من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ومن ألفاظ أهل العصر فى التعازى وما يتعلق بمعانيها من ذكر البكاء والجزع وعظم المصائب
خبر عز على النفوس مسمعه، وأثر فى القلوب موقعه. خبر تصطك له السامع، وترتجّ به الأضالع، وتسقط له الحبالى، وتصحو منه السكارى خبر كادت له القلوب تطير، والعقول تطيش، والنفوس تطيح. خبر يخفض البصر ويقذيه، ويقبض الأمل ويقدح فيه. الخبر فى أثناء الرجاء قد انقطع، وأصمّ به الناعى وقد أسمع. ناعى الفضائل قائم، وأنف المحاسن راغم. خبر أحرج الصّدر، وأحلّ البكاء، وحرّم الصبر، وأطار واقع السكون، وأثار كامن الوجوم، وثقلت وطأتة على أجزاء النفس، وتأدّت معرته إلى سرّ القلب. كتبت والأرض واجفة، والشمس كاسفة، للرزء العظيم، والمصاب الجسيم، فى فلك الملك، وركن المجد، وقريع الشّرق والغرب، وما عسى أن يقال فى الفلك الأعلى إذا انهار من جوانبه، وتهافت على مناكبه.
أتى الناعى، فندب المساعى، وقامت بواكى المجد، وكسفت شمس الفضل،
وعاد النهار أسود، والعيش أنكد. غرب لموته نجم الفضل، وكسدت سوق الأدب، وقامت نوادب السماحة، ووقف فلك الكرم، ولطمت عليه المحاسن خدودها، وشقت له المناقب جيوبها [وبرودها]، قد كانت الرزيّة بحيث مارت السماء مورا، وسارت الجبال سيرا، حتى شوهدت الكواكب ظهرا، ثم تهافتت شفعا ووترا، فارتاعت الأمّة، وانبسطت الظلمة، وارتفعت الرّحمة، واضطربت الملّة، وقامت نوادب المجد، وأصبح الناس من القيامة على وعد. إن المجد بعده لجارى الدمع، وإنّ الفضل لمنزعج النفس، وإنّ الكرم لحرج الصدر، وإن الملك لواهن الظّهر. كتابى وأنا من الحياة متذمّم، وبالعيش متبرّم، بعد ما ماد الطّود الشامخ، وزال الجبل الباذخ، ونطقت نوادب المجد، وأقيمت مآتم الفضل.
نهى؟؟؟ فلان فتنكّر وجه الدهر، وقبضت مهجة الفخر، فلا قلب إلّا قد تباين صدعه، ولا عين إلا وهى ترشح بالدّم بعده. كتبت والأحشاء محترقة، والأجفان بمائها غرقة، والدمع واكف، والحزن عاكف. مصاب أطلق أسراب الدموع وفرّقها، وأقلق أعشار القلوب وأحرقها، مصاب فضّ عقود الدموع، وشبّ النار بين الضلوع. مصاب أذاب دموع الأحرار، فتحلّبت سحائب الدموع الغزار، وانسدّت مسالك السكون والاستقرار. كتبت عن عين تدمع، وقلب يجزع، ونفس تهلع، وقد أذللت مصون العبرة، وحجبت وافد الحيرة، ومدّ الهمّ إلى جسمى يد السقم، وجرّ الدمع على خدّى ذيول الدم. لولا أن العين بالدمع أنطق من كل لسان وقلم، لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهرى، وأوهى أزرى. إنّ الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من البكاء، ولم يخفّف من أثقالها بالاشتكاء، تضاعف داؤها، وازدادت أعباؤها، وعزّ دواؤها. قد شفيت غليلى بما استذريته
من أسراب الدموع المتحيرة، وخفّفت عنى بعض البرحاء بما امتريته من أخلافها المتحدرة. إن فى إسبال العبرة، وإطلاق الزّفرة، والإجهاش بالبكاء والنشيج، وإعلان الصياح والضجيج، تنفيسا عن برحاء القلوب، وتخفيفا من أثقال الكروب. قد أتى الدهر بما هدّ الأصلاب، وأطار الألباب، من النازلة الهائلة، والفجيعة الفظيعة. زرء أضعف العزائم القوية، وأبكى العيون البكيّة. مصيبة زلزلت الأرض، وهدّمت الكرم المحض، وسلبت الأجفان كراها، والأبدان قواها. فجيعة لا يداوى كلمها آس، ولا يسدّ ثلمها تناس.
مصيبة تركت العقول مدلّهة، والنفوس مولهة. رزء هضّ وهاض، وأطال الانخزال والانخفاض، ولم يرض بأن فضّ الأعضاء، حتى أفاض الدماء. رزء ملأ الصدور ارتياعا، وقسم الألباب شعاعا، وترك الجفون مقروحة، والدموع مسفوحة، والقوى مهدودة، وطرق العزاء مسدودة. رزء نكأ القلوب وجرحها، وأحرّ الأكباد وقرّحها، مالى يد تخطّ إلّا بكلفة، ولا نفس تردد إلا فى غصّة، ولا عين تنظر إلى من وراء قذى، ولا صدر ينطوى إلّا على أذى؛ فالدموع واكفة، والقلوب واجفة، والهمّ وارد، والانس شارد.
والناس مأتمهم عليه واحدفى كل دار رنّة وزفير
كأنى كندة وهى تلهّف على حجر، والخنساء تبكى على صخر. أنا بين عبرة وزفرة، وأنّة وحسرة، وتململ واضطراب، واشتعال والتهاب. مصيبة أصبحت لغمّتها وقيذا، ولكربتها أخيذا. كتبت وقد ملك الجزع عزائى، وحصل ناظرى فى إسار بكائى، فالقلب دهش، والبنان يرتعش، وأنا من البقاء متوحّش. قد انتهى بى الهلع إلى حيث لا التّأسّى مصحب، ولا التناسى مصاحب، بى انزعاج يحلّ عقد الحزم، واكتتاب ينقض شروط العزم. قد بلغ الحزن مبلغا
لم أبتذله للنوائب، وإن جلّت وقعا، ونالت منى منالا لم يعتد طرق المصائب، وإن عظمت فجعا. كتبت عن اضطراب نفس، واضطرام صدر، والتهاب قلب، وانتهاب صبر؛ فما أعظمه مفقودا! وما أكرمه ملحودا! إنى لأنوح عليه نوح المناقب، وأرثيه مع النجوم الثواقب، وأبكيه مع المعالى والمحاسن، وأثنى [عليه] بثناء المساعى والمآثر. ليت يمين الزمان شلّت قبل أن فتكت بمهجه الفضل، وعين الزمان كفّت قبل أن رأت مصرع الفخر. لقد رزئنا من فلان عالما فى شخص، وأمّة فى نفس. مضى والمحاسن تبكيه، والمناقب تعزّى فيه.
العيون لما قرّت به أسخنها فيه ريب المنون، ولما شرحت به الصدور قبضها بفقده المقدور. قد ركب على الأعناق، بعد العتاق، وعلى الأجياد بعد الجياد، وفاح فتيت المسك من مآثره، كما يفوح العنبر من مجامره. كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالغضارة غبرة، وبالبياض ظلمة، واعتاض من تزاحم المراكب تلادم المآتم، ومن ضجيج النداء والصهيل، عجيج البكاء والعويل. هذى المكارم تبدى شجوها لفقده، وتلبس حدادها من بعده، وهذى المحاسن قد قامت نواد بها مع نوادبه، واقترنت مصائبها بمصائبه. لو قبلت الفدية لوقيته بنفسى وأيام عمرى، علما بأنّ العيش بمثله من إخوان الصفا يصفو، وبظعنه عن الدنيا يكدر ويعفو. لو وقى من الموت عزيز قوم لعزّته، أو كبير بأولاده وأسرته، أو ذو سلطان باستطالته وقدرته، أو زعيم دولة بحشده وعدّته، لكان الماضى أحقّ من وقى وأولى من فدى، وكنا أقدر على دفع ما حدث، وذبّ ما كرث وأرهق؛ لكنه الأمر المسوّى فيه بين من عزّ جانبه وذلّ، وكثر ماله وقلّ، حتى لحق المفضول بالفاضل، والناقص بالكامل.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع