تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح

الحمد لله حمد المقر له، بالقصور عن حق حمده. العائذ به من التقصير دون بلوغ جهده، الراغب من فضله في المزيد، المستجير به عن التنكر والنكير وصلواته على الصادح بما أمر، القاطع لمن كفر، محمد المختار، وآله الأبرار.

سألت أنالك الله سولك، ويسر لك مأمولك أن أتتبع شعر أبي الطيب المتنبي، فأستخرج منه الأبيات الغامضة وأشرحها شرحاً يأتي على إغرابه وإعرابه، حتى تكون لمعانيها متصوراً، وعلى حل عقدها مقتدراً. وها أني شمرت لإسعافك بما سألت. إن كان ظنك بعلمي صادقاً، والقدر على ما أرومه موافقاً. وبالله استعين. وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأقول:

إن ما يستبهم معانيه على الأذهان من الشعر ثلاثة أضرب. وفي كلها يضرب هذا الديوان بسهم، ويأخذ منه بقسم. وأنا أضع في كتابي هذا لكل نوع منها مثالاً تعرفه. وأدلك على مثله من شعر هذا الفاضل، لتتدرج به إلى ما ترومه، وتتخذه سلماً إلى ما تعطوا له، ويكون لك

عوناً على ما تتوخاه وتتلمسه، فلا شيء أفتق للخواطر في استنباط المعاني من مهاجسها، ولا أبعث للقرائح من استثارتها من مكامنها، من طول مرامها، وعد أنفاسها. والله موفقك ومرشدك.

فأول نوع منه هو الذي صدك جهل غريبة عن تصور غرضه وهذا النوع ينقسم ثلاثة أقسام:

أحدها ما لا يتضمن غير كلام مهجور، ولفظ مستشنع. وهو كقول الراجز:

أما تريني في الوقار والعَلةقاربت أمشي القَعَولي والفيجَلة
وتارة انبث نبثاً نعثلهخزعلة الضبعان راح الهنبلة

يخاطب امرأة ازدرته وعيرته شيبه. والعلة: التحير والتبلد. يقال: عَلَة يعله علهاً. والقعولي: نوع من المشي. يقلب الرجل فيه رجليه كأنه من عرج يقال: مرَّ يقعول. والفيجلة: مشي فيه تقارب. والنبث: إثارة التراب. كأنه لضعفه لا يملك

رجليه. فهو يجرها جراً، ويثير التراب. والنفثلة: أيضاً نوه من المشي يسفي فيه التراب ماشيه برجله. ومثلها النعثله وبه سُمي الرجل نعثلا. والخزعلة والخذعلة بالذال: أيضاً هما نوع من المشي يثير ماشية التراب. ومنه ناقة خزعال، إذا كانت تثير التراب إذا سارت. وليس في كلام العرب فعلال عينه عينه غير لامه غير هذه الكلمة. يقال: مرَّ يُخَزعِلُ ويُخذعِلُ. والهنبلة: نوع من المشي في توأدةٍ.

فهذا وأمثاله لا يفيد إلا معرفة الغريب. فإذا عرف انكشف عن معنى ظاهر. وعامة شعر أبي حزام العكلي من هذا الجنس. ولا تكاد تجد من هذا يقال وبه الثقة. وهذا القسم تجد منه الكثير في شعر أبي تمام كقوله:

أمحمد بن سعيد ادخر الأسىفيها رواء الحريوم ظمائه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمحمد بن سعيد ادخر الأسى»

يقول: اجعل الأسى - وهو من التأسي - ذخرك، واصبر في هذه الرزية فإن الحر يروي يوم عطشه. أي يصبر على محنته حتى يحصل له الثواب والثناء. وفي هذا البيت من التبعيد. إن الألف واللام في الأسى هي التي بمعنى الذي. وتحتاج إلى صلة. يعني: ادخر الأسى التي فيها رواء الحر. وهذا كقولك: ضربت الرجل ضربك، يعني الرجل الذي ضربك. ومثل ذلك أيضاً من شعره كقوله:

أتت النوى دون الهوى فأتى الأسىدون الأسى بحرارة لم تبرد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

أي حالت النوى بيني وبين من أهواه، وأتى الحزن دون العزاء

أي حال دونه بحرارة وجد لم تبرد. وقوله: دون الهوى، يريد من أهواه. يقال: فلان هواي يريد من أهواه، كأنه سمي بالمصدر أي هو ذو هواي. كما يقال:

فلان معرفتي وودي أي ذو معرفتي وذو ودي.

فأما في شعر أبي الطيب فهذا القسم أيضاً موجود. وأظنه كان يتعمد إلى ذلك تصديقاً لقوله:

أحاد أم سداس في أحادلييلتنا المنوطة بالتناد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أحاد وسداس معدولتان عن واحد. وقوله: لييلتنا تصغير ليله.

أراد بذلك تصغير التعظيم كقوله:

دويهية تصفر منها الأنامل

وقوله في أحاد. في: بمعنى التوعية. وليس بمعنى بها ضرب ستة في واحد. كقول القائل: كم ستة في خمسة، بل كقولك: خمسة دراهم في الكيس يريد: واحدة هذه الليلة أم ستة جمعهنَّ في واحدة وخصَّ ستة ولم يقل عشرة، وهي أكثر لأنه أراد الأسبوع لأن ستة إذا جمعت في واحدة صارت سبعة وهي ليالي الأسبوع وكان ذلك أولى لأنه زمان معلوم كالشهر والسنة وما شاكل ذلك. ولو قال: عشرة لقال المتعنت: فهلا قال مائة وهي أكثر، وأدى ذلك إلى ما لا نهاية له.

