تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الكافوريات (٤)

رفعة، ولست أقنع من برك بما يبلغه جهد الزمان، ويتعارف من مآثر الإحسان، وإنما أطلب أن يكون ما تهبه على حسب قدرك، وما تجود به كفاك على ما يحسن بمثلك.

ثم قال: إذا لم تنط بي ضيعة استظهر بعلتها، أو ولاية أتشرف برفعتها، فجودك يكسوني ظاهره، ويقوم بحاجاتي حاصله، وشغلي بمدحك يسلبني تلك الكسوة، ويقلل لدي تلك النعمة؛ لأن معاناتي له تعوقني عن التكسب، وعكوفي عليه يمنعني من التصرف، والمؤن في خلال ذلك مترادفة، وتكاليف الزمان جمة متكاثرة.

يُضَاحِكُ في ذا العِيدِ كُلٌّ حَبِيْبَهُحِذَائي وأَبْكِي مَنْ أحِبُّ وأَنْدُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
أَحِنُّ إِلى أَهْلِي وَأَهْوَى لِقَاَءهُمْوَأَيْنَ مِنَ المُشْتَاقِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ؟
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمائم وادي السفحِ إن بلابلا»
فَإِنْ لَمْ يَكُن إِلاَّ أَبو المِسْكِ أَوْهُمُفَأِنَّكَ أَحْلَى في الفُؤادِ وَأَعْذَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَكُلُّ امْرِئٍ يُوْلي الجَمِيْلَ مُحَبَّبٌوَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

التحنين: شدة الشوق، والعنقاء: طائر غلب التأنيث عليه، لا يوقف على شخصه، والمغرب: الذي يبعد في الطيران، ويضرب المثل بهذا لكل ما عدم فلم يوقف عليه، والفؤاد: القلب.

فيقول مشيرا إلى كافور، وانقطاعه إليه بنفسه، واغترابه عن وطنه وأهله: يضاحك حذائي في هذا العيد كل محب حبيبه، ويزور كل قريب قريبه، وأبكي من أحب وأحزن لبعده، وأندبه وأتأسف على فقده.

ثم قال: أحن إلى أهلي حنين الصب إليهم، وأهوى لقاءهم وأظهر الحرص عليهم، وكيف لي بهم مع شدة الشوق، واستحكام الصبابة والتوق، وهم كعنقاء مغرب في تعذر قربهم، وعلى مثل سبيلها في انتزاحهم وبعدهم؟!

ثم قال: فإن لم يكن إلا الأهل والوطن، والإلاف والسكن، والانقطاع إلى أبي المسك وأرضه، والتقلب في إكرامه وفضله، فإنك، يريد أبا المسك، ألصق بالنفس

وأقرب، وأحلى في القلب وأعذب.

ثم فسر ما ابهمه، وبين ما قدمه، من إيثاره لأبي المسك على اهله، وما رآه في ذلك من الحظ لنفسه، فقال: وكل امرئ يولي الجميل ويفعله، ويتقدم بالإحسان ويبذله، محبوب لا يختلف في حبه، مألوف لا ينتقل عن مثله، وكل مكان ينبت العز ويكسبه، ويعيد الإكرام ويوجبه، مستطاب لا يرغب عنه، مستعذب لا يرتحل منه.

يُرِيدُ بِكَ الأَعْدَاءُ ما اللَّهُ دَافِعٌوَسُمْرُ العَوَالِي والحَدِيدُ المُذَرَّبُ
وَدُونَ الذي يَبْغُونَ ما لو تَخَلَّصُواإلى الشَّيْبِ مِنْهُ عِشْتَ والطَّفْلُ أَشْيَبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العوالي: الرماح، والمذرب: المفرط الحدة.

فيقول: لكافور: يريد بك أعداؤك ما الله يكفيه ويدفعه، ويقيك إياه ويصرفه، وما يمنعك منه عوالي الرماح النافذة، وشفرات السيوف الصارمة.

ثم قال: ودون الذي يبغون من الظهور عليك، والتسرع من المكروه إليك، ما يمنع منه خشونة جتنبك، وكثرة ناصرك، وما لو جاز أن يتخلصوا منه إلى عمر المشيب، وسبق لهم في علم الله أن يستكملوا عمر السباب، لعجل الله الشيب لأطفالهم، لتنصرم مدد آجالهم، ولعيشك الله بعدهم ممتعا بما عودك من النصر، مكنوفا بما تكفل لك به من جميل الصنع.

إِذا طَلبوا جَدْوَاكَ أعْطُوا وحُكَّمواوإِنْ طَلَبُوا الفَضْلَ الذي فِيْكَ خُيَّبُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْووا عُلاَك وَهْبْتَهاوَلِكنْ مِنَ الأَشْيَاءِ ما لَيْسَ يُوْهَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَاَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِداًلِمَنْ بَاتَ في نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الجدوى: العطاء.

فيقول لكافور: إذا طلب حسادك العطاء منك، فاضت عليهم بحار فضلك، وأمطرتهم سحائب بذلك، فأخذوا من ذلك بحسب بغيتهم، وأدركوا منه غاية

رغبتهم، وإن طلبوا التشبيه بك في فضلك، والمساواة لك في جلالة قدرك، خيبوا مما طلبوه، وعجزوا عن ما حاولوه.

ثم قال: ولو جاز أن يحووا علاك لوهبتها، جاريا على عاداتك، وسمحت بها محتملا على سجيتك، ولكن من الأشياء ما لا تمكن الهبة في مثله، ولا تبلغ طاقة الإنسان إلى بذله.

ثم قال: وأظلم أهل الظلم وأجورهم، وأحقهم باللوم وأجلهم، من بات حاسدا لحائط جملته، مضطغنا على ولي نعمته، فهو يضمر العداوة لمن يتقلب في فضله، ويتربص الدوائر بمن يأمن المكاره في ظله.

وَأَنْتَ الذي رَبَّيْتَ ذا المُلْكَ مُرْضِعَاًوَلَيْسَ أَمَّ سِوَاكَ ولا أَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَكُنْتَ لَهُ لَيْثَ العَرِيْنِ لِشِبْلِهِوَمَا لَكَ إِلاَّ الهُنْدُوانِيَّ مِخْلَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الليث: الأسد، والعرين مأواه، وشبله: ولده، والهندواني: السيف الهندي الصارم.

فيقول لكافور: وأنت الذي ربيت ذا الملك، يريد ملك الإخشيد مولاه، وبنيه من بعده، فحفظته من أول مدته، وفخمته بتمكينك لبنيته، وحرسته بعد الإخشيد، فكنت أباه وأمه، وخطته فكنت عماده وأوصله.

