من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل أبى الفضل بن العميد
وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى:
وصل كتابك فصادفنى قريب عهد بانطلاق، من عنت الفراق، وأوقفنى مستريح الأعضاء والجوانح من حر الاشتياق، فإنّ الدهر جرى على حكمه المألوف فى تحويل الأحوال، ومضى على رسمه المعروف فى تبديل الأبدال، وأعتقنى من مخالّتك عتقا لا تستحقّ به ولاء، وأبرأنى من عهدتك براءة لا تستوجب معها دركا ولا استثناء، ونزع من عنفى ربقة الذّل فى إخائك بيدى جفائك، ورشّ على ما كان يحتدم فى ضميرى من نيران الشوق ماء السلوّ، وشنّ على ما كان يلتهب فى صدرى من الوجد
ماء اليأس، ومسح أعشار قلبى فلام فطورها بجميل الصبر، وشعب أفلاذ كبدى فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل فى مسالك أنفاسى فعوض نفسى من النزاع إليك نزوعا عنك، ومن الذهاب فيك رجوعا دونك، وكشف عن عينى ضبابات ما ألقاه الهوى على بصرى، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظرى، حتى حدر النقاب عن صفحات شيمك، وسفر عن وجوه خليقتك؛ فلم أجد إلّا منكرا، ولم ألق إلا مستكبرا، فوليت منها فرارا، وملئت رعبا، فاذهب فقد ألقيت حبلك على غاربك، ورددت إليك ذميما عهدك.
وفى فصل من هذه الرسالة: وأما عذرك الذى رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز وأعرض، ورفعت بضبعه فانخفض، فقد ورد ولقيته بوجه يؤثر قبوله على ردّه، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما بذلته لك من نفسه، ولم يقم عند ظنّك به، أنّى وقد غطّى التذمّم وجهه، ولفّ الحياء رأسه، وغضّ الخجل طرفه؛ فلم تتمكن من استكشافه، وولّى فلم تقدر على إيقافه، ومضى يعثر فى فضول ما يغشاه من كرب حتى سقط، فقلنا: لليد والفم؛ ثم أمر بمطالعة ما صحبه فلم أجده إلّا تأبّط شرا، أو تحمّل وزرا.
وقوله هذا محلول من عقد نظمه إذ يقول:
اقر السلام على الأمير وقل لهقدك اتّئب أر بيت فى الغلواء
أنت الذى شتّتّ شمل مسرّتىوقدحت نار الشوق فى أحشائى
ورضيت بالثمن اليسير معوضةمنى، فهلّا بعتنى بغلاء
وسألتك العتبى فلم ترنى لهاأهلا، فجدت بعذرة شوهاء
وردت مموّهة فلم يرفع لهاطرف، ولم ترزق من الإصغاء
وأعار منطقها التذمّم سكتةفتراجعت تمشى على استحياء
لم تشف من كمد، ولم تبرد علىكبد، ولم تمسح جوانب داء
داوت جوى بجوى وليس بحازممن يستكفّ النار بالحلفاء
من يشف من كمد بآخر مثلهأثرت جوارحه على الأدواء
وله إليه رسالة: أخاطب الشيخ سيدى- أطال الله بقاءه- مخاطبة محرج يروم الترويح عن قلبه، ويريغ التفريج من كربه؛ فأكاتبه مكاتبة مصدور، يريد أن ينفث بعض ما به، ويخفّف الشكوى من أوصابه، ولو بقيت فى التصبّر بقية لسكتّ، ولو وجدت فى أثناء وجدى مخرجة يتحلّلها تجلّد لأمسكت؛ فقديما لبست الصديق على علّاته، وصفحت له عن هناته، ولكنى مغلوب على العزاء، مأخوذ عن عادتى فى الإغضاء، فقد سلّ من جفائك ما ترك احتمالى جفاء، وذهب فى نفسى من ظلمك ما أنزف حلمى فجعله هباء، وتوالى علىّ من قبح فعلك فى هجر يستمر على نسق، وصد مطّرد متّسق، ما لو فضّ على الورى، وأفيض على البشر لامتلأت منه صدورهم، فهل أقدر على ألّا أقول، وهل نكلك إلى مراعاتك، وهل نشكوك إلى الدهر حليفك على الإضرار، وعقيدك على الإفساد، وأشكوه إليك، فإنكما وإن كنتما فى قطيعة الصديق رضيعى لبان، وفى استيطاء مركب العقوق شريكى عنان، فإنه فاصر عنك فى دقائق مخترعة، أنت فيها نسيج وحدك، وقاعد عما تقوم به من لطائف مبتدعة، أنت فيها وحيد عصرك، أنتما متفقان فى ظاهر يسرّ الناظر، وباطن يسوء الخابر، وفى تبديل الأبدال، والتحول من حال إلى حال، وفى بثّ حبائل الزور، ونصب أشراك الغرور، وفى خلف الموعود، والرجوع فى الموهوب، وفى فظاعة اهتضام ما يعير، وشناعة ارتجاع ما يمنح، وقصد مشارّة الأحرار، والتحامل
عند ذوى الأخطار، وفى تكذيب الظنون، والميل عن النباهة للخمول، إلى كثير من شيمكا التى أسندتما إليها، وسنتكما التى تعاقدتما عليها، فأين هو ممن لا يجارى فيه نقض عرى العهود، ونسكث قوى العقود؟ وأنى هو عن النميمة والغيبة، ومشى الضراء»
فى الغيلة، والتنفق بالنفاق فى الحيلة وأين هو ممن ادّعى ضروب الباطل، والتحلّى بما هو منه عاطل، وتنقّص العلماء والأفاضل؛ هذا إلى كثير من مساو منثورة أنت ناظمها، ومخاز متفرقة أنت جامعها. أنت أيّدك الله إن سوّيته بنفسك، ووزنته بوزنك، أظلم منه لذويه، وأعق منه لبنيه؛ وهبك على الجملة قد زعمت- مفتريا عليه- أنه أشدّ منك قدرة، وأعظم بسطة، وأتمّ نصرة، وأطلق يدا فى الإساءة، وأمضى فى كل نكابة شباة، وأحدّ فى كل عاملة شداة، وأعظم فى كل مكروه متغلغلا، وآلف إلى كل محذور متوصلا، إن الدهر الذى ليس بمعتب من يجزع، وإن العتبى منك مأمولة، ومن جهتك مرقوبة، وهيهات! فهل توهّم أنه لو كان ذا روح وجثمان، مصورا فى صورة إنسان، ثم كاتبته أستعطفه على الصلة، وأستعفيه من الهجر، وأذكّره من المودة، وأستميل به إلى رعاية المقة، وأستعد على ما أشاعه الفراق فى نفسى من اللوعة، وأضرمه بالبعاد فى صدرى من الحرقة، كان يستحسن ما استحسنته من الاضطراب عند جوابى، ويستجيز ما استجزته من الاستخفاف بكتابى.
وله فصل فى هذه الرسالة، وقد ذكر دعواه فى العلم:
وهبك أفلاطون نفسه فأين ما سننته من السياسة، فقد قرأناه، أتجد فيه إرشادا إلى قطيعة صديق، واحسبك أرسطاطاليس بعينه، أين ما رسمته من الأخلاق؟ فقد رأيناه فلم تر فيه هداية إلى شىء من العقوق، وأما الهندسة فإنها باحثة عن المقادير، ولن يعرفها إلا من جهل مقدار نفسه، وقدر الحقّ عليه وله؛ بل لك فى رؤساء الآداب العربية [منّا ريح ومضطرب، ولسنا نشاحّك، لكن أتحب أن تتحقّق
بالغريب من القول، دون الغريب] من الفعل؟ وقد أغربت فى الذهاب بنفسك إلى حيث لا تهتدى للرجوع عنه. وأما النحو فلن تدفع عن حذق فيه، وبصر به، وقد اختصرته أوجز اختصار، وسهلت سبيل تعليمه على من يجعلك قدوة، ويرضى بك أسوة، فقلت: الغدر والباطل وما جرى مجراهما مرفوع، والصدق والحق وما صاحبهما مخفوض، وقد نصب الصديق عندك، ولكن غرضا يرشق بسهام الغيبة، وعلما يقصد بالوقيعة، ولست بالعروضى ذى اللهجة فأعرف قدر حذقك فيه، إلا أنى لا أراك تتعرّض لكامل فيه، ولا وافر، وليتك سبحت فى بحر المجتثّ حتى تخرج منه إلى شطّ المتقارب.
وفى فصل منها أيضا:
وهبنى سكتّ لدعواك سكوت متعجّب، ورضيت رضا متسخّط، أيرضى الفضل اجتذابك بأهدائه، من يدى أهليه وأصحابه، وأحسبك لم تزاحم خطابه، حتى عرفت ذلة نفره وقلة بصره، فاصدقنى هل أنشدك:
لو بأبانين جاء يخطبهاضرّج ما أنف خاطب بدم
وليت شعرى بأى حلى تصدّيت له، وأنت لو تتّوجت بالثريّا، وقلدت قلادة الفلك، وتمنطقت بمنطقة الجوزاء، وتوشّحت بالمجرة لم تكن إلا عطلا، ولو توشّحت بأنوار الربيع الزاهر، وسرّجت جبينك غرّة البدر الباهر، ما كنت إلا عطلا، سيما مع قلّة وفائك، وضعف إخائك، وظلمة ما تتصرّف فيه من خصالك، وتراكم الدّجى على ضلالك، وقد ندمت على ما أعرتك من ودّى، ولكن أى ساعة مندم، بعد إفناء الزمان فى ابتلائك، وتصفّحى حالات الدهر فى اختيارك، وبعد تضييع ما غرسته، ونقض ما أسسته، فإن الوداد غرس إذا لم يوافق ثرى ثريا، وجوّا عذيّا، وماء رويّا، لم يرج زكاؤه، ولم يجر نماؤه، ولم تفتّح أزهاره، ولم تجن ثماره، ولبت شعرى، كيف
ملك الضلال قيادى حتى أشكل علىّ ما يحتاج إليه الممزوجان، ولا يستغنى عنه المتآلفان، وهما ممازجة طبع، وموافقة شكل وخلق، ومطابقة خيم وخلق، وما وصلتنا حال تجمعنا على ائتلاف، وحمتنا من اختلاف، ونحن فى طرفى ضدّين، وبين أمرين متباعدين، وإذا حصّلت الأمر وجدت أقل ما بيننا من البعاد، أكثر مما بين الوهاد والنّجاد، وأبعد مما بين البياض والسواد، وأيسر ما بيننا من النفار أقلّ [ما بيننا من النضار، وأكثر ما] بين الليل والنهار، والإعلان والإسرار
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع