من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني
توفي أبو شجاع فاتك بمصر، فقال أبو الطيب يرثيه قبل خروجه من مصر، وأظهر الشعر بعد خروجه منها:
الحُزنُ يُقلِقُ والتَجَمَّلُ يَردَعُوالدَّمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنازَعَانِ دُمُوعَ عَينِ مُسَهَّدٍهذا يَجِيءُ بِهَا وهذا يَرجِعُ
النَّومُ بَعدَ أبي شُجَاعٍ نَافِرٍواللَّيلُ مُعيٍ والكَواكِبُ ظُلَّعُ
الردع: الكف، وعصي: فعيل من العصيان، وفيه معنى المبالغة، والطيع، والمستحكم الطاعة، وانتزاع الشيء: الاعتماد له، والظلع: البطيئة السير، التي كأنها تتوجع في مشيها، الواحد: ظالع.
فيقول: الحزن يقلق المحزون فيغلبه على الصبر، ويدعوه إلى كشف ما يسره من الأمر، والتجمل يكف ذلك ويردعه، ويصرف عنه ويمنعه، والدمع يطيل التجمل فيتوقف ويذهب، ويغلب عليه الحزن فيفيض ويسكب.
ثم قال، وهو يشير إلى التجمل والحزن: يتنازعان دموع عين محزون مسهد، مفجوع مرزأ، فالتجمل يعوق الدموع ويكفها، والتأسف يجيء بها ويحثها.
ثم قال: النوم بعد أبي شجاع، يريد فاتكا، نافر لا يرجع، وشاد لا يسكن، والليل لطول مدته، ووفور جملته، كالمعيي الذي لا يرحل، والمقيم الذي لا يظعن، والكواكب فيه ظالعة لا تنهض في الذهاب، وثابتة لا تهم بالانتقال. يشير إلى
استطالته لليل بما يهيج له من الحزن، واستبطائه بحركات نجومه لما يقاسي فيه من الوجد.
إنَّي لأجبُنُ مِن فِراق أَحبَّتيوَتُحسُّ نَفسي بالحِمامِ فأشجُعُ
وَيَزَيدُني غَضَبُ الأعَادِي قَسوَةًوَيُلمُّ بي عَتبُ الصَّدِيقِ فأجزَعُ
الحمام: الموت، والعتب: الموجدة.
فيقول باسطا لعذره، فيما وصف به نفسه من الجزع، واستحكام الهلع لمصاب فاتك: إني لأجبن من فراق من أحبه؛ إيثارا للوفاء، وأضعف عن تحمل ذلك، مراعاة لأذمة الإخاء، وأحس بالموت فأشجع على مواجهته، وأتيقنه فلا أشفق من مباشرته.
ثم أكد ما قدمه فقال: ويزيدني غضب الأعادي أنفة وقسوة، ويبعث مني إعراضهم حمية وجرأة، ويلم بي عتب الصديق فأجزع، وأسلم لأمره، ويتزيد علي فأرضيه، وأقصر نفسي على حكمه. يشير إلى أن جزعه على فاتك لم يكن عن خور وضعف منة، وإنما كان عن كرم ووفاء جبلة.
تَصفُو الحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أو غَافِلٍعَمَّا مَضَى فيها وما يُتَوَقَّعُ
وَلِمَنْ يُغالِطُ في الحَقَائِقِ نَفسَهُوَيَسُومُها طَلَبَ المُحَالِ فَتَطمَعُ
يقول: أن الحياة لا تصفو لمن يلحظ الدنيا بعين المعرفة، ويتأملها تأمل الدراية والتجربة، وإنما تصفو لجاهل لا يعرف عواقبها فيتوقعها، أو غافل لا يمتثل تصاريفها فيتذكرها.
ثم قال على نحو ما قدمه: وتصفو الدنيا لمن يكابر فيها عقله، وتحسن عند من يغالط فيها نفسه، ويسومها المحال فتركن إليه، ويمنيها إياه فتعتمد بأملها عليه.
أينَ الَّذي الهَرمَان مِن بُنيانِهِما قَومُهُ ما يَومُهُ ما المَصرَعُ؟!
تَتَخَلَّفُ الآثارُ عَن أَصحَابِهاحِينَاً، ويَدرِكُها الفَنَاءُ فَتتَبعُ
الهرمان: بناءان عظيمان بأرض مصر، لا يكاد يعرف الباني لهما، وهما ثابتان بحسن بنائهما، غير متغيرين لقوتهما وإتقانهما.
فيقول منبها على أن الدنيا مفنية لأهلها، متنكرة على كل من اغتر بها: أين الذي بنى الهرمين، فدل ببنائهما على قوته، وأبقاهما شاهدين على تمكنه وقدرته؟! كيف تظن بقومه وكثرتهم وتمكنهم وقوتهم؟! وكيف تظن بيومه الذي انصرفت فيه مدته، ومصرعه الذي عجزت عنه قوته؟! أما عفت الدنيا على آثار ملكه، وأفنته ومن استضاف إليه من قومه؟!.
ثم قال مشيرا إلى الهرمين، ونبها على أن الفناء سيدركهما، والخراب سينالهما ويلحقهما: تتخلف الآثار عن أصحابها مدة، فتدل على أحوالهم في القوة ومنازلهم في الاقتدار والبسطة، ثم ينالها ما نالهم من الإنقضاء، ويدركها ما أدركهم من الفناء، فتذهب الآثار كما ذهب المؤثرون لها، وتعدم كما عدم الذين دلوا على أنفسهم بها. هذه حال الدنيا وأهلها، والمعهود من تصرفها وفعلها.
لَمْ يُرضِ قَلبَ أبي شُجَاعٍ مَبلَغٌقَبلَ المَمَاتِ ولم يَسَعهُ مَوضِعُ
كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَملُوَءةًذَهَباً فَمَاتَ وَكُلُّ دارٍ بَلقَعُ
وإذا المَكَارِمُ والصَّوارِهُ والقَنَاوَبَناتُ أعوَجَ كُلُّ شَيءٍ يَجمَعُ
البلقع: الخالية التي لا شيء فيها، وبنات أعوج: الخيل، وأعوج: فحل معروف.
فيقول: لم يبلغ فاتك من الرفعة مبلغا إلا رآه قليلا لنفسه، متواضعا عند جلالة قدره، وكذلك لم يملك جهة من الأرض إلا ضاقت عن همته، وقصرت مع سعتها عن الوفاء برغبته.
ثم قال: كنا نظن مع كثرة جبايته، وسعة أقطاره وولايته، أن دياره مملوءة بالذهب، وأن حاله في ذلك حال الجامع المكتسب، فمات ومال كل دار أن تكون خالية من ساكنها، بلقعا بعد ذهاب عامرها.
ثم قال: فلما شهدنا ما اقتناه وجمعه، واكتسبه وذخره، فإذا ذلك هبات قصرت عليه ذكر مكارمه، وسلاح وخيل أعدها بملاحم وقائعه.
المَجْدُ أَخسَرُ والمَكَارِمُ صَفْقَةًمِنْ أن يَعِيشَ لها الكَرِيمُ الأروَعُ
والنَّاسُ أَنزَلُ في زَمَانِكَ مَنزِلاًمِنْ أَنْ تُعايِشَهُمْ وَقَدرُكَ أَرفَعُ
الأروع من الرجال: ذو الجسم التام والمنظر الجميل، والإنزال: التواضع.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: المجد والمكارم أضيع وأخسر، وأتعس وأخيب، من أن يعيش لها فاتك الكريم، الموكل بحفظها، الأروع الجامع لشملها.
ثم قال، وهو يخاطبه: والناس من أهل زمانك أنزل منزلة، وأوضع مكانا ومرتبة من ان تعايشهم مع مباينتك لهم، وتصحبهم مع قلة اشتباهك بهم؛ لأنك ترتفع عنهم ويتواضعون عنك، وتكبر عن مماثلتهم ويتباينون منك.
بَرِّدْ حَشَايَ إِنْ استَطَعتَ بِلَفظَةٍفَلَقَدْ تَضُرُّ إذا تَشَاءُ وَتَنفَعُ
مَا كانَ مِنكَ إلى خَلِيلٍ قَبلَهاما يُستَرابُ بِهِ ولا ما يُوجِعُ
يقول مشيرا إلى ما بنفسه عليه من شدة الوجد، وما يضمره من الأسف والحزن: برد حشاي أيها المفقود بلفظة أسمعها، وإشارة أتبينها، فقديما كنت تقول فيسمع، وتضر إذا تشاء وتنفع.
ثم قال: ما كان منك إلى أحبتك قبل أن تفجعهم بنفسك، وتطرقهم الأيام بفقدك، فعل ينكرونه فيريبهم، ويكرهونه فيوجعهم، وما زلت تشملهم بفضلك، وتعتمدهم بإحسانك وبرك، وبحسب ذلك أوجعت قلوبهم، وأبكيت بمصابك عيونهم.
وَلَقَدْ أراكَ وَما تُلِمُّ مُلِمَّةٌإلاَّ نَفَاهَا عَنكَ قَلبٌ أصمَعُ
وَيَدٌ كَأنَّ نَوَالَها وقِتَالَهافَرضٌ يَحِقُّ عَليكَ وَهوَ تَبرُّعُ
الأصمعي: الذكي، والتبرع: التطوع.
فيقول: وهو يخاطب فاتكا: ولقد بلوتك وما تطرقك ملمة من الدهر، ولا تعن لك
عظيمة من الأمر، إلا نفى عنك وما تحذر من ذلك، قلب ذكي لا تنازعه الغفلة، ونفس جريئة لا تعارضها الهيبة.
ثم قال: ونفى ذلك عنك يد باذلة للنوال، قوية باطشة في القتال، كأن البذل والهبة، والنفاذ والقوة، فرض عليها لا تستبد منه، ولزام لا تجد محيصا عنه.
يا مَنْ يُبَدِّلُ كُلَّ وَقتٍ حُلَّةًأَنَّى رَضَيتُ بِحُلَّةٍ لا تُنزَعُ؟!
ما زِلتَ تَخلَعُها عَلَى مَن شَاَءهاحَتَّى لَبِسْتَ اليَومَ ما لا يُخلَعُ
ما زِلتَ تَدفَعُ كُلَّ أَمرٍ فَادحٍحَتَّى أَتَى الأمرُ الذي لا يُدفَعُ
الحلة: ثوبان يلبسهما الرجل مجتمعين، والفادح: الأمر الذي يثقل حامله.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: يا من يبدل كل وقت حلة يفيتها عن نفسه، بأن يخلعها على زائره، ويهبها لقاصده، كيف رضيت من اكفانك بحلة لا تنزع، واشتملت منها بلبسة لا توهب؟!.
ثم قال: ما زلت تخلع ملابسك خلع مبرة وإكرام، وتبذلها بذل تطول وإنعام، حتى لبست من جهاز الموت ما لا يوهب وأحاط بك منها ما لا يفارق وينزع.
ثم قال: وهو يريده: ما زلت تدفع كل فادح يطرقك بنفاذك وقوتك، وتستظهر عليه باقتدارك وجرأتك، حتى أتاك من الموت أمر لا يدفع بتصرف وحيلة، ولا يستكف بجلالة وقدرة.
فَظَلِلتَ تَنظُرُ لا رِمَاحُكَ شُرَّعٌ فِيمَاعَرَاكَ ولا سُيُوفُكَ قُطَّعُ
بِأبي الوَحِيدُ وَجَيشُهُ مُتَكَاثِرٌ يَبكيوَمِنْ شَرِّ السِّلاحِ الأدمُعُ
وإذا حَصَلتَ مِنَ السِّلاحِ على البُكافَحشَاكَ رُعتَ بِهَا وخَدَّاكَ تَقرَعُ
إشراع الرماح: بسط الأيدي بها، والقرع: الضرب.
فيقول نادبا لفاتك: فظللت تنظر إلى الموت نظر المسلم، وتلحظه بعين المحكم، لا تطيق مدافعته، ولا تمكنك مباطشته، قد عجزت رماحك عن مطاعنته، وقصرت
سيوفك عن مجالدته، فسطا عليك سطوة المالك لك، وغلبك غلبة المحيط بك.
ثم قال مشيرا إليه: بأبي الوحيد من الأنصار مع تكاثر جيشه، المفرد من الأصحاب مع توافر جمعه، الباكي على نفسه عند تيقنه بفناء عمره، ومن شر السلاح عند المدافعة، وأظهره تقصيرا عند المغالبة، البكاء الذي لا ينفع المستعمل له، والدمع الذي لا يغني المستظهر به.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وأجرى قوله مجرى لمثلك وإذا حصلت من سلاحك على الحزن، ومن أنصارك على الدمع، فحشاك تروع بحزنك، وخداك تقرع بدمعك، والبكاء الذي ترتقب نصرته هو الذي يقصر عليك مكروهه وسطوته.
وَصَلَتْ إليكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَها البَازِيُالأشَيهبُ والغُرابُ الأبقَعُ
مَنْ لِلمَحَافِلِ والجَحَافِلِ والسُّرَى؟فَقَدَتْ بِفَقدِاكَ نَيِّراً لا يَطلُعُ
وَمَنِ اتَّخَذْتَ على الضُّيوفِ خَلِيفَةً؟ضَاعوا وَمَثلُكَ لا يَكادُ يُضيَّعُ
الباز: معروف، والأشهب: الذي غلب البياض على لونه، والغراب الأبقع: الذي في صدره بياض، ذكر ذلك رواة اللغة، والمحافل: جمع محفل، وهو المجتمع، والجحافل: جمع جحفل، وهو العسكر العظيم، والسرى: سير الليل، والنيران: الشمس القمر.