وقد ذكر الشيخ أبو الفتح في كتاب له فسر فيه أبياتاً انتزعها من جملة ديوانه فقال: خص ستة لان الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فكان ذكرها أولى لأنها العدد الذي فرغ الله تعالى فيه من هذا الخلق العظيم، وليس ذلك بممتنع إلا أن تلك الستة أيضاً إذا جمعت في واحدة صارت سبعة. فإذا قال قائل: إن قوله في أحاد حينئذ يكون بمعنى الضرب. وستة في واحدة فهو لعمري كذلك. ويكون فيه تعسف غير مفيد. وستأتي أخوات هذا البيت، وما جرى مجراه في عويص معانيه في موضوعها من هذا الكتاب إن شاء الله:

القسم الرابع هو الإلغاز الصريح كقول الشاعر:

وصادرة معاً والوردُ شتىعلى أدبارها أصلاً حدوتُ
للشاعر عمرو بن قِعاس المرادي، اقرأ القصيدة
وعاريةٍ لها ذنبٌ طويلرددت بمضغة مما اشتهيت

يعني بقوله: وصادرة معاً والورد شتى: سهاماً رماها فوردت متفرقة يعني وردت الرمية فلما التقطها من مساقطها صدرت عن مواردها مجتمعة، وحدا على أدبارها يعني: ارتجز حين رماها على عادتهم في الحروب. وعارية لها ذنب طويل يعني

ناراً لا تكون إلا عارية، وردها بمضغة يعني كبَّ عليها مضغة مما اشتهى من اللحوم فكأنه ردَّ المضغة على وجهها.

وهذا الجنس في أشعارها أكثر من أن يحصى. وفي شعر أبي الطيب من هذا الباب قوله:

لا ناقتي تقبل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»
شراكها كورها ومشفرهازمامها والشسوع مقودها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»
أشد عصف الرياح يسبقهتحتي من خطوها نأيدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

يعني نعلة، وهي ناقته التي يمتطيها. وقد كرر هذا المعنى في شعره فقال في قصيدة اخرى:

وحبيت من خوص الركاب بأسودمن دارشٍ فغدوت امشي راكباً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

يعني خفة، أو تمشكه المتخذ من الدارش الأسود. وه من الجلود غير الأدم كالارندج فهو راكبه، وهو مع ذلك ماشٍ. وشبه الشراك بالكور لأنه فوق النعل، كما أن الكور فوق الناقة ومشفر النعل كالزمام لأنه يستمسك بأصابع الرجل،

وشسعه بالمقود لأنه يشد إلى الشراك في مشفر النعل، فكأنه مقود يقاد به. وزعم أن تأييده فيها يسبق أشد عصف الرياح. يريد بذلك قول الناس: فلان يباري الريح جوداً، أي يسابقها إلى الجود. لا أنه يسبق الريح على الحقيقة. ومثله قوله:

وقد طرقت فتاة الحي مرتدياًبصاحب غير عز هاة ولا غزل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

العزهاة: الذي لا يحب اللهو ولا النساء. والغزل: الذي يحب ذلك. يعني سيفه الذي ارتداه وهو قليل في الشعر:

النوع الثالث ولا أقسام له وهو ما عماه إعرابه لمجاز فيه، أو حذف من اللفظ أو تقديم وتأخير سوغه الإعراب. وذلك كأبيات الإلقاء التي منها:

محمد زيداً واقتل ابني فإنهأحب إلى قلبي من السمع والبصر

وهكذا ينشد من يغالط، فلا يفهم كيف أمر بقتل ابنه وهو أحب إليه من سمعه وبصره. ولم يجر محمداً وهو منادى علم. وإنما يريد: أقت لابني، أي أخدم له. والقتو: الخدمة. والمقتو:

الخادم، من قول الشاعر:

متى كنا لامك مقتوينا

ومحم: منادى مرخم. ثم قال: زيداً. من الدية. ومنه قول ذي الرمة:

كأنما عينها منها وقد ضمرتوضمها السير ضماً في الأضاميم

أضا: جمع اضاة: غدير الماء. وميم هذا الحرف المكتوب موضعه الرفع، لأنه خبر كأنما ومثله للفرزدق:

يعلق ها من لم تنله سيوفنابأسيافنا هام الملوك الخضارم

يريد (ها) للتنبيه من الذي لم تنله سيوفنا. وهام الثانية مفعول مطلق ومثله:

عافت الماء في الشتاء فقلنابَردّيِهِ تصادفيه سخينا

هكذا ينشده المغالط، وإنما يريد: بل رديه، فادغم اللام بالراء لقرب مخرجيهما.

