تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الكافوريات (٥)

أسباب النهاية، وسهلت له الثقة بمعرفة قصده، ما يتقلده من المحال في ظاهر لفظه.

وقال يمدحه

مُنىً كُنَّ لي أَنَّ البَيَاضَ خِضَابُفِيَخْفَى بِتَبييضِ القُرونِ شَبَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لَيَالِيَ عِنْدَ البِيْضِ فَوْادَيَ فِتْنَةٌوَفَخْرٌ وذَاكَ الفَخْرُ عِنْدِي عَابُ
فَكَيْفَ أَذُمُّ اليَوْمَ ما كُنْتُ أَشْتَهِيوَأَدْعُو بِما أَشْكُوهُ حِيْنَ أجَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان، والقرون: ما أشرف من جوانب الرأس، الواحد: قرن، والشباب: حداثة السن، والبيض: حسان النساء، والفودان: ناحيتا الرأس، والفتنة: زيادة في المحبة تغلب على الرأي، والعاب: لغة في العيب.

فيقول: أمان تقدمت فيما أسلفته من العمر، وقطعته أيام الشبيبة من الدهر، حملتها أن يكون البياض خضابا فاستعمله، واكتسابا فأتعرض له؛ لأخفي بذلك من شبابي ما كان يروق ويعجب، وأغير منه ما كان يروع ويفتن.

ثم قال: ليالي كانت فوادي عند حسان النساء، بسواد شعرهما وحسن منظرهما، فتنة يستمال بها ودهن، ووسيلة يرتهن بها حبهن، وفخرا يتنافس فيه، ويحرص جميعهن عليه، وذلك الفخر عندي عيب أتحرج منه، ونقصان أرغب بنفسي عنه. يشير إلى أنه تخلق بأخلاق الكهول في صغره، ولم يؤثر التصابي في شيء من مدة عمره.

ثم قال مشيرا إلى سروره بشيبه، واغتباطه في ذلك بحالة: فكيف أذم الآن من الشيء ما لم أزل أوثره وأرضاه، وأرغبه وأتمناه؟! وكيف أشكو منه عند الإجابة، ما لم أزل داعيا فيه، وأكره ما كنت مظهرا لأشد الحرص عليه؟!

جَلاَ اللَّوْنُ عَنْ لَوْنٍ هَدَى كُلَّ مَسْلَكٍكما انْجَابَ عَنْ ضَوْءِ النَّهارِ ضَبَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي الجِسْمِ نَفْسٌ لا تَشِيْبُ بِشَيْبِهِوَلَوْ أَنَّ ما في الوَجْهِ مِنْهُ حِرابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لها ظُفُرٌ إِنْ كَلَّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُوَنَابٌ إذا لَمْ يَبْقَ في الفَمِ نَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يُغَيَّرُ مِنَّي الدَّهْرُ ما شَاَء غَيْرَهاوَأَبْلُغُ أَقْصَى العُمْرِ وهيَ كَعَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جلا: بمعنى كشف، والمسلك: الطريق، وانجاب: بمعنى ارتفع، والضباب: ندى

كالغمام، والناب: السن الذي تلي الرباعية إلى داخل الفم، والكعاب: الجارية التي قد نتأ صدرها.

فيقول: جلا لون شعري الشباب، الذي هو سواده، عن لون من المشيب، أبان كل مسلك من الرشد، وهدى إلى كل مطلب من الحق، وأنقذ من غواية الحداثة، وبصر من جهالة الغرارة، وكان كالضباب الذي ينجاب عن وضح النهار، وينكشف فيبدو ضياؤه للأبصار.

وفي الجسم مني نفس كريمة، صابرة على ريب الخطوب، جليدة لا تشيب بشيب الجسم المتضمن لها، ولا تهرم بهرم الشخص المستقل بها، ولو أن ما في الوجه من شيبة حراب تنكته، وأسنة تطعنه.

ثم قال مشيرا إلى نفسه: لها ظفر إذا فني الظفر المستعز به، وناب من الجلد إذا فني ناب الفم المتفجع له، فأنا اعتاض بها مما يغلبني عليه الدهر، وأصبر بكرمها على ما يتعذر عليه الصبر.

ثم قال: يغير مني الدهر ما شاء بتصرفه، ويبلي ما انصرم عليه بتقلبه غيرها، فإنه لا يبلي جدتها، ولا يضعف جلادتها وقوتها، وأيام الدهر تنصرم وهي كعاب مقتبلة، ومدة تفنى وهي على أخلاق الشباب محتملة.

وَإنَّي لَنَجْمٌ يَهْتدِي صُحْبتِي بِهِإذا حَالَ مِنْ دُونِ النُّجومِ سَحَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
غَنِيٌّ عَنِ الأَوْطَانِ لا يَسْتَخِفُّنِيإلى بَلَدٍ سَافَرْتُ عَنْهُ إيابُ
وَعَنْ ذَمَلانِ العِيْسِ إِنْ سَامَحَتْ بِهِوإِلاَّ فَفي أَكْوارِهِنُ عُقَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصحبة والأصحاب والصحابة والصحاب: كل ذلك بمعنى، والوطن: محل الإنسان وموضع مستقره، والإياب: الرجوع، والذملان: ضرب من عدو الإبل، والعيس: جمال يغلب على ألوانهن البياض، والأكوار الرحال، واحدها كور.

فيقول: وإني في علو القدر، وبيان التقدم والفضل، لكالنجم أهدي صحبتي إلى

مطالبهم، وأنهج سبل مذاهبهم، إذا خفي عنهم ما يحاولونه، وعمي عليهم ما يقصدونه، وكانوا كمن يهتدي بالنجوم فتستتر عنه، ويعول عليها فتمتنع بالسحاب منه.

ثم قال: إنه غني عن وطنه إذا فارقه بالبلد الذي يصير فيه، وعن مستقره بالموضع الذي يقدم عليه؛ لأنه شريف الخصال، مشهور الحال، فحيث حل فهو جليل القدر، وحيث كان فهو رفيع الذكر، فليس يستخفه مع ذلك رجوع إلى بلد يخرج عنه، ولا يلحقه أسف على موضع ينتقل منه.

ثم قال مشيرا إلى جلادته، ومخبرا عن نفاذه وصرامته: وأستغني عن ذملان العيس في سيرها، ولا أفتقر إليه في حين رحيلها، فإذا سامحت بذلك فإنما أتقبله دون حاجة، وأعدل إليه عن غير ضرورة، ولو تعوقت علي لكان مني في أكوارها عقاب، لا يبعد عليه مكان يقصده، ولا يفتقر إلى الإبل في شيء مما يعتمده. يريد أنه غني عن ركوب الإبل بقوة جسمه، مساجل للعقاب في طيرانها بسرعة سيره.

وَأَصْدَى فَلا لأُبْدِي إلى المَاءِ حَاجَةًوَلِلشَّمْسِ فَوْقَ اليَعْمَلاتِ لُعَابُ
وَلِلسَّرَّ مِنَّي مَوْضِعٌ لا يَنَالُهُنَدِيْمٌ ولا يُفْضِي إِليهِ شَرَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَلِخَوْدِ مِنَّي سَاعَةٌ ثُمَّ بَينَنَافَلاَةٌ إلى غَيْرِ اللَّقاءِ تُجَابُ

الصدى: العطش، واليعملات: النوق المعتملة في السير، الواحدة يعملة، ولعاب الشمس: السراب، والنديم: الشريب، والخود: الجارية الشابة، وتجاب: تقطع.

فيقول: وأعطش في الهواجر الحامية، والقفار البعيدة النائية، فلا أبدي إلى الماء حاجة، ولا أظهر إليه ضرورة، وللشمس فوق اليعملات، بشدة حرها، وتأجج نارها، لعاب من السراب، وما يتخيل منه للأبصار.

ثم قال: وللسر مني، بصيانتي له، وضنانتي به، موضع لا يناله نديم أشركه فيه،

ولا جليس أطلعه عليه، ولا يصل إليه شراب يغلبني عن حفظه، ويخرجني عما أستبصر فيه من كتمه.

ثم قال: وللخوذ مني ساعة ألهو فيها بحسنها، وأعذل إلى مؤانستها ووصلها، ثم أعقب برحلة تفصل بيني وبينها، بفلوات متنائية، وقفارات متباعدة، لا تتكلف مشقتها على سبيل المراجعة، ولا تحمل مئونتها على نية المعاودة، وإنما تقطع إلى فرقة لا يتصل اللقاء بها، ورحلة لا تقرب الأوبة عن المعترض لها.

وما العِشْقُ إِلاَّ غِرَّةٌ وَطَماعَةٌيُعَرَّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَغَيْرُ فُؤادِي لِلْغَوَانِي رَمِيَّةوَغَيْرُ بَنَانِي لِلرَّخَاخِ رِكَابُ

الغرة: الغفلة، والطماعة والطمع: بمعنى واحد، والفؤاد: القلب، والغواني: الشواب من النساء اللواتي غنين بأزواجهن، والبنان: أصابع اليدين، والرخاخ: رخاخ الشطرنج، واحدها: رخ.

فيقول: وما العشق إلا غرة على غير تبين، وطمع على غير تأمل، يعرض القلب نفسه للحب فيصيبه برمية، ويمكنه منها فيتملكه بحكمه، ولو نظر بعين الحقيقة لما عمي عن رشده، ولو ملك طريق الصواب لما غلب أباطيل الحب على نفسه.

ثم قال: وغير فؤادي للغواني رمية ترشقه بنبال لحظها، وتفتنه ببدائع حسنها، وغير بناني للرخاخ ركاب تألفها، وآلات تستعملها وتصرفها؛ لأني قد شغلت نفسي بالجد فلا أعدل إلى الهزل، وبالحق فلا أعرج على شيء من اللهو.

تَرَكْنَا لأَطْرَافِ القَنَا كُلّ شَهْوَةٍفَلَيْسَ إِلاَّ بِهِنَّ لِعَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تُصَرَّفُهُ لِلطَّعْنِ فَوْقَ حَوَاذِرٍقد انْقَصَفَتْ فِيهِنَّ مِنْهُ كِعَابُ

اللعاب: مصدر بمعنى اللعب، والحواذر: ذوات التوقع والحذر، وأشار إلى الخيل، والانقصاف: الانكسار، والكعاب: جمع كعب، وهي العقدة الناشزة بين الأنابيب.

فيقول: تركنا لأطراف الرماح وتصريفها عند مطاردة الفرسان، وإعمالها عند

مجاوزة الأقران، كل راحة وشهوة، وكل إرادة وردة، فليس لنا إلا بهن لعب نستعمله، ولا عمل بغيرهن نقبل عليه ونحاوله.

ثم قال، وهو يشير إلى القنا، وذكر لأنه قصد إلى النوع: نصرفه للطعن فوق خيل حواذر للإصابة بالطعن، معتادة للاقتحام على الحرب، قد انقصفت فيهن كعوب الرماح بتغاور الفرسان لها، وأصابتهن الكلوم الموجعة لتصادم الأقران بها، فهي تحذرها عن خبرة، وتتوقعها عن اعتياد وتجربة.

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍوَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَبَحْرٍ أبو المِسْكِ الخِضَمُّ الذي لَهُعلى كُلَّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وعُبَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تَجَاوَزَ قَدْرَ المَدْح حَتَّى كَأنَّهُبِأَحْسَنِ ما يُثْنَى عَلَيْهِ يُعَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الدنى: جمع دنيا، وجمع لأنه جعل كل جهة من جهات الدنيا على حالها، والسابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، والخضم: السيد الجواد، والزخرة: المد والزيادة، والعباب: الارتفاع والكثرة.

فيقول: أعز مكان في جهات الدنيا سرج فرس سابح، كريم سابق، يخترم من الأعداء بمنعته، ويدرك ما يحاول عليه بسرعته،

وخير جليس في الزمان كتاب يمتعك ولا يملك، ويؤنسك ولا يضرك، يريك عقول الأولين، ويؤثر لك أحوال السالفين، دون مؤونة تتحملها، وبغير مشقة تتكلفها.

ثم عطف الكلام على قوله: وخير جليس، فقال: وبحر، يريد: وخير بحر أبو المسك الذي يربي على السحاب جوده، وعلى البحار فضله، فله على كل بحر زخرة، تزيد على مدة وعبابه، يصغر البحر عند جلالة قدره.

ثم قال: تجاوز قدر المدح بما أظهره من الفضل، وأعيا جهده بما أبداه من السماحة والبذل، فصار المطري له بتقصيره عن وصفه، وعجز مقدرته عما يلزمه من مدحه، كأنه يعيبه بأحسن ذلك غير قاصد، ويبخسه ما يجب له في

المدح غير عامد.

وغَالَبَهُ الأَعْدَاءُ ثُمَّ عَنَوْا لَهُكما غَالَبَتْ بِيْضُ السُّيوفِ رِقَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَأَكْثَرُ ما تَلْقَى أبا المِسْكِ بِذْلَةًإِذا لم يَكُنْ إِلاَّ الحَدِيدَ ثِيابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

غالبت الرجل: إذا حاولت أن تغلبه، والعنو: الخضوع، والبذلة: اطراح التصاون.

فيقول، وهو يريد كافورا: وغالبه الأعداء مختبرين لمقدار قوته، ودافعوه جاهلين بمبلغ قدرته، ثم عنوا له مسلمين لأمره، وتذللوا راضين بحكمه، فكانوا في مغالبتهم إياه كالرقاب التي تغالب السيوف فتقطعها، وتعارضها فتفريها وتفصلها، وإلى مثل ذلك كان مآل أعدائه في مغالبتهم له، ومصيرهم في تفرسهم به.

ثم قال: وأكثر ما تلقى أبا المسك ابتذالا لنفسه، واطراحا للترفع عن مباشرة أمره، إذا لم يكن ثيابا إلا الدروع السابغة، وجنن الحديد الشاملة، يشير إلى مباشرة الحرب والإقدام على الطعن الضرب.

وَأَوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْرَاً وخَلْفَهُرِمَاءٌ وَطَعْنٌ والأَمَامُ ضِرَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأَنْفَذُ ما تَلْقَاهُ حُكْمَا إذا قَضَىقَضاءً مُلوكُ الأرْضِ مِنْهُ غِضَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
يَقودُ إليهِ طاعَةَ النَّاسِ فَضْلُهُولو لم يَقُدْها نَائِلٌ وعِقابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرماء: مصدر المراماة، يقال: رامى الرجل يرامي رماء، وكذلك الضراب مصدر المضاربة، والنائل: العطاء، والعقاب: مصدر المعاقبة.

فيقول: وهو يريد كافورا: وأوسع ما تلقاه صدرا، وأطيب ما تراه خلقا ونفسا، إذا توسط الوقائع وباشرها، واقتحم على الملاحم وواجهها، فخلف وراءه المراماة والطعن برغبته بنفسه عنهما، وأقدم أمامه على الجلاد والضرب لأخذه بأوفر الحظوظ منهما.

ثم قال: وأنفذ ما تلقى حكمه، وأمضى ما تشاهد أمره، إذا قضى قضاء يقصر به ملوك الأرض ويقهرهم، ويضطرهم إلى التسليم له ويغضبهم، فذلك القضاء أمضى

أقضيته؛ لما صرف إليه من همته، وذلك الأمر أنفذ أوامره، لما يستعمل فيه من قوته.

ثم قال: يقود إليه طاعة الناس ما يعترفون به من فضله، ويرتهنها له ما يظهره من إنصافه وعدله، فلو لم يطعه الناس طمعا في جزيل عطائه، لأطاعوه علما منهم بفضله، ولسلموا له رضى من جميعهم بحكمه.

أَيَا أَسَدَاً في جِسْمِهِ رُوحُ ضَيْغَمٍوَكَمْ أسُدٍ أَرْوَاحُهُنَّ كِلابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَيَا آخِذَاً مِنْ دَهْرِهِ حَقَّ نَفْسِهِوَمِثْلُكَ يُعْطَى حَقُّهُ وَيُهَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأسد: مغروف، والضيغم من صفاته؛ وهو الكثير العض، ويهاب: يعظم.

فيقول لكافور: يا من ظاهره ظاهر الأسد في إقدامه وشدته، وصرامته وقوته، وروحه روح أسد صائل فيما طبع عليه من العزة، وما في جبلته من ارتفاع الهمة، ورب من الملوك في ظاهر هيئتها، وشدة قوتها، وأنفسها أنفس كلاب في رقتها ودناءتها، ولؤمها وجهالتها.

ثم قال يخاطبه: ويا آخذا من الدهر حق نفسه، ومتقدما في إنفاذه غير متأخر، ومثلك يهاب فلا يمطل بحقه، ويتوقع فلا يعارض في إنفاذ أمره.

لَنَا عِنْدَ هذا الدَّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّهُوَقَدْ قَلَّ إِعْتَابٌ وَطَالَ عِتَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَقَدْ تُحْدِثُ الأَيَّامُ عِنْدَكَ شِيْمَةًوَتَنْعَمِرُ الأَوْقَاتُ وَهِيَ يَبَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَلاَ مُلْكَ إِلاَّ أَنْتَ والمُلْكُ فَضْلَةٌكَأَنَّكَ سَيْفٌ فيهِ وَهوَ قِرَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللط: اللزوق بالشيء، والإعتاب: الإرضاء، والعتاب: السخط والشيمة: والطبيعة، واليباب: القفر الموحش، والقراب: غمد السيف.

فيقول لكافور: لنا عند هذا الدهر حق يلطه ويمسكه، ويستأثر به ويحسبه، وقد قل إعتابه لنا مما نكره، وإعفاؤه إيانا مما نكرهه، وطال عتابنا في ذلك وتسخطنا، وتشكينا منه وتظلمنا.

ثم قال يخاطبه: وقد تحدث الأيام عندك شيمة في الإسعاف مشكورة، وتكتسبه حالا في الإحسان مأمولة، وتنغمر بسعادتك الأوقات بعد إقفارها ووحشتها، وتأنس بعد تباعدها وتغربها. يريد أن الزمان في جنبة كافور يطيب لأهله، ويعود الله فيه على ذوي المطالب بفضله، ويقرب عليهم من الزمان ما بعد، ويلين لهم من اختلافه ما استوعر وخشن.

ثم قال يخاطبه: ولا أملك إلا أنت، والملك فضلة بعدك، يريد: أنه يعظم الملك بنفسه، ويرفع شأنه بجلالة قدره، والملك بعده وآلاته فضول لا يحفل بمثلها، وزيادات لا تدعو حاجة إلى ذكرها، كأنك سيف فيه، وهو قراب يتخذ لصونك، وآلة تستعمل لحفظك، فالملك مضاف إليك، والفضائل فيه مقصورة عليك.

أَرَى لِي بِقُرْبي مِنْكَ عَيْنَاً قَرِيْرَةًوَإِنْ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَهَلْ نَافِعي أَنْ تُرْفَعُ الحُجْبُ بَيْنَنَاوَدُونَ الَّذي أَمَّلْتُ مِنْكَ حِجَابُ؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العين القريرة: الساكنة بنظرها إلى ما تستحسن، والشوب: الخلط.

فيقول لكافور: أرى لنفسي باستقرابك لي، وما تظهره من الأنس بي، عينا قريرة بحسن رأيك، مسرورة اعتنائك، وإن كان ذلك الاستقراب مشوبا بالبعد عنك، منغصا بما احرمه منك.

ثم فسر ما ذكره فقال: وهل ينفعني الوصول إلى حضرتك، وارتفاع حجابك لي، بما تظهره لي من خاصتك، إذا كان دون ما أؤمله منك، حجب مانعة، واعترضت لي فيما أسألك إياه عوائق ظاهرة، فما الغبطة ببر لا ثمرة له، وإكرام لا يتصل الإسعاف به؟!

أَقِلُّ سَلاَمِي حُبَّ مَا خَفَّ عَنْكُمُوَأَسْكُتُ كِيْمَا لا يَكُونُ جَوَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وفي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وفيكَ فَطَانَةٌسُكُوتِي بَيَانٌ عِنْدَها وخِطابُ
للشاعر صالح مجدي، اقرأ القصيدة
وما أَنَا بِالبَاغِي على الحُبَّ رِشْوَةًضَعيفٌ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفطنة والفطانة: صدق الظن، وحسن المعرفة، والرشوة: العطاء يتقرب به طالب الحاجة، والثواب: الجزاء الجميل.

فيقول لكافور: اختصر السلام عليك مؤثرا للتخفيف عنك، والتزم السكوت لكيما لا أمونك باقتضاء جواب منك، واستعمل فيما بيني وبينك أفضل الأدب، وأرغب بنفسي عن مواجهتك بالطلب.

ثم قال: وفي نفسي حاجات لي قد أخرت قضاءها، وفيك فطانة لا غاية وراءها، وضرورتي فيما أرغبه إلى المسألة، وما أنت عليه مع ذلك من ثاقب المعرفة، بيان لا إضمار فيه، وخطاب لا خفاء عليه. يشير إلى الولاية والإقطاع اللذين قدم المسألة فيهما، وتأخر عنه كافور بما رغبه منهما.

ثم قال مشيرا إلى كافور: وما أجعل ما ابتغيه منك جزاء عن محبتي، ولا أسأل ذلك رشوة على موالاتي وطاعتي، فالحب الذي يقصد به الثواب ضعيف في نفسه، والود الذي تبغي عليه الرشوة لا يغتر بمثله، ولكنني أرغب أن يكون تشرفي بك بحسب ما اعتقده من التأمل لك.

وَمَا شِئْتُ إِلاَّ أَنْ أَدُلَّ عَوَاذِليعَلَى أَنَّ رَأْيي في هَواكَ صَوَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأْعْلِمَ قَوْمَا خَالَفُونِي، فَشَرَّقُواوَغَرَّبْتُ: أَنَّي قد ظَفِرْتُ وَخًابوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: وما أردت فيما رغبته، ولا حاولت فيما سألته، إلا أن أدل عواذلي على قصدك، والمخالفين لي في الرحلة إلى أرضك، على أن رأيي في ذلك صواب لا تدفع صحته، ونجاح لا تمطل غبطته.

ثم قال: ولأعلم قوما خالفوني فيما أظهرته من التأميل لك، ونافروني فيما أنزلته من الثقة بك، فشرقوا راغبين عنك، وغربت راجيا في أن آخذ بحظي منك: أني قد ظفرت بما أملته، وخابوا مما وصلت إليه وأدركته.

جَرَى الخُلْفُ إِلاَّ فِيكَ أَنَّكَ وَاحِدٌوَأَنَّكَ لَيْثٌ والمُلُوكُ ذِئَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَأَنَّكَ إِنْ قُويِسْتَ صَحَّفَ قَارِئُذِئَاباً ولم يُخْطِئ فَقَالَ ذُبَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَإِنَّ مَدِيحَ النَّاسِ حَقٌ وباطِلٌوَمَدْحُكَ حَقٌ لَيْسَ فيهِ كذَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخلف: الخلاف، تقول العرب: أبيعك هذا الغلام وأبرأ إليك من خلفة فيه، يريدون: مخالفة، والليث: الأسد، والمقايسة: الموازنة والمماثلة، والذئاب: سباع معروفة، والتصحيف: قراءة الشيء على غير حقيقته، والكذاب: لغة في الكذب، يقال: كذاب وكذاب وكذب، كل ذلك بمعنى.

فيقول لكافور: جرى الخلاف بين الناس في تعظيم الملوك وتفضيلهم والترفيع بهم، ولا خلاف في أنك بينهم الأعظم، وزعيمهم الأفضل، وأنهم معك كالذباب مع الأسد، والأتباع مع الملك، يصغرون عنك، وتجل فيهم، ويتواضعون لك، وتقدر عليهم، وإنك إن قويست بهم على حقيقة المقايسة، وسبيل الإنصاف في الموازنة، فإنهم يصغرون عن أن يكون محلهم منك محل الذئاب من الأسد، بل يصحف القارئ الذئاب فيقول ذباب فلا يخطئ مع تصحيفه، ولا يفارق الصواب مع تبديله، وقد يعلم أن زيارتك عليهم أكثر من زيادة الأسد على الذئاب في قوة الأسر، وفوتك لهم أبين من فوت الأسد للذئاب في جملة الأمر.

ثم قال: ومن المعروف الذي لا خلاف فيه، أم ما يمدح الناس به يكون فيه الصدق والكذب، والحق والباطل، ومدحك وإن استعمل فيه المادح جهده، واستنفذ وسعه، صدق ولا طريق للكذب فيه، وحق لا سبيل للباطل عليه.

إِذا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فالمَالُ هَيَّنٌوكُلُّ الذي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَمَا كُنْتُ لَوْلاَ أَنْتَ إِلاَّ مُهَاجِراًلَهُ كُلَّ يَوْمٍ بَلْجَةٌ وَصِحَابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَلكِنَّكَ الدُّنيا إِليَّ حَبِيْبَةٌفَمَا عَنْكَ لِي إِلاَّ إِليكَ ذَهَابُ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «ألا يا مليكا يرتجى ويهاب»

المهاجر: الذي يهجر بلده وينتقل إلى غيره، والصحاب: كثير جمع صاحب، يقال: صاحب وصحب، ثم يجمع على صحاب، كما يقال: راكب وركب، ثم يجمع ركب

على ركاب.

فيقول لكافور: إذا نلت رضاك ومودتك، ووافقت مرادك ومسرتك، فالمال قليل في جنب هذه الرفعة، وما استفيد منه حقير عند هذه الأثرة، وجميع ما على الأرض بالإضافة إلى ذلك كالتراب الذي لا يحفل بأمره، ولا يعرج على الاستكثار من جمعه.

ثم قال يخاطبه: وما كنت لولا سروري بقربك، وما تتابعه عندي من إحسانك وفضلك، إلا مهاجرا لا أستوطن بلدة، ومسافرا لا أعدم رحلة، أستجد كل يوم سفرة، وأحدث بقوم معرفة وصحبة.

ثم قال: ولكنك عندي كالدنيا التي طبعت القلوب على حبها، وجبلت على شدة الإعجاب بها، فما لي معول إلا عليك، ولا أعتقد ذهابا عنك إلا إليك.

نالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل النهار بعرق شديدة، فقال في ذلك في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة:

مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عَنِ المَلامِوَوَقْعُ فَعَالِهِ فَوْقَ الكَلاَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
ذَرَاني والفَلاةَ بِلا دَلٍيلٍوَوَجْهي والهَجِيْرَ بلا لِثامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
فَإِنَّي أَسْتَرِيحُ بِذي وهذاوَأَتْعَبُ بالإنَاخَةِ والمَقَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وقع الفعل: كونه وتأثيره، والفلاة: الأرض المقفرة، والهجير: حر نصف النهار، واللثام: القناع الذي يقع على الأنف فيستر ما تحته من الوجه، والإناخة: تعريض الإبل للبروك، والمقام والإقامة: بمعنى واحد.

فيقول لصاحبيه اللذين أنكرا عليه مراده في فراق كافور، والخروج عن مصر: فأنتما أيها العاذلان! لا تلومان مني ما يجل عن الملام، وتعذلان من يرتفع عن العذل، ومن يصدق قوله بما يفعله، وتزيد خبره على ما يذكره.

ثم قال يخاطبهما: ذراني وركوب الفلاة دون دليل استرشده، ومواجهة الهجير دون لثام استعمله، فإني غني عن الدليل لقوتي على اختراق القفر، وعن اللثام لجلدي على البرد والحر،

ثم أكد ما وصف به نفسه من الشدة، وما هو عليه من النفاذ والقوة، فقال: فإني أستريح بذي، يريد: الفلاة، وهذا، يريد: الهجير، وأتعب بالسكون والإناخة، وآلم للقرار والإقامة. يشير إلى أنه اعتاد الأسفار، فهو يستريح بها، ولم يعرف الإقامة، فهو يستوحش لها.

عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْنِيوَكُلُّ بُغَامِ رَازِحَةٍ بُغَامِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
فَقَدْ أَردُ المِيَاهَ بِغَيْرِ هَادٍسِوَى عَدَّي لَهَا بَرْقَ الغَمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الحائر: الذي لا يهتدي لسبيله، وبغام الناقة: صوتها عند الإعياء، والرازح من الإبل: الذي قد بالغه الكلال، وعده برق الغمام: إشارة إلى ما كانت العرب تفعله، وذلك أنهم كانوا يشيمون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا ولم يبعثوا رائدا

لثقتهم بالماء.

فيقول: إنه على مقدرة من الرحلة في القفار النائية، وقوة على التصرف في المهامه الشاسعة، دون ركاب تحمله، وبغير إبل تنقله، لإدلاله بشدته، ونفاذه في الفلوات بمعرفته، فإن حار عند ذلك، فعيون رواحله عينه، وإن أعيي فصوت ركائبه صوته. يشير إلى أنه لا يستعين بالركاب، ولا يفتقر إلى الأصحاب.

ثم أكد ما قدمه فقال: فقد أرد المياه في تلك القفار منقطعا إلى الوحدة، معولا على ما استند إليه من النفاذ والقوة، لا استعين بهاد استرشده، ولا أعول على دليل أقلده، غير البرق الذي أهتدي بلمعانه، وأعرف مواقعه بتتابع خفقانه، يشير إلى أنه من ملازمة الفلوات على مادة متقدمة، ومن الخبرة بها على معرفة متمكنة.

يُذِمُّ لِمُهْجَتِي رَبَّي وَسَيْفِيإذا احتَاجَ الوَحِيدُ إلى الذمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
ولا أُمْسِي لأَهْلِ البُخْلِ ضَيْفَاًوَلَيْسَ قِرى سِوَى مُخَّ النَّعامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الذمام: العهد، ومخ النعام: مثل ضربه للعدم؛ لأن النعام لا يكاد يوجد له مخ في عظامها، وإنما هي جوف لا مخ لها، ولذلك لا ينجبر ما انكسر منها.

فيقول: أنه لا يحتاج إلى دمام يمتنع به، ولا إلى جوار ينعقد له، وإنما يذم له ربه بفضله، [ويجيره] سيفه بحده، فهو كثير بنفسه، يمتنع بقوته وبأسه، إذا كان الوحيد ممن سواه مفتقرا إلى ذمام يحفظه، ومحتاجا إلى مجير يمنعه.

ثم قال: ولا أرضى أن أوجد ضيفا للبخلاء، معولا فيما أحاوله على الأدنياء، يوهمون أنهم ينالونني برفدهم، ويستميلونني بفضلهم، وقراهم لي مخ النعام، الذي هو عدم لا يوجد، ومسمى لا يعهد، وإنما أشار إلى تبخيل كافور وذمته، وإلى استقلال ما صار إليه من عنده.

وَلَمَّا صَارَ وُدُّ النَّاسِ خِبَّاًجَزَيْتُ على ابْتِسَامٍ بابْتِسامِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَصِرْتُ أَشُكُّ فِيْمَنْ أَصْطَفِيْهِلِعِلْمِي أَنَّهُ بَعْضُ الأَنَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
يُحِبُّ العَاقِلُونَ على التَّصَافِيوَحُبُّ الجاهِلِيْنَ على الوَسَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الخب: [المكر والخديعة] والاصطفاء: الاختيار، والأنام: الخلق، والوسام، جمال المظهر.

فيقول: ولما صار ود الناس خبا لا حقيقة له، وكذبا لا يوثق به، جزيت على الابتسام في اللقاء بايتسام مثله، وقابلت ما أشاهده من النفاق؛ نفاق الناس بشكله.

ثم قال: وصرت فيمن أصطفيه ممن أوده، ومن أسكن إليه ممن أحبه، على شك لا أدافعه، وارتياب لا أنكره؛ لأن علمي بأمر ذلك الذي خبرته واحد من الأنام الذين عم الفساد جملتهم، وملك النفاق عامتهم.

ثم قال: يحب العاقلون على قدر ما يجدونه فيمن أحبوه من المصافاة والمشاكلة، والمؤاخاة والمشاركة، وحب الجاهلين على قدر وسامة من يخصونه بمحبتهم، ويحسب جاه من يعتمدونه بمودتهم، وإنما ذلك لأن مودتهم احتيالات لا يوثق بها، وصناعات لا حقيقة لها.

وآنف من أَخِي لأَبي وأُميإِذا ما لَمْ أَجِدْهُ مِنَ الكِرامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
أَرَى الأَجْدَادَ يَغْلِبُها كَثِيراًعلى الأَولادِ أخْلاقُ اللَّئامِ
وَلَسْتُ بِمقتنِعِ مِنْ كُلَّ فَضْلٍبَأَنْ أعْزَى إلى جَد هُمَامِ

الأنفة: الغضب والحمية، وأعزى: أنسب، والجد الهمام: العظيم الهمة.

فيقول: [آنف] من استقراب أخي شقيقي، وأكرهه وأنفر عنه وأتجنبه، إذا لم أجده كريما يتزين بفضله، سريا تسكن النفوس إلى مثله، فآلفه لكرم شيمه، ولا آلفه لعدم ذلك؛ لقرب رحمه.

ثم قال: أرى كرام الأجداد يغلبهم كثيرا على أولادهم، ويسبقهم إلى أعقابهم تخلقهم بأخلاق اللئام؛ لكثرة المتخلقين بها، ورغبتهم في مذاهبهم؛ لما يباشرونه من اعتياد الناس لها، وليس الأعقاب محمولين على الأجداد والسلف، ولا يتوارث ما قدموه

من الشرف، وإنما يشرف الإنسان بنفسه، ويرفعه ما يتبين من فضله.

ثم قال: ولست اقنع من الشرف والفضل، واقتصر من الكرم والشرف، على أن أعزى إلى جد جليل قدره، وأنسب إلى أب رفيع ذكره، حتى أحرز الشرف، بما أحويه من كرم الخلال، واستحقه بما أحوزه من شرف الخصال.

عَجِبْتُ لِمَنْ لَهُ قَدٌّ وحَدٌّوَيَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إشلى المَعَالِيفَلا يَذَرُ المَطِيَّ بِلا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ شَيْئاًكَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

القضم من السيوف: الذي طال عليه الدهر فكسر حده، والكهام: الذي ينبو عند القطع، والسنام: أعلى الظهر.

فيقول: عجبت لمن يؤتى بسطة في جسمه، وجرأة من نفسه، ويعجز عن النفاذ في مطالبه، ويقصر عن التقدم في مذاهبه، فيكون ظاهره ظاهر السيف الكهام، وحقيقته حقيقة الصارم الحسام. وإنما أشار إلى نفسه في مقامه بمصر خاملا مع قدرته في غيرها على الظهور، مقيما مع قوته على التنقل والمسير.

ثم قال على نحو ما قدمه: وعجبت ممن يجد السبيل إلى معالي الأمور فلا يعمل في ذلك نفسه، ويستنفذ فيه جهده. وجعل المطي الذي ذكرها إشارة إلى المعنى الذي قصده.

ثم قال مؤكدا لما ذكره: ولم أر في عيوب الناس عيبا أظهر وأبين، وعجزا أبلغ وأمكن، من نقص من به على التمام أعظم قدرة، وخمول من له على الظهور أوفر قوة. وأشار بجميع هذا إلى نفسه، وإلى ما عليه في المقام بمصر من الإخلال لقدره.

أَقَمْتُ بِأَرْضِ نِصْرَ فَلا وَرَائِيتَخُبُّ بِيَ الرَّكَابُ ولا أَمَامي
وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وَكَانَ جَنْبِييَمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلَّ عَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
قَلِيْلٌ عَائِدِي، سَقِمٌ فُؤادِيكَثِيْرٌ حَاسِدِي، صَعْبٌ مَرَامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
عَلِيلُ الجِسْمِ، مُمْتَنِعُ القيامِشَدِيدُ السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ المُدَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الخب: ضرب من العدو، والركاب: الإبل تحمل القوم، والمرام: المطلب، والمدام: الخمر.

فيقول: أقمت بأرض مصر لا أهم عنها برحلة، ولازمتها لا أزمع منها على نقلة، وهي نائبة بي غير موافقة، وموحشة لي غير ملائمة.

ثم قال: وملني الفراش لطول العلة، ولازمته مع شدة الضرورة، وما زال جنبي يمله في كل عام بغزوة استقبلها، وغبطة في الحركة أتعرفها.

ثم قال: وهاأنا الآن في مرضي، قليل من يعودني فآنس بقربه، ويعتقدني فأثق بوده، سقيم بفؤاد بما حصلت عليه من الخيبة، مستوحش النفس لما صرت إليه من الوحدة، كثير من يحسدني على النبل، ويصعب عليه ما أحرزته من الفصل.

ثم قال: وأنا مع ذلك عليل الجسم، لا أستطيع على القيام، متصل السكر، دون أن ألم بالمدام. يشير إلى شدة ضعفه، واستيلاء المرض عليه في جملة أمره.

وَزَائِرَتِي كَأَنَّ بِها حَيَاءًفَلَيْسَ تَزُورُ إِلاَّ في الظَّلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
بّذَلْتُ لها المَطَارفَ والحَشَايَافَعَافَتْها، وَبَاتَتْ في عِظامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
يَضِيْقُ الجِلْدُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْهَافَتُوسِعُهُ بِأَنْوَاعِ السَّقَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

المطارف: ثياب خز مربعة لها أعلام، [والحشايا]: واحدها حشية، [وهو ما حشي من الفرش مما يجلس عليه]، وتوسعه: بوزن تفعله، من قولهم أوسعت على فلان.

فيقول، وهو يشير إلى الحمى التي كانت تناله: وزائرتي التي تفتقدني، ومعتادتي التي تردني، كأن بها حياء في الزيارة لي، وخجلا عند الإلمام بي، فليس تزور إلا معتمة، ولا ترد إلا مستترة، وذلك أشد لألمها، وأبلغ في وجعها؛ لأنها توجب حينئذ السهر، وتثير البلابل والفكر، فأشار إلى هذا التشكي بوجه، بسطة للحمى من

العذر، ودل عليه بضرب، أظهره لها من الستر، وهذا باب من البديع مزج به الإيماء بالاستعارة، والكناية بمفهوم الإشارة.

ثم قال: بذلت لها المطارف الأنيقة، والحشايا الأثيرة، فعافت بما بذلته، وكرهت ما أعددته، واعتمدت عظامي تزحمها، ولازمتها توجعها وتؤلمها.

ثم قال على نحو ما قدمه: يضيق جلدي عني وعما يحاوله من الاشتمال به، وتطالبه من الاقتحام له، فتوسعه بأنواع السقم، وتغمه بضروب الألم، وكل هذا على نحو ما قدمه من الإشارة الكافية، والكناية المغنية.

إذا ما فَارَقَتْنِي غَسَّلَتْنيكَأَنَّا عَاكِفَانِ على حَرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
كَأَنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُها فَتَجْريمَدَامِعُها بِأَرْبَعَةٍ سِجَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
أرَاقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍمُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وَيَصْدُقُ وَعْدُها والصَّدْقُ شَرٌّإذا ألْقَاكَ في الكُرَبِ العِظَامُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

العكوف على الشيء: الإقامة عليه، والمدامع: مخارج الدمع، وهي أمواق أربعة، واحدها موق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، لكل عين موقان، وهما أعلى ذلك الموضع وأسفله، والسجام: السائلة.

فيقول، مشيرا إلى الحمى: إذا ما فارقتني بعد طول المضاجعة، وتاركتني بعد شدة الملازمة، وأعقبتني من العرق ما هو كالغسل، وأحدثت علي به ضربا من الشغل، حتى كأننا عاكفان على حرام، نفترق عنه، ونستأنف الاغتسال منه.

ثم قال: كأن الصبح يطردها عني بما تحذره من الرقبة، ويفصلها بما هو عليها في الزيادة من الريبة، فتفارقني باكية، وتولي عني مشفقة، فتبلني بدمعها، وتوددني بما تظهر لمفارقتي من حزنها.

ثم قال: أراقب وقتها مراقبة الحذر، وأتعهده تعهد المنتظر، ويوجب ذلك شدة الإشفاق والتوقع، لا شدة الاشتياق والتطلع، وهي مع ذلك ملازمة غير متوقعة،

ومعاودة غير متخلفة.

ثم قال: ويصدق ما تعد به من العودة فلا تخلفه، وتلتزم الوفاء فيه فلا تغفله، والصدق في ذلك شر لك؛ لأنه يقودك إلى ما تكرهه، ويورطك فيما تحذره وتتوقعه.

أَبِنْتَ الدَّهْرِ عِنْدي كُلُّ بِنْتٍفَكَيْفَ خَلَصْتِ أَنْتِ مِنَ الزَّحَامِ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
جَرَحْتِ مُجَرحاً لم يَبْقَ فِيْهِمَكَانٌ لِلسُّيُوفِ ولا السَّهامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

يقول: وهو يخاطب الحمى: أبنت الدهر، الطارقة من حوادثه، وناشئته الواردة من مكارهه، عندي كل بنت من نكباته يحدثها، وكل طارقة من صروفه يبعثها، فكيف خلصت أنت من زحام تلك الحوادث الواردة، وتضايق تلك النوائب القاصدة؟! فسمى الحمى بنت الدهر على سبيل الاستعارة، وأشار بما ذكره إلى اعتماد الدهر له بما يكرهه، وشدة تكرره عليه بما يؤلمه.

ثم قال، وهو يخاطب الحمى، ويشير إلى نفسه: جرحت مجرحا قد نهكته خطوب الدهر، وبالغته بما يقصده من الضر، فلم يبق فيه للسيوف مكان تناله بالضرب، ولا للسهام بقية تعتمدها بالرمي، فأشار إلى سوء حاله، ومبالغة الألم له، وشدة اغتراء الزمان به، وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة والتجوز.

ألا يا لَيْتَ شِعْرَ أتُمْسيتَصَرَّفُ في عِنَانٍ أو زِمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وَهَلْ أَرْمِي هَوَايَ بِراقِصاتٍمُحَلاَّةِ المَقَاوِدِ بِاللُّغَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الشعر: مصدر شعرت بالشي، إذا انتبهت له، ونسب ذلك إلى يده على سبيل الاستعارة، والزمام: المقود الذي يصرف به البعير، وهو له كالعنان للفرس، واللغام: ما ترمي أفواه الإبل من الزبد، والراقصات: التي كأنها تتوائب في سيرها، والإبل توصف بذلك.

فيقول مستبطئا لما كان يهم به من الارتحال عن مصر، ومشيرا إلى تأسفه على

طول المقام بها: ألا ليت شعر يدي هل لها سبيل إلى عدم التضجع في مصر، والتخلص منها بتصريف أزمة الإبل في السير، وأعنة الخيل في العدو، فأصير إلى ما اعتدته، وأعمل نفسي فيما عهدته وعرفته؟!

ثم قال: وهل تؤول الحال بي إلى أن أرمي ما أحاوله وأرغبه، وأهواه وأؤمله، براقصات من الإبل أحثها في السير، وأحهدها وأداومها به، واستعجلها حتى يصير لعابها على أزمتها كأنه حلي يشملها، ونظام يحسنها.

فَرُبَّتَما شَفَيْتُ غَلِيْلَ صَدْريبِسَيْرٍ أو قَنَاةٍ أو حُسَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وَضَاقَتْ خُطَّةٌ فَخَلَصْتُ مِنْهاخَلاصَ الخَمْرِ مِنْ نَسْجِ الفِدامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وَفَارَقْتُ الحَبِيْبَ بِلا وَدَاعٍوَوَدَّعْتُ البِلادَ بِلا سَلاَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

غليل الصدر: حرارته، والخطة: الحالة، والفدام: آلة تكون على فم الإبريق تصفى بها الخمر.

فيقول: فربتما شفيت صدري من حره، وداويته من سقمه، بسير استعمله في رحلة، وقناة أو سيف أصرفهما في غزوة.

ثم قال: ورب خطة ضيقة، صعبة متعذرة، خلصت منها بعزم نافذ، وأقدمت عليها بقلب صارم، واقتحمت بين شدائدها، ونفذت في مكارهها، وخرجت عنها خروج الخمر من الفدام، التي لا يمسكها بضيق مخارجه، ولا يوقفها بدقة مسالكه.

ثم قال: وفارقت الحبيب عند ذلك على عمل أذهلني عن مرغوب الوداع، وودعت البلاد على شغل عوقني عن معهود السلام، يريد: أنه على عادة من الوقوع تحت مخاوف الطلب، وعلى قوة من التقحم على مكاره الغرر.

يَقُولُ لِيَ الطَّبيبُ: أَكَلْتَ شَيْئاًوَدَاؤُكَ في شَرَابِكَ والطَّعَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
وما في طِبَّهِ أَنَّي جَوَادٌأَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبَّرَ في السَّراياوَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
فَأُمْسِكَ لا يُطَالُ لَهُ فَيَرْعىوَلاَ هُوَ في العَلِيقِ ولا اللَّجامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الجواد: الفرس الكريم، والجمام: الدعة وقلة التعب، والقتام: الغبار، والعليق: القضيم الذي يعلق على الدابة.

فيقول: يكفني الطبيب في علتي عن الأكل، ويحذرني من الخطأ في التطعيم والشرب، على العادة المعهودة في المعالجة، وما تؤثره الأطباء من الملاطفة.

ثم قال: وما في علم الطبيب الملم بي، والمعالج المتفقد لي، أني كالجواد الذي أضر الجمام بجسمه، وبعث عليه أسباب سقمه، وهو يصلحه التعب، ويستثير قوته النجاء والطلب، فأشار إلى أنه يألف الأسفار، ويستكره الدعة والقرار.

ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر الجواد الذي كنى به عن نفسه: تعود ذلك الجواد أن يثير الغبار في الغارات، ويستعمل الجد في الغزوات، ويخرج من قتام يقطعه، إلى قتام يرهج به ويبعثه، جاهدا لا يفتر، ومعتزما لا يقصر.

ثم قال: فأمسك الآن مقصودا على ما يكرهه، ممنوعا مما يألفه ويرغبه، لا يطال له عند الرعي، ولا يتسع له في العليق والقضم، ولا يتصرف في لجامه غازيا، ولا يختال بتحمله سائرا، فأشار إلى ضبط كافور له بمصر ألطف إشارة، وعبر عن ضيق الحال فيها أحسن عبارة، وضرب لنفسه مثلا بالجواد، أبدع في استعارته، وبلغ فيه غاية البيان بكنايته.

غَإِنْ أَمْرَضْ فَما مَرِضَ اصْطِبَارِيوَإِنْ أحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعْتِزَامِي
وَإِنْ أَسْلَمْ فَمَا أَبْقَى وَلكِنْسَلِمْتُ مِنَ الحِمَامِ إلى الحِمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

الحِمَامِ: الموت.

فيقول: فإن مرضت وبالغني المرض، وحممت وخامرني الألم، فإن صبري في غاية الصحة، وعلى أفضل ما عهدته عليه من القوة، وإن حممت فإن عزمي نافذ لا تعلق الحمى به، ثابت لا تتعرض العلل له.

ثم قال: وإن أفضيت من العلة إلى السلامة، ومن المرض إلى الكفاية، فإنما أسلم من الموت ومصيري إليه، وأعدل عنه ولا بد من الورود عليه.

تَمَتَّعْ مِنْ سُهادٍ أو رُقَادٍولا تَأْمُلْ كَرى تَحْتَ الرَّجامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
فإِنَّ لِثَالِثِ الحالتَيْنِ مَعْنىسِوَى مَعْنى انْتِبَاهِكَ والمَنَامِ

السهاد: عدم الرقاد، والكرى: النعاس، والرجام: القبور، الواحد: رجم.

فيقول، وهو يخاطب نفسه: تمتع من النوم واليقظة، ومن السكون والحركة، ولا تأمل النوم في برد أباطيل الدنيا، بعد زيارة لحدك، وانصرام عمركن فإن الموت يهدم اللذات، وينقل عن معهود الراحات.

ثم قال: وتيقن أن بعد اليقظة والنوم معنى ثالثا من الحق، وحالا منتظرة من الجد، هي غير هذه الأباطيل، وخلاف هذه التكاذيب، فلتلك الحال فاعمل بجهدك، وإليها فاقصد بسعيك، فإنما تطلبك ولا تغفلك، وتعجبك ولا تمطلك.

قدم أبو شجاع فاتك (المعروف بالمجنون) من الفيوم إلى مصر، فواصل أبا الطيب، وحمل إليه هدية قيمتها ألف دينار، فقال يمدحه، أنشدها لتسع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.

لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مَالُفَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لم يْسْعِدِ الحَالُ
للشاعر محمد الحسين كاشف الغطاء، اقرأ القصيدة
واجْزِ الأَمِيْرَ نُعْمَاهُ فَاجِئَةٌبِغَيْرِ قَوْلٍ ونُعْمَى النَّاسِ أَقْوَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»
فَرُبَّما جَزتِ الإحْسَانَ مُوْلِيَهُخَرِيْدَةٌ مِنْ عَذَارى الحَيَّ مِكْسَالُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفاجئ من الأمور: الذي يرد بغتة، والخريدة: الحيية من النساء، والعذارى: الأبكار، والمكسال من النساء: التي لا تكاد تبرح من موضعها.

فيقول مخاطبا لنفسه، ومشيرا إلى ما ابتدأه به فاتك من فضله: لا خيل عندك تقارض بها من تاحفك بخيله، ولا مال تجازي به من وصلك بماله، فإذا قصر بك يسارك ووفرك، فليسعدك على المقارضة لسانك وشكرك.

ثم قال مشيرا إلى فاتك: وأجز الأمير الذي يفجأ إنعامه وفضله، فيسبقان مقاله ووعده، وأكثر نعم الناس أقوال لا حقيقة لها، وعدات لا يتصل الإنجاز بها.

ثم قال: فربما جزت الإحسان الخريدة الحفرة، والعذراء المكسال المستترة، بحسن اعترافها بالفضل، ومقابلته ببذل المجهود في الشكر. ومن قابل الإحسان بنشره، فهو كمن جازى عليه بفعله.

وإِنْ مُحْكَمَاتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُنيظُهُورَ جَرْيٍ فَلِي فِهن تَصْهَالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»
وَمَا شَكَرْتُ لأَنَّ المَالَ فَرَّحَنِيسِيَّانَ عِنْدي إكثارٌ وإقلاَلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»
لكِنْ رَأَيْتُ قَبيْحا أَنْ يُجَادَ لَنَاوَأَنَّنا بِقَضَاءِ الحَقَّ بُخَّالُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

المحكمات: المتقنات، والشكل: القيود، الواحد: شكال، والتصهال: صوت الفرس، والسيان: المثلان، والبخال: أهل الشح والضنانة، واحدهم باخل.

فيقول: وإن قيود الإقلال، ومحكمات شكل الإقتار، تمنعني من مجازاة أهل الكرم، ومساواة المتفضلين بالنعم، فلي فيهم بما أنظمه من الشعر، وما أخلده من الشكر،

تصهال يخبر عما أنويه وأضمره، ومقال يعرب عما أريده واعتقده، كما أن الفرس الكريم إذا عاقته الشكل عن جريه، دل صهيله على عتقه.

ثم قال: وما اشكر فرحا بالمال، وارتياحا له، وحرصا عليه، واعتزازا به، فسيان عندي الإكثار والإقلال، والسعة والإقتار؛ لما اعتقده من القناعة، واحتمل عليه من النزاهة، والمكثر والمقل متفقان في فراق حاليهما على عجل، والمتاركة لهما على غير مهل. فأمور الدنيا فانية، وعواريها منقطعة زائلة.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.