فيقول، هو يردي فاتكا: وصلت إليك من الموت يد لا يفلتها ما تأخذه، ولا يفوتها ما تقصده، سواء عندها الشريف والمشروف، والقوي والضعيف، فعلها في الباز الأشهب مع كرمه ورفعته، كفعلها في الغراب الأبقع مع قبحه وضعته، وكذلك نالك منها أيها الرئيس المعظم، وأدركك من مكروهها أيها السيد المقدم، كالذي يدرك الخامل الذي لا قدر له، والساقط الذي لا يحفل به.
ثم قال متفجعا عليه: من للمحافل (في إرشاد جماعتها، والجحافل) في تصريف كتائبها، وللسرى عند انتهاز فرص الحرب، وطلب الغرة من الأعداء في الغزو؟
فقدت أيها الرئيس بفقدك المرشد الذي كانت تستمد برأيه، والنير الذي كانت تهتدي بضوئه، فعدمت ما كانت تعهده عنده، وغرب ذلك النير غروبا لا يطلع بعده.
ثم قال متفجعا عليه: ومن اتخذت خليفة على ضيوفك الذين كنت تسر بقربهم، وتلتذ بما تتكلف في برهم؟ ضاعوا بعدك بما لحقهم من فقدك، وعدموا ما عهدوه من فضلك، ومثلك لا يضيع في حياته قاصده، ولا يخيب من مبرته زائرة، ولكن المنايا تغلب العادات، والأيام بتصرفها تفرق الجماعات.
قُبحَاً لِوَجهِكَ يا زَمانُ! فإِنَّهُوَجهٌ لَهُ مِنْ كُلِّ قُبحٍ بُرقُعُ
أيَمُوتُ مِثلُ أَبي شُجَاعٍ فَاتِكٍوَيَعيشُ حَاسِدُهُ الخَصِيُّ الأوكَعُ؟!
أيدٍ مُقطَّعَةٌ حَوَالي رَأسِهِوَقَفاً يَصِيحُ بها: أَلا مَنْ يَصفَعُ؟
البرقع: معروف، والأوكع: الأحمق، والصفع: ضرب القفا باليد.
فيقول متظلما من الزمان، ومستنكرا لفعله، ومنبها على جوره: قبح الله وجهك أيها الزمان وأتعبه، وأهانه ولا أكرمه، فإنه وجه متبرقع بضروب من القبح، مستتر بصنوف اللؤم، لا يحمد مثله، ولا يشكر فعله.
ثم قال: أيموت مثل أبي شجاع فاتك، عماد الإفضال والكرم، وولي الآلاء والنعم، وبعيش كافور حاسده اللئيم الأوضع، والخصي المنقوص الأوكع؟!.
ثم قال، وهو يريد كافورا، مشيرا إلى عبوديته، ومخبرا عن سقوطه ودناءته: أيد حواليه لم يبعد عهدها بضربه، وتوجعها بتناول أدبه. وقفا يناديها منه، مع ما صار إليها من الرفعة، وما حصل عليه من الرئاسة والإمرة، استيحاشا للعادة، وترقبا لامتهان العبودية: ألا من يصفع على من عهدت؟ فيصير ويضرب، فأسلم ولا أنكر.
أَبقَيتَ أَكاذِبٍ أَبقَيتَهُوَأَخذتَ أَصدَقَ مَن يَقُولُ وَيَسمَعُ
وَتَركتَ أَنتَنَ رِيحَةٍ مَذمُومَةٍوَسَلَبتَ أَطيَبَ رِيحَةٍ تَتَضَوَّعُ
التضوع: شدة الفوح.
فيقول مخاطبا للزمان، ومؤكدا لما قدم من ملامته: أبقيت من كافور أكذب من أبقيته من الكاذبين، وأسقط من غادرته من المتأخرين، وأخذت أصدق من يقول فلا ينكر صدقه، وأكرم من يسمع فلا ينكر فضله.
ثم قال، وهو يخاطب الزمان: وتركت من كافور الأسود، أنتن ريحة وأخبثها، وأحقها بالذم وأكرهها، وسلبت من فاتك أطيل مشموم تعيق ريحه، وأكرم مشهور يتضوع فوحه.
فَاليَومَ قَرَّ لِكُلِّ وَحشٍ نافِرٍ دَمُهُوَكَانَ كَأَنَّهُ يَتَطَلَّعُ
وَتَصَالَحَتْ ثَمَرُ السِّياطِ وَخَيلُهُوَأَوَتْ إليها سُوقُها والأذرُعُ
وَعَفَا الطِّرادُ فلا سِنَانٌ رَاعِفٌفَوقَ القَنَاةِ ولا حُسَامٌ يَلمَعُ
التطلع: الاستشراف، وثمر السياط: العقد التي تكون فيها، وأوت: سكنت ورجعت، وعفا: درس وذهب، والطراد: التجاول في الحرب، والسنان: سنان الرمح، والراعف: الذي يقطر منه الدم، والحسام: السيف القاطع، ويلمع: يبرق.
فيقول: فاليوم قر بوفاة فاتك دم كل وحش نافر كان يتوقع اقتناصه وتصيده إياه، وكان ذلك الدم كأنه يحس بالسفك ويتطلع إلى الجري. يشير إلى أن فاتكا كان يلازم الصيد بمواصلته للغزوات، وتبديه في المهامه والفلوات.
ثم قال: والآن تصالحت بوفاته ثمر السياط وخيله التي كان يستعجلها في العدو، ويستكرهها على مطاولة الغزو، وأوت إلى تلك الخيل أذرعها وسوقها بغراحتها وصيانتها، وجمامها وإقامتها؛ لأنها تثنيها راقدة، وتصرفها على اختيارها وادعة، وكانت بحياة فاتك لا تنفك من عجل، وكأنها كانت من الخيل بمعزل.
ثم قال: وعفا الطراد بوفاة فاتك ودرس، فلا سنان بعده يرعف باستعماله في المطاعنة، ولا حسام يلمع بتصريفه عند المجالدة. يشير إلى أن فاتكا كان عماد
الأمراء المتمرسين في زمانه بالحرب، والمشهورين بمداومة الطعن والضرب.
وَلَّى وَكُلُّ مُخالِمٍ وَمُنَادِمٍ بَعدَاللُّزومِ مُشبِّعٌ وَمُودِّعُ
قَدْ كانَ فِيهِ لِكُلِّ قَومٍ مَلجأٌوَلِسَيفِهِ في كُلِّ قَومٍ مَرتَعُ
المخالم: المصادق، والمنادم: المشارب، والمرتع: الموضع السري المتمكن الرعي.
فيقول، وهو يريد فاتكا: ولى عند النهوض به إلى قبره، والتقديم إلى لحده، وكل من أمله وخالمه، وعول عليه ونادمه، مشيعون له غير مؤانسين، ومودعون غير ملازمين.
ثم قال: قد كان فيه لكل من والاه وأطاعه ملجأ يتمسك بعصمته، وكان لسيفه في كل من عصاه وخالفه مرتع يروع القلوب بسطوته.
إنْ حَلَّ في فُرسٍ فَفيها رَبُّهَاكِسرى تَذلُّ لَهُ الرِّقابُ وَتَخضَعُ
أَو حَلَّ في رُومٍ فَفِيها قَيصَرٌأو حَلَّ في عُربٍ فَفِيها تُبَّعُ
يقول: أن فاتكا كان معظما في كل أمة، معترفا بفضله في جل فرقة، فأن حل بين الفرس، لحظته العين التي كانت تلحظ بها كسرى، رب ملكها، والمنفرد بتدبير أمرها، فخضعت الفرس لطاعته، واعترفت برفعته وجلالته.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأن حل بين الروم أحلته محل قيصر ملكها المقدم، ومتوجها المعظم، فاحتملت على حكمه، وسلمت لأمره، وأن حل بين العرب كان كتبع، متوج جماعتها، والمتقدم في رئاستها، ولا يدفع فضله، ولا يخالف أمره، فأشار إلى أن فاتكا كان مقدما في جميع الأمم، محرزا لغاية البأس والكرم.
قَدْ كَانَ أَسرَعَ فَارِسٍ في طَعنَةٍ فَرَساً،وَلكنَّ المَنِيَّةَ أسرَعُ
لا قَلَّبتْ أيدي الفَوارِسِ بَعدَهُ رُمحَاً،ولا حَمَلَتْ جَواداً أَربَعُ
يقول: وهو يريد فاتكا: قد كان أسرع الفرسان فرسا إلى الطعن، وأشدهم إقداما على تقحم غمرات الحرب، ولكن المنية أسرع في إدراك ما تقصده، وأقرب إلى
ما تبغيه وتعتمده.
ثم قال، على سبيل الدعاء والتأكيد لما قدمه عليه من الثناء: لا قلبت أيدي الفوارس رمحا بعده، فإنها عاجزة عن سعيه، ولا حملت الخيل قوائمها، فإنها مقصرة عن نكاية العدو لفقده. فأشار إلى أن السلاح والخيل إنما كانا يكرمان بما يظهر فاتك فيهما من رغبته، وما كان يستعملها فيه مما يدعو إليه علو همته.
وقال أيضا بالكوفة يرثيه، وكتب بها.
حَتَّامَ نَحنُ نُسَارِي النَّجمَ في الظُّلَمِوَمَا سُراهُ على خُفٍّ ولا قَدَمِ؟
وَلا يُحِسُّ بِأجفانٍ يُحِسُّ بِهافَقدَ الرُّقادِ غَرِيبٌ باتَ لَمْ يَنَمِ
الكسارات: المفاعلة من السرى، وهو سير الليل، والنجم: واحد النجوم، وقد يراد به الجميع، ويخبر عنه على ذلك، قال الله ﷿: (والنجم إذا هوى)، قال اكثر أهل التفسير: أنه أقسم بغروب النجوم، والخف للجمل كالقدم للرجل، وكالحافر للدابة.
فيقول مستطيلا لأسفاره، ومنبها على كثرة رحله: إلى متى ترقب النجوم وتصحبها، وتجاريها في قطع الظلام وتمتثلها، وشأننا في ذلك غير شأنها، وسبيلنا غير سبيلها؛ لأنها ليست بذات خفاف فتتألم السير، ولا بذوات أقدام فتتهيب الليل، فنحن وإبلنا تتشكى من السرى، ما لا تحفل النجوم بمثله، وتتوجع منه لما هي مجبولة على فعله.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا تحس النجوم طول السهر، وفقد النوم في السفر، بأجفان يحس بها غريب شارد النوم، متعب متغير الحال. فأشار بما ذكره من مسارات النجوم إلى اتصال رحله، وبما هو عليه من قلة النوم إلى شدة ألمه.
تُسَوِّدُ الشَّمسُ مِنَّا بِيضَ أَوجُهِنَاولا تُسَوِّدُ بِيضَ العُذرِ واللِّمَمِ
وَكَانَ حَالُهُما في الحُكمِ وَاحِدٌلو احتَكَمنَا مِنَ الدُّنيا إلى حَكَمِ
وَنَتركُ المَاَء لا يَنفَكُّ مِنْ سَفَرٍما سَارَ في الغَيمِ مِنهُ سَارَ في الأدَمِ
العذر جمع عذار، وهو شعر العرض، واللمم: جمع لمة، وهي ما يكثر من شعر الرأس، فيزيد على الوفرة، والغيم: النوء الذي يكون عن تكاثف السحاب، والأدم: جلود يصنع منها القرب وغيرها.
فيقول: تسود الشمس منا فيما نعانيه من الرحيل، وما تتكلفه من السفر، بياض وجوهنا، وتذهب بنضرة جمالنا، وتبقي الشيب فلا تغيره، وتعرض عنه فلا تسوده
تناقلا عما نأمله، وسرعا إلى ما تكرهه، وإيذانا بفناء العمر، وتنبيها على اقتراب الهرم.
ثم قال مشيرا إلى اتصال أسفاره: ونترك الماء على ما نحن عليه من مداومة الترحل، ومعاناة السفر والتنقل، فما كان منه في السحاب فأودعته الأرض بانسكابها به، وصيرته في بطونها بأمطارها له، تزودنا مستكثرين، وحملناه غير مستبدين، فما كان ينتقل منه في السحاب المستعلية، نقلناه في المزواد والأسقية.
لا أُبغِضُ العِيسَ لكِنَّي وَقَيتُ بِهَاقَلبِي مِنَ الحُزنِ أو جِسمِي مِنَ السَّقَمِ
طَردتُ مِن مِصر أَيديها بأَرجُلهِاحَتَّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ والعَلَمِ
تَبري لَهُنَّ نَعَامُ الدُّوِّ مُسرَجَةًتُعارِضُ الجُدُلَ المُرخَاةَ باللُّجُمِ
العيس: الجمال البيض، وهي من كرائم الجمال، ومرقن: يعني خرجن، يقال: مرق السهم من الرمية؛ إذا خرج عنها، وجوش والعلم: موضعان معروفان، وتبري: تعرض، والجدل: أزمة الجمال التي تقاد بها، واحدها جديل.
فيقول مشيرا إلى تخلصه من كافور، ومواصلته بالسير من مصر إلى أرض العراق: لا أبغض العيس ولا أنكر فضلها، ولا أزال أتشكر فعلها، وقد وقيت بها قلبي ما كان يحبه من الحزن، وكفيت بها جسمي ما كان يتوقاه من السقم. يشير إلى أن الإبل التي تخلص بها من مصر، وفات بها من كافور، استوجبت الشكر؛ لأنها استنقذته مما كرهه، وأدرك عليها ما حاوله ورغبه.
ثم قال مشيرا إلى شدة سيره، واعتزامه على ما حاوله من أمره؛ قرنت أيدي هذه الإبل بأرجلها، استعجلها بغاية الجهد للطلب الذي كنت أحذره، وسوء مذهب كافور الذي كنت أتيقنه، حتى مرقن بنا من جوش والعلم، فأمنت ما حذرت، واستبعدت ما كرهت.
ثم قال: تبري بهذه الإبل الخيل التي جنبناها مسرجة، وتعترض جدلها باللجم
متصرفة، وكنى عنها بنعام الدو، مشيرا إلى ما كانت عليه من سرعة السير، وما كلفها فيه من وجهته من ملازمة القفر، والعرب تضرب المثل بالنعام في السرعة فيقولون لمن أفرط في الهرب: (أشرد من ظلم)، و (شالت نعامة بني فلان)، وللنعام في القوة على ملازمة الفلوات حال لا تجهل، وقوة لا تنكر، فكنى عن الخيل التي جنبها في وجهتها بهذا الاسم، ووسمها لنفاذها في ملازمة القفر بهذا الوسم.
في غِلمَةٍ أَخطَروا أرواحَهُمْ وَرَضوابِمَا لَقينَ رِضَى الأيسَارِ بالزَّلَمِ
تَبدو لَنَا كُلَّما أَلقوا عَمَائِمَهُمْعَمَائِمٌ خُلِقَتْ سُودَاً بِلا لُثُمِ
بِيضُ العَوَارِضِ طَعَّانينَ مَنْ لَحِقُوامِنَ الفَوَارِسِ شَلاَّلِينَ لِلنِّعَمِ
الخطر: الغرر، وأخطر الرجل نفسه: إذا عرضها لذلك، والأيسار: الذين يقترعون في الميسر، والزلم: قدح لا ريش له، وقداح الميسر كذلك، وكل واحد من الأيسار مسلم لما يصيبه بالقدح الذي يخرج له، واللثم: جمع لثام، وهو ما ستر الفم من مقنع أو عمامة، والعوارض: جمع عارض، وهو الذي يصل بين الرأس واللحية من الشعر، والشل: الطرد، والنعم: الإبل تختلط بالغنم وسائر الماشية.
فيقول: أنه قطع القفر الذي قدم ذكره، في غلمة رضي صحبتهم، وخبر إقدامهم وجرأتهم، فأخطروا معه أنفسهم مغررين، وتقحموا مكروه المخافة موطنين، ورضوا بما تجشمته خيلهم وركائبهم غير متسخطين، رضى الأيسار بالزلم الذي لا يخالفونه، وعلى نحو تسليمهم بحكمه الذي لا يتكرهونه.
ثم قال واصفا للقوم الذين صحبهم بالإقدام والشدة، والاقتبال والقوة: تبدو لنا منهم، كلما ألقوا عمائمهم، وحسروا عن رؤوسهم، عمائم من شعورهم، سود لا يتلثم بمثلها، باقية على حقيقة خلقها. وأشار بسواد شعور رؤوسهم إلى أنهم لم يخلقوا بالشيوخ الذين تضطرب أمورهم، ويقعد بهم السن فتضعف جسومهم.
ثم أكد ما قدمه فقال: أنهم بيض العوارض مع سواد شعر رؤوسهم. فأشار إلى اكتهال أسنانهم، وإحرازهم الكمال في جملة أحوالهم. ثم وصف غناءهم وشدتهم، وبأسهم وجرأتهم، فقال: أنهم طعانون بمن لحقوه من الفوارس عند حملاتهم، شلالون لما يستاقونه من النعم في غاراتهم. فدل بقوله: (طعانون من لحقوا) على ضعف الأعداء عن موافقتهم، وبما وصفهم به من شل ما يستاقونه، على عجز من أغاروا عليه عن متابعتهم.
قَد بَلَّغوا بِقَنَاهُمْ فَوقَ طَاقَتِهِوَلَيسَ يَبلُغُ ما فِيهِمْ مِنَ الهِمَمِ
في الجاهِلِيَّةِ إلا أَنَّ أنفُسَهُمْمِنْ طِيبهِنَّ بهِ في الأشهُرِ الحُرُمِ
نَاشوا الرِّماحَ وَكَانَتْ غَير نَاطِقَةٍفَعَلَّموها صِياحَ الطَّيرِ في البُهَمِ
القنا: قصب الرماح، واحدها قناة، والهمم: جمع همة، وهي مراد الإنسان، وما تنزع إليه نفسه، والجاهلية: التصرف على غير أحكام الشريعة والشهر الحرم: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكانت العرب في جاهليتها لا تستحل القتال في هذه الأشهر، وناشوا: تناولوا، والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري من أين يقصد في القتال لهيبته.
فيقول: أن الفرسان الذين قدم ذكرهم قد بلغوا برماحهم، بكثرة استعمالهم لها في الطعن، وتصريفهم إياها في شدائد الحرب، فوق ما تطيقه، واكثر مما تحتمله، فلا تزال في تلك الملاحم تنكسر، وفي تلك الوقائع تنحطم، وهي مع ذلك لا تبلغ الغايات التي تطمح إليها هممهم، والحدود التي ترضى ببلوغها أنفسهم.
ثم قال: أنهم لتمرسهم بالحروب، ومداومتهم للقتال والقتل، في مثل أحوال الجاهلية، إلا أن أنفسهم بتلك الرماح وما تكسبهم من العزة، وما يتيقنون بها من الظهور والقدرة، في مثل الأشهر الحرم التي كان أهل الجاهلية لا ينتهكون بالقتال عظيم حرمتها، ولا يزالون آمنين في مدتها.
ثم قال: تنالوا الرماح وهي خرس لا أصوات لها، وصوامت لا يظن الصياح بها، فكسروها عند مطاعنة الأقران، وأكرهوها في أجسام بهم الفرسان فحكت أصوات الطير عند تقصفها، ولم تبعد منها في حين تحطمها.
تَخدِي الرِّكابُ بِنَا مَشَافِرُهاخُضراً فَرَاسِنُها في الرُّغلِ واليَنَمِ
مَعكُومَةً بِسياطِ القَومِ تَضربُهاعَنْ مَنبِتِ العُشبِ تَبغِي مَنبِتَ الكَرَمِ
وَأَينَ مَنبِتُهُ مِنْ بَعدِ مَنبِتِهِأبي شُجَاعٍ قَريعِ العُربِ والعَجَمِ؟
الوخد: ضرب سريع من السير، والركاب: الجمال التي يتحمل عليها، والمشافر للإبل كالجحافل للخيل، وهي ما تتناول العلف به من أفواهها، والفراسن: جمع فرسن، وهو (لحم) على خف البعير. والرغل والينم: نبتان، والمعكوم: المغلوب، أستعير له من الذي يجعل الكعام في فمه فلا يتكلم، وقريع القوم: سيدهم.
فيقول: تخدي الركاب بنا مسرعة، ونقطع بها الفلوات مستعجلة، ومشافرها بيض باللغام الذي تقذف به من أفواهها، وفراسنها خضر بالنبت الذي تطؤه في طرقها، فأشار بكثرة ما تقذفه الإبل من اللغام إلى استعجالهم لها، وبكثرة العشب في طرقهم إلى قلة المرور بها.
ثم قال، وهو يشير إلى الإبل: معكومة عن الهدير بشدة السير، مشغولة عنه بسياط القوم تضربها عن منابت العشب، وما تخيم عليه العرب من ذلك في البلد القفر، ونحن نعتمد ملوك الأمصار، أرباب النعم، والذين في أيديهم منابت الكرم.
ثم قال مستطردا إلى ذكر فاتك: وأين منبت الكرم بعد أبي شجاع، منبته ومألفه، وشقيقه ومحالفه، قريع العرب والعجم، والمحرز لغابات الفضل والكرم؟!.
لا فَاتِكٌ آخَرٌ في مِصرَ نَقصِدُهُولاَ لَهُ خَلَفٌ في النَّاسِ كُلِّهِمِ
مَنْ لا يُشابِهُهُ الأحيَاءُ في شيمٍأَمسَى تُشابِهُهُ الأَمواتُ في الرِّمَمِ
عَدِمتُهُ وكَأَنَّي سِرتُ أَطلُبُهُفَمَا تَزيدُنِي الدُّنيا على العَدَمِ
الشيم: الأخلاق، الواحد شيمة، والرمم: العظام البالية، واحدتها رمة.
فيقول: لا فاتك آخر غير المفقود في مصر فترحل إليه وتقصده، وتعول عليه وتعتمده، ولا له عوض في الناس كلهم فتعدل إلى ذلك العوض، تألفه وتقتصر عليه بالشكر والحمد.
ثم قال: من كانت لا تشابهه في شيمه، ولا تساجله في إقدامه وكرمه، وكان بينهم واحدا لا نظير له، وفردا لا يقترن رئيس به، أمسى في قبره رمة كسائر الرمم، وكواحد ممن أفناه الموت من الأمم.
ثم قال: عدمته بالموت الذي عاجله، والحتف الذي اخترمه وواقعه، ثم سرت مرتحلا عن أرضه، ومؤملا للعوض برئيس مثله، فلم تزدني الدنيا على العدم لما املته، ووقوع البأس عما طلبته.
مَا زِلتُ أَضحِكُ إبلي كُلَّما نَظَرَتْإلى مَن اختَضَبتْ أَخفَافُها بِدَمِ
أَسِيرُهَا بينَ أَصنَامٍ أُشَاهِدُهاوَلاَ أُشَاهِدُ مِنها عِفَّةَ الصَّنَمِ
حَتَّى رَجَعتُ وَأَقلامِي قَوائِلُ لِيالمَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ
أخفاف الإبل: واحدها خف، وهو فرسن البعير الذي يطأ الأرض بأسفله، والأصنام: تماثيل من خشب وأحجار كانت تعبد في الجاهلية، والعفة: الكف عما لا يحل، والمجد: إدراك الشرف.
فيقول: ما زلت أضحك إبلي وأن كانت لا تعقل، وأطيل عجبها مع أنها لا تفهم، (كلمة) نظرت إلى ملوك الأمصار التي قصدتها، ورؤساء البلاد التي ىختللتها، وتبينت أحوال من اختضبت بالدم في قصده، ولقيت أشد الجهد في ترحلها إلى أرضه.
ثم قال: أسير إبلي منهم تشبه الأصنام (في تعظيمها وطاعتها، ولا تشبهها) بعفتها عما يستجيزونه من الظلم؛ وبراءتها عما يحتملون عليه من البغي.
ثم قال: حتى رجعت بعد تبيني لأحوالهم، ومعرفتي بحقيقة إقرارهم، وأقلامي تعاتبني جاهدة، وتخاطبني منادية قائلة: المجد للسيف الذي يعيد العز ويوجبه، ويجير المغلوب وينصره، لا للقلم الذي يخذل المستعمل له، ولا يبدو غناءه عن المدافع به.
أكتُبْ بِنَا أبداً بَعدَ الكِتابِ بِهِفإنَّما نَحنُ لِلأسيَافِ كالخَدَمِ
أسمَعتِنِي وَدَوائِي ما أَشَرتِ بِهِفَإنْ غَفَلتُ فَدَائي قِلَّةُ الفَهَمِ
مَن اقتَضَى بِسِوَى الهِندِيِّ حَاجَتَهُأَجَابَ كُلَّ سؤالٍ عَنْ هَلٍ بِلَمِ
يقول مخبرا عن أقلامه التي قيد بها عمله، وآدابه التي نظم منها شعره: أنها حضته على أن يقدم السيف في ما يطالبه، ويعول عليه فيما يحاوله؛ فأن الأقلام والآداب كالخدم للأسياف، تتبعها متواضعة لقدرها، وتخدمها ممتثلة لأمرها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد أقلامه: أسمعتني ودوائي لا محالة استعمال السيف الذي أشرت بالعدول إليه، وإيثار البطش الذي ندبت إلى التعويل عليه، فأن غفلت عن إنفاذ قولك، وقصرت عن امتثال رأيك، فدائي قلة الفهم لصحيح الآراء، وإعراضي عن امتثال أقوال النصحاء.
ثم قال على نحو ما تقدم: من اقتضى بغير السيف حاجته، وحاول من غير طريق الغلبة رغبته، خاب سعيه، واستضعف رأيه، وأجاب المستفهم بها عن أمره؛ بأنه لم يظفر فيه بإسعاد من دهره.
وَتَوَهَّمَ القَومُ أَنَّ العَجزَ قَرَّبَناوفي التَّقَرُّبِ ما يَدعو إلى التُّهَمِ
وَلَمْ تَزَل قِلَّةُ الإنصَافِ قَاطِعَةًبَينَ الرِّجالِ وإنْ كَانوا ذَوِي رَحِمِ
الرحم: القرابة.
فيقول: توهم القوم المتوثبون على الدول، المتسورون على المدن، أن العجز عن مساجلتهم، والتقصير عن مقاومتهم، ونى بنا عنهم، وقربنا منهم، وفي التقرب
والمسامحة، والإمساك والمجاملة، ما يدعو إلى اتهام ذي القوة، واستضعاف من تشهر بالبأس والنجدة.
ثم قال: ولم يزل ما يغشانا به من نباشره من الولاة والمتوثبين، من قبح المعاملة، وقلة الإنصاف والمجاملة، يقطع ما بين المتواصلين، ويفرق ما بين المتعارفين، وأن كانوا ذوي أرحام واشجة، وقرابات لاصقة.
فَلاَ زِيادَةَ إلاَّ تُزورَهُمُأيدٍ نَشَأنَ مَعَ المَصقُولَةِ الخُذُمِ
مِن كُلِّ قَاضِيَةٍ بالمَوتِ شَفرَتُهُما بَينَ مُنتَقَمٍ مِنهُ ومُنتَقِمِ
صُنَّا قَوائِمَها عَنهُمْ فَمَا وَقَعَتْمَوَاقِعَ اللُّؤمِ في الأيدِي ولا الكَزَمِ
السيوف الخذم: القاطعة، الواحد خذوم، والقاضي: الحاكم، والكزم: قصر الأصابع.
فيقول: فلا بقية لنا عليهم، ولا زيادة بيننا وبينهم، إلا أن تزورهم بأيد باطشة، تصول بسيوف خذم ماضية، واصلتها في قديم النشأة، ووافقتها في حقيقة الجبلة، وأن كان في هذه العبارة زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة من بنيته، محكوم عليها في حقيقته.
ثم قال على نحو ما قدمه: من كل سيف صارم تقضي بالموت شفرته، وتحكم به حدته، وتتصرف ما بين مطلوب ينتقم منه، وطالب تنطق سيوفه عنه.
ثم قال: صنا قوائم تلك السيوف عن المقصودين بها، وعلينا عليها المعرضين (لها)، وانفرادنا بها دونهم، وسبقنا إليها جميعهم، فلم تقع في أيديهم، في أيد لئيمة المخبر، كزمة قبيحة المنظر، وكزم اليد وخشونتها من دلائل الهجنة، ومقابح الخلقة.
هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُفإنَّما يَقَظَاتُ العَينِ كالحُلُمِ
ولاَ تَشَكَّ إلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُشَكوَى الجَريحِ إلى الغِربَانِ والرَّخَمِ
وَكُنْ عَلَى حَذرٍ لِلنَّاسِ تَكتُمُهُولاَ يَغُرُّكَ مِنهُمْ ثَغرُ مُبتَسِمِ
شق الشيء على طالبه: إذا صعب والحلم: معروف.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتجلد على ما تصعب من أمره: هون على بصرك ما ساءك أن تبصره، ولم يوافقك أن تشهده، فأن أمور الدنيا بجملتها سريع تنقلها، منتظر تبدلها، وإنما هي وأن كانت يقظة تتيقن، وحقيقة تتبين، كالأحلام العارضة، والخيالات الذاهبة.
ثم قال مخاطبا لنفسه: ولا تشك إلى أحد من الناس فتشمته بنفسك، وتسره بما تعوق من أمرك، وتكون فيما تشكو إليه كالجريح يشكو إلى الغربان والرخم، وهي تستبطئ هلكه، وترقب أن تلتهم جسمه.
ثم قال على نحو ما قدمه: وكن من الناس على حذر تضمره، وتوقع لا تظهره، ولا يغرك منهم من يبتسم في وجهك، ويخدعك بما يبديه من السرور بقربك، فكل ذلك كاذب لا يصدقك، وأباطيل تظاهر بها ولا تنفعك.
غَاضَ الوَفَاءُ فَمَا تَلقَاهُ في عِدَةٍوَأَعوَزَ الصِّدقُ والإخبَارِ والقَسَمِ
سُبحانَ خالِقِ نَفسِي كَيفَ لَذَّتُهافِيما النُّفوسُ تَراهُ غَايَةَ الأَلَمِ؟!
غاض: ذهب، وأعوز: امتنع.
فيقول: غاض الوفاء، وعدم أهله، وزهد في المعروف، وأنكر فعله، فلست تلقى من يفي لك بوعده، ويخبرك بالحقيقة عن نفسه، وكذلك أعوز الصدق في الأخبار المجملة، والإيمان المؤكدة، فتساوى الأمران، وتماثل المذهبان.
ثم قال مخبرا عن جلده وقوته، ومبينا عن صرامته وشدته: سبحان من جعل نفسي متخلقة بالصبر، متجلدة على نوائب الدهر! تلتذ من ذلك بما سائر النفوس تتألمه، وتسكن فيه إلى ما غيرها من النفوس تستكرهه.
الدَّهرُ يَعجَبُ مِنْ حَملِي نَوائِبَهُوَصَبر نَفسِي على أحدَاثِهِ الحُطُمِ
وَقتٌ يَضيعُ، وعَمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُفي غَيرِ أُمَتِهِ مِن سَالِفِ الأُمَمِ
أَتَى الزَّمانُ بَنُوهُ في شَبِيبَتِهِفَسَرَّهُمْ وأَتَينَاهُ عَلَى الهَرَمِ!
الأحداث: التصاريف، والحطم: التي تهلك بشدتها، واحدتها حطوم.
فيقول: الدهر يعجب من صبري على تحمل نوائبه، واستقلالي بما يطرقني من حوادثه، وأن كانت حطما موجعة، وكريهة مؤلمة، تطرق فأصبر، وتتابع فلا أنكر.
ثم قال مبينا لما قدمه: وقت من الدهر يضيع فلا أنتفع به، وينصرم وما أنا بالشاكر له، وعمر لا أغتبط بتراخي مدته، ولا أسر بتصرف في جملته، أقطعه في أمة لا أنس بقربها، ولا اسكن إلى مثلها وأود أني أفنيت عمري فيمن هدم من الأمم السالفة، وبين ما انصرم من القرون الماضية.
ثم قال: أتى الزمان من تقدمنا من أبنائه وهو شاب غير هرم، وطلق غير متجهم، فسر وأسعد، وأبهج وأغبط، وأتيناه هرما قد كبر، وعابسا قد بسر، فاكتنفتنا صروفه، وتعاورتنا خطوبه، ولم يكنا أن نحيله عن رتبته، ونعدل به عن بنيته.
دخل على أبي الطيب صديق له بالكوفة، وبين يديه طرائف مما أهدى إليه فاتك بمصر، فنظر إلى تفاحة ند وعليها أسم فاتك منقوشا، فأستحسنها فقال أبو الطيب:
يُذَكِّرُوني فَاتِكَاً حِلمُهُ وَشَيءٌمِنَ النَّدِّ فيهِ أسمُهُ
وَلَستُ بِنَاسٍ وَلكِنَّني يُحدِّدُليْ رِيحَهُ شَمُّهُ
الحلم: معروف، والند: أخلاط مؤلفة من الطيب.
فيقول: يذكرني فاتكا ما شهدته من حلمه، وبلوته من سعة فضله، وشيء من الند يحضر لي، موسوم باسمه، متفاوح بتضوع نشره، ولست بناس لعهده، ولا بمعرض عن التفجع لرزئه، ولكن شم هذا الند جدد لي ما عهدته من ريحه، وذكرني بما شهدته من فوحه.
وَأَيُّ فَتىً سَلَبَتنِي المَنُونُ؟وَلَم تَدرِ ما وَلَدَتْ أُمُّهُ!
ولاَ ما تَضُمُّ إلى صَدرِها وَلَوعَلِمَتْ هَالَها ضَمُّهُ
المنون: الموت.
فيقول: وأي فتى سلبتني المنون فيه؟ لم تدر أمه ما ولدت منه في موضعه من الرئاسة والرفعة، ومنزلته من الشجاعة والشدة.
ثم قال: ولا علمت بما تضم فيه إلى صدرها، ومن الذي ترضع منه بثديها، ولو علمت ما له في النجدة وما يبلغه من البأس والجرأة، لهالها إمساكه وضمه، ولأفزعها تقليبه وحمله.
بِمِصرَ مُلُوكٌ لَهُمْ ما لَهُ وَلَكنَّهُمما لَهُمْ هَمُّهُ
وأَجوَدُ من جودِهِمْ بُخلُهُ وَأَحمَدُمِنْ حَمْدِهِمْ ذَمُّهُ
وأَشرَفُ مِن عَيشِهِمْ مَوتُهُ وَأَنفَعُمِنْ وُجدِهِمْ عُدمُهُ
الهم والهمة: بمعنى، والوجد الغنى والسعة، والعدم: الفقر والعسرة.
فيقول: بمصر رجال يساوونه في المال والسعة، والإكثار والجدة، ولكنهم لا يساوونه في علو همته، وكرم شيمته، فأجود من جودهم ما يستقل من هباته،
فيحل فيها محل البخل، وأبلغ من حمدهم ما يختصر من ثنائه، حتى يقع لاختصاره موقع الذم.
ثم قال: وأشرف مما يصيرون إليه بالعيش ما أحرزه من الثناء بالموت، وأنفع مما يفعلونه من الإكثار والوجد، ما يفعله مع الإقلال والعدم. ويشير إلى أنه يعجز جهد جميع المحسنين بعفوه، ويتقدمهم بأيسر سعيه.
وإنَّ مَنِيَّتهُ عِندَهُلَكَالخَمرِ سُقِّيهُ كَرْمُهُ
فَذَاكَ الذي عَبَّهُ ماؤُهُوَذَاكَ الَّذي ذَاقَهُ طَعمُهُ
وَمَنْ ضَاقَتِ الأرضُ عَن نَفسِهِحرَّى أن يَضيقَ بِهَا جِسمُهُ
الخمر: تذكر في الأقل وتؤنث في الأكثر، وأحتمل على لغة من ذكر، والكرم: جمع كرمة، وهي شجرة العنب، وحرى (وحري) بمعنى واحد، يراد بهما ما يراد بحقيق.
فيقول، يريد فاتكا، ويشير إلى شجاعته: وأن منيته عنده، في أنسه بها، وقلة تهيبه لها، لكالخمر تسقاه الكرم فيضرب إلى عنصره وينزع به إلى أوله، والموت لفاتك على هذه السبيل؛ لأنه كان يستصحبه في وقائعه، ويقدم عليه في ملاحمه.
ثم قال نحو ما قدمه: فذاك الذي عبه الكرم من الخمر، ماؤه الذي لا يستنكره، كما أن الموت الذي ذاقه فاتك طعمه الذي لا يستكرهه. فأشار إلى أن فاتكا أنسه بالموت ما سلف له به من طول الصحبة، كما أن الكرم أنسه بالخمر كونه منه في حقيقة الخلقة.
ثم قال: ومن ضاقت الأرض عن نفسه، لعلو همته، وما كان عليه من ارتفاع رتبته، فهو حري أن يضيق فيها جسمه، ويرتفع أن تشتمل الأرض عليه قدره.
وقال يمدح عبد العزيز بن يوسف الخزاعي، وكانت بينه وبينه صداقة أيام ينزل ببلبيس.
جَزَى عَرَباً أَمسَتْ بِبلبِيسَ رَبُّهابِمَسعَاتِها تَقرَرْ فَذَاكَ عُيُونُها
كَرَاكِرَ مِنْ قَيسِ بِن عَيلانَ سَاهِراًجُفونُ ظُبَاها لِلعُلاَ وَجُفُونُها
بلبيس: موضع معروف، المسعاة: مفعلة من السعي، وهو الاجتهاد في العمل، والكراكر: الجماعات، الواحدة كركرة، والظبا: جمع ظبة، وهو حد آخر السيف، والجفون: جمع جفن، وهو غطاء مقلة العين.
فيقول: جزى العرب المستقرين ببلبيس، هذا الموضع، ربها بمسعاتها الكريمة، وأفعالها المشكورة؛ لتقر بذلك عيونها، وتبتهج بالجزاء الجميل من الله نفوسها.
ثم أشار إلى عز هؤلاء القوم وقوتهم، وامتناعهم من الأعداء وكثرتهم، فقال: كراكر من قيس عيلان تسهر جفونهم وجفون سيوفهم في سبيل المجد، ولا ينامون عن ما يستكثرون به من الشكر والحمد. وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة.
وَخَصَ بها عَبدَ العزِيزِ بنَ يُوسُفٍفَمَا هُوَ إلا غَيثُها وَمَعِينُها
فَتىً زَانَ في عَينَيَّ أَقصَى قَبِيلَةٍوَكَمْ سَيِّدٍ في حِلَّةٍ لا يَزِينُها
المعين: الماء الجاري على وجه الأرض، والحلة: الموضع الذي ينزله القوم، مجتمع فيه بيوتهم، والقبيلة: الجماعة من الثلاثة إلى ما فوق ذلك، إذا كانوا لأب واحد.
فيقول: وخص الله في هذه الجماعة بحسن الجزاء، وقبول ما قدمته من الدعاء، عبد العزيز بن يوسف؛ فأنه غيثها الذي يعمها فضله، ومعينها الذي ينالها رفده.
ثم قال: فتى زان في عيني أقصى قبيلته، وحسن عندي أحوال جماعته، ورب من يكون في الحلة التي تصغر عند مثلها القبيلة الحافلة، وتقل عند كثرتها الجماعة الوافرة، فلا يزينها بمشكور فعله، ولا يعمها بمرجو فضله.
ونبتدي بما هجا به كافورا الأسود، فنرتبه على ما قال في أوقاته. فمنه أنه دخل عليه بعد إنشاده: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا)، فلما سلم عليه ضحك في وجهه، وأراد القيام، فنظر إلى شقوق في رجليه لما لبس النعل فقال:
أُريكَ الرِّضَا لو أَخفَتِ النَّفسُ خَافِياوَمَا أَنَا عَن نفسِي ولا عَنكَ رَاضِيا
أَمَينَاً وإخلافَاً وَغَدراً وَخِسَّةًوَجُبنَاً؟ أَشخصَاً لَحتَ لي أَم مَخَازيا؟!
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع