تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

أبو بكر سيبويه وأهل مصر

وكان فى هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يشبهه فى حضور جوابه وخطابه، وحسن عبارته، وكثرة روايته، وكان قد تناول البلاذر؛ فعرضت له منه لوثة، وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول.

قال يوما للمصريين: يأهل مصر، أصحابنا البغداديون أحزم منكم، لا يقولون بالولد، حتى يتّخذوا له العقد والعدد؛ فهم أبدا يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ العقار خوفا أن يملكهم سوء الجوار؛ فهم أبدا يكنزون. ولا يقولون باتخاذ الحرائر خوفا أن تتوق نفسهم إلى السّرارى؛ فهم أبدا يتسرّرون. ولا يقولون أبدا بإظهار الغنى [فى مكان] عرفوا فيه بالفقر؛ فهم أبدا يسافرون.

ووقف يوما بالجامع وقد أخذت الخلق مأخذها، فقال: يأهل مصر، حيطان

المقابر أنفع منكم، يستنزه بها من التعب، ويستد فأبها من الريح، ويستظلّ بها من الشمس. والبهائم خير منكم تمتطى ظهورها، وتحتذى جلودها، وتؤكل لحومها.

وكان أبو الفضل بن خنزابه الوزير، ربّما رفع أنفه تيها، فقال له سيبويه، وقد رآه فعل ذلك: أشمّ منى الوزير رائحة كريهة فشمّر أنفه، فأطرق واستعمل البهوض، فخرج سيبويه، فقال له رجل: من أين أقبلت؟ فقال: من عند الزّاهى بنفسه، المدلّ بفرسه، المستطيل على أبناء جنسه.

واستأذن على مسلم بن عبيد الله العلوى، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومصّ النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه به من نعيم الدنيا.

وكان على شرط كافور الإخشيدى أحد الخاصّة، فوجد عليه سيبويه فى بعض الأمر، فعزل عن الشرطة، فوليها ركى صاحب الراضى، فلم يحمده أيضا، فوقف لكافور وهو مارّ إلى الصلاة يوم الجمعة، فقال: أيها الأستاذ، ولّيت ظالما، وعزلت ظالما، قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القفا. فتبسّم ابن برك البغدادى، وكان يسابر كافورا، فقال: وهذا ابن برك ممن يغرّك، لن ينفعك ولن يضرّك.

وأخلى الحمام لمفلح الحسينى، فأتى سيبويه ليدخل، فمنع، وقيل: الأمير مفلح به، فقال: لا أنقى الله مغسوله، ولا بلّغه سوله، ولا وقّاه من العذاب مهوله، وجلس حتى خرج، فقال: إن الحمام [لا يخلى إلّا] لأحد ثلاثة: مبتلّى فى قبله، أو مبتلى فى دبره، أو سلطان يخاف من شره، فأى الثلاثة أنت؟ قال:

أنا المقدّم.

وأحضره أبو بكر بن عبد الله الخازن فقال: قد بلغنى بذاء لسانك، وقبيح

معاملتك للأشراف؛ فاحذر أن تعود فينالك منى أشدّ العقوبة؛ فخرج [متحزنا فكان] الولدان يتولّعون به ويذكرون له الخازن، فيشتدّ عليه ذلك، فينصرف ولا يكلّمهم؛ فمرّ به رجل يكنى أبا بكر من ولد عقبة بن أبى معيط، وغلام قد ألحّ عليه بذلك، فضحك المعيطى، فقال للغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب النبى ﷺ عنق عقبة بن أبى معيط على الكفر، وضرب ظهر أبيك بالسوط كما ضرب علىّ بن أبى طالب بأمر عثمان رضى الله عنهما ظهر الوليد بن عقبة على شرب الخمر، وألحقك يا صبىّ بالصّبية، يريد قول النبى ﷺ، وقد قال له عقبة لما أمر النبى ﷺ عليا رضى الله عنه بقتله:

«فمن للصّبية يا رسول الله» ؟ قال: النار لك ولهم. فانصرف المعيطى وبطن الأرض أحبّ إليه من ظهرها.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.