ثم قال: وكنت له ولابن الإخشيد الموسوم به، في ذبك عن حوزته، ومدافعتك عن شبله، وما يبذله في منع عرينه من نفسه، وما لك غير السيف مخلب تصول بحدته، ويحذرك الأعداء لمخالفة سطوته، وكنى بالسيف عن المخلب بعد ما صدر به من تشبيهه بالليث، وهذا باب من البديع يعرف (بالمصافاة).

لَقِسْتَ القَنَا عَنْهُ بِنَفْسٍ كَرِيْمَةٍإِلى المَوْتِ في الهَيْجَا مِنَ العَارِ تَهْرُبُ
وَقَدْ يَتْرُكُ النَّفْسَ التي تَهَابُهُوَيَخْتَرِمُ النَّفْسَ التي تَتَهَيَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الهيجاء: الحرب، واخترام المنية لمن يصيبه: نزولها به، وإتلافها له. والتهيب: التوقع.

فيقول لكافور: لقيت القنا عن ذلك الملك بنفس مقدمة كريمة، جريئة على الأهوال أبية، تهرب في الحرب إلى الموت من العار، وتؤثره على قبح الفرار.

ثم قال: وقد يترك الموت النفس التي لا تهابه وتقدم عليه، ولا تحذره وتتسرع إليه، ويخترم النفس التي تتهيبه بغاية جهدها، وتتحرز منه بأبلغ وسعها، فأشار إلى أن الموت لا يستدفع بالحذر، ولا يفضي إليه بالإقدام على الغرر.

وما عَدِمَ اللأَّقوكَ بَأْساً وَشِدَّةًوَلكنَّ مَنْ لاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
ثَنَاهُمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ صَادِقٌعَلَيْهِمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ خُلَّبُ

البيض: السيوف، والبيض جمع بيضة، وهي التي تحصن الرؤوس بها، وثناهم: ردهم، والخلب من البرق: الذي يومض ولا يمطر. فيقول لكافور: وما عدم أعداؤك الذين هزمتهم، وأضدادك الذين غلبتهم، من أنفسهم بأسا وشدة، وإقداما وقوة، ولكنهم لاقوا منك من هو أشد وأنجب، وأقوى في الحرب وأنفذ، فعجزوا عنك مع قوتهم، وقصروا عن مقاومتك مع شدتهم.

ثم قال: ثناهم منك وهزمهم، واستولى عليهم وغلبهم، الشجاع الذي لا يجبن، والنجيب الذي لا ينكل، وبرق السيوف في البيض صادق فيهم، ممطر للدماء عليهم، وبرق البيض في السيوف خلب غير ماطرة، وكاذب صادق. فأشار إلى أن السيوف قدت البيض، وأسرعت في المتسترين بها، فصدقت بروقها، وعجزت البيض عن تحصينهم، فلم ينتفعوا ببريقها.

سَلَلْتَ سُيُوفاً عَلَّمَتْ كُلَّ خَاطِبٍعَلَى كُلَّ عُودٍ كَيْفَ يَدْعو وَيَخْطُبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَيُغْنِيْكَ عَمَّا يَنْسُبُ النَّاسُ أَنَّهُإِليكَ تَنَاهَى المَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَأَيُّ قَبِيْلٍ يَسْتَحِقُّكَ قَدْرُهُ؟مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانٍ فِداكَ وَيَعْرُبُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

معد بن عدنان: جد مضر وربيعة، وربيعة أبناء نزار بن عدنان، ويعرب: جد جميع اليمن، وهذان الأصلان إليهما مآل جميع العرب.

فيقول لكافور: سللت في إقامة الدعوة الإخشيدية سيوفا صارمة، منصورة غالبة، ارتهنت لك مخافتها طاعة أكثر الأمصار، وذللت لك وقائعها رقاب الأحرار، فأذعن الناس لأمرك، وخطب على منابر الآفاق باسمك، فعلمت سيوفك الخطباء بالدعاء لك وجه الكلام، وحملتهم بالترفيع بك على حقيقة الصواب.

ثم قال: ويغنيك عن الشرف بالأنساب العربية، والافتخار بشرف الأولية، أنك أرفع من الشرفاء الأولين، الذين إليهم يرتفع الفخر، وعليهم يقتصر بجميل الذكر، وشاهد ذلك أن المكرمات إليك تتناهى وتنسب، ولديك تبتغي وتطلب.

ثم قال: وأي آباء القبائل يستحقك وهم في الفضائل دونك، وبأيهم يمثلك، وهم أجمعون لا يساوونك، والأصلان اللذان إليهما في العرب مآل القبائل، وبشرفهما يفتخر فيهما جميع العشائر، لو شهداك لفدياك بأنفسهما، ولاستصغرا عند كرمك عظيم كرمهما.

وما طَرَبي رَأَيْتُكَ بِدْعَةًلَقَدْ كُنْتُ أَرجو أَنْ أراكَ فَأَطْرَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
وَتَعْذُلُنِي فِيْكَ القوافِيِ وَهِمَّتيكَأَنّي بِمَدْحٍ قَبْلَ مَدْحِكَ مُذْنِبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الطرب: خفة تلحق الإنسان فتكشف ما بنفسه من الفرح والحزن، وهي في الفرح أشهر.

فيقول: وما فرحي بِمُشَاهَدَةِ حضرتك، ولإفراطي في السرور بالنظر إلى عزتك، بدعة من الفعل، ولا غريبة من الأمر، فما زلت مستحكم الرجاء في الفرح، بما ألقاه من برك، ثابت اليقين فيما شملني عند رؤيتك، من إكرامك وفضلك.

ثم قال: تعذلني القوافي التي استعملها في غيرك، وهمتي التي أخرت تصريفها في قصدك، حتى كأني بمدح من مدحته قبلك مذنب لا يلتفت إلى عذره، ومقصر لا يعرج على قوله.

وَلكِنَّهُ طَالَ الطَّريقُ وَلَمْ أَزَلْأْفَتَّشُ عَنْ هذا الكلام وَيُنْهَبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
فَشَرَّقَ حَتَّى لَيْسَ لِلشَّرْقِ مَشْرِقٌوَغَرَّبَ حَتَّى لَيسَ لِلغَرْبِ مَغْربُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
إِذا قُلْتُهُ لم يَمْتَنِعْ مِنْ وُصُولِهِجِدّارٌ مٌعَلَّى أَو خِباءٌ مُطَنَّبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الجدار: الحائط، والخباء: معروف، وتطنيبه: مد حباله.

فيقول معتذرا مما تقدم له من الأشعار، فيمن مدحه قبل اجتماعه لكافور: ولكن الشقة طالت بيني وبينك، والمدة تراخت في لقائك، والملوك يتنافسون في مدحي لهم، ويحرصون على ترفيعي لهم، ولم أزل قبل لقائي لك أطالب بالشعر، وأفتش عن قوله، واضطر إليه، وأحمل على نظمه؛ فينتهبه الملوك بمبلغ جهدهم، ويختارون منه على مقدار وسعهم.

ثم قال: فسار في الناس باختياري للفظه، وطار الرواة به؛ لإبداعي في نظمه، فشرق حتى بلغ من المشرق أقصى غاياته، وغرب حتى بلغ من الغرب أبعد نهايته، فلم يبق لما بلغه من المشارق مشرق يتقدمه، ولا بقي لما أدركه من المغارب مغرب يؤممه. يريد: أنه أدرك أقصى الطرفين، وبلغ أبعد الغايتين.

ثم قال، وهو يشير إلى شعره: إذا قلته وأرسلته، ورويته واظهرته، لم يمتنع من وصوله جدار معلى في قصر، ولا خباء مطنب في قفر، وأشار بذكر الجدار والخباء إلى أن شعره يرويه البادي والحاضر، ويفضله البعيد والشاهد.

واتصل به أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة، فقال ولم ينشدها كافورا:

بِمَّ التَّعَلُّلُ؟ لا أَهْلٌ ولا وَطَنُولاَ نَدِيْمٌ، ولا كَأسٌ، ولا سَكَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
أْرِيْدُ مِنْ زَمَني ذا أَنْ يُبَلَّغَنِيمَا لَيسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمَنُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التعلل: التشاغل، والوطن: موضع الاستقرار والإقامة، والنديم: خليط الرجل الذي يكون محادثه ومشاربه، والكأس: القدح وما فيه من الشراب، وقد يكون القدح خاصة، روى ذلك يعقوب، والسكن: الإلف الذي يسكن إليه.

فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتوجع من حاله: على أي أمر تقبل وتعول، وبأي شيء تشتغل وتتعلل؟! وأنت بعيد الأهل والوطن، ممتنع من النديم والكأس والسكن، غريب بين قوم لا تشاكلهم، منقطع عن معارفك الذين كنت تألفهم، تؤمل من المطالب ما يصعب امره، وتحاول منها ما لا يعرف مثله. وأشار إلى مطل كافور له بالولاية التي ذكرها، وتغافله عنه في الرتبة التي رجاها وأملها.

ثم قال مشيرا إلى تعذر الزمان في تأخير ما طلبه، ويسقط الملامة عنه في امتناع ما رغبه؛ لجلالة ذلك في نفسه، وما عهد به من قلة إسعاد الزمان على مثله: أريد من زمني هذا أن يبلغني ما أحاوله، ويظفرني فيما أطالبه، بما لا يسمح الزمان به لنفسه، ولا يبلغه مع استعماله لغاية وسعه، فكيف يظهرني على ما يمكنه، ويبلغني إلى ما يدركه؟ وأشار بهذا إلى ارتفاع ما طلب، وجلالة ما حاول ورغب.

لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلاَّ غَيْرَ مُكْتَرِثٍما دامَ يَصْحَبُ فِيْهِ رُوحَكَ البَدَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
فما يُدِيْمُ سُرورٌ ما سُرِرْتُ بِهِولا يَرُدُّ عَلَيْكَ الفائِتَ الحَزَنُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الاكتراث: الاهتمام.

فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا لقلة الأسف، وصابرا غير متوجع: ما دامت الحياة متفقة لك، وأسبابها متصلة بك، فحوادث الدهر لا تمطل، وعوارضه لا تغفل، ومن لم يجعل الصبر جنته، والجلد على صروف الدهر عدته، لم يسلك سبيل رشده، ولا أحسن النظر لنفسه.

ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يخاطب نفسه: فما يديم سرور لك ما سرك وأنسك، ولا يرد الحزن عليك ما فاتك وأوحشك، فكلا الأمرين سريع الزوال، وما شهد منهما قريب الانتقال، وما كانت هذه حاله، فالسرور منه لا تكثر الغبطة به، والحزن فيه لا يشتد الأسف له.

مِمَّت أَضَرَّ بأَهْلِ العِشْقِ أَنَّهُمُهَوُوا وما عَرفوا الدُّنيا ولا فَطَنُوا
تَفْنَى عُيُونُهُمُ دَمْعَاً وأَنْفُسُهُمْفي إِثْرِ كُلَّ قَبِيْحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقول: مما أضر بأهل العشق فأعماهم عن رشدهم، وزين لهم ما تمسكوا به من أمرهم، وقصرهم على الأسف، ووكلهم إلى الوجد والشغف، أنهم هووا جاهلين بالدنيا وتصرفها، غافلين عن التفطن لتقلبها، فاغتروا بالظواهر، وأعرضوا عن النظر في العواقب.

ثم قال: تفنى عيونهم بما تذرفه من الدمع، وتذهب أنفسهم بما يتعذب به من الحزن في أثر كل حبيب، قليل الإنصاف والود، قبيح المعتقد والعهد، يهجر من يكلف به ويحبه، ويقطع من يواصله ويوده، وهو مع قبيح هذه الخلائق، ومستكره هذه المذاهب، يروق الأبصار بحسنه، ويغلب على القلوب بدله.

تَحَمَّلوا حَمَلَتْكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍفَكُلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ اليومَ مُؤْتَمَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
مَا في هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌإِنْ مِتُّ شَوْقاً ولا فِيْهَا لَهَا ثَمَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

الناجية: الناقة السريعة، والبين: الفراق، والهوادج: مراكب مقببة، تتخذ للنساء على الرحال.

فيقول مخاطبا لأحبته، ومظهرا للجلد على بعدهم، وقلة الأسف على فقدهم: تحملوا؛ حملتكم كل ناقة سريعة السير، قوية حثيثة المشي؛ ليكون ذلك أقرب فيما تحاولونه من الرحلة، وتتسرعون إليه من الفرقة، فكل بين علي اليوم مأمون لا تحذر عاقبته، محتقر لا تتوقع عاديته.

ثم قال: يخاطبهم: ما في هوادجكم من الأحبة الذين أذنتم بنأيهم، وأزمعتم على بعدهم، عوض من مهجتي التي أعرضها التلف؛ لتكلف الشوق إليهم، وأشافه بها الموت؛ بملازمة الحزن عليهم، فليسوا في الحقيقة عوضا من نفسي التي أتوقع هلاكها، ولا بهم ثمن لحياتي التي أخاف هلاكها، والحظ لي في السلو عن حبهم، واستشعار اليأس من قربهم.

يا مَنْ نُعِيْتُ على بُعْدٍ بِمَجْلِسِهِكُلٌّ بما زَعَمَ النَّاعونَ مُرْتَهَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
كَمْ قد قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مِتُّ عِنْدَكُمُثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ القَبْرُ والكَفَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

نعي الرجل: الإخبار بموته، والمرتهن بالشيء: الموقوف عليه، المتخذ مقام الرهن عنه.

فيقول، وهو يريد سيف الدولة: يا من نعيت بمجلسه، على بعد داري من داره، وانتزاح محلي عن محله، كل واحد منا مرتهن بما ذكره الناعي له من الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، والشمات في ذلك ساقط، والحرص فيه من المتربصين زائد، والناس في الموت إسوة، وليس بهم على استدفاعه قوة.

ثم قال، وهو يريد سيف الدولة: كم قد مت عندكم وفقدت، واخترمتني المهالك وقتلت، ثم انتفضت فزال الكفن والقبر، وكذب ذلك الخبر والذكر.

قَدْ كَانَ شاهِدَ دَفْنِي قَبْلَ قَوْلِهِمجَمَاعَةٌ ثُمَّ مَاتوا قَبْلَ مَنْ دَفَنوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
ما كُلُّ ما يَتَمنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُتَجْرِي الرَّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهي السُّفُنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

يقول لسيف الدولة معرضا بتربصه به، وما يعتقده من الضغينة له: قد كان شاهد دفني قبل الذين نعوني عندك، وقطعوا على موتي في مجلسك، جماعة حققوا ذلك وقرروه عندك، ثم مات أولئك المخبرون، وبقيت بعدهم، وسلمت، وأكذب الله قولهم، فهلكوا قبل من دفنوه بزعمهم، وتلفوا وما استضررت بكذبهم.

ثم قال: ما كل ما يتمنى المرء يظفر به، ولا كل ما يرتجيه يتيسر له، فقد تشتهي

السفن ما تجري الرياح بغيره، وتتمنى النفوس ما تنفذ الأقدار بضده، وكذلك أنتم في تربصكم بي، وما تستعجلون من المكروه. وأخبر عن السفن وهو يريد أهلها، كما قال ﷿: (واسئل القرية) وهو يريد أهلها.

رَاَيْتُكُمْ لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكُمُولا يَدِرُّ عَلى مَرْعَاكُمُ اللَّبَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
جَزَاءُ كُلَّ قَرِيْبٍ مِنْكُمُ مَلَلٌوَحَظُّ كُلَّ مُحِبًّ مِنْكُمُ ضَغَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
وَتَغْضَبُونَ عَلَى مَنْ نَالَ رِفْدَكُمُحَتَّى يُعَاقِبَهُ التَّنْغيصُ والمِنَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

در اللبن: إذا كثر، والضغن: الحقد، والرفد: العطاء.

فيقول لسيف الدولة: رأيتكم تضيعون جاركم ولا تصونون عرضه، وتهينونه ولا تريدون بره، ورأيت عطاءكم لا تمنى به نعمة، وإحسانكم لا تنتقل به إلى الصلاح حالة، وكنى بقوله: ولا يدر على مرعاكم اللبن عن هذه العبارة؛ لأن المرعى قوة الماشية، واللبن فائدته، والدرور مادته.

ثم قال: جزاء من استقريتموه الملل منكم، وحظ من استخلصتموه الاضطغان عندكم، فليس يخلص أحد من تعتبكم، ولا يبعد عن كراهتكم وتسخطكم.

ثم قال: ويغضبكم الذي ينال رفدكم، ويسخطكم بما يناله من فضلكم، حتى يعاقب ذلك التنغيص والكدر، ويتلوه الامتنان والضجر، فليس تسلم لكم عند أحد نعمة، ولا ترتفع بكم لمؤمل رتبة.

فَغَادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَيْنَكُمُيَهْمَاَء تَكْذِبُ فيهِ العَيْنُ والأذُنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ بَعْدِ الرَّسيم بهاوَتَسْأَلُ الأَرضَ عَنْ أَخْفَافِها الثَّفِنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

مغادرة الشيء: تركه، والهجر، القطيعة، واليهماء: المفازة البعيدة، وتحبو: تزحف في مشيها لشدة إعيائها، والرواسم: الإبل التي تستعمل الرسيم في مشيها، وهو ضرب من السير، والأخفاف للإبل كالحوافر للدابة، وهي الفراسن، واحدها فرسن، والثفن: ما يقع من الإبل على الأرض عند بروكها.

فيقول: فغادر ما آثرته من هجركم، واخترته من الفرار عنكم، ما بيني وبينكم، مفازة مقفرة، بعيدة متنائية، تكذب العين فيها صاحبها لبعد مسافتها، ولا تحقق الأذن فيها ما تسمعه، لكثرة تخيل أصواتها.

ثم قال: تحبو الإبل فيها بعد رسيمها، وتزحف معيية بعد شدة مسيرها، وتسأل ثفانها الأرض عن أخفافها الممتحقة، وينحتها عما تطؤها به من فراسنها الذاهبة المتمحقة.

إِنَّي أُصاحِبُ حِلْمي وَهو بي كَرَمٌولا أُصَاحِبُ حِلْمي وهو لي جُبُنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
ولا أُقيمُ على مالٍ أُذَلُّ بِهِولا أَلَذُّ بما عِرْضِي بِهِ دَرِنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

الدرن: الوسخ.

فيقول: إني أصاحب حلمي إذا كان بي كرما وتجاوزا، وأوثره إذا كان إغضاء وتغافلا، ولا أصاحبه إذا كان عجزا وجبنا، ولا أرتضيه إذا كان ذلة وخورا.

ثم قال: ولا أقيم على مال أذل بكسبه، ولا أغتبط بوفرة لا تقترن لي الكرامة بجمعه، ولا ألذ بما يدنس عرضي ويخلقه، ولا أسر بما يحط من قدري ويضعه، فأشار إلى أن مفارقته لسيف الدولة إنما كانت لتقصيره به، وزواله عنه إنما أوجبه قلة إكرامه له.

سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيْلِي وَحْشَةً لَكُمُثمَّ اسْتَمَرَّ مَريري وارْعَوَى الوَسَنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
وإِنْ بُلِيْتُ بِوُدًّ مِثْلِ وُدَّكُمُفَإِنَّني بِفِراقِ مِثْلِهِ قَمِنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

السهر: معروف، والمرير: الاعتزام، والوسن: النوم، والقمن بالشيء: الخليق به، يقال: فلان قمن لذلك وقمن وقمين: كل ذلك بمعنى واحد.

فيقول، وهو يريد سيف الدولة، سهرت بعد رحيلي عنكم استيحاشا لبعدكم، وارتمضت توجعا لفقدكم، ثم استمر عزمي على مفارقتكم، ووطنت نفسي على مصارمتكم، وارعوى الوسن فراجع نافرة، واطمأن فعاود شارده.

ثم قال: وإن بليت بعدكم بود مثل ودكم، ورأي في تكدير الفضل كرأيكم، فإنني قمن بفراق مثل فراقي لكم، واحتمال على مآثرته من قلة التمسك بكم.

أَبْلَى الأَجِلَّةَ مُهْرِي عِنْدَ غَيْرِكُمُوَبُدَّلَ العُذْرُ بِالفُسْطَاطِ والرَّسَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
عِنْدَ الهُمَامِ أبي المِسْكِ الذي غَرِقَتْفِي جُودِهِ مُضَرُ الحَمْرَاءِ واليَمَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

الأجلة: أغطية الخيل، واحدها جل، وهذا الجمع على سبيل التكثير، يقال: جل وجلال، مثل خف وخفاف، ثم يجمع جلال على أجلة، كما يجتمع عنان على أعنة، والعذر: جمع عذار، وهو ما يستطيل من اللجام على خد الفرس، والهمام: الرفيع القدر، والفسطاط: واسعة مصر، ومضر الحمراء: يريد مضر بن نزار ومن ولده القبائل، وسميت مضر بالحمراء؛ لأن نزار بن معد لما قسم ماله بين بنيه، أعطى مضر قبة له حمراء، وقال: هذه وما جانسها لك، فسميت مضر بمضر الحمراء بذلك، واليمن كل من ولد يعرب بن قحطان، وهذان الأصلان يشتملان على جمهور العرب.

فيقول مخاطبا لسيف الدولة، ومشيرا إلى استطابته لمصر، واغتباطه بصحبة كافور: أبلى مهري الأجلة بطول المقام عند الأستاذ كافور، الذي تخيرته وانقطعت إليه، وآثرته وعولت عليه، وبذلت بالفسطاط عذره وأرسانه، فبطة بالموضع الذي أصبحت مستقرا به، ولاغبة في الرئيس الذي تتابع شكري له، فلم أهم عنه برحلة، ولا أخلاني من إكرام ونعمة.

ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر إقامته: عند الهمام أبي المسك، الذي تتواضع الملوك عند قدره، وتعترف بالتقصير عند جلالته وفضله، وتغرق مضر واليمن، وهم جمهور العرب في جوده وكرمه.

وإِنْ تَأَخَّرَ عَنَّي بَعْضُ مَوْعِدِهِفَمَا تَأَخَّرُ آمالي ولا تَهِنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»
هو الوَفِيُّ ولكِنَّي ذَكّرْتُ لَهُمَوَدَّةً فهو يَبْلُوها ويَمْتَحِنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

فما تأخر آمالي: يريد تتأخر، وحذف التاء وهو يريدها، وأبقى الفعل على حسبه معها، والعرب تفعل ذلك، قال الله ﷿: (تنزل الملائكة والروح)، فحذف التاء وهو يريدها،

يقول: إن تأخر عني بعض موعد كافور في الولاية التي أرغبها منه، والكرامة التي ضمنتها لنفسي عنه، فما تتأخر آمالي فيه ولا تكذب، ولا تضعف ثقتي به ولا تهن.

ثم قال باسطا لعذر كافور في تأخره عن إنجاز ما تقدم عنده من عدته، وتوقفه عن إسفاف ما بذله إليه من رغبته: هو الوفي الذي لا يرتاب في صدقه، وهو الكريم الذي لا يختلف في فضله، ولكنني مننت إليه بمودة قد شهد جملتها، وخالصة قد تيقن صحتها، وهو مع ذلك يبلوها ويمتحنها، ويتبينها ويختبرها.

وقال أيضا:

صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنا ذا الزَّماناوَعَنَاهُمْ مِنْ شَأنِهِ ما عَنَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْهُ وإِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنِيْعَ لَيَالِيْهِ ولكِنْ تُكَدَّرُ الإِحْسَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

عَنَى فلان الشيء: إذا شغله وأهمه، والغصة: شجى يعترض في الحلق، ويضرب بذلك المثل في كل ما شق على الإنسان، والصنيع: ما يصنعه الصانع، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح.

فيقول: صحب الناس هذا الزمان قبلنا، وخبروه متقدمين لنا، وكلهم عناهم ما عنانا من أمره، ونالهم كالذي نالنا من اختلاف شأنه.

ثم قال: وتولوا كلهم منه بغصة حادثة، وفارقوه بعد مصائب عارضة، وإن سر أحيانا بعضهم، وساعد في الفلتات رأيهم.

ثم قال: وربما أحسنت الصنيع لياليه، وسرت بظواهرها [صاديه]، ولكنها تكدر الإحسان بإساءتها، وتعقب الحلاوة بمرارتها، وتسلب ما تعطيه مرتجعة له، وتأخذ ما تؤتيه غير ممتعة به.

وَكَأَنَّا لَمْ تَرْضَ فِيْنَا بِرَيْبِ الدَّهْرِ حَتَّى أَعَانَهُ مَنْ أَعَانَا
كُلَّما أَنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةًرَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
ومُرادُ النُّفوسِ أَصْغَرُ مِنْ أَنْتَتَعادَى فيه وأَنْ تَتَفانى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

يقول: إن من نكد الأيام أنها مجبولة على التنكر لأهلها، والاستحالة على من اغتر بها، وأهلها مع آثارها فيهم، يؤيدون على أنفسهم أمرها، ويمتثلون إلى الإساءة فعلها، فيعينونها على أنفسهم باختلاف مذاهبهم، ويسببون على أنفسهم أسباب المكروه باتصال تكالبهم، فكأنهم لم يقنعوا لأنفسهم بريب الدهر وصروفه، حتى أعانوا ذلك بجهدهم، وأيدوه بمبلغ وسعهم.

ثم قال، مؤكدا لما قدمه: كلما أنبت الزمان للإنسان قناة، يعدها لحربه، ويدخرها

لمطالبة نفسه، أعانه الإنسان على مذهبه، فركب في تلك القناة سنانا يحسن القناة بها للمطاعنة، وتتم بما يقصد إليه من المحاربة. فأشار بالقناة إلى ما يسببه الزمان للإنسان من المكروه، وبالسنان إلى ما يؤكده الإنسان به على نفسه مراد الزمان من سوء صنعه، ومذموم فعله.

ثم قال: ومراد النفس أقل وأصغر، ومدة التمتع به إذا تمكن أحقر وأقصر، من أن تستجاز العداوة من أجله، وتتقلد أسباب التفاني إعجابا بأمره، فمال الإنسان ومتاع الدنيا يقاتل عليه، وهو على عجل منه، وينافس غيه، وهو منقول لا محالة عنه؟!

غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي تمَنَايَاكالِحَاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا
ولو أَنَّ الحَيَاةَ تَبْقَى لِحَيًّلَعَدَدْنَا أَضَلَّنا الشُّجْعَانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
وإذا لم يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّفَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»
كُلُّ ما لم يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأَنْفُسِ سَهْلٌ فيها إِذا هو كانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

الكلوح: العبوس.

فيقول: غير أن الفتى الموفق لرشده، العالم بحقيقة أمره، يؤثر لقاء المنايا كالحات لشدتها، مؤيسات عن الحياة بمباشرتها، ولا يلاقي الهوان معترفا به، [ولا] يرتضيه مسلما له.

ثم قال: ولو أن الحياة باقية غير فائتة، ومقيمة غير راحلة، لعددنا الشجعان أضلنا عن القصد، وأجهلنا بطريق الرشد، بتعرضهم للمهالك، وتقحمهم في المخاوف.

ثم قال: ولكن إذا كان الموت لا بد منه، والفناء لا محيص لأحد عنه، فمن العجز أن تجبن عما لا ينجيك منه توقعك، ولا يدفعه عنك إشفاقك وتحرزك.

ثم قال مؤكدا لما ذكره من اطراح التوقع لما لا بد من المصير إليه، وإسقاط التكره لما يتيقن الإنسان أنه قادم عليه: كل ما لم يكن من الصعب المستكره في النفوس، والمخوف بالمتوقع في القلوب، سهل فيها إذا وقع أمره، خفيف عليها إذا

نفذ كربه، وليس يجدي على الإنسان إيثار الخوف، ولا يمنعه من المكروه استعمال التوقع.

واصطنع كافور شبيب بن جرير العقيلي، ورد إليه عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته، وزادت مرتبته، واشتدت شوكته، وغزا العرب في مشاتيها بالسماوية وغيرها، واجتمعت العرب إليه، وكثرت حواليه، وسولت له نفسه أخذ دمشق، والعصيان لكافور، فسار إليها في عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها، واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها، واعتصموا بالنشاب، فترك بعض أصحابه على أبوابها الثلاثة التي تلي المصلى ليشغلهم [بهم]، ودار هو حتى دخل من الحميرين على القنوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي والمدينة ليأخذها.

وكان من تقدم أصحابه، فقيل إن امرأة دلت على رأسه صخرة فقتلته. واختلف الناس في أمره، فلم يصح لأحد كيف قتل؛ لأنه لم يوجد في شيء منه أثر لسهم ولا لغيره، ولا نظر أحد إلى شيء أصابه سوى اعتناقه الفرس وسقوطه إلى الأرض، فانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، فلما بقي وحده مطروحا أخذ رأسه، ووردت الكتائب إلى مصر بخبره، فقال أبو الطيب، وأنشدها يوم السبت، لست خلون من جمادى الأخيرة من سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.

عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسَانِوَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وَلِلَّهِ سِرٌّ في عُلاكَ وإنماكَلاَمُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

القمران: الشمس والقمر، غلب فيهما أخف الاسمين، وهو المذكر فيهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، فغلبوا الخف، والهذيان: [كلام] لا حقيقة له.

فيقول مخاطبا لكافور: عدوك مذموم بكل لسان يذكره، مبغض في كل قلب يمتثله، ولو كان القمران من أعدائك مع رفعة شأنيهما، وارتفاع مكانيهما، لنالهما أبلغ الذم، وما اعتمد بجميل الذكر، فكيف يظن بغيرهما ممن يقدم على اعدائك، ويتعرض لمخالفة إرادتك؟! ثم قال: ولله في تأييد علاك سر ينفذه على ما سبق في علمه، ويمضيه بالصنع الجميل لك على ما تقدم من حتمه، وكلام الورى فيما

يقدمونه من خلاف ذلك باطل لا يحفل به، وهذيان لا حقيقة له.

أَتَلْتَمِسُ الأعْدَاءُ بَعْدَ الَّذي رَأَتْقِيامَ دَلِيْلٍ أو وُضوحَ بَيَانِ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
رَأَتْ كُلَّ مَنْ يَنوي لَكَ الغَدْرَ يُبْتَلىبِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الالتماس: الطلب والمحاولة.

فيقول لكافور: يلتمس من يضمر العداوة لك، ويرتقب من يتربص المكاره بك، دليلا في تأييد الله لأمره، وبيانا فيما يتكفل الله به من إعلانك ونصرك، بعد الذي أظهره في شبيب لما شانك وناصبك، وعصاك وخالفك.

ثم قال: رأت أعداؤك كل من قابل وفاءك بالغدر، وإحسانك بالجحود والكفر، يبتلى بغدر حياته، ومعاجلة حتفه له، وإن تخطاه ذلك، اختلفت أحوال الزمان إليه، وصممت بمكارهها إليه.

بِرَغْمِ شَبِيْبٍ فَارَقَ السَّيْفَ كَفُّهُوكانَا على العِلاَّتِ يَصْطَحِبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالتْ لِسَيْفِهِ:رَفِيْقُكَ قَيْسِيٌّ وأَنْتَ يَمَانِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

العلات: العوارض المانعة.

فيقول: برغم شبيب أعجل الله الحتف نفسه، وفارق السيف كفه؛ لما كفر أيها الأستاذ نعمتك، وخلع طاعتك، وكان السيف قبل ذلك ينصره على العلات ولا يخذله، ويعضده فيما يجادله ولا يسلمه، فلما خالفك أغفل نصرته، ولما فارقك كره صحبته.

ثم قال: كأن رقاب الناس بإفراطه في قطعها، وإسرافه في ضربها، طالبته في نفسه، وتمتمت به إلى سيفه، فذكرته بما بين اليمن وبين قيس عيلان من الإحن القديمة، والترات المشهورة، فقالت له: أنت منسوب إلى اليمن، واليهم تنسب السيوف، وشبيب رفيقك من رؤساء قيس عيلان، فما لك لا تدرك فيه لترتك، وتخذله تعصبا لليمن جماعتك؟! فكأن السيف أصغى إلى تلك التماتم، وطالب شبيبا

بتلك الطوائل، فخذله عند حاجته إليه، وأسلمه مع اعتماده عليه.

فَإِنْ يَكُ إِنْسَانَاً مَضَى لِسَبِيْلِهِفَإِنَّ المَنَايا غَايَةُ الحَيَوانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وَمَا كَانَ إِلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍيُثِيْرُ غُبَارَاً في مَكانِ دُخانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فَنَالَ حَياةً يَشْتَهِيْهَا عَدُوُّهُوَمَوْتاً يُشَهَّي المَوْتَ كُلَّ حَبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول كالمتأسف على شبيب فيما أدركه من الخذلان؛ لمخالفته الأستاذ كافورا مع أسلف إليه من نعمته، وأظهره من إكرامه ورفعته، ولم يمنع أبا الطيب ما استجازه شبيب من معصية كافور، من أن يقول عنده بما خبره من فضله، وجربه من شجاعة نفسه، إيثارا للإنصاف، واحتمالا على حسن الاعتراف، فقال: فإن يك شبيب إنسانا أدركه يومه، وأحاط به حينه، فتتقحم فيما أفضى به إلى الهلكة، وسلبه رفيع المنزلة، فإن المنية التي صار إليها غاية كل حي، لا محيص عنها، ولا مفر لأحد منها.

ثم قال: وما كان شبيب في شجاعة نفسه، وضرامته وبطشه، إلا كالنار التي تتلف ما واجهها، وتهلك ما عارضها، وكان يستدل عليه في غاراته، بما تثير خيوله من الغبار، كما يستدل على النار بما يثيره لهيبها من الدخان.

ثم قال: فنال من الحياة أعزها، وأدرك من المراتب أجلها، ثم مات ميتة كريمة تشهي الموت إلى الجبناء، وتبقي عليك أكرم الثناء. وإنما حسن له الثناء على شبيب مع عصيانه لكافور ممدوحه، ما شرحه من أنه مع رفيع منزلته، لما فارق طاعة كافور، عاجله الله بنقمته.

نَفَى وَقْعَ أَطْرَافِ الرَّماحِ بِرُمْحِهِوَلَمْ يَخْشَ وَقْعَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
ولم يَدْرِ أَنَّ المَوْتَ فَوْقَ شَوَاتِهِمُعَارُ جَنَاحٍ مُحْسِنُ الطَّيَرانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وَقَدْ قَتَلَ الأَقْرَانَ حَتَّى قَتَلْتَهُبِأَضْعَفِ قِرْنٍ، في أَذَلَّ مَكَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

وقع الشيء ووقوعه: كون ما يحذر منه، والنجم: الثريا، والدبران: كوكب تتصل

به كواكب تتلو الثريا، وهما من منازل القمر، وليس في جميع المنازل منزلتان تتقارب تقاربهما، وتسمي العرب ما بينهما ضيقة، ويتشاءمون بمواجهتها عندما يعاونونه من أمورهم، ولذلك يقول الأخطل، وهو يهجو سعيد بن بيان التغلبي، وكان تزوج برة بنت أبي هانئ التغلبي، وكان الأخطل يشبب بها فقال:

وَكَيْف يُدَاوي الطَّبِيْبُ مِنَ الجَوَىوَبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ بنِ بَيَانِ
فَهلاً زَجَرْتَ الطَّيَر إِذ جاَء خَاطِباًبِضِيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ

والشواة: جلدة الرأس، والأقران: الأكفاء في الحرب، الواحد: قرن.

فيقول: إن شبيبا نفى برمحه وقع أطراف رماح أعاديه، واستظهر عليهم، وفتح دمشق التي كانوا تحصنوا منه فيها، ولم يعرج على التطير بالنجم والدبران ثقة بنفسه، وإدلالا بشجاعته وبأسه.

ثم قال: ولم يدر مع ما اتفق له من الغلبة، وتمكن له من الظهور والمقدرة، حين فتحه لدمشق، وملكه لها، وظفره بها، أن الموت قد أوفى على شواة رأسه، ينهض إليه بأسرع سعي، ويطلبه بأبلغ جهده، حتى كأنه طار نحوه لشدة مبادرته، واستعان بجناح يستعمله لقوة مسارعته.

ثم قال، وهو يريد شبيبا، ويخاطب كافورا: وقد قتل الأقران بمبارزته لهم، وإقدامه في الحرب عليهم، حتى قتلته بقوة إقبالك، وسعادة أيامك، بأضعف قرن كفاك أمره، وفي أذل مكان لقي به حتفه، وذلك أن شبيبا لما فتح دمشق، وتغلب على من كان فيها من أصحاب كافور، وقف تحت طاق من طيقانها، وانتشر أصحابه في أقطارها، ثم عاودوه فألفوه صريعا ميتا لا يعرف قاتله. فقيل إن امرأة دلت عليه من الطاق رحى، وقيل إنه أصيب بسهم، وقيل إن السرج ضربه بحركة الفرس الذي كان يركبه، والله أعلم بحقيقة ذلك. وإلى هذا أشار أبو الطيب في قوله: بأضعف قرن في أذل مكان.

أَتَتْهُ المَنَايَا في طَريقٍ خِفِيَّةٍعَلَى كُلَّ سَمْعٍ حَوْلَهُ وَعِيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وَلَو سَلَكَتْ طُرْقَ السَّلاحِ لَرَدَّهابِطُولِ يَمِيْنٍ واتَّساعِ جَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الجنان: روح القلب.

فيقول، وهو يريد شبيبا: أتته المنايا في طَريق خفية مستترة، محجوبة عن الأبصار متغيبة، لا تدرك بسمع ولا بصر، ولا يستدفع ما يريد منها بشدة حذر.

ثم قال: ولو سلكت المنايا إليه طرق السلاح على سبيل القتال والمغالبة، والمعهود من الدفاع والمنازلة؛ لردها عن نفسه بيمين تطول ولا تقصر، وجنان يتسع بالحرب ولا يحصر.

تَوَحَّدَهُ المِقْدَارُ بَيْنَ صِحَابِهِعلى ثَقَةٍ مِنْ دَهْرِهِ وَأَمَانِ
وَهَلْ يَنْفَعُ الجَيشُ الكَثِرُ التِفَافُهُعَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِ مُعَانِ؟
وَدَىَ ما جَنَى قَبْلَ المَبِيْتِ بِنَفْسِهِوَلَمْ يَدِهِ بالجامِلِ العَكَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الجامل: القطيع من الجمال، والعكنان: الكثير من ذلك.

فيقول: إن شبيبا، وما قدمناه من شرح قتله، توحده المقدار مصمما نحوه، وساق إليه مستعجلا حتفه، وأصحابه مجتمعون، وأنصاره متوافرون، وثقته مستحكمة بما تمكن له من الغلبة، وهو آمن بما أفضى إليه من الهلكة.

ثم قال: وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على أمير لا يأذن الله بنصره، ولا تتراخى الأيام به في سابق علمه.

ثم قال: إنه لم يبت ليلته تلك حتى أدى دية جنايته بتلف نفسه، وعجلت له نقمة عصيانه بمواجهة حتفه، ولم تكن دية ما جناه بالجمال الكثيرة، ولا وقعت على السبيل والمعهود.

أَتُمْسِكُ ما أَوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍوتُمْسِكُ في كُفْرانِهِ بعِنَانِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وَيَرْكَبُ ما أَرْكَبْتَهُ مِنْ كَرامَةٍوَيَرْكَبُ لِلعِصْيَانِ ظَهْرَ حِصَانِ!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
ثَنَى يَدَهُ الإِحسَانُ حَتَّى كَأَنَّهاوَقَدْ قَبضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الحصان: الذكر من الخيل، وثنى: بمعنى قبض، والبنان: أصابع اليد.

فيقول: وهو يخاطب كافورا، ويشير إلى شبيب: أتمسك يد عاقل كالذي كانت يد شبيب تمسكه، وملكتها إياه بعطاياك وإحسانك، ثم تمسك في كفران ذلك بعنان تصرفه في معصيتك، وتستعمله في مخالفة طاعتك؟ ويركب من الكرامة كالذي أركبته، ويصير منها إلى ما ملكته وخولته، ثم يركب بعد ذلك حصانا يستقل به في عصيانك، ويوديه إلى جحود إحسانك!

ثم قال مخبرا عن شبيب: ثنى يده إحسانك، فلم تجبه إلى قبض عنانه، وتصريف حصانه، حتى كأنها عند قبضت ولا بنان لها، وحاولت مساعدته والخير قد أحاط بها، وهكذا النعمة تحكم لصاحبها، وتسرع بالنقمة إلى جاحدها.

وَعِنْدَ مَنِ اليومَ الوَفاءُ لِصَاحِبٍ؟وَأَوْفَى مَنْ تَرَى أخَوانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
قَضى اللَّهُ يا كافورُ أَولٌولَيْسَ بِقاضٍ أَنْ يُرَى لَكَ ثَاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

يقول: وعند من يوجد في زماننا الوفاء؟ ومن يظن به شكر النعمة؟ ومن يقضى بذلك له؟ وشبيب في هذه الحال، وأرفع من ينسبها إليه، ويقدرها عليه، نظيران متساويان، وأخوان متشابهان، وإذا عدم الوفاء في مثل شبيب فهو معدوم في أبناء سائر الدهر، ومن ينتسب إلى الكرم والفضل.

ثم قال: قضى الله يا كافور أنك أول في أهل الفضل، بل مقدم في المنسوبين إلى المكارم، منفرد بجميل الصنع، وأوحد في جلالة القدر، وليس الله بقاض أن يرى لك ملك ثان يعدلك، ويتلوك في سعادتك ويشبهك.

فَمَا لَكَ تَخْتَارُ القِسِيَّ وإنماعَنِ السَّعْدِ يُرْمَى دُونَكَ الثقلانِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
وما لَكَ تُعْنَى بالأَسِنَّةِ والقَنَاوجَدُّكَ طَعَّانٌ بِغَيْرِ سِنَانِ؟
ولَمْ تَحْمِلُ السَّيْفِ الطَّويلَ نِجَادُهُوَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْهُ بالحَدَثَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الثقلان: الإنس والجن، والجد: البخت، والنجاد: حمائل السيف، والحدثان: ما يقع من الحوادث في الدهر.

فيقول لكافور: فما لك تختار القسي وتعدها، وتستجدها وتستظهرها، وسعادتك تصريف الثقلين في نصرك، وجميعهم يرمي على حسب رغبتك، فمن عصاك فالله يكفه لوجهه، ومن أطاعك فالله يتكفل بإنجاح سعيه.

ثم قال: وما لك تعنى بالقنا وأسنتها، وتتأهب للمطاعنة ومؤونتها، وجدك يطعن أعداءك بغير سنان تستعمله، ويصرعهم بغير قتال تتمونه.

ثم قال: ولم تحمل السيف مستظهرا بحمله، وتعده متأهبا ليله، وأنت غني بما يصنعه الله لك، ويقربه من السعادة بك، فالحدثان لا يمهل من عند عن طاعتك، وصروف الدهر لا تغفل عمن تعرض لمخالفتك.

أَرِدْ لي جَمِيْلاً: جُدْتَ أو لَمْ تَجُدْ بهِفَإِنَّكَ ما أَحْبَبْتَ فِيَّ أَتَانِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
لَوِ الفَلَكُ الدَّوارُ أَبْغَضْتَ سَعْيِهُلَعَوَّقَهُ شَيءٌ عَنِ الدَّوَرَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

الفلك: مدار النجوم.

فيقول لكافور: أرد لي الجميل وإن لم تجد ببذله، واعتقده في وإن لم تبدر إلى فعله، فسعادتك تنفذ إرادتك وأنت غير متعرض لها، والله ينجح مطالبك وإن تكثر العناية بها.

ثم قال: لو الفلك الدوار، مع عظيم شأنه، وارتفاع مكانه، لم يشتمل على ما قضى الله به من إنجاح مطالبك، وتقريب مآربك، لعوق ذلك القضاء جريه، ولأنفذ الله لك إرادته وعلمه. وهذا الكذب من الشعراء، ومثله قد فهم أهل اللغة القصد فيه، وعلم المراد به، وذلك أن الشاعر إذا أراد أن يوجب بصفة بلوغ غاية ما يمكن، نسب إليه في تلك الجهة ما لا يمكن، فعلم السامع عند ذلك أن الشاعر لم يقصد إلى إحالة لفظه، والإزراء على نفسه، ولكنه قصد إلى استيفاء الغاية، وبلوغ أبعد

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.