تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل بديع الزمان الهمذانى (٢)

وكتب البديع إلى أبى القاسم الكرخى: أنا وإن لم ألق تطاول الإخوان إلا بالتطوّل، وتجمل الأحرار إلا بالتجمّل، أحاسب الشيخ على أخلاقه ضنّا بما عقدت يدى عليه من الظنّ به، والتقدير فى مذهبه، ولولا ذاك لقلت: فى الأرض مجال إن ضاقت ظلاله، وفى الناس واصل إن رثّت حباله، وأؤاخذه بأفعاله؛ فإن أعارنى أذنا واعية، ونفسا مراعية، وقلبا متّعظا، ورجوعا عن الذهاب، ونزوعا عما يقرعه من هذا الباب، فرشت لمودّته صدرى، وعقدت عليه جوامع حصرى، ومجامع عمرى؛ وإن ركب من التعالى غير مركب، وذهب من التّغالى فى غير مذهب، أقطعته خطة أخلاقه، ووليته جانب إعراضه، فكنت امرأ:

لا أذود الطير عن شجرقد بلوت المرّ من ثمره

فإنى- أطال الله بقاء الشيخ مولاى- وإن كنت فى مقتبل السنّ والعمر، فقد حلبت شطرى الدهر، وركبت ظهرى البرّ والبحر، ولقيت وفدى الخير والشر، وصافحت يدى النّفع والضر، وضربت إبطى العسر واليسر، وبلوت طعمى الحلو والمر، ورضنت ثديى العرف والنّكر؛ فما تكاد الأيام ترينى من أفعالها غريبا، وتسمعنى من أقوالها عجيبا، ولقيت الأفراد، وطارحت الآحاد؛ فما رأيت أحدا إلّا ملأت حافتى سمعه وبصره، وشغلت حيّزى فكره ونظره، وأثقلت كفّه فى الحزن، وكفّته فى الوزن؛ وودّ لو بارز القرن

بصفحتى، أو لقى الفضل بصحيفتى، فمالى صغرت فى عينه؟ وما الذى أزرى بى عنده؟ حتى احتجب وقد قصدته، ولزم أرضه وقد حضرته، وأنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل، أو يجحد فضل العلم، أو يمتطى ظهر التّيه، على أهليه، وأسأله أن يختصّنى من بينهم بفضل إنعام إن زلت بى مرة قدم رأى فى قصده، وكأنى به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة، والرتبة المتحيّفة، وهو فى جنب جفائه يسير، وإن أقلع عن عادته إلى الوفاء، ونزع عن شيمته فى الجفاء؛ فأطال الله بقاء الأستاذ وأدام عزّه وتأييده وله إليه رقعة:

يعزّ علىّ- أطال الله بقاء الشيخ الرئيس- أن ينوب فى خدمته قلمى، عن قدمى، ويسعد برؤيته رسولى، دون وصولى، ويرد شرعة الأنس به كتابى، قبل ركابى، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:

وعلىّ أن أسعى وليس علىّ إدراك النجاح
للشاعر كشاجم، من قصيدة «أطلق عقال الروح بالراح»

وقد حضرت داره، وقبّلت جداره، وما بى حبّ الجدران، ولكن شغفا بالقطان، ولا عشق الحيطان، ولكن شوقا إلى السكان، وحين عدت العوادى عنه، أمليت ضمير الشوق على لسان القلم، معتذرا إلى الشيخ على الحقيقة، عن تقصير وقع، وفتور فى الخدمة عرض، ولكنى أقول:

إن يكن تركى لقصدك ذنبافكفى ألا أراك عقابا

وله جواب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد: ورد كتاب الشيخ الرئيس سيدى، فظلت وفود النعم تترى علىّ، ومثلت لدى وبين يدى، وقد أخذ مكارم نفسه، فجعلها قلادة غرسه، وتتّبع المحاسن من عنده، فحلّى بها نحر عبده، وما أشبّه رائع حليّه، فى نحر وليّه، إلا بالغرّة اللائحة، على [الدّهمة] الكالحة

