تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الكافوريات (٣)

يقول: أصادق نفس المرء بمشاكلتي له من قبل جسمه، وأصافيه بمناسبتي إياه من قبل أن يفاتحني بلفظه، وأعرف حال نفسه في فعله وتكلمه، وإشارته وتصرفه.

ثم قال: وهو يشير إلى إعراضه عن مقارضة تقصير سيف الدولة به: وأحلم عن خلي تمسكا بمحبته، وضنانة بما أحرزته من مودته، وأعلم أني إذا جازيته بالحلم على جهله، والصبر على ما قدمه من سوء فعله، أصاره ذلك إلى الندم والإنابة، والإنصاف والاستقامة.

ثم قال، وهو يشير إليه: وإن بذل الإنسان لي من نفسه جود عابس مستكره لجوده، مستثقل لما يسمح من بذله، جزيته بجود تارك عفيف عما وهبه، معرض زاهد فيما بذله، مستبشرا من ذلك بما افعله، متبسما غير مستثقل لما أؤثره.

وأَهْوَى مَنَ الفِتْيَانِ كُلَّ سُمَيْدَعٍنَجِيْبٍ كَصَدْرِ السَّمْهَرِيَّ المُقَوَّمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
خَطَتْ تَحْتَهُ العِيْسُ الفَلاَةَ وخَالَطَتْبِهِ الخَيْلُ كُبَّاتِ الخَمِيسِ العَرَمْرمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولا عِفَّةَ في سَيفِهِ وَسِنَانِهِولكِنّهَا في الكَفَّ والفَرْجِ والفَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

السميدع: السيد الكريم، والنجيب: الظاهر السيادة، والسمهري: الرمح الصلب، وصدره: أعلاه، وخطت: قطعت بخطوها، والعيس: البيض من الجمال، والبياض فيها من شواهد الكرم، والكبات: القطع العظيمة من الإبل، الواحدة كبة، والخميس: الجيش، والعرموم: الكبير، والعفة: اجتناب المحارم.

فيقول: وآلف من الفتيان كل كريم سيد، نجيب أوحد، جريء نافذ، شجاع صارم،

كصدر الرمح في قوته وإقدامه وشدته.

ثم أكد وصفه بالجلد، فقال: جرب الأسفار وعرفها، وباشر الفلوات وقطعها، ونفذ في الحزومة بقوته، وخالطت به الخيل كبات الجيوش بجرأته.

ثم وصفه بجرأة النفس، وشدة البطش، فقال: إنه لا عفة في سيفه ورمحه؛ لمبادرته إلى الحرب، وتسرعه إلى الطعن والضرب، ولكن العفة في كفه؛ بإمساكه عن مكروه المكاسب، وفي فرجه بتنزهه عن إتيان المحارم، وفي فمه بترفعه عن القول بالمآثم.

وما كُلُّ هاوٍ لِلْجميلِ بِفَاعلٍولا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
فِدىً لأَبي المِسْكِ الكِرامُ فَإِنَّهاسَوابِقُ خَيْلٍ يَهْتَدينَ بأَدْهَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
أَغَرَّ بِمَجْدٍ قَدْ شَخَصْنَ وَرَاَءهُإِلى خُلُقٍ رَحْبٍ وخَلْقٍ مُطَهَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

الرحب: الواسع، والمطهم: التام.

فيقول: وما كل من يهوى الجميل يفعله، ولا كل من يبتديه يتممه، فرب من يحب الشيء ولا ييسر لفعله، وبتديه ولا يتممه على وجهه.

ثم قال: فدى الله أبا المسك بجميع الكرام، وأولي الفضل والإنعام، فإنهم وإياه كخيل تتسابق في الجري، وتتبارى في العدو، وقد بذها وسَبقها، وبرز عليها وتقدمها، أدهم تهتدي بفعله، وتسعى جاهدة على أثره. وأشار بقوله أدهم إلى سواد كافور، وأنه لا يخل به مع فضله وكرمه، كما لا تخل الدهمة بالفرس العتيق مع سبقه وتقدمه.

ثم قال مؤكدا لما ذكره: وذلك الأدهم أغر، قد وسمه مجده، ورفعه من المتسابقين في الكرم فضله، فشخصت أبصارهم منه إلى خلق رحب معظم، وخلق مستحسن مطهم. وكنى بالخيل وسابقها عن الكرام وفاضلها.

إِذا مَنَعَتْ مِنْكَ السَّيَاسَةُ نَفْسَهافَقِفْ وَقْفَةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
يَضِيقُ عَلَى مَنْ راَءهُ العُذْرُ أَنْ يُرَىضَعِيْفِ المَسَاعِي أَو قَلِيْلَ التَّكَرُّمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لمساعي: المطالب، وراءه: مقلوب من رآه، تقول العرب: رأى وراء.

فيقول: إذا منعت السياسة من محاولها نفسها، وصعب عليه أن يدرك علمها، فليقف قدام كافور وقفة، وليشهد أوامره ساعة، يتعلم من ذلك ما يكتفي بعلمه، وينكشف له منه ما يستغني بمثله.

ثم قال: يضيق العذر على من رآه وشهده، ووصل إليه وأبصره، في أن يضعف عن سعي يحاوله، أو يقصر في كرم يتناوله؛ لأن سعادته تقرب المطالب، ومشاهدته تعلم المكارم.

ومَنْ مِثْلُ كافُورٍ إذا الخَيْلُ أَحْجَمَتْوكانَ قَليلاَ مَنْ يقولُ لها أَقْدُمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
شَدِيدُ ثَباتِ الطَّرْفِ والنَّقْعُ وَاصِلٌإِلى لَهَواتِ الفَارسِ المُتَلَثَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

الإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والنقع: الغبار، واللهوات: أقصى الفم، الواحدة: لهاة، والتلثم: التقنع بالعمامة ونحوها.

فيقول: ومن مثل كافور في الرؤساء، والمذكورين من الأمراء، إذا أنفذت الحرب وأحجمت الفرسان عن تقحمها، واضطرمت فجبنت الكماة عن تورطها، وكان قليلا منهم من يقول للخيل أقدمي غير متهيبة، واقتحمي غير متثبطة. يشير إلى نفاذ كافور في الشدائد، واعتياده للتقدم في الملاحم.

ثم قال: إنه شديد ثبات الطرف في تلك المواقف، متمكن النظر في تلك المضائق، لا يعتريه دهش المخافة، ولا يضطرب بصره من المهابة، والرهج ثائر بتطاول الفرسان، والعجاج ساطع بتنازل الأقران، فليس تعتصم منه لهوات الفارس المتلثم لكثرته، ولا تمتنع عليه لتكاثف جملته.

أَبَا المِسْكِ أَرْجُو مِنْكَ نَصْراً على العِدَاوآملُ عِزًّا يَخْضِبُ البِيْضَ بالدَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وَيَوْماً يَغِيظُ الحاسِدِيْنَ وحَالَةًأُقيمُ الشَّقا فيها مَقَامَ التَّنَعُّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولَمْ أَرْجُ إِلاَّ أَهْلَ ذاكَ ومَنْ يُرِدْمَواطِرَ مِنْ غَيْرِ السَّحائِبِ يَظْلِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

يقول لكافور: أبا المسك أرجو منك نصرا على من أعاديه، واستظهارا على ما أحاوله وأرتجيه، وأؤمل بك عزا أصل به إلى ما أطلبه، وأظفر ما أحاوله وأرغبه، وأخضب السيوف بدماء المخالفين لي، وأعملها في قتل المعترضين علي.

ثم قال: وأرجو أن أدرك بك يوما أظهر فيه وأغلب، وأتمكن وأقدر، وأغيظ الحاسدين لي على فضلك، والمنافسين في تقلبك وبرك، وأقيم الشقاء بما أتقلده في ذلك اليوم من الحرب، واحمل نفسي عليه من الكره مقام التنعم واللذة، وأجعله بدل الرفاهية والراحة.

ثم قال: ولم أرج منك إلا أهل ما آمله، والجدير بتحقيق ما أرغبه، ومن يرد المطر من غير السحاب فقد أخطأ رأيه، واستبان لجميع الناس عجزه، وكذلك من يصرف أمله إلى غيرك في استحداث نعمة، واستجلاب سلطان ورفعة، فقد ضل عن رشده، وعمي عن سبيل قصده.

فَلَو لَمْ تَكْنْ في مِصْرَ سِرْتُ نَحْوهابقَلْبِ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ المُتَيمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولا نَبَحَتْ خَيْلي كِلابُ قَبَائِلٍكَأَنَّ بِها في اللَّيْلِ حَمْلات دَيْلَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ولا اتَّبَعَتْ آثارَنا عَيْنُ قَائِفٍفَلَمْ تَرَ إِلاَّ حَافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

المشرق: الشديد الشوق، والمستفهام: الذي غلب الحب على عقله، والمتيم: الذي تعبده الحب، والديلم: طائفة معروفة من عجم المشرق، شديد بأسهم، والقائف: الذي يتبع الأثر، والمنسم: مقدم ثفنة البعير، وهي منه بمنزلة الظفر من الإنسان.

فيقول لكافور: فلو لم تكن في مصر ما قصدتها كلفا بقصدها. مشغوفا بالوصول إلى أرضها، أحن نحوها حنين المستهام إلى إلفه، المشوق المتيم إلى حبه.

ثم قال: ولولا ما آثرته من قصدك، وشغفت به من اعتماد أرضك، ما تجشمت

قطع المهامه النائية، والقفار التي لا تنزلها القبائل إلا منفردة، ولا تحل بها إلا مستوحشة، فلكلابها لشدة إنكارها للأنيس على من قاربها منهم، حملات كحملات الديلم في شدتها، وما هي عليه من تمكن قوتها.

ثم قال على نحو ما قدمه: ولا اتبعت آثارنا عين قائف يقفو سبيلنا، ويتحسس خبرنا، فلا يرى إلا حافر فرس على آثار منسم بعير. يشير إلى أنه ومن كان معه جنبوا الخيل مرتجين لها، وركبوا الإبل سائرين بها.

وَسَمْنَا بها البَيْداَء حَتَّى تَغَمَّرَتْمِنَ النيْلِ واسْتَذْرَتْ بِظِلَّ المُقَطَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وأَبلَجَ يَعْصِي باخْتِصِاصِي مُشِيْرَهُعَصَيْتُ بِقَصْدَيْهِ مُشيريِ ولُوَّمِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فَسَاقَ إِليَّ العُرْفَ غَيْرَ مُكَدَّرٍوَسُقْتُ إِليهِ الشُّكْرِ غَيْرَ مُجَمْجَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

الوسم: العامة، وسمت الشيء: إذا أثبت فيه علامة يعرف بها، والبيد: جمع بيداء، وهي الأرض المقفرة، وغمرة الماء مجتمعه، والتغمر: الدخول في الغمرة، والنيل: نهر معروف، والاستذراء بالشيء: التستر به، والمقطم: جبل يقرب من مصر، والأبلج: الطلق الوجه بالمعروف، والمجمجم من الكلام: الملتبس الذي لا يتبين.

فيقول: وسمنا البيداء بآثار ما ركبناه من الإبل، وجنبناه من الخيل، حتى وردت بنا غمار النيل، نهر مصر، واستذرت بظل جبلها، وأشار إلى أنه اعتمد في سيره القفار المتروكة، والطرق المعهودة، فصار آثار إبله وخيله فيها كالسمات المستغربة، والعلامات المشتهرة.

ثم قال مشيرا إلى كافور: ورب أبلج من الملوك، يعصي المشير عليه بالاقتصار فيما خصني به من بره، ويعرض عنه فيما أسبغه علي من فضله، عصيت من أشار علي بالتأخر عن قصده، وأعرضت عن اللائم لي في الرحلة إلى أرضه.

ثم قال: فساق إلي عرفه كثيرا غير مقلل، وهنيئا غير مكدر، وسقت إليه شكري صريحا لا أجمجم في ذكره، ووافرا لا أقصر في نشره، فقارضته عما أسدى إلي

من الفضل، بما خلدت فيه من بدائع الشعر.

قد اخْتَرْتُكَ الأمْلاَكَ فاخْتَرْ لَهُمْ بِناحَدْيْثاً وقَدْ حَكَّمْتُ رَأيَكَ فاحْكُمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
فَأَحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍوأَيْمَنُ كَف فِيْهِمُ كَفُّ مُنْعِمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وأَشْرَفُهُمْ مَنْ أَشْرَفَ هِمَّةًوأَكْثَرَ إِقْداماً على كُلَّ مُعْظَمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اليمن: البركة، ومعظم الشيء: أعظمه وأكثره.

فيقول لكافور: قد اخترتك من بين الملوك بقصدي لك، واختر لهم بي وبك حديثا كريما فيما تخصني به من إكرامك، وتظهره علي من تفضلك وإنعامك، وقد حكمت رأيك فيما أملته بك، ووثقت بكرمك فيما ضمنته لنفسي عنك، فاحكم غير متهم في حكمك، ولا مقصر فيما ترضاه لي من برك. ثم قال: فأحسن الوجوه وجه محسن، يرتهن جزيل الشكر بفضله، وأيمن الأكف كف منعم، يخلد كريم الذكر ببذله.

ثم قال على نحو ما قدمه: وأحق الناس بالشرف والرفعة، وأجدرهم بعلو الرتبة، من كان أشرفهم نفسا وهمة، وأثبتهم نفاذا وقوة، وأكثرهم إقداما على كل ما عظم من الأمور فتهيب، وكبر منها فحذر وتوقع.

لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إِذا تُرِدْ بهاسُرورَ مُحِب أو مَساءة مُجْرِمِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَقَدْ وَصَلَ المُهْرُ الذي فَوْقَ فَخْذِهِمِنْ اسْمِكَ ما في كُلَّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
لكَ الحيوانُ الرَّاكِبُ الخَيْلَ كُلُّهُوإِنْ كان بالنَّيرانِ غَيْرُ مَوَسمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

الوسم: العلامة.

فيقول لكافور: لمن تطلب الدنيا جاهدا في طلبها، وتنافس فيها مظهرا للصبابة بها، إذا كنت لا تقصد بها سرور محب تعليه وتظهره، ومساءة عدو تضعه وتخمله؟! وألم بهذا البيت بقول بعض العرب، وقد سئل، فقيل له: ما السرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.

ثم قال مشيرا إلى المهر الذي قاد إليه: وقد ورد المهر الذي فوق فخذه من اسمك، ومن تعليمك ووسمك، كالذي في الأعناق والمعاصم من آثار نعمك، وشواهد عوارفك ومننك. يريد أنه يسم الناس بالإحسان، كما يسم الخيل بالنيران، واعتمد الأعناق والمعاصم؛ لأنها المواضع المعتمدة من المتملكين بالوسم، وقد تقدم الشاهد على ذلك.

ثم قال: وكل من يركب الخيل معترفون بملكك، مستعدون بما أحاط بهم من فضلك، على نحو ما ركبوه مما حملتهم عليه، وامتطوه مما انفردت عندهم بالإحسان فيه، وقد شهدت لك نعمك بملكهم، وأغنتك عن تكلف وسمهم.

ولو كُنْتَ أَدْري ما حَياتي قَسَمْتُهاوصَيَّرْتُ ثُلْثَيْها انْتِظَاركَ فاعْلَمِ
ولكِنَّ ما يَمْضِي مِنَ العُمْرِ فائِتٌفَجُدْ لي بحَظَّ البادر المُتَغَنَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

البادر: الفاعل، من بدر إلى الشيء يبدر: إذا أسرع، والمتغنم: المتفعل من طلب الغنيمة.

فيقول: إن الموت لا يؤمن، وطوارق الدهر لا تغفل، وهذا يحفزني إلى استنجاز وعدك، ويسرع بي إلى اقتضاء فضلك، ولو كنت أعلم مدة حياتي، لجعلت أكثرها في انتظار ما ارقبه منك، وأضمنه لنفسي عنك.

ثم قال: ولكن ما يمضي من العمر فائت لا يلحق، وما ينصرم منه ذاهب لا يدرك، فجد لي منك بحظ عاجل، أفوز به فوز البادر إليه، وأسر بموضعه سرور المتغنم الحريص عليه.

رَضِيْتُ بما تَرْضى بِهِ لي مَحَبَّةَّوَقُدْتُ إِليكَ النَّفْسَ قَوْدَ المُسَلَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ومِثْلُكَ مَنْ الوَسِيطُ فُؤادُهُفَكَلَّمَهُ عَنَّي ولم أَتَكَلَّمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

المسلم: الراضي بما يفعل فيه، والوسيط: المتوسط، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وسط يسط، والفؤاد: القلب.

فيقول لكافور: رضيت لنفسي من فضلك بما ترضى به، وسلمت لجميع ما تراني أهلا له، وقدت نفسي إليك قود واثق بفضلك، مسلم لما يتيقنه من اعتلائك ومجدك. ثم قال مشيرا إلى استنجاز وعده، واقتضاء ما أمله من فضله: ومثلك من كان له من قلبه مذكر باعث، ومن كرمه محرك حافز، فقال عني ما أرغبه وإن صمت، وحرك في جهتي إلى ما آمله وإن سكت.

وجرت وحشة بين الأمير أبي القاسم وكافور مديدة ثم اصطلحا، فقال أبو الطيب في ذلك:

حَسَمَ الصُّلْحُ ما اشْتَهَتْهُ الأَعادِيوأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الحُسَّادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبيرُكَ ما بَيْنَها وبَيْنَ المُرَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الحسم: القطع، والإذاعة: الإفشاء.

فيقول: حسم صلح كافور لأبي القاسم بن الإخشيد مولاه، ما كانت أعداء دولتهما تشتهيه وترتغبه، وترتجيه وتؤمله، وانقطع ما كانت ألسن الحساد تذيعه من الأسباب الداعية إلى الفرقة، والموجبة للاختلاف والوحشة.

ثم قال: وانحسم بهذا الصلح ما تطلعت إليه أنفس أعداء، حال تدبيرك، أيها الأستاذ، بينها وبين ما أرادته من إيهان الدولة، وما أجرت إليه من نفوذ دواعي الفتنة.

صَارَ مَا أَوْضَعَ المُخِبُّونَ فِيْهِمِنْ عِتَابٍ زِيَادَةً في الوِدَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وَكلامُ الوُشَاةِ لَيْسَ على الأَحْبابِ سُلْطَانُهُ على الأَضَّدادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
إِنَّما تَنْجَحُ المَقَالَةُ في المَرْءِ إِذا وَافَقَتْ هَوًى في الفُؤَادِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الإيضاح في الشيء: الإسراع فيه، والمخب: المجتهد في الشيء، والعتاب: إظهار السخط، والوشاة: النمامون، والأضداد: المختلفون من جميع جهاتهم، والفؤاد: القلب.

فيقول مخاطبا لكافور: صار ما أوضح فيه المخبون، من تسبيب العتاب بينك وبين الأمير أبي القاسم بن الإخشيد، زيادة في وداده لك، وموجبا لاستحكام ثقته بك؛ لأنك أعرضت عما سببوه، ولم يخف عنك كذبهم فيما نقلوه، فاسترضيته بكريم معاملتك، وعذت فيما أنكره بحلمك ومجاملتك.

ثم قال: وكلام الوشاة وسعيهم، واحتيالهم وبغيهم، لا ينجحان في أهل المحبة، ولا سلطان لهما على المعتقدين للمودة، وإنما سلطان ذلك على لأضداد المتنافرين،

والأعداء المتباغضين. فاعتقد تقديم ما أخر، وأضمر ثقة بما أظهر، وأراد: وكلام الوشاة سلطانه على الأضداد، ليس سلطانه على الأحباب، فحذف ثقة بفهم المخاطب.

ثم قال: إنما تنجح في المرء مقالة الناقل، وتثبت فيه وشاية الحاسد، إذا وفق ذلك هوى قد رسخ في قلبه، وتصديقا قد سبق إلى نفسه، وذلك أيها الأستاذ لا يخاف بينك وبين أبي القاسم الأمير، لأنك ظئره وحافظه، وظهيره وناصره.

وَلَعَمْري لَقَدْ هُزِزْتَ بِمَا قِيْلَ فَأُلْفِيْتَ أَوْثَقَ الأَطْوَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وَأَشَارَتْ بِمَا أَبَيْتَ رَجَالٌكُنْتَ أَهْدَى مِنْهَا إلى الإِرْشَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
قَدْ يُصِيْبُ الفَتَى المُشِيْرُ وَلَمْ يَجَهَدْ وَيُشْوي الصَّوابَ بَعْدَ اجْتِهَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الأطواد: الجبال، واحدها طود، والإرشاد: الإشارة بالرشد، والمشوي: الذي يخطئ المقاتل، ويصيب الأطراف.

فيقول لكافور: ولعمري لقد هزك الأعداء بقولهم، وراموا أن يستفزوك بإفكهم، فألفوك أوثق الأطواد، برجاحة رأيك، وأبعدها من الخوف بأناتك وحلمك.

ثم قال يخاطبه: وأشارت عليك محاربة الأمير أبي القاسم رجال لم ينصحوك في قولهم، ولا أصابوا في رأيهم، فكنت بما آثرته من الحلم، واحتملت عليه من الصبر، أهدى إلى السداد، وأعلم بطرق الإرشاد.

ثم قال باسطا لبعض عذر الطائفة المشيرة بالحرب، وأن ذلك غاية جهدهم، ومبلغ علمهم، وأن كافورا أربى على جهدهم بعفوه، وعلى رويتهم ببديهة رأيه: قد يصيب المشير دون اجتهاد لنفسه، ويدرك المطلوب من حقيقة الرأي بأيسر سعيه، وقد يخطئ مع الإمعان في النظر، ويحرم الصواب مع شدة البحث والطلب.

نِلْتَ ما يَنَالُ بالبِيْضِ والسُّمْرِ َصُنْتَ الأَرْواَحَ بالأَجْسَادِ
وَقَنَا الخَطَّ في مَرَاكِزِها حَوْلَكَ والمُرْهَفَاتُ في الأَغْمَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
ما دَرَوْا، إذْ رَأَوْا فُؤَادَكَ فِيْهْمسَاكِناً، أَنَّ رَاُيَهُ في لبطّرادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

البيض: السيوف، والسمر: الرماح، وقنا الخط: رماح تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف. ومراكز الرماح: المواضع التي تغرز فيها، والمرهفات: شفرات السيوف، والطراد: تجاول الفرسان.

فيقول، وهو يخاطب كافورا: نلت بسعة حلمك، وصواب رأيك، من بلوغ مرادك، واستبانة رشادك، ما لا يبلغ مثله بالسيوف والرماح، وصنت الأرواح في أجسادها عن القتل، وفقك الله لمشكور الفعل.

ثم قال مخاطبا له: وقنا الخط في مراكزها حولك ثابتة، والسيوف في أغمادها ساكنة، فأثارت الصلح مع كثرة أنصارك، وعدلت عن الحرب مع استظهارك بقوة أعوانك، فعرفك الله بركة رأيك، وتكفل لك بإنجاح سعيك.

ثم قال: ماد درى الجيش المحيط بك، إذ رأوك مقيما فيهم، ساكن القلب بينهم، أن رأي قلبك في الطراد، تمتثل وجوه عواقبه، وتتأهب لتصريفه على حقائقه، فآثرت الصلح مع قوتك على الحرب، وتكفل الله لك في ذلك بأجمل الصنع.

فَفَدَى رَاُيَكَ الذي لم تُفَدْهُ كُلُّرَأْيٍ مُعَلَّمٍ مُسْتَفَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وإِذا الحِلْمُ لم يَكُنْ في طِبَاعٍ لميُحَاَّمْ تَقَدُّمَ المِيْلاَدِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطباع: الطبيعة.

فيقول مخاطبا لكافور: ففدى رأيك الذي لم تفده بالدلالة عليه، ولا أدركته بالإرشاد إليه، وأفادك إياه شرف طبعك، وما أنت عليه من سعة حلمك، كل رأي يستفاد بالتعلم، ويستظهر عليه بطول التبين.

ثم قال: وإذا الحلم لم يبعث عليه كرم الخلقة، ولا استفاده صاحبه بشرف الجبلة، لم تبعث عليه الأعمار الطويلة، ولا أرشدت إليه المواليد القديمة. وهذا البيت من الأمثال السائرة، والمثل أرفع أبواب البديع.

فَبهذا وَمِثْلِهِ سُدْتَ يا كافُورُ واقْتَدْتَ كُلَّ صَعْبِ القِيَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وَأَطَاعَ الذي أَطَاعَكَ والطَّاعَةُ لَيْسَتْ خَلائِقُ الآسادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
إِنَّما أضنْتَ والِدٌ والأبُ القاطِعُ أَحْنَى مِنْ وَاصِلِ الأَوْلاَدِ

اقتدت الشيء، وملكت قياده، إذا ارتهنت طاعته، والحنو: الانعطاف بالمودة.

فيقول: فيما ذكرته من سعة حلمك، ووصفته من قوة حزمك، وبأمثال ذلك من ضروب فضلك، أحرزت السيادة، واستحققت الرئاسة، واقتدت كل من صعب قياده، وأدركت كل ما بعد مثاله.

ثم قال: وبذلك أطاعك من أهل المنعة والإقدام والقوة، فألزمتهم طاعتك، وإن كانت الطاعة ليست بمعهودة من مثلهم، لأنهم آساد، والآساد تحذر صولتها، ويتعذر انقيادها وطاعتها.

ثم قال: وإنما أنت للأمير أبي القاسم كالوالد المشفق، وكالأب الملطف، والأب وإن أظهر القسوة على ابنه، فهو أشد إشفاقا من الابن، وإن أظهر المبالغة في بره.

لا عَدَا الشَّرُّ مَنْ بَغَى لَكُما الشَّرَّوَخَصَّ الفَسَادُ أَهْلَ الفَسَادِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أَنْتُمَا ما اتَّفَقْتُمَا الجِسْمُ والرُّو- حُ، فلا احْتَجْتُما إلى العُوَّادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وإِذَا كانَ في الأَنابيبِ خُلْفٌوَقَعَ الطَّيْشُ في صُدورِ الصَّعادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

العواد: الزوار في العلل، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، الواحد: أنبوب، والطيش: اضطراب على غير قصده، والصعاد: جمع صعدة، وهي القناة، وصدورها: أعاليها.

فيقول مشيرا إلى كافور وإلى الأمير أبي القاسم: لا عدا الشر، ولا بعد عنه، ولا فاته ولا تخلص منه، من بغى لكما الشر من حساد نعمتكما، وأعداء دولتكما، وخص بالفساد وأصيب به، ولقيه وعرض له، المتسببين للفساد بجهدهم، الحاملين عليه بمذموم سعيهم.

ثم قال، وهو يريد أبا القاسم وكافورا: أنتما إذا اتفقت مذاهبكما، والتأمت أموركما، كالجسم والروح، اللذين بالتآمهما تكون الحياة والصحة، وباصطحابهما تحرز السلامة والقوة، فلا احتجتما إلى العواد، الذين إنما يعتادون من شكا العلة، ويفتقدون من عدم الصحة. وأشار بهذه العبارة إلى ما رغبه لهما من حسن المؤالفة، واطراح ما حذره عليهما من الاختلاف والمنافرة.

ثم قال: وإذا كانت أنابيب الرماح مختلفة غير متفقة، ومتظافرة غير ملتئمة، طاشت صدورها في الحرب، وقصرت عند ما تستعمل فيه من الطعن، وكذلك يقول لكافور وأبي القاسم بن الإخشيد: وإن اختلفت اراؤكما، وتنافرت اهواؤكما، أخل ذلك بهيبتكما، وعاد بالفساد على دولتكما. وهذا البيت جمع [وجهين]؛ انه مثل سائر، وعجيب من الإشارة نادر، وكلا الوجهين مقدم في بديع الكلام.

أَشْمَتَ الخُلْغ_فُ بالشُّرَاةِ عِدَاهَاوَشَفَى رَبَّ فَارِسٍ مِنْ إِيَادِ
وَتَوَلَّى بَنِي اليَزِيْديَّ بالبَصْ- رَةِ حَتَّى تَمَزَّقوا في البِلادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وَمُلُوكَاً كَأَمْسٍ في القُرْبِ مِنَّاوكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الخلف: الاختلاف، والشراة: الخوارج، ورب فارس: كسرى ملكهم، ومن ملك شيئا فهو ربه، وإياد بن نزار: أخو مضر وربيعة ابني نزار بن معد، وكان ولده قد كثر عددهم، وقوي أمرهم، واشتدت على الفرس شوكتهم، ثم اختلف ما بينهم، وقاتلتهم الفرس فظهروا عليهم، وأفنوا عددهم، وبنو اليزيدي: كتاب وثبوا بالبصرة في خلافة المقتدر، فعظم شأنهم، وفخم أمرهم، وكانوا اخوة ثلاثة، ثم شجر ما بينهم فقتل أكبرهم أوسطهم، فكان ذلك سببا لانتقاض أمرهم، وتلف جميعهم، وطسم وأختها جديس: قبيلتان من العرب العاربة، هلكتا في قديم الدهر بحروب جرت بينهم.

فيقول لكافور ولأبي القاسم بن الإخشيد، مرغبا في الائتلاف، ومحذرا من عواقب

الاختلاف: أشمت الاختلاف بالخوارج المهلب وأصحابه، ففل حدهم، وأباد جمعهم، وأشار إلى الاختلاف الذي وقع بين قطري بن الفجاءة وعبد ربه

ثم قال: وكذلك أوجب الاختلاف على بني اليزيدي بالبصرة فساد دولتهم، وذهاب نعمتهم.

ثم قال: وكذلك أصاب الاختلاف ملوكا يكثر ذكرهم، ويطول عددهم، منهم من هو كأمس في قرب عهده، ودنو أمره، ومنهم أمم سالفة، وقرون ماضية، كطسم وجديس أختها، وجميعهم أهلكهم التخالف، وأبادهم التدابر، فحذر كافورا وأبا القاسم بن الإخشيد من الاختلاف الذي [في] تمزقه زوال الدول، وتغيير النعم، ووعظهما بمن تقدمهما من الملوك الأولين، والرؤساء السالفين.

بكُمَا بِتُّ عَائِذاً فِيْكَمَا مِنْهُ وَمِنْ كَيْدِ كَلَّ بَاغٍ وَعَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
وَبِلُبَّيْكَمَا الأَصِيْلَيْنِ أَنْ تَفْرُق صُمُّ الرَّماحِ بَيْنَ الجِيادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
أَوْ يَكُونَ الوَلِيُّ أَشْقَى عَدُوًّبالَّذي تَدْخرانِهِ مِنْ عَتَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

العائذ: المستجير، والضمير في منه راجع إلى الاختلاف، والباغي: معروف، والعادي: الظالم، واللب: العقل، والأصيل: الثاقب،

وصم الرماح: صلابها، والجياد: الخيل الكريمة، والذخر: المال المصون، والعتاد: ما اتخذ للدهر عدة.

فيقول لكافور ولأبي القاسم: بكما أيها الرئيسان، وبما بلوته من سعة حلمكما، وتظاهر فضلكما، بت مستجيرا فيكما من كيد كل من يبغي المكروه لكما، ويتعدى فيما ينقله من النمائم بينكما.

ثم قال: وبلبيكما الأصيلين، وطبعيكما الكريمين، أستجير فيكما من أن تؤول أموركما إلى الحرب التي تفرق فيها صم الرماح بين الخيل، بتطارد الفرسان، وتطاعن الأقران.

ثم قال: ويكون عند ذلك وليكما أشقى عدو لكما، ما تستعملانه في حربكما مما ذخرتماه من عتادكما، وما تستظهران به من خيلكما وسلاحكما، فبكما وبلبيكما استجير فيكما من هذه الحال ووحشتها، ومكروهها وسوء مغبتها.

هَلْ يَسُرَّنَّ بَعْدَ مَاضٍما تَقُولُ العُدَاةُ في كُلَّ نادِ
مَنَعَ الوُدُّ الرَّعَايَةُ والسُّؤْدَدُ أَنْ تَبْلُغَا إلى الأَحْقَادِ
وحُقُوقٌ تُرَقَّقُ القَلْبَ لِلْقَلْبِ ولَوْ ضُمَّنَتْ قُلُوبَ الجَمَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

النادي: المجلس يجتمع فيه القوم، والرعاية: المحافظة، والحقد: إضمار العداوة، وجمعه أحقاد، والجماد: ما لا يعقل ولا يحس كالصخور والجبال وما أشبهها، وجعل لها قلوبا على سبيل الاستعارة.

فيقول لكافور ولأبي القاسم: هل يسرن من يبقى منكما بعد صاحبه إذا فارقه على حال مشهورة من المقاطعة، وسبيل مكشوفة من المقاتلة، ما يقول به الأعداء في كل ناد من الأول التي لم أوجبها الشماتة، وتحمل عليها العداوة؟.

ثم قال: منع الود والرعاية، والكرم والسيادة، من أن تبلغا إلى الضغائن والحقد، وتقدح النميمة فيما بينكما من كرم العهد.

ثم قال: ويمنع من ذلك حقوق ترقق القلوب وتعطفها، وتعدل بها عن القطيعة وتصرفها، ولو ضمنت قلوب الجماد في قسوتها، وكانت على ما هي عليه من غلظها وخشونتها.

فَغَدَا المُلْكُ بَاهِراً مَنْ رَآهُشَاكِراً ما أَتَيْتُما مِنْ سَدَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
فِيْهِ لأَيْديْكُما على الظَّفَرِ الحُلْ- وِ وَأَيْدي قَوْمٍ على الأكْبادِ

الباهر: الغالب، والسداد: الصواب.

فيقول مخاطبا لكافور وأبي القاسم: فغدا الملك بصلحكما وما أنعم الله به من التئام أمركما، باهرا لمن رآه بحسنه، غائظا لمن حاول أن يكيده ببغيه، شاكرا على ما

آثرتماه من الموادعة، مبتهجا بما احتملتما عليه من المسالمة.

ثم قال: قد تواصلت فيه أيديكما على الظفر والنصر، وتوافقت على مشكور الفعل، وأيدي الساعين بالفساد على أكبادهم، لشدة ألمها، وما أودعها الله باتفاقكما من تغيظها وسقمها.

هذِهِ دَوْلَةُ المَكَارمِ والرَّأْفَةِ والمَجْدِ والنَّدَى والأَيَادِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
كَسَفَتْ سَاعَةً كما تَكْسِفُ الشَّمْسُ وَعَادَتْ ونُوْرُهَا في ازْدِيَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الدولة: مدة سلطان الملك، والرأفة: الرحمة.

فيقول: وهو يشير إلى الدولة الإخشيدية: هذه دولة الكرم والتراحم والمجد والتعطف، والندى والبذل، والأيادي الجليلة والفضل، فكيف يجوز التقاطع على ولي نعمتها، ويظن الاختلاف برئيسي جملتها؟!

ثم قال: كسفت ساعة بما جرى بين كافور وأبي القاسم من الوحشة، وما أظهراه من الاختلاف والموجدة، ثم ذهب ذلك وانقطع، وعدم وارتفع، وعاد كل واحد منهما لصاحبه بأفضل عهده من مودته، وأنزل به أتم ما كان ينزله من ثقته، فعادت الدولة إلى بهجتها، وراقت بحسنها ونضرتها، كالشمس بأثر الانكساف، لم ينقص ضوءها، ولم يختل نورها، بل زاد ذلك وحسن، وخلص وتمكن.

يَزْحَمُ الدَّهْرَ رُكْنُها عَنْ أَذَاهابِفَتًى مَارِدٍ عَلَى المُرَّادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
مُتْلِفٍ، مُخْلِفٍ، وَفِيًّ، أَبِيعَالمٍ، حَازِمٍ، شُجَاعٍ، جَوَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الزحام: التضاغط والمدافعة، والركن: الناحية القوية، والأذى: معروف، والتمرد: شدة الإقدام، وواحد المراد: المارد، والأبي: الظاهر الأنفة.

فيقول مشيرا إلى كافور: يزحم ركن هذه الدولة الدهر على ما تكرهه، ويدافعها عما تحذره، بفتى من كافور، مشهور بالبأس والقوة، معلوم الإقدام والنجدة، يوقع بالمتمردين، ويستعلي مقدرته على المخالفين.

ثم قال، وهو يريده: متلف لكثير ما يجمعه ببذله، مخلف لذلك لتيقظه وحزمه، أبي لا يعلق الضيم به، عالم بالصواب فيما يعن له، حازم لا بفرط ولا يغفل، شجاع لا يجبن وينكل، جواد لا يضن ويبخل، وهذا التصنيف يعرف بالتقسيم، وهو من بديع الكلام.

أَجْفَلَ النَّاسُ عَنْ طَرِيْقِ أَبي المِسْكِ وذَلَّتْ لَهُ رَقَابُ العِبَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»
كيْفَ لا يُتْرَكَ الطَّرِيْقُ لِسَيْلٍضَيَّقٍ عَنْ آتِيهِ كُلُّ وَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

الإجفال: الإسراع في الذهاب، والآتي: ما يسوقه السيل، وهو أيضا الخليج يخرج من النهر.

فيقول: تهيب الناس أبا المسك، فأجفلوا بين يديه مسرعين، وعجزوا عن التعرض، له فأذعنوا بطاعته معلنين، وذلت رقاب العباد لملكه، وسلم الناس أجمعون لأمره.

ثم قال: وكيف لا يعجز الناس عن اعتراض سلطان لا يمانع، وسيل لا يدافع، يضيق كل واد عن كثرة اجتلابه، ويضعف كل قوي عن معارضة عبابه، وكنى بالسيل والطريق عن كافور ومقاصده، فأخبر أنه في غاية القوة، وأنه فيما يبتغيه على نهاية القدرة.

وقال يمدحه، أنشدها في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.

أُغَالِبُ فِيْكَ الشَّوْقَ والشَّوْقُ أَغْلَبُوَأَعْجَبُ مِنْ ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أَعْجَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
أَمَا تَغْلَطُ الأَيَّامُ فِيَّ بِأَنْ أَرَىبَغِيْضَاً تُنَئي، أَو حَبِيْبَاً تٌقَرَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

يقول: أغالب فيك الشوق بمحاولة ستره، وأدافعه بالاحتيال على كتمه، فيقوى علي ويغلب، ويستبين في ويظهر، وكذلك الحب لا تخفى شواهده، والشوق لا تستتر دلائله، وأعجب من ذا الهجر واتفاقه لي، ومن هذا الاجتناب واغترائه بي، وما أبغيه من الوصل أبعد وأعجب، وأقل وأغرب؛ لأن سبيل المحبوب أن يضن بوصله، وسبيل المحب أن يمتحن بهجره، هذا هو المشهور الذي لا ينكر، والمعهود الذي [لا] يدفع.

ثم قال: أما تغلط الأيام فتسعدني في البدرة، ويغفل عني وتسعدني في الفلتة، فيبعد مني البغيض، وتريحني ببعده، وتمكن لي الحبيب وتؤنسني بقربه. يشير إلى أن الأيام مغترية بمنافرته، وأن أحكامها جارية على مخالفته.

وَللِهِ سَيْرِي ما أَقَلَّ تَئِيَّةًعَشِيَّةَ شَرْقِيَّ الحَدَالِي وغُرَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
عَشِيَّةَ أَحْفَى النَّاسِ بي مَنْ جَفَوْنُهُوأَهْدَى الطَّرِيْقَيْنِ الذي أَتَجَنَّبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التئية: الرفق والتمهل، والحدالي وغرب: موضعان معروفان، والحفي بالشيء: اللطيف به، المعتني بأمره.

فيقول على سبيل التعجب من سرعة سيره، والإخبار عن حقيقة أمره: ولله السير الذي سرته، والاستعجال الذي تكلفته، عشية كان مني الحدالي وغرب؛ هذان الموضعان في جهة المشرق، وأنا أنفذ ما أقصد له، ولا أعرج على من أكلف به. وأشار إلى رحيله عن سيف الدولة نحو كافور، وما حذره من الطلب، وما تكلفه من الإسراع والعجل.

ثم قال: عشية أحفى الناس بي، وأشدهم إشفاقا علي من جفوته من أحبتي الذين

تركتهم، ومن تخلفته من آلائي الذين فارقتهم، وأهدى الطريقين إلى ما أقصده، وأقربهما فيما أريده واعتمده، الطريق الذي أتجنبه وأتركه. وثنى الطريقين مشيرا إلى الطريق الذي ركبه، والطريق الذي تجنبه، ودل على أنه خرج فارا بنفسه، وأخفى طريقه الذي سلك بمبلغ جهده.

وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍتُخَبَّرُ أَنَّ المَانَويةَ تَكْذِبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَقَاكَ رَدَىَ الأَعْدَاءِ تَسْرِي عَلَيْهِمُوَزَارَكَ فيه ذو الدَّلالِ المُحَجَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق»

المانوية: أصحاب مان الثنوي، وهم الذين يقولون إن الأشياء كلها من النور والظلمة، فالخير كله من النور، والشر كله من الظلمة، وردى الأعداء: الهلاك على أيديهم، والسرى: سير الليل، والدلال: الثقة بقبول العاشق وإظهار التحكم عليه.

فيقول مشيرا إلى ما عاناه من التستر في رحلته، وما حاوله من تكلف سير الليل في وجهته: وكم لظلام الليل عندك؛ يخاطب نفسه، من يد مشكورة لا تكفر، ونعمة مشهورة لا تنكر، تخبر أن أصحاب مان، الذين يقولون إن الشر كله من الظلمة، يكذبون في قولهم، ويفرطون في إفكهم.

ثم قال: وقاك ظلام الليل ردى أعدائك في سراك عليهم، وأيدك فيما استعملته من الاحتيال فيهم، وأظفرك في سالف أمرك بمن أحببته، فزارك مسعدا بوصله، وأسعدك على ما كنت تلتمسه من قربه، ولولا الليل لما أمكنك ذلك، فنعم الليل عليك كثيرة؛ لأنه أنجاك مرارا، وقرب لك ما تبتغيه وترغبه، وكل هذا يشهد بأن مانيا وأصحابه يخطئون في قولهم، ويدفعون المشاهدة برأيهم.

وَيَوْمٍ كَلَيْلِ العَاشِقِيْنَ كَمَنْتُهُأرَاقِبُ فيهِ الشَّمْسَ أَيَّانَ تَغرُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَعَيْنِي إِلى أُذْنَيْ أَغَرَّ كَأَنَّهُمِنَ اللَّيْلِ بَاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَوْكَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسمِهِ في إِهَابِهِتَجِيُّ على صَدرٍ رَحِيْبٍ وَتَذْهَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الكمون: الاستتار، وأيان: كلمة تستعمل بمعنى الاستفهام عن الوقت، والإهاب: الجلد، والرحيب: الواسع

فيقول واصفا لحاله، بعدما قدمه من ذكر سراه في ليله، وهو يشير بذلك إلى جملة ما كان عليه مدة رحلته، من الوجل وشدة الحذر: ويوم كليل العاشقين في استطالتي لمدته، وحرصي على انصرام جملته، كمنته احتمالا على الحزم الذي كنت أؤثره، وتوقعا للطلب الذي كنت أحذره، أراقب الشمس مستبطئا لغروبها، وألاحظها متمنيا لمغيبها.

ثم قال: وعيني إلى أذن الفرس الذي كنت أركبه، ألحظهما متأملا لهما، مقتديا بهما. والفرس يضرب به المثل في صدق حسه، ونفاذ سمعه، وأذناه بتحديده لهما يشهدان بما يشير إليه، ويخبران عما يشرف عليه.

ثم ذكر أن ذلك الفرس كان أغر أدهم، فصرح بغرته، وأشار بتشبيهه له بالليل إلى دهمته، فأبدع في الإشارة، وبلغ الغاية في حسن العبارة.

ثم قال دالا على عتق هذا الفرس: له فضله من إهابه عن جسمه، وتمام لا يخفى من خلقه، فتلك الفضلة تجيء على صدره وتذهب، وتجول لرخاوتها وتضطرب، والفرس إذا كان كذلك سمي رخو اللبان، ودلت هذه الصفة على سرعة جريه، وتمكن عتقه.

شَقَفْتُ بِهِ الظَّلْمَاَء أُدْنِي عِنَانَهِفَيَطْغَى وَأُرْخِيْهِ مِراراً فَيَلْعَبُ
وَأَصْرَعُ أَيَّ الوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِهِوَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِيْنَ أَرْكَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قفيت الشيء: إذا تلوته متتبعا له.

فيقول: شققت بهذا الفرس الظلماء واثقا بعتقه، مطمئنا إلى سرعة جريه، أدني عنانه فيطغى بعزة نفسه، وأرتخيه فيلعب مستعملا للمرح في مشيه.

ثم قال: وأصرع ما قفيت به من الوحش، لما هذا الفرس عليه من السرعة،

واقتدر على ذلك بما اجتمع فيه من الكرم والقوة، وأنزل عنه والبهر لا يلحقه، والكلال لا يدركه، على مثل حاله عند ركوبي له، قد بلغ ما طلبه بعفوه، واستظهر على ذلك بأيسر سعيه.

وما الخَيْلُ إِلاَّ كالصَّدِيْقِ قَلِيْلَةٌوإِنْ كَثُرَتْ في عَيْنِ مَنْ لا يُجَرَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إِذا لم تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِهاوأَعْضَائِها فالحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الشيات: العلامات، واحدها شية.

فيقول: وما الخيل في كثرة عدتها، وقلة ما بقي بما يراد من خبرتها، إلا كالصديق الذي ينتحل لك اسمه أكثر من تأتي عليه معرفتك، ومن تتصل به مشاهدتك، فإذا طالبت حقيقة هذا الاسم، ومن يتقلده، واقفا عند شروطه، صار بيدك عدما لا تدركه، وعزيزا لا تكاد تلحقه. فأشار إلى أن العتيق من الخيل قليل بالجملة، كما أن الصديق من الناس عدم عند الخبرة.

ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا لم تشاهد من الخيل غير حسن شياتها وأعضائها، ومناظرها وأجسامها، فحسنها مغيب عنك، وما تراه له بعيد منك، وإنما حسن الخيل في كرم خبرتها، وتأتيها للفرسان وسرعتها.

لَحَا اللَّهُ ذِي الدُّنيا مُنَاخاً لِراكبِفَكُلُّ بَعِيْدِ الهَمَّ فيها مُعَذَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَقُولُ قَصِيْدَةًفَلاَ أَشْتَكِي فيها ولا أَتَعَتَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

لَحا: بمعنى أبعد، وذي: اسم مبهم يشار به إلى المؤنث، كما يشار به إلى المذكر، والمناخ: موضع النزول، والهم والهمة: ما رمى إليه الإنسان بأمله، والقصيدة من الشعر: معروفة، والتعتب: التسخط.

فيقول: لحا الله هذه الدنيا منزلا لراكب يقطع فيها مسافة عمره، ويتقلب بين خطوبها فيما يحاول من أمره، فما تزال غادرة بأهلها، جائزة في حكمها، تعذب البعيد الهمة بقلة الاستعداد له، وتؤمله لشدة الاغترار به.

ثم قال: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة، وآمالي متمكنة، ورغباتي متأتية، لا أشتكي الدهر ولا أظلمه، ولا أتعتب عليه ولا أجوره.

وَبي ما يَذُودُ الشَّعْرَ عَنَّي أَقَلُّهُوَلَكِنَّ قَلْبِي يا بْنَةَ القَوْمِ قُلَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَأَخْلاَقُ كَافُورٍ إِذا شِئْتُ مَدْحَهُوإِنْ لَم أَشَأْ تُملِي عَلَيَّ وأَكْتُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

يذود: يدفع ويطرد، وابنة القوم: الأشراف، وأشار بإظهار الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الترفيع بأمرهم، والعرب تفعل ذلك، قال بعض الشعراء من همدان:

فَإِنَّ خُزَيْماً إِذْ رَجَا أَن يَرُدَّهاوَيَذْهَبُ مَالي يابنةَ القَوْمِ عَالِمُ

والقلب: الحسن التقلب في الأمور.

فيقول مشيرا إلى ما قدمه من تشكي زمانه: وبي من اعتراض الدهر لي بصروفه، واعتماده إياي بخطوبه، ما يذود أقله الشعر ويطرده، ويمنع منه ويشرده، ولكن قلبي قلب لا يهن، وجريء لا يجبن، وأخلاق كافور الملك الذي عولت على قصده، واعتقلت آمالي بفضله، تسهل لي سبيل الشعر، وتنتهج لي طريق المدح، فإن حاولت مدحه، واعترضت عنه، فمكارمه تملي علي فأنا أكتب، ونعمه تتابع عندي وأنا أنظم.

إِذا تَرَكَ الإِنْسَانُ أَهْلاً وَرَاَءهُوَيَمَّمَ كَافُوراً فَمَا يَتَغَرَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
فَتًى يَمْلأُ الأَفْعَالَ رَأْيَاً وَحِكْمَةًوَبَادِرَةً أَحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يمم: بمعنى قصد واعتمد، والبادرة: ما يسبق من حده الرجل.

فيقول: إذا ترك الرجل أهله وبلده، وفارق إلافة ووطنه، ويمم كافورا بقصده، وبادر إليه بنفسه، فما يتغرب برحلته، ولا يستوحش لمن بعد عنه من أحبته.

ثم قال، وهو يريد كافورا: يشمل أفعاله برأيه وحكمته، ويملأها ببادرته وقوته، فينفذها على حسب ما يقصد، ويمضيها بمقدار ما يعتقد، في رضاه وسخطه،

وتقبله وغضبه، لا يرد أمره، ولا يعترض رأيه.

إِذا ضَرَبَتْ في الحَرْبِ بالسيْفِ كَفُّهُتَبَينْتَ أَنَّ السَّيْفَ بالكَفَّ يَضْربُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
تَزِيْدُ عَطَايَاهُ على اللَّبْثِ كَثْرَةًوَتَلْبَثُ أَمْواهُ السَّحَابِ فَتَنْضُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

نضوب الماء: ذهابه.

فيقول: إذا ضربت كف كافور في الحرب بسيفه، وأمده بقوة ساعده، تبينت من سرعة قطعه، وبدا لك من نفاذ فعله، ما تعلم به أن السيف إنما يضرب على حسب الكف التي تمسكه، وينفذ بمقدار قوة الساعد الذي تصرفه.

ثم قال: تزيد عطايا كافور مع لبثها كثرة، وتكتسب بإقامتها قوة؛ لأنه يشفعها بمثلها، ولا يغفل عن مواصلتها وحفظها، وأمواه السحاب إذا لبثت تجف وتنضب، وإذا أقامت تعدم وتذهب، فعطاياه لا تقاومها الغيوث الساجمة، وكفاه لا تساجلها السحاب الهاطلة.

أَبا المِسْكِ هَلْ في الكَأسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ؟فَإِنَّي أَغَنَّي مُنْذُ حِيْنٍ وَتَشْرَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَهَبْتَ على مِقْدَارِ كَفَّيْ زَمَانِنَاوَنَفْسِي عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْكَ تَطْلُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إِذا لَمْ تَنُطْ بي ضَيْعَةً أَو وِلايَةفَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

نطت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وعلقته منه.

فيقول لكافور: أبا المسك! قد أطربتك بما أهديت إليك من المدح، وسررتك بما نظمت فيك من الشعر، وصرت في ذلك كله كأني أغنيك وأنت تشرب، وأفرحك وأنت تطرب، فهل في كأس سرورك فضل أناله فأرتاح لنيله، وتخصني به فأسكن إلى مثله؟.

ثم قال: وهبت لي من جزيل عطاياك، وخولتني من كثير حبائك، بما غاية الزمان أن تجود كفاه بمثله، وتسمح للطالب ببذله، فإن كنت بلغت فيما بررتني به إلى المعهود من مواهب الرؤساء، وصلات كرائم الأمراء، فأنت أجلهم رتبة، وأثبتهم

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.