يريد: قلنا لإبلنا: ردي فقد مضى الشتاء، وسخن الماء. وهذا باب يتسع وتكثر شعبه. وفي شعر أبي الطيب المتنبي منه قوله:

حملت إليه من لساني حديقةسقاها الحجي سقي الرياض السحائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

فرق بين المضاف والمضاف إليه بلفظ الرياض، فيريد: سقي السحاب الرياض. وهذا كثير في شعر العرب فمنه قول الطرماح:

يطفن بِحُوزيِّ المراتع لَم تُرعبواديه من قرع القِسيّ الكَنائن

يريد: من قرع الكنائن القسي. ومثله لذي الرمة:

كأنَّ أصواتَ من إيغالٍهن بناأواخر الميس أصوات الفراريج
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

يريد: كأن أصوات أواخر الميس. ومثله:

لما رأت (ساتيدما) استعبرتلله درّ اليوم من لامها
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

يريد: لله من لامها اليوم، وسيمر بك من باب الإعراب في شعره مواضع.

وهذا أول ما نبدأ به من أبيات أبي الطيب المعتاصة:

قوله:

قلق المليحة وهي مسك هتكهاومسيرها في الليل وهي ذكاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قلقها يعني حركتها في مشيتها. وهتكها: مصدر لهتك فلان الستر هتكاً. وهو مصدر فعل متعد. ولو أتى بمصدر لازم لكان اقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: انتهاكها لكان أجود من حيث الصنعة، وأقرب إلى المفهوم. إلا أنه تبع الوزن. وقوله: ومسيرها مبتدأ معطوف على قلق، وخبره محذوف لعلم المخاطب. وكأنه يقول ومسيرها في الليل هتك لها أيضاً إذ كانت ذكاء. وذكاء اسم للشمس، علم لا ينصرف. ومثل هذا كثير في أشعار القدماء والمحدثين إلا أن قوله: وهي مسك زيادة على كثير من الشعراء ممن تقدمه، إذ كان لم يجعل هتها من قبل الطيب الذي استعملته. وكأنه ألمّ بقول امرئ القيس:

ألم ترياني كلما جئت طارقاًوجدت بها طيباً وإن لم تطيب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

ويقول الآخر:

درةٌ كيفما أديرت أضاءتومشمٌ من حيثُ ما شُمَّ فاحا

فأما المعنى المتداول إن الطيب يهتك من استعمله إذا أراد كتمان أمره فكثير، ومن ذلك قول بشار:

ربَّ قولٍ من سعاد لناقد حفظناه فما رفعا
أملي لا تأتِ في قمرٍلحديث واتقِ الدرعا
وتوق الطيب ليلتناإنه واشٍ إذا سطعا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «سيدي لا تأت في قمر»

وأجود منه قول آخر محدث تقدم أبا الطيب:

ثلاثة منعتها من زيارتهاوقد دجا الليل خوف الكاشح الحنقِِ
ضوءُ الجبين ووسواس الحُلي وماتُمسُّ أردانُها من عنبر عبقٍ
هب الجبين بفضل الثوب تسترهوالحلي تنزعه الشأن في العرق

قوله: ومسيرها في الليل وهي ذكاء يشبه قوله أيضاً:

رأت وجه من أهوى بليلٍ عواذليفقلن نرى شمساً وما طلع الفجرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

والأصل في هذا قول القائل:

عجبت لمسراها وأني تخلصتإلي وبابُ السجن دوني مغلق
عجبت لمسراها وسرب سرت بهتكاد له الأرض البسيطة تشرق

إنما تعجب من كتمان الليل مع ضوئها وحسنها. ولا ذلك لم يكن لتعجبه وجه.

وقوله:

مثلت عينك في حشاي جراجةفتشابها كلتاهما نجلاء

هذا البيت ظاهر المعنى. إلا أني شاهدت كثيراً من الفضلاء يغالطون في معنى قوله:

مثلت عينك في حشاي جراحة

ويظنون أن معناه: خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة.

وقولون هذا كما تقول: فلان غصَّة في صدري، وشجي في حلقي وإن لم تكن لذلك حقيقة يراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر والشجي في الحلق. وكذلك هذه العين تحل محل الجراحة في حشاي. وهذا كقوله في شعره أيضاً:

ممثلة حتى كأن لم تفارقيوحتى كأن اليأس من وصلك الوَعدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

وقوله أيضاً:

كانت من الحسناء سؤالي إنّماأجلي تَمثّل في فؤادي سُولا

أي تخيل وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر هذا البيت ينقص هذا القول بقوله: فتشابها إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين. ومعنى البيت: مثلت، أي أحدثت لعينك مثالا في حشاي. أي جرحته جراحة

واسعة مثل عينك. وهذا كما تقول للغلام: خطا حسناً أي جعلت له مثالا للحروف يكتب مثلها ولعمري أن اشتقاق

البابين جميعاً من المثال والمثل ولكن اختلف المعنيان من حيث اختلاف الوضع. فيقول: إن عينك والجراحة التي أحدثتها في قلبي تشابها في النجل وهو سعة العين، وسعة الطعنة.

وقوله:

نفذت عليَّ السَابريَّ وربّماتنَدَّق فيه الصّعدةُ السمراءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

السابري يحتمل معنيين:

أحدهما أن يعني الثوب الرقيق. وكل رقيق عندهم سابري. ومنه قولهم:

عرضه عرضاً سابرياً. وعرض السابري. وه مثل. وأصله أن صاحب البز يعرض من ثيابه رقيقه، وما لا يؤبه به قبل الجيد. فصار كل من يعرض شيئاً لا يريد الوفاء به. يقال له:

عرض عليَّ عرضاً سابرياً. وقد قال الشاعر:

تجافى عن المأثور بيني وبينهاوتدني علينا السابري المطلعَّا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «جزعت ولم أجزع من البين مجزع»

يريد: ثوباً رقيقاً: أو درعاً.

الثاني أنه يريد الدرع. وإنما سميت بذلك لما فيها من الخروق.

وقد يكون السابري أيضاً الذي يسير في قول الأعشى.

ترد على السابري السِبارا

والسبار الفتيلة التي يسبر بها الجرح. فإذا عنى به الثوب الرقيق فإنما يريد نفذت عينك السابري إلى قلبي، ويكون قوله: يندق فيه الصعدة السمراء حينئذ يريد به أن قميصي شديد على الرمح نفوذه لهيبتي في القلوب، ولأن الشجاع موقى. ويكون المعنى كقوله أيضاً:

طوال الرُّدينيات يقَصفُها دَمِيوبيضُ السُّريجيات يَقطعُها لحمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

فإذا عنى الدرع فلا يحتاج إلى ذا التأويل. وإنما يريد أن عينك وصلت إلى قلبي

فجرحته ولم تُخرق الدرع أو القميص كما قال هو أيضاً:

راميات باسهمٍ ريشها الهدب تشق القلوب قبل الجلود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وإنَّما معنى هذين البيتين من قول جميل بن معمر:

ما صائب من نابل قذفت بهيد وممرُ العقدتين وثيقُ
على نبعة زوراء أيما خطامهافمتن وأيما عودها ففتيق
بأوشك قتلا منك يوم رميننينوافذ لم تعلم لهنَّ خروقُ

والذي أبى بأغرب من هذا في هذا الباب قول القائل:

رمتني بطرف كميتاً رمت بهلَبَلَّ نجيعاً نحرُهُ وبنائقه

فإنه وإن لم يذكر خرق جلده فقد عرض بان مثل رميها ما يبل الكمّي نجيعاً غير انه لم أُدْمَ لأنه لم يجرح بدني، وإنما وصل إلى قلبي قبل جسمي.

وقوله:

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمتوإذا نطقتُ فإنني الجوزاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

صخرة الوادي (هي امتن الصخر). وهي صخرة تكون في الوادي قد بلَّ الماء أسفلها فازدادت رسوخاً في الأرض:

فلولا خوف خالقهاإذن لقلعتها حسداً
للشاعر كشاجم، من قصيدة «تولى الله من رقدا»

فهذا يغار على حبيبته من عينه لمباشرتها إياه بالنظر كما إن قلب أبي الطيب يحسد عينه على مباشرتها للممدوح بالنظر.

وقوله:

ولاقى دون ثأيهم طعاناًيُلاقي عنده الذئب الغراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

الثأي: جمع ثاية: وهي الحجارة حول البيت تبني فيأوي إليها الراعي. قال الراجز:

أصبحت بين سٍمعةٍ وسمعصرعن ثاياتي أشد الصرع

وقوله: يلاقي الذئب الغراب أي يجتمعان عليه لا كل الموتى أي لاقى طعاناً شديداً

لابد فيه من القتل. والأصرمان: الذئب والغراب، سميا بذلك لأنهما انقطعا عن الناس.

قال المرار:

على صرماء فيها أصرماهاوخريتُ الفَلاةِ بها مليل
للشاعر مالك بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وقد قيل: سميا بذلك لأن أحدهما انصرم على صاحبه فلا يلتقيان إلا عند ميتة ثم يصرم أحدهما وصال صاحبه. وصرماء: أرض يعيدة عن الماء. فهذا ما عناه أبو الطيب.

وقوله:

ولم تردَّ حياةً بعد توليةٍولم تغث داعياً بالويل والحرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

هذا البيت ظاهر المعنى. وإنما ذكرناه خشية أن يظن ظان فكأن أن قوله بالويل والحرب متعلق بقوله: تغث، فإنه يكون حينئذ ذماً وهجاء، بل كيف تكون الإغاثة بالويل والحرب، وإنما يغاث الإنسان بما يزيل الويل والحرب، كما قال أيضاً:

ومنفعة الغوث قبل العطب

وليس يعني هذا. وإنّما الباء متعلقة بقوله: داعياً. يقال: دعوت الويل ودعوت شجني، ودعوت ثبوري، كما قال تعالى: لا تدعو اليوم

ثبوراً واحداً، وادع ثبوراً كثيرا. قال الشاعر:

وإذا دعت قمرية شجناً لهايوماً على فننٍ دعوت صباحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

وقد يقال: دعوت فلاناً، ودعوت بفلان، ودعوت باسم فلان كما قال الآخر:

دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائراً كان في صدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»

وقال الآخر:

تداعين باسم الشيب في متثلمجوانبه من نصره وسلام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حييا بالزرق دار مقام»

وقال الآخر:

فمن يرتجيكم بعد نائله التيدعت ويلها لما رأت ثأر غالب
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وقوله:

جزاك ربُكَ بالإحسان مغفرةًفحزنُ كلِ أخي حزنِ أخو الغضب

يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به. وقال الله تعالى:

لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم. والحزن أخو الغضب لأسباب كثيرة:

فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن. ومنها أن الرجل يأثم بالحزن، ويأثم بالغضب. قال تعالى: وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.

ومنها أن الحزن ينال من الإنسان ويخلط عليه، كما إن الغضب ينال منه ويخلط عليه وقد دلَّ على ذلك بقوله أيضاً في عضد الدولة:

آخر ما المُلْك مُعزّى بههذا الذي أثّرَ في قلبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»
لا جزعاً بل أنفاً شابهأن يقدر الدهر على غَصْبِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «آخر ما الملك معزى به»

ألا تراه فرق بينهما، وجعل تأثيره في قلبه لا للجزع والحزن ولكن للغضب والأنف والحمية أن يقدر الدهر على غضبه. وكما فسّر قوله:

فكل حزن أخي حزن أخو الغضب

بالبيت الذي يليه وهو قوله:

وأنتم معشر تسخو نفوسكمبما يهين ولا تسخون بالسَلَب

ألا تراه قد دلّ على أن الحزن أخو الغضب، لأنه يحزن كيف قدر الدهر على سلبه. والحزن والغضب عند المتكلمين شيء واحد، وإنما

يستعمل الغضب على من هو دونك، والحزن على فعل من فوقك. ألا ترى إن السلطان إذا غصب رجلا على مال فانه يحزن عليه، ولو سرق سارق لغضب عليه.

وقوله:

وما قضى أحدٌ منها لبانَتَهُولا انتهى أربٌ إلا إلى أرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

هذا بيت فلسفي البنية. وذاك أن كل طالب حاجة فإنه إذا أدركها أحدثت في قلبه أربا آخر. مثال ذلك: إنك إذا تمنيت ثوباً حسناً فوجدته تمنيت رداء مثله في الحسن تلبسه معه. فإذا وجدت الرداء تتمنى فرساً تركبها فإذا وجدتها تتمنى سلاحاً تتجمل به، أو تستعين به على الأعداء، فإذا وجدته تتمنى غلمانا وأصحابا، فإذا وجدتهم تتمنى ضيعة تعود بفضلها على عيالك وأصحابك ويستديم بها تجملك. فإذا وجدتها طلبت منزلة من السلطان تحفظ بها نعمتك فإذا وجدتها طلبت الفضل على إضرابك من أصحابه. فإذا بلغت الفضل على جميعهم طلبت الملك فإذا نلته طلبت الخلود فهذا متعالم، وإياه عني القائل:

والنفس راغبة إذا رغبتهاوإذا ترد إلى قليل تقنع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة

والقائل:

تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجة ما بقى
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة

وأبو الطيب الذي يقول:

ذكر الفتى عُمُرهُ الثاني وحاجتُهُما فاته وفضولُ العيش أشغال
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة

ومن هذا قول الحجاج بن يوسف على منبره: أيها الناس أقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت، وأمنع شيء إذا سُئلت، فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً، وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله. فأني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.

وقوله:

دار الملم لها طيفٌ يهددنيليلا فما صدقت عيني ولا كذبا

الألف وللام في (الملم) بمعنى التي، يريد: دار التي ألم أهلها طيف تهددني.

وتهددني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف، والإيعاد بالهجران والتجنب فقال:

ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم يكن حقيقة، ولا كذب الطيف في التهدد فإنه قال: لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدنّ عنك وقد بعد، ولا عذبنك وقد عذّب، وما أشبه ذلك. وقوله:

ما صدقت عيني معنى قول جران العود.

سقياً لزوركَ من زورٍ أتاك بهحديث نفسك عنه وهو مشغول
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

وأظهر منه قول ذي الرمة:

أراني إذا هوَّمتُ يا مي زرتنيفيا نعمتا لو أنَّ رؤيايَ تصدق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»

وقد قال البحتري:

سرى من أعالي الشام يجلبه الكرىهبوب نسيم الريح تجلبه الصّبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»
ولو كان حقاً ما أتته لأطفأتغليلا ولا فكّت أسيراً معذَّبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

وقد ملح بعض المحدثين في هذا المعنى مع إكثارهم فيه:

قد جاد طيفك لي بوعدكوأذالني من طول صدك
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قد جاد طيفك لي بوعدك»
ودنا إلي معا نقاًومصافحاً خدي بخدك
وظفرت منك بما هويتبحمدٍ طيفك لا بحمدك
وحللتُ عقد إزارهحلّ الخيانةِ عقد ودك
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قد جاد طيفك لي بوعدك»

وإنما أوردنا هذا البيت ومعناه ظاهر، لأن من الناس من يظن أن

(عيني) في قوله: كما صدقت عيني: مفعول، وفاعل صدقت الطيف. أنثه لأنه يعني المرأة. وهذا كما تقول: صدقتُ زيداً الحديث، وصدقتك سن بكري في المثل الجاري، فان هذا التأويل لا يغير المعنى، ولكنه رديء في صناعة الشعر أن يكون ضمير شيء واحدٍ مذكراً ومؤنثاً يؤتى به في بيت واحدٍ.

وقوله:

أدمنا طعنهم والقتل فيهمخلطنا في عظامهم الكعوبا

كعب الإنسان جمعه كعوب وكذلك كعب الرمح جمعه كعوب.

قال الشاعر:

وكنت إذا غمزت قناة قومكسرت كعوبها أو تستقيما
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وإنما أوردنا هذا البيت ليعلم إنه يعني كعوب الرمح، لا كعوب الرجل لأن الكعب أيضاً من العظام. وإنما أراد أن كعوب الرمح كسرناها فيهم لكثرة طعنهم حتى اختلطت بعظامهم. ولقائل أن يقول يعني قطعنا الأرجل، وكسرنا الأذرع والسوق حتى صارت الكعوب مخالطة غيرها من العظام وحس

ذلك لما كان الكعب لا يسمى به غير تلك الهنة الناتئة الثابتة في الاجل، وغيرها عظم ويكون هذا كقوله:

حتى تتلاقى الفهاق والأقدام

يعني قطعت الرؤوس والارجل، فاختلطت الفهاق، وهي مواصل الرؤوس في الأعناق بالأقدام إلا أن المتنبي ما أراد غير المعنى الأول، كانت الصنعة فيه. والغرض تشبيه كعوب الرمح بمفاصل العظام وجمعه كما في الحرب وفي الشعر.

وقال الشيخ أبو الفتح: أدمنا أي خلطتا، وجمعنا ويدعى للمتزوجين فيقال: أدم الله بينكما وأنشد:

إذا ما الخبر تأدمه بسمنٍفذاك أمانة الله الثريد

وهذا جيد ولا يمنع أن يكون أدمنا من الإدامة. بل الإدامة أحسس إذ كان يعني أنا لم نزل نطعنهم حتى اختلطت العظام بكعوب الرماح. وخلط الطعن بالقتل لا فائدة فيه كبيرة لذكره فانهما مختلطان وإن لم يقله أبو الطيب.

وقوله:

كأن نجومَهُ حليٌ عليهوقد حُذيت قوائمُهُ الجبوبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

شبه النجوم بالحلي على الليل، وأراد أن يصفه بالسبوغ فقال: وقد حذيت قوائمه الجبوب، والجبوب: الأرض، يعني كأن الليل جعل الأرض له حذاء فهو من السماء متصل بالأرض ويجوز أن يعني بذلك

طول الليل. يريد أن الأرض إذا كانت له نعلا فما يقدر على خلعها لا إنه يريد المشي فيها. وكأنه نوى أن يشبه الليل بفرس أدهم عليه حلي من ذهب أو فضة وقائمه منعلة بالأرض. وكأنه نظر في هذا البيت إلى امرئ القيس يصف فرساً أغر:

كأن الثريا علقت في مصامةبأمراس كتان إلى صم جندلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

يريد بصم الجندل: صلابة حوافره. إلا أن المتنبي لم يفصح بهذا. ولقائل أن يقول: هذه دعوى لا حجة عليها فلعمري إن هذا لكما تقول إلا أن الشعر يحمل معناه على أحسن ما يقدر عليه تحقيقاً أو مجازاً.

وقوله:

أعيدوا صباحي فهو عند الكواعبِوردوا رقادي فهو لحظُ الحبائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يريد ردوا الكواعب حتى يعود صباحي. أي دهري ليل كله. ولا صباح لي إلا وجوههن. وحقق ذلك بقوله

فإن نهاري ليله مدلهمة

ويجوز أن يعني ليلي طويل، فلو أعدتم إلي الكواعب لقصر ليلي وعاد صبحي. وهذا تمحّل. والمعنى ما قد مر ذكره.

وقوله:

وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب

اللحظ هاهنا مصدر لحظه لحظاً وليس باللحظ الذي يعني به العين، أو الجفن. وإنما قلت هذا لئلا يتوهم ذلك متوهم فيفسد المعنى. وذاك أن أكثر ما يستعمل اللحظ في معنى العين. وهذا كقوله أيضاً في مكان آخر:

فبلحظها ركزت قناتي راحتي

يعني مصدر لحظت أيضاً أي نظرت إليها. ومثله اللمح والرمق. يقال: لمحته بعيني المحه لمحاً ورمقته ارمقه رمقاً. ومثله هذا قوله:

ينثني عنك آخر اليوم منهناظرٌ أنت عينُهُ ورقادهُ

وهذا معنى البيت الأول كرره

وقوله:

أتاني وعيدُ الأدعياء وأنهمأعدوا لي السودان في كفر عاقب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

كفر عاقب قرية بالشام، وهي كفور كثيرة، مثل كفر طاب، وكفر اليهود وكفر توثى وكفر شاب وكفر سلام. والسودان جمع أسود سالخ. يجمع على اساود، وعلى سودان، ولا يجمع سالخ كما قالوا: أبارص في سام أبرص. وقال الراجز:

والله لو كنت لهذا خالصالكنتُ عبداً يأكل الأبارصا

فجمعوا الاسم الثاني. وقد يقال: سوام أبرص بجمع الاسم الأول. وقد جمعت سام أبرص على البرصة. وقالوا: ليس في كلام العرب جمع أفعل على فعله إلا هذه الكلمة. يريد أعدوا لي الدواهي ومكروا بي، ثم قال:

ولو صدقوا في جدهم لحذرتهمفهل في وحدي قولهم غير كاذب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

فبين بهذا البيت انهم اعدوا له وشايات وكلاما، وادعى أنهم أدعياء إلى جدهم وليسوا بمحققين في أنسابهم، بل هم كاذبون. فقال: لو كانوا صادقين في أنسابهم لحق لي حذرهم. والتوقي منهم. فأما الآن وقد شاع كذبهم. فكل ما وشوا به علي معلوم إنه كذب. يقول: فهل يجوز أن يكون قولهم في وحدي صادقاً، وقد علم أنهم كاذبون.

وقوله:

أناس إذا لاقوا عدىً فكأنماسلاح الذي لاقوا السلاهبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يريد: إذا لاقوا أعداءهم كان سلاحهم عندهم مالا يعبأ به، كالغبار الذي تثيره خيلهم السلاهب وهذه الألف واللام التي مر ذكرها في شرح قوله:

وكذا الكريم إذا أقام ببلدة

يريد فكان سلاح أعدائهم غبار الخيل التي ركبوها الطوال، لقلة احتفالهم به. ولولا هذا التأويل لكان تخصيصه السلاهب نافراً مستهجناً. فقد علم إن الفارس إذا قال: الفرس سلهب فإنما يعني فرسه الذي هو راكبه. ألا ترى إلى قول حندج بن البكاء قاتل زهير بن جذيمه: (ضربته والسيف حديد والساعد شديد). كيف سبق إلى وهمك يريد إنه سيف نفسه وساعده

وقال الشيخ أبو الفتح: خصَّ السلاهب لأنها أسرع، فغبارها أخف وألطف. وهذا تمحّل لا خفاء به، وباضطرابه.

وقوله:

يقولون تأثير الكواكب في الورىفما باله تأثيره في الكواكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

تأثيره في الكواكب: إثارة الغبار حتى لا تظهر ليلا، وحتى يزول ضوء الشمس بالنهار، وحتى تطلع الكواكب بالنهار

قال الشيخ أبو الفتح: وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع له وليس تبعاً لها.

وهذا وجه في تفسير هذا البيت غير ظاهر. ولقائل أن يقول: هذه دعوى من تفسيرك. ولا يظهر لأحد تأثير في الكواكب إذا بلغ هو ما أراد مخالفا لما أرادت الكواكب بل يظن أنَّ بلوغه ما أراد كان مما أرادت الكواكب. وما ذكرناه أظهر وأبعد من العنت.

وقوله:

لا تجزني بضنىّ بي بعدها بقرتجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كنى بالبقر عن النساء بأعيانها، ولا تجزني دعاء، ولفظه لفظ

الأمر، كما تقول: لا تمت زيداً إذا دعوت له. ولو كان خبراً لقال: لا تجزني، ولا تموت زيد، يريد: لا ضنيت كما ضنيت بعدها وان كن قد جرت دموعهن كما جرت دموعي. وهذا كقوله:

أبديت مثل الذي أبديتُ من جزعولم تجني الذي أجنيت من ألمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وقوله أيضاً:

يشتكي ما اشتكيت من ألم الشوقإليها والشوق حيث النحول

وهذا الدعاء كقول الآخر:

فلا يبعد الله الديار وأهلهاوإن أصبحت منهم برغمي تخلت

لا يبعد جزم لأنه دعاء. ولو كان خبراً لكان رفعاً.

وقوله:

قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهمإلى غيوث يديه والشابيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

يعني أن مصر لا تمطر، وإذا مطرت خرب كثير منها. وأهلها

يدعون الله ويسألونه كف المطر لأن أبنيتهم متضايقة، وبعضها فوق بعض، ولا مسيل لمياهها.

فهو يقول: لامني الناس في هجري بلاد الغيث، فقلت: تعوضت عنها بغوث يديه وشآبيبها.

قال الشيخ أبو الفتح: يقول: تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه. وليس في قوله: هجرت الغيث ما يدل على إنه هجر القليل من ندى الناس، بل يدل على إنه هجر الكثير إلى الكثير. وما قاله الشيخ أبو الفتح يعد من المحتمل الجيد، إلا إنه لم يتثبت. ولو فكّر لما غرب عنه هذا القدر. ولو عددنا مثل هذا زلة لكان كتابنا الموسوم (بالتجني على ابن جني) مفرطاً في الكبر.

وقوله:

ولله سيري ما أقل تئيهعشية شرقي الحدالي وغُرّب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

الحدالة: موضع بالشام (وغرب: جبل، وشرقي مضاف إلى ياء النفس. يريد جعلها شرقي وسرت أريد مصر. والتئية

التثبت) أي اقل ما وقفت وتلومت حين سرت

بهذا المكان أريد مصر ثم قال:

عشية أحفى الناس بي من جفوته

يعني سيف الدولة. وأحفاهم: أشدهم اهتماماً في البِّر، بي.

وأهدى الطريقين الذي أتجنب

يريد: الأولى أن أعود إلى سيف الدولة، إلا أني هجرته ووردت مصر.

قال الشيخ أبو الفتح قال: أهدى الطريقين الذي اتجنب، لأنه كان يترك القصد وبتعسف ليخفي أثره خوفاُ على نفسه. وهذا جائز أن يكون عنى. إلا (أنا) لا نترك حسن معناه وإحسانه لهذا التحمل. وإنما يريد: أني فارقت من كان باراً بي. وتركت طريقاً كان أولى بي. يتدرج بذلك إلى عتاب كافور، وإظهار الندم على زيارته. وهذا مثل قوله في الأخرى:

رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنِعليَّ وكم باك بأجفان ضيغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
وما ربّه القراط المليح مكانهبأجزع من رب الحسام المصمم
فلو أن ما بي من حبيب مقّنععذرت ولكن من حبيب معمم

يريد بهذا كله إظهار ندمه على مفارقة سيف الدولة. والمعنى ظاهر والتكلف فيه محال.

وقوله:

وعيني إلى أذنيْ أغرّ كأنَّهُمن الليل باقٍ بين عينيه كوكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

إنما يجعل عينه إلى أذنه لأن الفرس أسمع الحيوانات. ومن أمثال العرب: (أسمع من فرس بيهماء في غلس). والعرب تكتلئ بآذان خيلها وآذن ابلها. قال قائلهم:

أنختُ قلوصي واكتلأت بعينهاوأمرَّت نفسي أيّ أمريّ أفعل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ألا بكرت عرسي تلوم وتعذل»

وذلك لأن البهائم تبصر بالليل كما تبصر بالنهار، بل هي بالليل آنس، وبالنهار اشد وحشة. ويقولون: جئته إذا استأنس الوحشي، واستوحش الإنسي يعنون ليلاً. وقيل هذه الكلمة أول من قالها رسول الله صلى الله عليه. والإنس تستوحش بالليل. فلهذا قيل: بيهماء في غلس. والعرب تقول: أذن الوحشي أصدق من عينه. ولهذا قال حميد بن ثور:

مفزّعةٍ تَستحيلُ الشخوصَمن الخوف تَسمع ما لا تَرى

ولليل خاصية ليست للنهار. وذلك أن الحركات تسكن، والأصوات تخفت ولصوص العرب وصعاليكها تدعي فضل السمع تريد به صدق

الحس. ألم تسمع قول تأبط شراً ليلة خبث الرهط للشنفري لما ورد الماء، إن على الماء رصداً، وأني لأسمع وجيب قلوبهم. فقال الشنفري: والله لا تسمع شيئاً وإنما تسمع وجيب قلبك. فوضع يده على قلبه. فقال: لا والله ما هو جيب قلبي، وما كان وجاباً ولكن على الماء رصد فامض أنت وعمرو بن براق فاشربا فستجدان على الماء رصداً. فلما ورد الشنفري لم يتعرضوا له. وتركوه، فشرب وانصرف. قال: والله لقد شربت حتى رويت. وورد عمرو فلم يتعرضوا له فروى وانصرف وقال مثل قوله. فقال لكنهم لا يريدونكما. وإنما يريدونني. فكان الأمر على ما قال في خبر له طويل.

وقوله: (كأنه من الليل) أي كأنه قطعة من الليل، وقد تم الكلام به أعني إنه غير متعلق بقوله (باق) بين عينيه كوكب، لئلا يظن ظان إنه يقول: بقي في عينيه كوكب فقط، فيسقط حينئذ (تشبيهه) إياه بالليل. وهذه اللفظة ومعناها وحدها من

أبي دواد حيث يقول:

ولها فرحة تلألأ كالشعريأضاءت وغيم عنها النجوم

وقول ابن رميلة يمدح رجلا:

كأنَّ الثريا عُلقَِت فوق نحرهوفي أنفه الشعري وفي خده القمر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وإن كان مدحاً يريد به وضوح الممدوح وشهرة شأنه ففيه تنبيه للقائل باق بين عينيه على هذا المعنى.

وقوله:

وأظلمُ أهلِ الظلمِ مَنْ بات حاسداًلمن بات في نعمائه يتقلبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

قرأت كتاباً منسوباً إلى أبي علي الحسن الحاتمي يذكر فيه ما نقله أبو الطيب من كلام ارسطو إلى شعره يذكر فيه إن هذا البيت من قول ارسطاليس. أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه. ويجوز أن يكون توهم (الهاء) في نعمائه عائدة إلى (من بات). وإن كانت عائدة إليها كان المعنى مأخوذاً كما ذكر من قول ارسطوطاليس.

وإنما الهاء عائدة إلى الممدوح. ومعنى البيت أن إنعامه فائض على كل أحد فاظلم الناس من يحسد من نال من خيره، إذ كان خير مبذولا لكل واحدٍ، فلم يبق للحسد وجه إذ كان يقدر ان ينال مثله كل أحد. وإنما هذا مثل قوله:

كسائلة من يسأل الغيث قطرة

وخارج من مخرجه. وقوله أيضاً:

لا يحرم البعدُ أهلَ البعد نائِلَهُوغير عاجزة عنه الاطيفال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وقوله:

ويغُنيك عمّا ينسب الناس إنهإليكَ تناهى المكرماتُ وتنسب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وقوله: عما ينسب الناس يبعد قليلا هذا البيت عن الفهم. وهو مع ذلك ظاهر

يقول:

يغنيك عن النسب ان المكارم كلها تنسب إليك. وظاهره مأخوذ من قول القائل وهو ابن أبي طاهر:

خلائقه للمكرمات مناسبتناهى إليه كل مجدٍ مؤثل
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وللبيت باطن خبيث وهو سخرية، يريد إنه لا نسب لك لأنك عبد. ثم قال: وأنت غني عن النسب بالمكارم التي تنسب كلها إليك. كأنه يسليه بذلك القول. ثم زاد دلالة على السخرية بقوله فيما يليه:

وأي قبيل يستحقك قدرهمعد بن عدنان فداك ويعرب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ألا تراه كيف سخر به، وزعم أن القبائل كلها لا يستحق شيء منها أن تنسب إليه. أتراه أجل من النبي ﷺ. وهو بن معد بن عدنان.

وبيت أبي طاهر صحيح السبك، لأنه أدعى للممدوح أن المكارم تنسب إليه، ولم يعرض لذكر النسب. وقد أتى أبو الطيب بهذا في مكان آخر وهو قوله:

وتنسب أفعال السيوف نفوسهاإليه وينسبن السيوف إلى الهند
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.