لا آخذ الله الشيخ بوصف نزعه عن عرضه، وزرعه فى غير أرضه، ونعت سلخه من خلقه وخلقه، وأهداه إلى غير مستحقّه، وفضل استفاده من فرعه وأصله، وأوصله إلى غير أهله. ذكر حديث الشوق ولو كان الأمر بالزيارة حتما، أو الإذن [جزما] أطلق عزما، لكان آخر نظرى فى الكتاب، أول نظرى إلى الركاب، ولاستعنت على كلف السير، بأجنحة الطير، لكنه- أدام الله عزّه- صرعنى بين يد سريعة النبذ، ورجل وشيكة الأخذ، وأرانى زهدا فى ابتغاء، كحسو فى ارتغاء، ونزاعا فى نزوع، كذهاب فى رجوع، ورغبة فىّ كرغبة عنى، وكلاما فى الغلاف، كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرّح بالإجابة وقد عرّض بالدعاء، ولم أعلن بالزيارة وقد أسرّ بالنداء، ولو لم يدعنى بلسان المحاجاة، ولم يجاهرنى بفم المناجاة، لكنت أسرع إليه، من الكرم إلى عطفيه، وفكرت فى مراد الشيخ، فوجدته لا يتعدّى الكرم يشبّ ناره، والفضل يدرك ثاره، وإذا كان الأمر كذلك فما أولاه بترفيه مولاه، عن زفرة صاعدة، بسفرة باعدة، ونكباء جاهدة..... وقد زاد سيدى فى أمر المخاطبة، وما أحسن الاعتدال، وقد كفانا منه الأستاذ، وأسأله ألّا يزيد، وقد بدأ ويجب ألّا يعيد، فلا تنفع كثرة العدّ مع قلة المعدود، والزيادة فى الحدّ مع نقصان المحدود نقص من الحدود، وربّ ربح أدى إلى خسران، وزيادة أفضت إلى نقصان، ورأى الشيخ فى تشريفه بجوابه موفّق إن شاء الله تعالى.

اجتلب قوله فى أول هذه الرسالة من قول أبى إسحاق الصابى فى جواب كتاب لبعض إخوانه:

وصل كتابك مشحونا بلطيف برّك، موشحا بغامر فضلك، ناطقا بصحّة

عهدك، صادقا عن خلوص ودّك، وفهمته وشكرت الله تعالى على سلامتك شكر المخصوص بها، ووقفت على ما وصفته من الاعتداد بى، وتناهيت إليه من التقريظ لى، فما زدت على أن أعرتنى خلالك، ونحلتنى خصالك، لأنّك بالفضائل أولى، وهى بك أحرى، ولو كنت فى نفسى ممن يشتمل على وصفه حدّى إذا حددت، أو يحيط بكماله وصفى إذا وصفت، لشرعت فى بلوغها والقرب منها، لكن المادح لك مستنفد لك وسعه وقد بخسك، ومستغرق طوقه وقد نقصك، فأبلغ ما يأتى به المثنى عليك، ويتوصل إليه المطرى لك، الوقوف فى ذلك دون منتهاه، والإقرار بالعجز دون غايته ومداه.

ونقل البديع ما ذكره من ترك السفر والبغية بما حضر من قول ابن الرومى:

أما حقّ حامى عرض مثلك أن ترىله الرّفد والتّرفيه أوجب واجب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
أقمت لكى تزداد نعماك نعمةوتغنى بوجه ناضر غير شاحب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وكى لا يقول القائلون أثابهوعاقبه والقول جمّ المساغب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
وليس عجيبا أن ينوب تكرّمعديت به من آمل لك عائب
دمامى ترعى لا ذمام سفينةوحقى لا حقّ القلاص النجائب

ودخل على أبى العتاهية أبنه، وقد تصوّف، فقال: ألم أكن قد نهيتك عن هذا؟ فقال: وما عليك أن أتعود الخير، وأنشأ عليه! فقال: يا بنى، يحتاج المتصوف إلى رقّة حال، وحلاوة شمائل، ولطافة معنى، وأنت ثقيل الظل، مظلم الهواء، راكد النسيم، حامد العينين، فأقبل على سوقك؛ فإنها أعود عليك.

وكان بزّازا.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.