطيّة ركبها أسلافكم، وسيركبها أخلافكم، وتتقّذرون سريرا وطئه آباؤكم، وسيطؤه أبناؤكم؟ أما والله لتحملنّ على
هذه العيدان، إلى تلكم الدّيدان، ولتنقلنّ بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد.
ويحكم تطّيّرون، كأنكم مخيّرون، وتتكرهون، كأنكم منزّهون، هل تنفع هذه الطّيرة، يا فجرة؟
قال عيسى بن هشام: فقد نقض علينا ما كنّا عقدناه، وأبطلنا ما كنّا أردناه؛ فملنا إليه، وقلنا: ما أحوجنا إلى وعظك، وأعشقنا للفظك! ولو شئت لزدت، قال: إنّ وراءكم موارد أنتم واردوها، وقد سرتم إليها عشرين حجّة:
وإنّ امرأ قد سار عشرين حجّةإلى منهل من ورده لقريب
وفوقكم من يعلم أسراكم، ولو شاء لهتك أستاركم، يعاملكم فى الدنيا بحلم، ويقضى عليكم فى الآخرة بعلم، فليكن الموت منكم على ذكر، لئلا تأتوا بنكر؛ فإنكم متى استشعرتموه لم تجمحوا، ومتى ذكرتموه لم تمزحوا، وإن نسيتموه فهو ذاكركم، [وإن نمتم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتموه فهو زائركم] قلنا: فما حاجتك؟ قال: هى أطول من أن تحدّ، وأكثر من أن تعدّ، قلنا: فسانح الوقت؟ قال: ردّ فائت العمر، ودفع نازل الأمر، قلنا: ما إلى ذلك سبيل، ولكن لك ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها، قال: لا حاجة لى فيها.
قوله
وإن امرأ قد سار عشرين حجة
محرف عن قول قائله:
وإنّ امرأ قد سار خمسين حجة
والبيت لأبى محمد التيمى، أنشده دعبل:
إذا ما مضى القرن الذى أنت فيهموخلّفت فى قرن فأنت غريب
والبيت بعده. قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابى من بنى أسد. وقال خلاد الأرقط: كنّا على باب أبى عمرو بن العلاء ومعنا التيمى، فذكرنا كتاب
الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم: إنى وإياك لدتان، وإن أمرأ قد سار خمسين حجة لقمن أن يرده. فأصلحناه بيتا، فاجتلبه التيمى فى شعره.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع