من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
فقر من كلام المتصوفة والزهاد والقصاص
نور الحقيقة، أحسن من نور الحديقة. الزهد قطع العلائق، وهجر الخلائق.
الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. التصوّف ترك التكلّف. قيل لمتصوّف: أتيع مرقّعتك؟ قال: أرأيتم صيادا يبيع شبكته! وقيل لبعضهم: لو تزوّجت! قال:
لو قدرت أن أطلق نفسى لطلقتها، وأنشد:
تجرّد من الدنيا فإنك إنماسقطت إلى الدنيا وأنت مجرّد
الدنيا نوم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن فى أضغاث أحلام.
ذو النون: العبد بين نغمة وذنب، لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار.
غيره: ينبغى للعبد أن يكون فى الدنيا كالمريض لابد له من قوت، ولا يوافقه كل طعام. ليس فى الجنة نعيم أعظم من علم أهلها أنها لا تزول.
ابن المبارك: الزهد إخفاء الزهد. إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه، وإذا طلبهم فاهرب عنه. من أطلق طرفه كثر أسفه. من سوء القدر فضل النظر من طاوع طرفه، تابع حتفه، ومن نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار، ومن أطال النظر لم يدرك الغاية، وليس لناظر نهاية. ربما أبصر الأعمى رشده، وأصلّ البصير قصده. وقيل: ربّ حرب جنيت من لفظة، وربّ حبّ غرس من لحظة، وأنشد:
نظرت إليها نظرة لو كسوتهاسرابيل أبدان الحديد المسرّد
لرقّت حواشيها وفض حديدهاولانت كما لانت لداود فى اليد
وقال سعيد بن حميد:
نظرت فقادتنى إلى الحتف نظرةإلى بمضمون الضمير تشير
فلا تصرفنّ الطّرف فى كل منظرفإنّ معاريض البلاء كثير
ولم أر مثل الحبّ أسقم ذا هوىولا مثل حكم الحبّ كيف يجور
لقد صنت ما بى فى الضمير لو أنهيصان لدى الطّرف النموم ضمير
غيره:
اليوم أيقنت أن الحبّ متلفةوأن صاحبه منه على خطر
كيف الحياة لمن أمسى على شرفمن المنيّة بين الخوف والحذر
يلوم عينيه أحيانا بذنبهماويحمل الذنب أحيانا على القدر
إذا نأى أو دنا فالقلب عندكموقلبه أبدا منه على سفر
ونظر محمد بن أسباط الصوفى إلى أبى المثنى الشيبانى وقد نظر فى وجه غلام مليح، فقال: [إياك و] إدمان النظر [فإنه] يكشف الخبر، ويفضح البشر، ويطول به المكث فى سقر.
وقال المعلى الصوفىّ: شكوت إلى بعض الزهاد فسادا أجده فى قلبى، فقال: هل نظرت إلى شىء فتاقت إليه نفسك؟ قلت: نعم، قال: احفظ عينيك؛ فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك فى مكروه، وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك.
وقال مسلم الخوّاص لمحمد بن على الصوفى: أوصنى، فقال: أوصيك بتقوى الله فى أمرك كلّه، وإيثار ما يحبّ على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوّقك إليه قلبك؛ فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئا من جوارحك، حتى تبلغ لهما ما يطالعانك به، وإن ملكتهما كنت الداعى إلى ما أردت، فلم يعصيا لك أمرا ولم يردّا لك قولا.
قال بعض الحكماء: إن الله ﷿ جعل القلب أمير الجسد، وملك الأعضاء؛ فجميع الجوارح تنقاد له، وكلّ الحواسّ تطيعه، وهو مديرها
ومصرّفها، وقائدها وسائقها، وبإرادته تنبعث، وفى طاعته تتقلّب؛ ووزيره العقل، وعاضده الفهم، ورائده العينان، وطليعته الأذنان. [وهما فى النقل سواء، لا يكتمانه أمرا، ولا يطويان دونه سرّا، يريد العين والأذن].
وقيل لأفلاطون: أيهما أشدّ ضررا بالقلب السمع أم البصر؟ فقال: هما للقلب كالجناحين للطائر، لا يستقلّ إلا بهما، ولا ينهض إلا بقوتهما، وربما قص أحدهما فنهض بالآخر على تعب ومشقة. قيل: فما بال الأعمى يعشق ولا يرى، والأصم يعشق ولا يسمع؟ قال: لذلك قلت: إن الطائر قد ينهض بأحد جناحيه ولا يستقلّ بهما طيرانا، فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى، و [طيرانه] أوحى.
وقال الأسود بن طالوت الجارودى: نظر إلىّ أبو الغمر الصوفى وقد أطلت النظر إلى غلام جميل، فقال: ويحك! إنّ طرفك لعظيم ما اجتنى من البلاء قد عرّضك للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكل هذا الاغترار بالله جرأك عليه حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؛ أعلم أنك لم تكن فى وقت من أوقاتك، ولا حالة من حالاتك، أقرب إلى عقوبة الله منك فى حالتك هذه، ولو أخذك لم يتخلّصك الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان.
ونظر محمد بن ضوء الصوفى إلى رجل ينظر إلى غلام مليح، فقال:
كفى بالعبد نقصا عند الله، وضعة عند ذوى العقول، أن ينظر إلى كل ما سنح له من البلاء.
ونظر [أبو] مسلم الخشوعى فأطال النظر، فقال: إنّ فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. ثم قال:
سبحان الله! ما أهجم طرفى على مكروه نفسه، وأدمنه على تسخّط سيده،
وأغراه بما نهى عنه، وألهجه بما حذّر منه! لقد نظرت إلى هذا نظرا شديدا خشيت أنه سيفضحنى عند جميع من يعرفنى فى عرصة القيامة؛ ولقد تركنى نظرى هذا وأنا أستحى من الله تعالى إن غفر لى! ثم صعق.
ونظر غالب المضرور إلى علام جميل على فرس رائع، فقال: لا أدرى بم أداوى طرفى، ولا بم أعالج قلبى؟ ما أتوب إلى الله من ذنب إلا رجعت فيه، ولا أستغفره من أمر إلّا أتيت أعظم منه، حتى لقد استحييت أن أسأله المغفرة لما يلحق قلبى من القنوط من عفوه، لعظيم حالى بالمنكر الذى أصنعه. فقال له قائل: وأىّ منكر أتيت؟ فقال: أنريد منى أكثر من نظرى هذا! والله لقد خشيت أن يبطل كلّ عمل قدمته، وخير أسلفته، ثم بكى حتى ألصق خدّه بالأرض.
ورأى بعض الزهّاد صوفيا يضحك إلى غلام جميل، فقال له: يا خارب القلب، ويا مفتضح الطرف؛ أما تستحى من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغلّ الدخيل المخامر، الذى أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالى من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه.
وقال أبو حمزة بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقى- وكان سيد المتصوفة، وقد رأيته يماشى غلاما وضيئا مدة ثم فارقه-: لم هجرت ذلك الفتى بعد أن كنت له مواصلا، وإليه مائلا؟ فقال: والله لقد فارقته من غير قلى ولا ملل؛ ولقد رأيت قلبى يدعونى إذا خلوت به، وقربت منه، إلى أمر لو أتيته لسقطت من عين الله ﷿؛ فهجرته تنزيها لله ولنفسى عن مصارع الفتن، وإنى لأرجو أن يعقبنى سيدى من
مفارقته ما أعقب الصابرين عن محارمه عند صدق الوفاء بأحسن الجزاء؛ ثم بكى حتى رحمته.
قال أبو حمزة: ورأيت مع أحمد بن على الصّوفى ببيت المقدس غلاما جميلا، فقلت: منذكم صحبك هذا الغلام؟ فقال: منذ سنين، فقلت: لو سرتما إلى بعض المنازه فكنتما فيه كان أحمد لكما من الجلوس فى المسجد بحيث يراكما الناس؟ فقال: أخاف احتيال الشيطان علىّ به وقت خلوتى، وإنى لأكره أن يرانى الله فيه على معصية فيفرّق بينى وبينه يوم يظفر المحبّون بأحبابهم قال أبو الفتح البستى:
تنازع الناس فى الصوفىّ، واختلفوافيه وظنّوه مشتقّا من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتىصافى فصوفى حتى لقّب الصوفى
ورأى بقراط رجلا من تلامذته يتفرّس فى وجه أوحيا، وكانت فائقة الجمال، فقال: ما هذا الشغل الذى منعك الرويّة والفكرة؟ فقال: التعجب من آثار حكمة الطبيعة فى صورة أوحيا، فقال: لا تجعلنّ نظرك لشهوتك مركبا، فيجمع لك فى الوحول الأذية؛ ولتكن نفسك منه على بال، إنّ آثار الطبيعة فى وجه أوحيا الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرت فى صورتها الباطنة تحد نظرك.
وقال بعضهم: رأيت جارية حسناء الساعد؛ فقلت: يا جارية، ما أحسن ساعدك! فقالت: [أجل، لكنه] لم تختص به، فغضّ بصر جسمك عما ليس لك؛ لينفتح بصر عقلك فترى مالك.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع