من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الكافوريات
وفارق أبو الطيب سيف الدولة، وكان سبب مفارقته إياه إنه تغير عليه، وأصغى إلى قول الحساد فيه، فكثر الأذى عليه منه، فرحل من حلب، وركب البرية إلى دمشق. وكاتبه الأستاذ كافور المسير إليه، فسار إليه، فنزل بالرملة، فحمل إليه الأمير الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلعا، وحمله على فرس بموكب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وأراد منه أن يمدحه، إليه بالأبيات الرائية:
تَرْك مَدْحِيْكَ كالهجاءِ لِنَفِسي
قد تقدمت وألحقت بما قاله في ابن عبيد الله قديما.
ثم فارقه وقدم مصر، فأخلى له كافور دارا وخلع عليه، وحمل إليه آلافا من الدراهم، فقال يمدحه، أنشدها إياه في جمادى الآخرة من سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
كَفَى بكَ دَاءً أَنْ تَرَى المَوْتَ شَافِياوَحَسْبُ المَنَايَا أَنْ أَمَانِيَا
تَمَنَّيْتَها لَمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَىصَدِيْقا فَأَعْيَا أَوْ عَدُوّاً مُدَاجِيا
المداجاة: المساترة.
فيقول: كفى بك من الداء وشدته، ومن المكروه وبلوغ غايته، أن ترى الموت شفاء تطلبه، وتعتد به دواء ترغبه، وحسب المنايا في الظفر ببغيتها، والتمكن من إرادتها، أن يكن أماني يؤمل ورودها، ورغبات يستبطأ حلولها.
ثم قال يخاطب نفسه، ويبسط في تمنيه للمنايا عذره: تمنيت الموت واستبطأته، وكرهت العيش واستثقلته؛ لفساد الزمان وأهله، واستحالته في جملة أمره، وإني تمنيت أن أرى فيه صديقا فلم أجده، أو مداجيا بالعداوة فلم أبصره، إذ الناس كلهم أعداء غير ساترين، وأضداد غير مجاملين.
وأشار إلى قلة إنصاف سيف الدولة، وإنه أكثر من الإضرار به، وأن ذلك حمله على مفارقته، ودعاه إلى مباعدته ومصارمته.
إذا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعيْشَ بِذِلَّةٍفلا تَسْتَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمَانِيا
ولا تَسْتَطِلَّنَّ الرَّماحَ لِغَارَةٍولا تَسْجِيْدَنَّ العِتَاقَ المَذّاكِيا
فَما يَنْفَعُ الأسْدَ الحَياءُ مَنَ الطَّوَىولا تُتَّقَى حتَّى تكونَ ضَوارِيا
الحسام: السيف القاطع، واليماني: الذي طبع بأرض اليمن، والعتاق: الخيل الكريمة، والمذاكي: القرح منها، والطوى ضمور البطن من الجوع، والضواري من السباع: العادية، واحدتها: ضار.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومنبها في مفارقته لسيف الدولة علة عذره: إذا كنت ترضى أن تعيش ذليلا غير مكرم، ومستضعفا غير معظم، فما لك تستعد بالسيف وتحمله، وتستجيده وتتخيره؟!
ثم قال على نحو ذلك: وما لك تستطيل الرماح للمطاعنة، وتستفره الخيل للمغاورة، إذا كنت لا تستعمل ذلك في المدافعة عن نفسك، وتصرفه فيما يدل على جلالة قدرك؟!
ثم قال: وما ينفع الأسد بما توصف به من الحياء في جوع بطونها، ولا يوجب لها السكون تمكن أمورها، ولا تتقى حتى تكون ضارية، متسرعة عادية. وأشار إلى أن طول بقائه عند سيف الدولة أخل بقدره، وأن استعماله الحياء في مفارقته، منعه من إظهار غنائه وفضله.
حَبَبْتُكَ قَلْبِي قَبْلَ حُبَّكَ مَنْ نَأَىوَقَدْ كَانَ غَدَّارا فَكُنْ لِيَ وَافِيا
وَأَعْلَمُ أَنَّ البَيْنَ يُشْكِيْكَ بَعْدَهُفَلَسْتَ فُؤادِي إِنْ رَأَيْتُكَ شَاكِيا
فإِنَّ دُمُوعَ العَيْنِ غَدْرٌ بِرَبّهاإِذا كُنَّ إِثْرَ الغادِرِيْنَ جَوَاريا
النأي: البعد، والغدر والوفاء: معروفان، والبين: الفراق، والفؤاد: القلب، والشاكي: الألم. وأفرد غدرا وهو خبر عن الدموع؛ لأنه مصدر، والمصادر لا تثني ولا تجمع إذا نعت بها، أو أخبر، يقال: امرأة خصم ونساء خصم، ورجل غدر
ورجال غدر، والرب: المالك.
فيقول مخاطبا لقلبه، ومهونا لفراق سيف الدولة على نفسه: حببتك أيها القلب قبل حبك لسيف الدولة الذي نأى عنك، وتباعد منك، وقد كان غدارا في فعله، وغير مقارض لك فيما كنت عليه من وده، فكن أيها القلب راضيا لي بالسلوة عن حبه، والإعراض عن التطلع إلى ذكره.
ثم قال: واعلم أيها القلب أن الذي أنت عليه من الوفاء لمن صحبته، والتعلق بمودة من صافيته، يوجب عليك أن تشجى لبعده، وتستوحش لفقده، فلست فؤادي إن أشكاك ما آثرته في أمره، وما تخيرته من المفارقة لأرضه.
ثم أكد ما قدمه فقال: فإن دموع العين غادرة بربها، ظالمة للباكي بها، إذا كانت جارية في إثر الغادرين به، مستعملة عند ذكر القاطعين له.
إِذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصاً مِنَ الأَذىفلا الحَمْدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
وَلِنَّفْسِ أحْوَالٌ تَدُلُّ على الفَتَىكانَ سَخَاءً ما أَتَى أَم تَساخِيا
السخاء: معروف والتساخي: استعمال السخاء على غير نية.
فيقول معرضا لسيف الدولة، وبحاله عنده: إذا الجود لم يرزق خلاصا من أذى المستعمل له، حتى يكون سالما غير مكدر، وهنيا غير منغص، فذلك الجود عناء من متكلفه، تعب من متمونه؛ لأنه لا يستفيد به حمدا يدخره، ولا يجر إليه شكرا يكتسبه، وماله مع ذلك ذاهب، وما يسديه من الإحسان ضائع.
ثم قال: وللنفس أحوال ظاهرة، وآثار شاهدة، تدل على الإنسان، سخاؤه إرادة وتطبع، لأن الكريم يغتبط بأياديه؛ فيتابعها ويحتفظها، والمتكلف للكرم يتندم عليه؛ فيضيعها ويفسدها.
أَقِلَّ اشْتِياقَاً أَيُّها القَلْبُ رُبَّمارَأَيْتُكَ تُصْفِي الوُدَّ مَنْ لَيْسَ جَازِيَا
خُلِقْتُ أَلوفا لو رَحَلْتُ إلى الصَّبالَفَارَقْتُ شَيْبِي مُوْجَعَ القَلْبِ باكِيا
يقول مخاطبا لقلبه: أقل اشتياقا أيها القلب إلى سيف الدولة، وهون عليك ما تكلفته من مفارقته، فقد كان لا يعطيك بحقك، ولا يجزيك بصفاء ودك، وكثيرا ما صفوت لمن لا يصفو لك، وبخلت بمن لا يبخل بك.
ثم قال على نحو ذلك: خلقت ألوفا لمن أصاحبه، خالص الود لمن أداخله، معرضا عن زلته، صابرا على هفوته، حتى إني لما أرعاه من حق الصحبة، وأحفظه من وصائل الخلة، لو رحلت إلى الصبا، مع أثرته، وأسف النفوس على انصرام مدته، لفارقت الشيب موجع القلب لفرقته، باكيا عليه لما أرعاه من ذمة صحبته، مع أن الشيب يؤذن بذهاب القوة، ويشهد على انصرام المدة.
وَلكِنَّ بالفُسْطَاطِ بَحْراً أَزَرْتُهُحَياتِي ونُصْحِي والهَوَى والقَوافِيا
وجُرْدَاً مَدَدْنا بَيْنَ آذانِها القَنَافَبِتْنَ خِفَافاً يَتَّبِعْنَ العَوالِيا
تَماشَى بأَيْدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفَانَفَشْنَ به صَدْرَ البُزَاةِ حَوافِيا
الفسطاط مدينة مصر، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من شواهد الكرم، والقنا: الرماح الخفاف المتسابقة إلى الجري، والصفا: حجارة ملس، واحدتها صفاة، والحوافي: التي لم يبلغن بالحديد.
فيقول: لكن بالفسطاط من كافور ممالكها، بحرا يزخر جوده، ومنعما لا يمطل فضله، أزرته حياتي ونصحي، واعتمدته شعري ومودتي، وأشار بالهوى إلى وده، وبالقوافي إلى شعره.
ثم قال: وازرته خيلا كراما امتطيتها ومن معي إليه، ومددنا القنا بين آذانها حرضا عليه، فباتت خفافا متسرعة، نشاطا متسابقة، تتبع الرماح المتقدمة بها، ولا تتوقف على الناهض بها.
ثم قال، يشير إلى قوة تلك الخيل وكرمها، وإلى نفاذها وجلودها: تماشى بأيد، إذا قرعت الصفا مع قوته، ووافقته مع صلابته وشدته، مقشت به مثل صدور البزاة
وهي حافية منعلة، ومتعبة غير مرفهة، يشير إلى قوة وطئها، وصحة خلقها، وأفرد صدور البزاة وهو يريد الجمع؛ لأنه اسم شائع في نوعه، فواحده يعرف عن جميعه، والعرب تفعل مثل ذلك، أنشد سيبويه:
كُلوا في بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعِفُّوافإنَّ زَمانَكُمْ زَمانٌ خَمِيصُ
فأقام البطن مقام البطون، كما أقام أبو الطيب الصدر مكان الصدور.
وتَنْظُرُ مِنْ سُودٍ صَوادِقَ في الدُّجَىيَرَيْنَ بَعِيْداتِ الشُّخوصِ كما هِيا
وَيَنْصِبْنَ لِلْجَرسِ الخَفِيَّ سَوَامعايَخَلْنَ مُناجَاةَ الضَّمِيرِ تَناجِيا
تُجاذِبُ فُرْسَانَ الصَّبَاحِ أَعِنَّةًكَأَنَّ عَلَى الأَعْنَاقِ مِنْها أَفَاعِيَا
الدجى: الظلمة، واحدتها دجية، والجرس: الصوت، والمناجاة: السرار، والأفاعي: حيات معروفة.
فيقول: وهو يصف الخيل المذكورة: وتنظر في ظلم الليل من أعين سود المقل، صادقة النظر، يرين الشخوص النائية في الليالي السود الداجية، على حسب حقيقتها، وما هي عليه من شهود هيئتها. وحدة السمع والبصر في الخيل من شواهد الكرم.
ثم قال: وتنصب للجرس من الخفي سوامع صادقة، وآذانا منصبة، تخال لصدق حسها، ونفاذ سمعها، مناجاة الضمير تناجيا لا خفاء به، وإعلانا لا التباس فيه. وأشار إلى كرم الخيل بما ذكره من حدة سمعها، كما أشار إلى ذلك فيما ذكره من قوة نظرها.
ثم قال: تنازع بقوتها على السير، وتبادرها إلى الجري، الفرسان الذين سروا عليها في الليل، وواجهوا عليها ضوء الصباح؛ الأعنة التي يمسكونها ويصرفونها فيها، حتى كأن على الأعناق منها أفاعي تلسعها، وحيات تكف بها. يشير إلى مرحها مع شدة تعبها، ونشاطها مع اتصال سيرها.
بِعَزْمٍ يَسِيْرُ الجسْمُ في السَّرْجِ رَاكباًبِهِ ويَسيرُ القَلْبُ في الجِسْمِ ماشِيا
قَواصِدَ كَافُورٍ تَوارِكَ غَيْرْهِوَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقِيا
يقول: إنه امتطى ما ركبه من الخيل المذكورة، هو ومن استضاف إليه، بعزم ثابت، وجد بالغ، يسير القلب بهما ماشيا في الصدر، كما يسير الجسم بهما راكبا في السرج، وأشار بما ذكره من مشي القلب في الجسم إلى ما فسرناه من الصدر؛ لاشتمال الجسم عليه، وأعرب عن قوة نيته فيما قصده، واستفراغه غاية المجهود في إنفاذ ما اعتقده، وأخبر عن القلب بالمشي على طريق التجوز، وطابق بين الركوب والمشي، كما طابق بين الجسم والقلب، وجمع بين الإبداعين في نيته، واستوفاهما مع اختصار لفظه.
ثم قال، مشيرا إلى خيله: قواصد كافور توارك غيره من الملوك الذين منزلة جميعهم بالإضافة إلى قدره، وموازنتهم بما أبانه الله من فضله، منزلة السواقي من البحر، والأجزاء اليسيرة من الكل. يشير إلى استعلائه عليهم، وانفراده بالرئاسة فيهم.
فَجاَءتْ بِنا إِنْسانَ عَيْنِ زَمانَهِوَخَلَّتْ بَيَاضاً خَلْفَها ومَآقِيا
نَجُوزُ عَلَيْها المُحْسِنينَ إلى الذينَرَى عِنْدَهُمْ إِحْسَانَهُ والأيَادِيَا
الأماق: جمع موق، وهو طرف العين مما يلي الأنف.
فيقول: فجاءت هذه الخيل بنا من كافور، هذا الملك، إنسان عين الدهر الذي ينظر به، وعماده الذي تسلم الملوك له، وأعرضت عن سائر الملوك الذين منزلتهم منه منزلة بياض العين من سوادها، وموقها من ناظرها. فأشار إلى تفصيل كافور بسواد لونه ألطف إشارة، ودل على تقدمه لبيضان الملوك أوضح دلالة.
ثم قال: نجوز على تلك الخيل من مررنا عليه من الرؤساء الذين قد ظهر إحسانهم، وجلت أحوالهم، إلى كافور، هذا الملك، الذي إحسانهم من إحسانه إليهم،
وسلطانهم من أياديه عليهم. يريد: أن كافور رئيس الرؤساء، والمقدم على من رآه من الأمراء.
فَتًى ما سَرَيْنا في ظُهورِ جُدودِناإلى عصرهِ إِلاَّ نُرَجّي التَّلاقِيَا
تَرَفَّعَ عَنْ عَونِ المَكارِم قَدْرُهُفما يَفْعَلُ الفَعْلاتِ إِلاَّ عذَاريَا
يُبِيْدُ عَدَاواتِ البُغَاة بِلُطْفِهِفإِنْ لم تَبِدْ مِنْهُمْ لأَبَادَ الأَعَادِيَا
السرى: وأصلة السير في الليل والنهار، والعون: جمع عوان، وهي المرأة ذات الزوج، والعذراء من النساء: البكر، ويجمع على عذارى وعذار، مثل صحارى وصحار، وقصد أبو الطيب لغة من نون، ورد الياء المحذوفة من عذار؛ لوقوع الاسم غي موضع النصب، وخفة الفتح في الكلام، ثم أشبع الفتحة للقافية وسقط التنوين لاجتلاب الياء التي كان عوضا منها.
فيقول: إن كافورا الملك الذي أمله الناس بفطرتهم، ورجوه بما ركبه الله في جبلتهم، وكأنهم إنما انتقلوه في ظهور أجدادهم، يتسابقون إلى إدراك عصره، ويرجون أن يسعدهم الله بمشاهدة فضله.
ثم قال: ترفع عما سبق إليه من المكارم، وما تمكن مشاركته فيه من فضائل، ففعل من الجميل ما لم يفعل مثله، وأظهر من الكرم ما لم يعهد قبله، فصارت أياديه كالعذارى، لم تكن قبل مدته، ولا عهدت متقدمة لدولته، وأخبر عن المكارم بالعون والعذارى على سبيل الاستعارة.
ثم قال: يبيد عداوات البغاة، ويقطعها بإحسانه إليهم، وتألفه لجميعهم، فإن لم ينجع فيهم طبه، ولم يصرفهم إلى الانقياد لطاعته لطفه، حلوا محل الأعداء، فأبادتهم سطوته، وأصارتهم إلى التلف عقوبته.
أَبا المِسْكِ ذَا الوَجْهِ الَّذِي كُنْتُ تائِقاًإِليهِ وَذَا الوقتُ الذي كُنْتُ راجِيا
لاقِيْتُ المَرَوْى والشَّنَاحِيْبَ دُونَهُوَجُبْتُ هَجِيْراً يَتْرُكُ الماَء صَادِيا
التائق إلى الشيء: الذي يرغب فيه، وينزع إليه، والمروري: القفر الذي لا شيء فيه، والشناخيب: أنوف الجبال، واحدها شنخوب، قاله أبو عبيدة، وجبت: بمعنى قطعت، والهجير: حر وسط النهار، والصادي: العطشان.
فيقول مخاطبا لكافور: أبا المسك! وجهك الوجه الذي لم أزل تائقا إليه، للمشاهدة له، متلقنا للسعادة به، وهذا الوقت الذي أظفرني الوصول إليه، الوقت الذي كنت أرجوه وأؤمله، وأرقبه وأنتظره.
ثم قال: لقيت دونه ما تمونته من ركوب القفار الموحشة، وما تجشمته من معاناة الجبال الممتنعة، وقطعت فيها من الجواهر ما يحمى به الماء فيعطش بحره، ويتقد عليه فيخرج معه عن طبعه.
أَبَا كُلّ طِيْبٍ لا أَبَا المِسْكِ وَحْدَهُوَكُلَّ سَحَابٍ لا أَخُصُّ الغَوَادِيَا
يُدِلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كُلُّ فاخِرٍوَقَدْ جَمَعَ الرَّحْمنُ فِيْكَ المَعَانِيَا
الغوادي: السحاب التي تنشأ في الصباح.
فيقول مخاطبا لكافور: أبا كل طيب، لا أخص المسك وحده عند ذكرك، ولا أفرده بالدلالة على ما أظهره الله من فضلك، وأبا كل سحاب من الكرم، وكل جليل من النعم، لا أخص غادي ذلك دون رائحه، ولا أقصد أوله دون آخره.
ثم قال: يدل كل فاخر بمعنى من الفضل قد أحرزه، وموضع من السيادة قد بلغه، وقد جمع الله الفضائل، فقرنها بك، والمكارم فأخلصها لك، فكل ما افترق من المجد في غيرك فقد جمعته، وكل ما امتنع منه على سواك فقد بلغته.
إذا اكْتَسَب النَّاسُ المَعَالِيَ بالنَّدىفإِنَّكَ تُعْطِي في نَدَاكَ المَعَالِيَا
وَغَيْرُ كَبِيْرٍ أَنْ يَزُورَكَ راجِلٌفَيَرْجِعَ مَلِكا لِلعِرَاقَيْنِ وَالِيا
المعالي: جوامع الشرف، واحدتها: معلاة، والندى: الكرم، والملك: لغة في الملك، خفف الكسرة لتسكينها، والعرب تفعل ذلك في الضم والكسر، فيقولون في عضد
عضد، وفي ملك ملك، والعراقان: الكوفة والبصرة.
فيقول لكافور: إذا اكتسب الناس الشرف بكرمهم، وأحرزوا المعالي بعطاياهم ومننهم، وكان نيل الشرف غاية قصدهم، وإدراكه مبلغ جهدهم، فأنت تهب الشرف لمن قصدك، والمعالي لمن أملك، وترفع سائلك فتجعله مرجو الفضل، وتبسط يده حتى يوجد كثير البذل.
ثم قال: وغير بديع فيما شهر عنك، ولا غريب فيما عهد منك، أن يزورك راجل لا مطية له، وساع على قدميه لشدة الفاقة به، فتغنيه وتجبره، وتشرفه وتظهره، حتى يكون ملكا واليا على الأمصار العظيمة، متقلدا للأعمال الرفيعة، لا تبعد العراقان عن ولاية مثله، ولا تستنكر أن تدبر بأمره.
فَقَدْ تَهَبُ الجَيْشَ الذي جَاَء غَازِياًلِسائِلِكَ الفَرْدِ الذي جَاَء عَافِيا
وتَحْتَقرُ الدُّنيا احْتقَارَ مُجَرَّبٍيَرَى كُلَّ ما فِيها وحَاشَاكَ فَانِيا
العافي: السائل، وحاشا: حرف يجر به، وفيه معنى التعويذ والاستثناء، وقد يكون فعلا فينصب ما بعده.
فيقول لكافور: فقد يردك العافي من قصدك، فترفعه وتشرفه، وتعليه وتمكنه حتى يكون أمير جيش، يصرفه قائدا له، ويتملكه غازيا به، فيردك فردا عافيا، ويصير بك أميرا عاليا.
ثم قال مخاطبا له: وتحتقر الدنيا احتقار من خبرها بتجربته، وحصرها بمعرفته، فرأى كل ما فيها فانيا لا يدوم، وكل ما شاهد منها راحلا لا يقيم، فسخا بجليل ذلك غير مستعظم، وبذله غير مستكثر، وحاشاك أيها المأمول من معالجة الدنيا لك بالفناء، ونسأل الله لك طول البقاء.
وما كُنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ المُلْكَ بالمُنَىوَلكِنْ بأَيَّامٍ أَشَبْنَ النَّواصِيَا
عِداكَ تَرَاهَا في البِلادِ مَسَاعِيَاًوَأَنْتَ تَراها في السَّمَاءِ مَرَاقِيَا
لَبِسْتَ لَهَا كُدْرَ العَجَاجِ كأَنَّماتَرَى غيرَ صَافٍ أَنْ تَرَى الجَوَّ صَافِياً
المنى: الأماني، واحدتها أُمْنِيَّةٌ، والنواصي: مقادم شعر الرؤوس، الواحدة ناصية، والمساعي: المطالب، واحدتها مسعاة، والمراقي: الدرجات، والكدر: الغبر، والعجاج: ما سطع من الغبار، واحدتها عجاجة، والجو: ما ارتفع من الهواء.
فيقول لكافور: وما كنت ممن أدرك الملك بجد لم ينصره طلب، واتفاق لم يوجبه تعب، ولكنك أدركته بأيام معلومة، ووقائع على الأعداء مشهودة، شيبت النواصي لشدتها، وانقطعت الآمال عنها ببعد غايتها.
ثم قال: عداك ترى تلك الأيام بعين من يحتسبها مساعي في البلاد يحاولها، ومطالب يتبعها ويتناولها، وأنت تراها مراقي ترفعك في السماء، وتحوز لك أعظم الاعتلاء، فأدركت من ذلك بمقدار همتك، وبلغت فيه إلى أفضل رغبتك.
ثم قال: لبست لتلك الأيام ووقائعها، ولأهوالها وشدائدها، كدر عجاجات الكتائب، ومظلم ارهاج المواكب، تعتمد بجيوشك من نازعك، وتصول بسيوفك على من خالفك، وتألف ذلك وترغبه، وتؤثره وتفضله، حتى كان غير صاف عندك أن ترى الجو صافيا من الغبار، وتشاهده خلوا من إظلام القتام.
وَقُدْتَ إليها كُلَّ أَجْرَدَ سَابِحٍيُؤَدّيكَ غَضْبَانَاً وَيَثْنِيْكَ رَاضِيا
ومُخْتَرَطٍ ماضٍ يُطِيْعُكَ آمراًويَعْصِي إِن اسْتَثْنَيْتَ أَوْ كُنتَ نَاهِيَا
وَأَسْمَرَ ذِي عِشْرِيْنَ تَرْضَاهُ وارِداًويَرََْاكَ في إِيْرادِهِ الخَيْلَ سَاقِياً
الأجرد من الخيل: القصير شعر الجلد، وهو من شواهد الكرم، والسابح: الذي يمد يديه في العدو، ويؤديك: بمعنى: يبلغك، ويثنيك: بمعنى: يصرفك، والمخترط: السيف المسلول. والخرط: السل، والماضي: القاطع، والأسمر: الرمح اليابس، وذو العشرين: الذي فيه عشرون من الكعوب، وهي العقد الناشزة بين أنابيبه، وأشار بهذا إلى طوله، والوارد: الذي قد شرع في الماء.
فيقول لكافور: وقدت إلى تلك الوقائع كل فرس كريم في خلقه، سريع في جريه، يبلغك غضبان عندما تستفتحه من حربك، ويصرفك راضيا لما يكتفل الله به من نصرك.
ثم قال: وقدت إليها كل سيف ماض في فعله، حسام في قطعه، يطيعك آمرا بنفاذه حين تعمله، ويعصيك مستثنيا بنهيك إياه حين تمسكه، يريد: إنه لا مثنوية لضربته، ولا صارف لنفاذه وحدته، وأخبر عن السبب وهو يريد صاحبه، مقيما للمضاف إليه مقام المضاف.
ثم قال: وقدت إلى تلك الوقائع كل رمح يابس طويل، ترضاه واردا على أعدائك عند المطاعنة به، ويرضاك مقتحما على الفرسان عند سقيك في الدماء له، وأخبر عن الرمح وهو يريد حامله على نحو ما قدمه، وجعل المخاطبة لكافور والإخبار عن كتائبه، والإشارة إليه، والقصد إلى عساكره، واختصر ثقة بفهم من أخبره، وحذف معولا على بيان ما ذكره.
كَتَائِبُ ما انْفَكَّتْ تَجُوسُ عَمائِراًمِنَ الأرْضِ قَدْ جَاسَتْ إليها فَيَافِيا
غَزَوْتَ بِها دُورَ المُلُوكِ فَبَاشَرَتْسَنَابِكُهَا هَامَاتِهِمْ والمَغَانِيَا
الكتائب: الجماعات من الخيل، واحدتها كتيبة، والجوس: التردد في الماكن، والعمائر: البلاد المعمورة، والواحدة عمارة، والفيافي: الفلوات المقفرة، والهام: الرؤوس، والسنابك: مقادم حوافر الخيل والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى.
فيقول مؤكدا لبيان ما قدمه، من ذكر الجيوش التي قادها كافور إلى أعاديه: كتائب لا تزال تقطع البلاد سائرة، وتخترقها غازية، معتمدة لعمارات من الأرض تطؤها، ولوسائط من البلاد تجوسها وتملكها.
ثم قال، غزوت بتلك الكتائب الملوك المخالفين، يريد: المعترضين لحربك، فباشرت سنابك خيلك هاماتهم بعد قتلك لهم، ووطئت مغاني آثارهم بعد إيقاعك
بهم.
وَأَنْتَ الذي تَغْشَى الأَسِنَّةَ أَوَّلاًوتَأْنَفُ أَنْ تَغْشَى الأَسِنَّةَ ثَانِيا
إذا الهِنْدُ سَوَّتْ بَيْنَ سَيْفي كَرِيْمَةٍفَسَيْفُكَ في كَفَّ تُزِيلُ التَّساوِيا
ومِنْ قَوْلِ سَامٍ لو رآكَ لِنَسْلِهِ ...: فَذَى ابْنَ أَخي نَسْلِي ونَفْسِي وماليَا
الغشيان: المباشرة، وأسنة الرماح: معروفة، والأنفة: الغضب والحمية، والهند أمة محكمة لطبع السيوف، إليهم تنسب السيوف الهندية، والكريهة: شدة الحرب، وسام بن نوح، ومن نسله جميع البيضان، وحام أخوه، ومن نسله جميع السودان.
فيقول مخاطبا لكافور: وأنت الذي تسمو إلى الحرب غير متهيب، وتبادر نحوها غير متوقع، فتغشى الأسنة أولا قبل جيشك، وتقدم عليها مدلا بنفسك، ولا تأتيها ثانيا مقتديا بغيرك، ولا تاليا مسبوقا في فعلك.
ثم قال: إذا الهند سوت بين سيفين في إحكام صنعتهما، وكرامة جوهرهما، فالذي يصير منهما في كفك، فأنت ترفع التساوي عنه، وتوجب الفضل له بثبات ضربتك له، وشدة قوتك.
ثم قال: ومن قول سام بن نوح لنسله، لو رأى تصاغرهم عن قدرك، وتقصيرهم عن بلوغ غايات فضلك: أفدى ابن أخي هذا بنفسي، ومن انسلته، ومالي وما ملكته. فأشار إلى أن فضيلة بني حام بكافور ظاهرة، وزيادتهم على بني سام بموضعه بينه.
مَدَّى بَلَّغَ الأُسْتَاذَ أَقْصَاهُ رَبُّهُوَنَفْسٌ لَهُ لَمْ تَرْضَ التَّنَاهِيا
دَعَتْهُ فَلَبَّاها إلى الفَضْلِ والعُلاَوَقَدْ خَالفَ النَّاسُ النُّفوسَ الدَّواعِيا
فَأَصْبَحَ فَوْقَ العَالَمِيْنَ يَرَوْنَهُوَإِنْ كَانَ يُدْنِيهِ التَّكَرُّمُ نَائِيَا
المدى: الغاية، والأستاذ: كافور، والتناهي في الأمور: بلوغ آخرها، والتلبية: الإجابة بالطاعة، والنأي: البعد.
فيقول: إن الذي أجرى إليه الأستاذ كافور من الاستيلاء على الفضل، والتقدم في الانفراد باحتياز الشكر، مدى بلغته أقصاه نفس له كريمة، عالية شريفة، لا ترضى من المكارم إلا ببلوغ غايتها، ولا تقنع من الفضائل إلا باستيعاب نهايتها.
ثم قال: دعته تلك النفس إلى اكتساب المجد، والانفراد بالشكر والحمد، فلباها بأنفذ بصيرة، وساعدها على ذلك بأثبت عزيمة، وقد خالف غيره من الملوك أنفسهم، بالقعود عن مثل ما بدر إليه، وزهدوا في ما أظهر هو الحرص عليه.
ثم قال: فأصبح فوق العالمين يرونه، قد فاقهم بمرتبته، واستعلى عليهم بمنزلته، وإن كان تواضعه يدنيه إليهم، وكرمه يعطفه عليهم.
وهنأه الناس بالدار الجديدة التي على البركة، فقال:
إِنَّما التَّهْنِئَاتُ لِلأَكْفاءِوَلِمَنْ يَدَّنِي مِنَ البُعَداءِ
وَأَنَا مِنْكَ لا يُهَنَّئُ عُضْوٌبِالْمَسَرَّاتِ سَائِرَ الأَعْضَاءِ
الأكفاء: الأشكال، ويدني: بمعنى يقترب، وهو مثال يفتعل من الدنو، والبعداء: الأباعد، واحدهم بعيد.
فيقول لكافور: إنما التهنئات بين الأكفاء المشاكلين، والنظراء المتماثلين، أو لبعيد يستعمل التهنئة ليقرب، ويتكلفها ليتقبل، ويجعلها وسيلة تدني موضعه، وذريعة تسهل مطلبه.
ثم قال: وأنا منك لاتصالي بخدمتك، واشتمالي بنعمتك، قد حللت منك محل البعض من الكل، والعضو من سائر الجسم، فكيف أهنئك وأنا عبدك، وأتوددك وأنا بعضك.
وُسْتَقِلٌّ لَكَ الدَّيَارَ واو كَانَ نُجوماً آجُرُّ هذا البِنَاءِ
وَلَوْ أَنَّ الذي يَخِرُّ مِنَ الأَمْواهِ فِيهِ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءِ
الخرير: صوت الماء عند جريه، يقال: خر الماء يخر خريرا.
فيقول لكافور: استقل الديار الجليلة لقدرك، واستصغر المنازل الرفيعة عند عظم حالك، ولو أن البناء الذي استحدثته، والقصر الذي احتللته، يشاكل آجره النجوم بحسنها، ويماثلها في جلالة أمرها، لكنت مستوجبا لأرفع منه بقدرك، وما أحرزه الله لك من عموم فضلك.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولو أن المياه التي تخر في هذا البناء ذوب جواهر ناصعة، وفضة بيضاء خالصة، لاستقللت ذلك فيما تستحقه بنفسك، وما رفعه الله في المكارم من ذكرك.
أَنْتَ أَعْلَى مَحَلَّةً أَنْ تُهَنَّىبِمَكانٍ في الأَرْضِ أَوْ فِي السَّماءِ
وَلَكَ النَّاسُ والبلادُ وما يَسْرَحُ بَيْنَ الغَبْرَاءِ والخَضْرَاءِ
وَبَسَاتِيْنُكَ الجِيادُ وما تَحْمِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءِ
السماء: كل مكان تنامى علوه، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، والبساتين: الجنات، والجياد: الخيل الكريمة، والسمهرية: القناة الصلبة.
فيقول لكافور: أنت أجل رتبة، وأظهر علوا ورفعة، من أن تهنأ بمكان في الأرض تحله، أو بموضع من العلو تناله؛ لأن جميع ذلك يقل عند سيادتك، ويصغر مع سلطانك ورئاستك.
ثم قال: وكيف لا يكون ذلك والناس حولك، والبلاد ملكك، وما يسرح من الأرض والسماء لك، قد أحرزت ذلك بسعة سلطانك، وارتفاع مكانك.
ثم قال: وأنت مع ذلك على حال من حزمك، ونفاذ من قوتك وعزمك، وبساتينك معها التي تونقك، ورياضك التي تروقك وتبهجك، الخيل والأبطال المصرفون لها، وسمر الرماح والفرسان المطاعنون بها. ودل بما ذكره على ما اجتلبناه مما أضمره.
إِنَّما يَفْخَرُ الكَرِيمُ أَبُو المِسْكِ بِمَا يَبْتَنِي مِنَ العَلْيَاءِ
وَبِأَيَّامهِ الَّتي انْصَرَمَتْ عَنْهُ وَمَا دارُهُ سِوَى الهَيْجَاءِ
وَبِما أَثَّرتْ صَوارِمُهُ البِيْضُ لَهُ في جَمَاجمِ الأعْدَاءِ
الانصرام: الانقطاع والانقضاء، والهيجاء: الحرب، والصوارم: السيوف القاطعة، والجماجم: الرؤوس.
فيقول: إنما يفخر أبو المسك الكريم النفس، المشهور الفضل، بما يبتنيه من العلياء والمجد، وما يكتسبه من الثناء والحمد، لا ببناء يستحدثه، ولا بعرض من الدنيا يستخلصه.
ثم قال: ويفخر بأيامه التي أسلفها، والحرب داره، ومواقعة الأعداء شأنه، حتى انقادوا لأمره، وسلموا لحكمه.
ثم قال: ويفخر بما أحدثته بيض صوارمه، ومشهور وقائعه في جماجم أعدائه المخالفين له، وأضداده لمتمرسين به من الضرب الذي أتلف نفوسهم، والجلاد الذي هشم رؤوسهم.
وَبِمِسْكٍ يُكْنَى بِهِ لَيْسَ كَالْمِسْكِ وَلكِنَّهُ أَرِيْجُ الثَّناءِ
لا بِمَا تَبْتَنِي الحَوَاضِرُ فِي الرَّيفِ وما يَطَّبِي قُلُوبَ النَّسَاءِ
الأريج: الفوح، والريف: البلد الواسع المخضب، والإطباء: الاستمالة.
فيقول على نحو ما قدمه: ويفخر أبو المسك بمسك ينسب إليه، من فوح مكارمه، وتضوع آثار محاسنه، ليس كالمسك في حقيقته، ولكنه بناء يفضله بفوحه، ويزري عليه بعبق ريحه.
ثم قال: وليس يفخر أبو المسك بما يبتنيه أهل الحضر من القصور المشيدة، والمنازل المحسنة، وما يطبي قلوب النساء من تلك البساتين وبهجتها، وتلك المباني ورفعتها، حسبه ما يرفع بع عماد الكرم، وما يجدده من سوابغ النعم.
نَزَلْتَ إِذ نَزَلَتْها الدَّارُ في أَحْسَنِ مِتْها مِنَ السَّنا والسَّنَاءِ
حَلَّ في مَنْبِتِ الرَّياحِيْنِ منْهَامَنْبِتُ المَكْرُمَاتِ والآلاءِ
السَّنَا مقصور: الضياء، والسناء ممدود: الاعتلاء في المجد، والرياحين: ما طابت رائحته من النبات، واحدها: ريحان، والآلاء: النعم.
فيقول: نزلت هذه الدار التي ابتنيتها من الضياء والبهجة، والعلو والرفعة، في احسن مما نزلت فيه من مبانيها المتقنة، ومصانعها المحسنة، وأفدتها من التشريف لها، أكثر مما أفادتك من السرور بها.
ثم قال: حل منك في منبت ريحانها، وساحات بنيانها، الملك الذي ينبت المكرمات بفضله، ويجدد الآلاء والمنن بمشكور فعله.
تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّمسُ بِشَمْسٍ مُنِيْرَةٍ سَوْداءِ
إِنَّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ فِيهِلَضِياءً يُزْرِي بِكُلَّ ضِيَاءِ
إِنَّما الجِلْدُ مَلْبَسٌ، وابْيِضَاضُ النَّفْسِ خَيْرٌ مِنِ ابْيِضَاضِ القَبَاءِ
يقال ذرت الشمس: إذا طلعت، والقباء: ثوب معروف.
فيقول لكافور: أن استنارة مكارمك، وما ألبسك الله من ضياء فضائلك، تفضح الشمس وتبهرها، وتزيد عليها وتغلبها، فأنت شمس تنير أفعالها مع سواد لونها، ويشرق إحسانها لمن اعتمد فضلها.
ثم قال: إن في ثوبك الذي يشتمل منك على ولي الحمد، والمقيم لأود المجد، لضياء يصر كل ضياء عن بهجته، ويتواضع عند جلالته ورفعته.
ثم قال على نحو ما قدمه: إنما جلد الإنسان ملبس، لا يحرز الفضل بياض لونه، ولا يوجبه تكامل حسنه، وإنما يوجب ذلك بياض النفس، وكرم جوهرها، وعلوها وشرف عنصرها. يشير إلى أن سواد كافور تضيء منه بياض نفسه، وتشرق عليه شواهد فضله.
كَرَمٌ في شَجَاعَةٍ، وذَكاءٌفي بَهاءٍ، وَقُدْرَةٌ في وَفَاءِ
مَنْ لِبِيْضِ المُلُوكِ أَنْ تُبْدِلَ اللَّوْنَ يِلَوْنِ الأُسْتَاذِ والسَّحْنَاءِ
وتراها بَنُو الحُرُوبِ بِأَعْيَانٍ تَرَاهُ بها غَداةَ اللَّقَاءِ
الذكاء: الفطنة، والبهاء: حسن المنظر وفخامته، والسحناء: الهيئة، والأعيان: جمع عين.
فيقول: إن كرم كافور مقرون بشجاعته، وذكاءه مصحوب بفخامته، وقدرته متلوة بوفاء عنده، محمولة على صحة عقده. وهذا من باب البديع يعرف بالتقسيم.
ثم قال: من لبيض الملوك أن تبادل الأستاذ بلونه وسحنائه، وتشركه في كرمه واعتلائه.
ثم أكد فقال: من لها بأن تراها بنو الحرب عند اللقاء بما تراه به من الهيئة،
وتعتقد لها ما من الجلالة والرفعة، فلا تواجهها هناك كما أنها لا تواجهه، ولا تعارضها كما أنها لا تعارضه.
يا رَجاَء العُيُونِ في كُلَّ أَرْضٍلَم يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَراكَ رَجَائِي
وَلَقَد أَفْنَتِ المَفَاوِزُ خَيْلِيقَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي، وَزَادِي وَمَالي
المفاوز: القفار البعيدة الغايات.
فيقول لكافور: يا رجاء العيون في كل أرض نازحة، ويا غاية أمنيتها في كل بلدة نائية، لم يكن رجائي غير أن أسعد برؤيتك، وأظفر بما بلغته من مشاهدة حضرتك، وأنت رئيس المحسنين، وقبلة آمال الراغبين.
ثم قال، مشيرا إلى ما تمونه في قصده: ولقد قطعت إليك أبعد شقة، ويممتك بأصدق نية، فأفنى خيلي ما اخترقته من المفاوز، وأذهب زادي ومالي ما اقتحمته من المهالك، ولم يقعدني عنك شديد ما تكلفته، ولا منعني منك مخوف ما تمونته.
فَارْمِ بي ما أَرَدْتَ مِنَّي فَإِنَّيأسدُ القَلْبِ آدَمِيُّ الرُّواءِ
وَفُؤَادِي مِنَ المُلُوكِ وَإِنْ كَانَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ
الرواء: المنظر، والقلب والفؤاد: واحد.
فيقول لكافور: فارم بي نحو ما تريده كمي، تجدني مسارعا إلى دعوتك، مجتهدا في مقارضة نعمتك، أنفذ ولا أتكل، وأقدم ولا أعجز، فإني أسد القلب في الاجتراء والشدة، وإن كنت آدمي الشخص في الرواء والخلقة.
ثم قال: وفؤادي من الملوك بشرفه ونزاهته، وان كان لساني من الشعراء بنطقه وصناعته، فوفني جزاء همتي، وتوسمني بحسب حقيقتي، وحملني من فضلك بمقدار ما انشره من شكرك.
وقال أيضا يمدحه.
أنشدها إياه في انسلاخ شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
مَنِ الجَآذِرُ في زِيَّ الأَعَارِيْبِحُمْرُ الحُلَي والمَطَايا والجَلاَبِيْبِ
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكَّاً في مَعَارِفِهافَمَنْ بَلاكَ بِتْسَهِيْدٍ وتَعْذِيبِ؟!
الجآذر: صغار البقر الوحشية، والأعاريب: جمع الأعراب، وهم سكان البادية من العرب، والحلي: جمع حلية، وأكثر ما تستعمل في حلى السيوف، وربما استعمل في حلى النساء، لتقارب الأمرين، والمطايا: الجمال المتخذة للركوب، والجلابيب: ثياب دون الأردية، تتخذ لتغطية الرؤوس والصدر، واحدها: جلباب، والتسهيد: عدم النوم.
فيقول كالمستفخم عن النساء اللواتي يشب بهن: من النساء اللواتي هن الجآذر في حسنهن، وكحل أعينهن، المشتملات بزي الأعراب؟ فهن حمر الحلي بتحليهن بالذهب، حمر المطايا لتقدم ما ركبنه في الكرم. وحمر المطايا: كرائمها؛ ولذلك يقول القائل من العرب فيما يرفع به: ما وددت أن لي بكذا وكذا حمر النعم. وحمر الجلابيب: حمر ما يتحلين به، وحمر الجلابيب من أحسن الملابس، وآتق المناظر، وقد دل على ذلك بشار بقوله:
وخذي مربِسَ زِينةٍومُصَبَّغاتٍ فَهْيَ أَشْهَرْ
وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِيبِالحُسْنِ إِنْ الحُسْنَ أَحْمَرْ
فأشار أبو الطيب بما ذَكره إلى موضع من وصفه من الرفعة، وتمكنهم في الجدة والنعمة.
ثم قال يخاطب نفسه: إن كنت تسأل؛ اعترضك الشك في معرفة هؤلاء النسوة، وأشكلت عليك أمورهن عند الرحلة، فمن بلاك بالبحث عما يفيدك التسهيد والأرق، ويقصر عليك التعذيب والقلق؟!
لا تَجْزِني بِضَنًى بِي بَعْدَها بَقَرٌتَحْزِي دُموعَي مَسْكوباً يِمَسكوبِ
سَوَائِرٌ رُبَّما سَارَتْ هَوادِجُهامَنِيْعَةً بَيءنَ مَطْعونٍ ومَضْرُوبِ
وَرُبَّما وَخَدَتْ أَيْدي المَطِيَّ بِهَاعَلى نَجِيْعِ من الفُرْسَانِ مَصْبُوبِ
الضنى: المرض المخامر، والبقر: كناية عن النساء، والعرب تكني عنهن بالظباء والبقر، والمسكوب: المصبوب، والهوادج: مراكب النساء، والوخد: ضرب من المشي، والنجيع: الدم.
فيقول: لا جعل الله الأحبة اللواتي أضناني بعدهن، وأسقم جسمي نأيهن، أن يجزينني ضنى؛ بضناي بهن، كما جزينني بكاء ببكائي عليهن. يؤكد أنهن أسعدنه في البكاء عند الرحلة، وأسفن كأسفه عند الفرقة، فدعا لهن ألا يضنين بضناه، كما أبكاهن ما أبكاه.
ثم ذكر موضع عشيرته من القوة، وحالهم في الاستظهار والكثرة، فقال: أنهم ربما عارضهم معارض في رحيلهم، وناصبهم مناصب دون مقصدهم، فأوقعوا بمن عارضهم، واستولوا على من خالفهم، وملكوا بهوادجهم على مواضع وقائعهم، فصارت بين قتيل قد أثبته الضرب، وبين صريع قد أنفذه الطعن.
ثم قال على نحو ما قدمه: وربما وخدت تلك الهوادج أيدي مطيها على دماء من الفرسان سائلة، وبقايا من آثار الحرب ظاهرة.
كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ في الأعرَابِ خَافِيَةٍأَدْهَى، وقد رَقَدوا، منْ زَوْرَةِ الذَّيْبِ
أَزُورُهُمْ وسوادُ اللَّيْلِ يَسْفَعُ لِيوأَنْثَنِي وبَيَاضُ الصُّبْح يُغْرِي بِي
الدهاء: النفاذ والمعرفة، والانثناء: الانصراف.
فيقول وهو يخاطب نفسه: كم زورة لك إلى أحبتك من الأعراب، وقد سكن سامرهم، واستثقل في النوم راقدهم، وسواد الليل يشفع لي بستره، ويسعدني بما يلقي علي من جنحه، وأنثني والصبح يكشف مذهبي، ويغري بي من يحاول ترقبي.
قَدْ وَفَقُوا الوَحْشَ في سُكْنَى مَراتِعِهاوخالَفُوها بِتَقْويضٍ وتَطنِيْبِ
جِيْرانُها وَهُمُ شَرُّ الجِوارِ لَهَاوصَحْبُها وَهُمْ شَرُّ الأَصَاحِيءبِ
فُؤَادُ كُلَّ مُحِبًّ في بُيُوتِهِمومَالُ كُلَّ أَخِيذِ المالِ مَحْروبِ
الوحش: ما لا يستأنس مما سكن القفر، والمراتع: المراعي، واحدها مرتع، والتقويض: حط الأبنية ونقلها، والتطنيب: إقامتها ومد طنبها، والطنب: حبال الخباء، والأخيذ: المأخوذ، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح، والمحروب: المسلوب.
فيقول واصفا لمن قدم ذكره من الأعراب: قد وافقوا الوحش بالسكنى في مراتعها، والانتقال في مواضع مسارحها، وخالفوها بأنهم ذووا بيوت يقوضونها عند رحيلهم، ويطنبونها عند نزولهم.
ثم قال: فهم جيران الوحوش، إلا أنهم لها شر الجيران؛ لملازمتهم لصيدها وصحبها، وهم شر الأصحاب لإلحاحهم على عقرها. يشير إلى أن من الوحوش أقواتهم، ومن لحومها تقوم حياتهم.
وأشار إلى حسن نسائهم، وكثرة غاراتهم، فقال: فؤاد كل محب في بيوتهم؛ لاستباء نسائهم بالحسن له، ومال كل من ذهب ماله فيها، لرجوعهم من الغارات به. فدل على أن الفلوات منازلهم، والوحوش فيها تجاورهم، والغارات مكاسبهم، والقلوب بحسن نسائهم تتابعهم.
ما أَوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحْسنَاتُ بِهِ كأَوْجُهِالبَدَويَّاتِ الرَّعابِيبِ
حُسْنُ الحَضَارَةِ مَجْلُوبٌ بِتَطْرِيَةٍوفي البَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوبِ
أَيْنَ المَعِيْزُ مِنَ الآرامِ ناظِرَةً في الحُسْنِ والطَّيْبِ
الحضر: خلاف البدو، وأخبر عنه وهو يريد أهله، على سبيل التجوز، والرعابيب من النساء: الطوال القدود، الناعمات الأحسام، الواحدة رعبوبة، والحضارة: سكنى
الحاضرة، والبداوة: سكنى البادية، والتطرية: التجديد والصناعة، والمعيز: ذوات الشعر من الغنم، وهي المعز والمعزى، والمعيز: الواحدة معزاة، والناظرة: المقبلة على الشيء بنظرها، والآرام: الظباء.
فيقول: ما أوجه نساء الحضر المستحسنات فيه، مع بهجتها وحسنها ونضرتها، كأوجه البدويات من الأعراب، ذوات الأجسام الكاملة، والمحاسن الرائعة.
ثم بين ما ذكره فقال: إن حسن الحضارة تزيده الصناعة، وتحفظه الكفالة، ويجتلب بالتزيين والتهيئة، ويكمل بالتحسين والتطرية، وحسن البداوة إنما يروع النظار بحقيقته، ويروقهم ببنيته، قد استغنى فيه عن التصنيع، واكتفى ببراعته عن التزين، فكم بين التكلف والخلقة، وبين التمويه والحقيقة؟!
ثم أكد ما قدمه فقال: أين معيز الحضر من نظائرها من آرام البدو، في حسن المقل، وفتور النظر، وطيب الروائح وغير ذلك من المحاسن، فبمقدار تفاضلها، وعلى حسب تباينها، يفضل نساء البادية نساء الحاضرة في براعة الدل، وإحراز غايات الحسن.
أَفْدِي ظِباَء فَلاةٍ عَرَفْنَ بهامَضْغَ الكَلامِ ولا صبْغَ الحَواجِيْبِ
ولا بَرَزْنَ مِنَ الحَمَّامِ مائِلَةًأَوْرَاكُهُنَّ صَقِيْلاتِ العَراقِيْبِ
ومِنْ هَوَى كُلَّ مَنْ لَيْسَتْ مُمَوَّهَةًتَرَكْتُ لَوْنَ مَشِيْبِي غَيرَ مَخْضُوبِ
الظباء: معروفة من شاء البر، ومضغ الكلام: ترديده دون إبانة، والصقل: الجلاء والتصنيع، والعرقوب: العضلة التي تصل بين الساق وآخر القدم، والجمع عراقيب، والتمويه: المخادعة في الشيء بظاهر لا حقيقة له.
فيقول على نحو ما قدمه من تفضيل نساء الأعراب: أفدي بنفسي ظباء فلاة، معشوقات الدل، متكاملات الحسن، لا يمضغن الكلام لفصاحتهن فيه، ولا يتكلفن صبغ الحواجيب، لاستغنائهن عنه.
ثم قال: لا يعرفن الحمام ولا يردنه، ولا يحتجن إليه ولا يدخلنه، ولا يبرزن منه ببطون ضخمة وأوراك رخوة، قد حل الحمام أجسامهن، وصقل عراقيبهن، على ما يفعله نساء الحضر، ولكنهن مجدلات الأجسام، معتدلات القوام، قد أغناهن الحسن عن الصنعة، وسقطت به عنهن مؤن الكلفة.
ثم قال: ومن هوى كل من لا تموه حسنها، ولا تحتاج إلى أن تصنع نفسها، رفضت الخضاب محتملا على اجتناب المغالطة، وكرهته لما فيه من المكاذبة، فتركت الشيب ولم أخضبه، وأنست به ولم أغيره.
وَمِنْ هَوَى الصَّدْقِ في قَوْلِي وعادَتهرَغِبْتُ عَنْ شَعَرٍ في الوَجْهِ مَكْذُوبُ
لَيْتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أَخَذَتْمِنَّي بِحِلْمي الذي أَعْطَتْ وَتَجْريبي
فما الحَدَاثَةُ مَنْ حِلْمٍ لِمانِعَةٍقَدْ يُوجَدُ الحِلْمُ في الشُّبَّانِ والشَّيْبِ
يقول: ومن هوى الصدق وإيثاري له، وحرصي عليه وإعجابي به، رغبت عن الخضاب الذي يغر مبصره، ويخدع متأمله، فرفضت ذلك مؤثرا للصدق، وأبقت منه متحملا على الحق.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع