تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح (٥)

وما طحاها، ونفس وما سواها. وقوله تعالى: وما خلق الذكر والأنثى. إن ما مقامه على مقام المصدر. كأنه يقول: والسماء وبنائها، والأرض وطحوها، ونفس وتسويتها. كذلك اقسم بخلق الذكر. وقيل أن (ما) مقامة مقام من على لغة أهل الحجاز. حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج.

وقوله: للقتل وما ولدوا فقد يعترض عليه، فيقال: إنما تقتل الرجال، ومن بلغ الحلم، فأما من ولدوا فيعني به الصغار منهم، وهم بالسبي أولى. فالجواب إن الرجال أيضاً ومن أتت السن عليه ليس يخلفون أن يكونوا مولودين. فلما نقدم في اللفظة الأولى السبي لم يجد بداً أن يقول ذلك. وقد استعمل (من) في موضع (ما) في قوله:

إن كان لا يسعى لجود ماجدإلا كذا فالغيث أبخل من سعى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أركائب الأحباب إن الأدمعا»

وهذا محمول على التأويل إنه أراد بخل الساعين. وجعل الغيث ماجداً سعى لجود. والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته في العبارة

مجراه. كقول الله تعالى: والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. وأنشد القاضي الجرجاني وزعم إنه سمع من ثقة:

متى نوهت في الهيجاء باسميأتاك السيف أول من لحدب

وقوله:

مخلى له المرج منصوباً بصارخةله المنابر مشهوداً بها الجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قال أبو الفتح: مخلى ومنصوباً نصب معاً على الحال من سيف الدولة. ومشهوداً بها الجمع نصب على الحال من صارخة. وكان الوجه أن يقول: منصوبة مشهودة إلا أن التذكير جائز أيضاً على قولك نصب المنابر وشهد الجمع. ومن أبيات الكتاب

يعيد العداه فما أن يزلمضمطراً طرتاه طليحا

ولم يقل مضمظرة. وهو مثير. الإعراب على ما ذكره لا ريب. والمعنى إن هذين الموضعين أعني المرج وصارخة هما متوغلان في بلاد الروم وانهما إذا أخليتا لسيف الدولة، ونصبت المنابر بهما وسهد الجميع فلم يبق في النكاية في الكفر نهاية. ومثل هذا المغزى قول أبي العلاء المعري يصف خيل رجل مدحه:

بنات الخيل تعرفها دلوكوصارخة والس واللقان
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «معان من أحبتنا معان»

ليس يريد إن أمهاتها تزايغ في هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم عنهم مجتازة. ولكنه يعني انك طالما أوغلت بها في هذه الديار، وأوغل أبوك بأمهاتها فيها فهي تعرفها، وتعرف أمهاتها. والغرض بعد الإيغال في ديار العدو.

وقوله:

إذا دعا العلج علجاً حال بينهماأظمى تفوق منه أختها الضلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

فراق الضلع أختها هو بأن يطعن في الجنب فتفارق الضلع أختها بسعة الطعنة، وخلعها الأضلاع من أماكنها والضلع مفارقته أختها ابداً، وانما يلزمان بجلد تحته

على هيئة الجلد من اللحم. وإنما يريد زوال ذلك الالتزاق والمجاورة بسعة الطعنة. وقبل هذا البيت ما يقول:

كأنما تتلقاهم لِتَسلُكَهُمفالطعنُ يفتحُ في الجوافِ متى تَسَع

يريد كان الخيل تلقى الروم لتسلك في أبدانها. فالطعن يفتح ما يسعهن. يريد سعة الطعنة.

وقوله:

يباشر الأمنَ دهراً وهو مختبلٌويشرب الخمرَ حولاً وهو ممتقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يعني هذا الدمستق الذي هرب أتى عليه الدهر فلم يزل رعبه منذ هذه الوقعة، ويشرب الخمر فلا يتغير من لونه لاستيلاء الصفرة عليه حين فزع فامتقع لونه، ومن شأن الخمر أن تظهر في لونه حمرةً ألا ترى إلى قول مسلم:

خلطنا دماً من كرمة بدمائنافأظهر في الألوان منا الدمَ الدمُ

وقول ابن الرومي:

تغادر عينيك مطروفةوأذنك حمراء فيها خذا

وقوله:

تغدو المنايا فلا تنفك واقفةحتى يقول لها عودي فتندفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قوله: عودي يحتاج إلى تفسير. واللفظة متعلقة بما مر قبله، وقد تقدمه:

كم من حشاشةٍ بطريق تضمنهاللبانرات أمين ما له ورعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»
يقاتل الخطو عنه حين يطلبهويطرد النوم عنه حين يضطجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يعني إن الأسرى قيدت لتقتل أن رأى سيف الدولة قتلهم. والأمين الذي ما له ورع هو القيد. وإنما هو من قول أحد اللصوص:

وإن رام منه مطلعاً ردّ شأوهأمينان في الساقين فهو ضرير

يريد: إن من قيد أمن هربه. ثم لما قدم إن أرواح الأسرى

مضمونة لسيوف

الممدوح زعم إن المنايا تغدو فتنتظر إن أمرها في الأسرى فتقع بهم فلا تزال واقفة ترى أخطارهم في ذلك اليوم كأنهم يطالبهم بالفدية، أو بذل عرض من الأعراض فلا يرى من أجله العجلة في قتلهم. فيقول للمنية عودي فلا حاجة بنا إليك. وقد تقدم هذا قول بكر بن النطاح:

كأن المنايا ليس يجرين في الوغىإذا التقيت الأبطال إلا برأيكا
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

وقوله:

وإن الذي حابى جَديلَةُ في الوغىبه الله يُعطي من يشاء ويمنع

قال الشيخ أبو الفتح حابى أي حباها، من الحباء وهي العطية. كأنه يريد: وان الذي حبا جديلة طئ به الله أي أعطاها إياه. فبنى الفعل للاثنين، كما فعل بقولك: سافر زيد وعافاك الله ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح يعطي من يشاء ويمنع. وهذا الذي ذكره أبو الطيب ما أقوله يدل على ذلك حسن المعنى ومطابقته للفظ من غير تكلف.

حابى ضميره للممدوح وهو الذي. وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين اثنين. وجديلة طئ كرام أسخياء. ومن حاباهم عالي المنزلة في

السخاء. وخص جديلة طئ لأن الممدوح منهم. يقول هو أسخاهم، والله تعالى يعطي به ما يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق. فنفعهم وضرهم من جهته.

وقوله:

فتىً ألفُ جزءٍ رأيهُ في زمانهأقل جزُيٍ بعضه الرأي أجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

فقد فسر هذا البيت أبو الفتح فجود. لم يبق ما يزاد اليه، ونحن نتكلم فيه لئلا يشذ عن هذا الكتاب بيت مما له معنى غلق إلا ونأتي به.

ومعنى هذا البيت إن أقل جزء من رأي هذا الممدوح مقسوماً ألف قسمة بعض ذلك (الأقل) هو جميع الرأي الذي هو مركب في الناس. ولو قدر أن يقول: أقل

جزء لا غنى ولكن صغره للوزن، وأيضاً فلتحقير ذلك القليل، وتصغير شأنه.

ومثل قوله الرأي اجمع يريد بع رأي الناس قاطبة قول الشاعر:

إن السماحة والفصاحة ضمناقبراً بمرو على الطريق الواضح

يريد: إن جميع السماحة، وجميع الشجاعة في الناس كلهم كانا ما ركب في هذا المرثي فلأن لا سماحة ولا شجاعة بعده.

وقوله:

وليس كبحر الماء يشتق قعرهُإلى حيث يفتى الماءُ حوت وضفدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

معنى البيت واضح، يعني إن هذا الممدوح بحر، ولكن ليس كبحر الماء الذي تقدر الحوت والضفدع على شقه إلى قرار حيث يفنى الماء. لأن هذا الممدوح لو كان بحراً لما كان له قعر يوصل إليه لعظم شأنه في الجود أو العلم.

وأخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب إنه سمعه يقول: الذي قلت: إلى حيث يفنى الماء وفسره فقال: أردت به حيث يكون في فناء الماء. كان اصله فنيت الرجل أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة فيوشك أن تكون الحكاية صحيحة.

وقد كرر تشبيهه بالبحر في بيت بعده فقال:

يتيه البعيد الفكر في بعد غورهويغرق في تياره وهو مصقع

وضمير (يغرق) فيه للبعيد الفكر، وهو مصقع صفة للبعيد. ولو كان من جيد شعره لما كرر

وقوله:

تُرفّع ثوبَها الأردافُ عنُهافيبقى من وشاحيها شَسوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»
إذا ماست رأيت لها ارتجاجاًله لولا سواعدها نزوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

هذه القصيدة كلها من الشعر الرذل، الذي لا ينتفع به، ولا بتفسيره وقد ضمنها

ديوانه فلا بد من تلخيص ما يشتبه، وهذا يريد به كبر عجيزتها، والشسوع بفتح الشين: البعيد فعول بمعنى شاسع، يريد إنها إذا رفع ثوبها أردافها عنها شسع عن وشاحها أي بعد. ثم رد الضمير في البيت الثاني في قوله: لولا، إلى الثوب. وزعم أن شدة ارتجاجها لكثرة لحمها يكاد ينزع عنها ثوبها لولا أن سواعدها تمسكه. وهذا من قول الواصف: امرأة لا يصيب ثوبها إلا مشاشي منكبيها، ورواد في اليتيها، وحُلمتي ثدييها.

وقد فسر أبو الفتح قوله وع بالضم، وأظنه يرويه شسوعاً، وهو رديء إلا أن يصف بالمصدر. كما قال قوم قعود، ووفود، وسجود. وقد أغنى الله عن هذا التمحل بفتح الشين فيكون

بمعنى شاسع. وإن روى بضم الشين فليرو، ونزوعاً في البيت الثاني أيضاً بالضم فهما سواء لا فرق بينهما.

وقوله:

ولما فقدنا مثله دام كشفناعليه فدام الفقد وانكشف الكشف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

لم يستقص أبو الفتح في شرح هذا البيت، قال: عليه في موضع عنه. أراد كشفنا عنه. كقوله تعالى: فكشفنا عنك. وقد قال النابغة:

إذا رضيت على بنو قشيرلعمر الله أعجبني رضاها
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

يريد عني. وقوله: عليه، الهاء راجعة إلى مثله، على تأويل أبي الفتح.

وعندي إنه يجوز أن تكون عائدة إلى الممدوح وتكون عليه بمعنى له. يريد إذا داك كشفنا عن مثله له كقول الشاعر:

فدام لي ولهم ما بي وما بهم

ولو قال: دام علي وعليهم ما بي وما بهم لكان الكلام صحيحاً. وقوله انكشف، يريد به زوال. طابق بها قوله: فدام الفقد. يقول: دام فقدنا لمثله، وزال كشفنا عن مثله لانا يئسنا. ويكون قوله: دام كشفنا الأولى معناها دام مدة وزمنا، ثم لما

فحصنا وعرفنا زال. وعندي

أن قوله عليه من (عنه) لأنه يريد بكشفنا معنى (قولك) غصنا عليه، ونزلنا عليه، وتسلقنا عليه.

وقوله:

أمات رياح اللوم وهي عواصفُومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

قال أبو الفتح: لو أمكنته القافية فقال: ومغنى العلى مود لكان اظهر في المعنى الذي قصده ولكنه كان يلزمه إذا قال مود أن يقول: ورسم الندى عاف. ورسم الندى مما يعفو. كما يودي ويعفو غيرهما.

قلت المعنى الذي قصده أبو الطيب لا يؤديه إلا الفعل. لولا قال: مود، وعاف لم يأت بالمعنى، وإنما يؤدي المعنى الذي قصده الفعل المسمى فعل الحال المشترك بينه وبين الاستقبال. والمعنى في البيت للحال. يريد أمات رياح اللوم ومغنى العلى في حال ايدائه بتلك الريح. لأن الريح تعفوه وتدرسه. وهذا لطف منه أتى بعد ذكر الريح بالمعنى الذي يؤثر فيه جري الريح يريد أبو الطيب فلما أماتها عاد المغنى والرسم عامرين، أو واقعين عن مدى البلى.

وقوله:

فكان الطعن بينهما جواباًوكان اللبث بينهما فواقاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيدري الربع أي دم أراقا»

قال أبو الفتح: فواق، وفَواق، وهو زمان قصير بقدر ما بين

الحلبتين. قلت: إن كان الغرض بقوله: ما بين الحلبتين كل قبضة على خلف عند احتلابها، وإعادة القبض على إخلافها فمعنى البيت صحيح. وان كان الغرض بين حلبتين: حلبة أولى بركت بعدها حتى اجتمع شيء من اللبن ثم احتلبت فليس المعنى بجيد. لأن أبا الطيب ما قصد إلا سرعة الإجابة، وقلة اللبث على إنه يقال لما يجتمع من اللبن بين كل حلبتين: فيقة. ويقال: أفاقت الناقة درتها وهي الفيقة. وتلك لا تجتمع إلا في ساعة أو ساعتين. وكل ولد يتفوق أمه أي يشرب اللبن فيقة فيقة والفواق

أيضاً ما يأخذ الإنسان عند امتلائه من الطعام. كأن نفسه ينقطع، أو يعلو. والمحتضر أيضاً يفوق بنفسه للفواق الذي يأخذه فجائز أن يريد. كان اللبث بينهما قدر ذلك الفواق وإنما هي نبرة وهمزة يعلو بها النفس.

وقوله:

وما كل من يهوى يعف إذا خلاعفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

يريد أني أعف إذا خلوت بمحبوتي. وقد كرر هذا في شعره حيق يقول:

إذا كنت تخشى العار في كل خلوةفلم تتصباك الحسان الخرائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وهذا مفخر عالٍ وقوله: ويرضى الحب والخيل تلتقي يريد قول عمرو بن كلثوم:

يقتن جيادنا ويقلن لستمبعولتنا إذا لم تمنعونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
إذا لم تحمهن فلا بقينالشيء بعدهن ولا حيينا

ومعلوم أن الرجل ولو بلغ في العجز والضعف المنتهي يقاتل عن نسائه، وحبيبته. وكم من أهلك نفسه في حرب لحضور من يوده، حتى ضربت العرب الأمثال فقالت: الفحل يحمي شواله معقولا. وكانت نساء العرب إذا انتدين وسمرن ذكرت كل واحدة بلاء زوجها في الحرب وعيرت من فر منهم.

وقوله:

ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهمبعثن بكل القتل في كل مشفق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

قال الشيخ أبو الفتح أي إذا نظرت اليهن، ونظرن إلي قتلتهن وقتلنني خوف الفراق وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا هو المعنى، ولكن يجب أن يلخص فضل تلخيص يقرب به إلى الفهم. فضمير (بعثن) للنساء لا للالحاظ. ومفعولها الالحاظ، وهذا كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفاً. يريد إقامة الأمير عريفاً. ولم أر كالليل اتخذ الهارب جملا. تريد اتخذه الهارب جملا. ولا يجوز أن يكون ضمير بعثن للالحاظ. الدليل على ذلك أن الالحاظ تبعث رسلا عند خوف الرقيب

متعارف ذلك من الشعر كقول القائل:

كلمته بجفون غير ناطقةفكان من ردة ما قال حاجبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قال الوشاة بدا في الخد عارضه»

وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: بكل القتل، كقولك: جاءنا رسول بالصلح. وفي التنزيل: جاءتهم رسلهم بالينات، أي بعثت الالحاظ بقتل فظيع. من قولهم: فلان عين الفاضل وكل الفاضل ثم قال: هن وإن بعثن الحاظهن رسل القتل. فهن مشفقات علينا من القتل، وغير مريدات بنا سوءاً لحبهن إيانا.

وقوله:

وإطراق طرف العين ليس بنافعإذا كان طرف القلب ليس بمطرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

هذا البيت أهمله أبو الفتح، فلم بتعرض لشرح معناه. بل تكلم في غريب قوله. أطرق وفيه كلام طويل، ومعنى غلق. وإنما المفهوم عكس هذا المعنى. وهو أن تقول للبليد: نظر طرف العين ليس بنافع إذا كان طرف القلب مطرقاً. وهذا البيت يلي قوله:

ويمتحن الناس الأمير برأيهويغضي على علم بكل ممخرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

وغرضه أن الناس على طبقاتهم في العجز والقصور مغترون وبإطراق طرف (عين) الأمر. وذلك من غير نافع لهم إذ كان يعرف مقاديرهم

بقلبه وذكائه. فقوله: ليس بنافع، يريد بنافع لهم لا للأمير. فهذا شرح المعنى.

وقوله:

يغير بها بين اللقان وواسطويركزها بين الفرات وجلَّق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»
ويرجعها حمراً كأن صحيحهايبكي دماً من رحمة المتدقق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

اللقان: مكان ببلد الروم. وواسط هي بالعراق واقع بها بني البريدي لاجتاحهم. وإنما يريد بذلك قدرته على السير، كما قال في هذه القصيدة:

وكاتب من أرض بعيد مَرامُهاقريب على خيل حواليك سبق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

جعله مما إذا هم ركب، وإذا سرى أبعد المسرى. وقد ذكر اللقان في شعره في مكان آخر وهو قوله:

فقد بردت فوق اللقان دماؤهمونحن أناس تتبع البارد السخنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

وأما قوله: ويرجعها حمراً فهو معنى حسن وجيد ولم يتعرض لكشفه الشيخ أبو الفتح. وليس أيضاً بغامض، إلا أني ذكرته لنكتة فيه وهو إنه أخذ (هذا) المعنى واللفظ من بعد الرجاز انشد أبو حنيفة

الدينوري في كتابه النبات:

يرَّفض المروءة عن صاقورهابكى صحيحها على مكسورها

الصوقور: فأن تكسر بها الحجارة. قال يعني بقوله صحيحاها: الصاقور وما بقى من المروءة. ويجوز أن يعني ما عن جانبي مضروب الصاقور من المروءة يسمع لهما صوتاً عند الضرب فجعله بكاءً وان كان هذا التوارد في اللفظ اتفاقاً فعجيب اتفق. وان كان عمداً فمن القبيح الذي يرضى لنفسه.

وقوله:

يعيده أطرافِ القنا من أصولهقريبة بين البيض غير اليلامق

قوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يعني به طول قناها. والعرب يمدحون بطولها كقول حاتم الطائي:

متى ما نحى يوماً إلى المال وارثيليجد جمع كف غير ملء ولا صفر

وأسمر خطياً كان كعوبه نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر

وقول القطامي:

ومن ربط الجحاش فان فيناقفا سُلُباً وأفراساً حسانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

السلب: الطوال: ويرى سلباً جمع سلوب فعول من السلب.

وقوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله لفظ مليح لولا إنه مأخوذ وقد تقدمه شعر كثير كله على هذا. أنشد الأصمعي في صفة جمل.

لمخرج من نسعه ومدخلهخلان بين يفن وكلكله

ناج بعيد رأسه من مرحله

أي من حيث يوضع عليه الرحل. وأخذه الاخطل فقال:

إذا صَخَبَ الحادي عليهن بروتبعيدة ما بين المشافر والعجب

وفي الشعر القديم يصف حملاً.

قريبة سرته من معرضه

يريد قصر بطنه. وآخر يصف متاعه، انشده أبو حاتم السجستاني:

يحمل بين فخذه وساقهأيراً بعيد الأصل من سمحاقه

وسمحاقه اثر الختان. وأجود من الجميع قول الأحوص:

شديدة إشراق التراقي أسيلةبعيدة ما بين الرعاث إلى العقد

وقوله: قريبة بين البيض. أيضاً حسن، إلا إنه مأخوذ من قول قيس بن الخطيم فقد قصر عن قيس إلا إنه جود في التطبيق بين القريب والبعيد:

لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضهاتدحرج عن ذي سامه المتقارب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقوله:

ولا ترد الغدران إلا دماؤهامن الدم كالريحان تحت الشقائق

الريحان جنس كثير. وفيه أخضر وغير أخضر. ألا تراهم يعدون الورد في الرياحين، إلا أن المولدين لهجوا بتسمية الضميران وهو (الشاهسفرم) ريحاناً. وتجد في كتب الطب برز الريحان بعنوان (الشاهسفرم). ولما جعل الماء أخضر شبه الضميران والدم والشقائق. وكان يجب أن يقول: الشفيق ليكون (موحدا) كالريحان. لكن القافية اضطرته. وأيضاً فالشقائق في لفظهم أكثر من الشقيق، ألفوها بقولهم: شقائق النعمان. وقيل إن النعمان كان حماه فنسب إليه. وجعل الماء أخضر وربما جعلته العرب ازرق وربما جعلته أبيض. وبكل ذلك أتى الشعر. قل

الشاعر:

ألم تر أن الماء يخلف طعمهوإن كن لون الماء ابيض صافياً
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حبذا أهل الملا غير أنه»

وقول رؤبة:

يردن تحت الليل سياح الدسقأخضر كالبرد عزير المنبعق

وقال زهير:

فلما وردن الماء زرقاً جمامهوضعن عصيَّ الحاضر المتخيم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

والذي عند العلماء إن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه. زرقته من زرقة السماء لأنه مقابلها فيتلون بلونها. فأما قوله:

باقٍ على البوغاء والشقائقوالأبردين والهجير الماحق

فالشقائق هنا جمع شقيقة، وهي ارض فيها رمل وحصى. وقيل فرجة بين الرمال. يصف مهره الطخرور، يقول: هو عربي صلب في باقي الجري، سارياً في بوغاء، وهي التراب. أو في شقيقة وهي ذات حجارة. وليس هذا من الشقائق في شيء.

وقوله:

وعذلت أهل العشق حتى ذقُتُهفعجبُ كيف يموت من لا يعشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

كثر كلام الناس في هذا البيت، وادعى عليه قلب الكلام، واحتجوا باحتجاجات، وزعموا إنه أراد أن يقول: كيف لا يموت من لا يعشق. وليس الأمر عندي على ما زعموا. ولو أراد ذلك، أو قاله لكان معنى رذلا، ومتداولاً خلقاً. والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمغزى أحسن كثيراً مما ذهبوا اليه، يقول: عجبت كيف يكون الموت من غير داء العشق، الذي هو أعظم الأدواء والخطب الذي

هو أشد الخطوب، كأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره. ولا حاجة إلى عذر أو تمحل.

وقوله:

أنت منّا فتنتَ نفسكَ لكنَّك عُوفيتَمن ضنىٌ واشتياقِ

قوله: أنت منّا قد تم الكلام بها، أي أنت عاشقة مثلنا لنفسك لأن كل أحد يعشق نفسه ثم قال: لكنك لن تبتلي بالضنى كما بلينا.

والشيخ أبو الفتح قد أتى بهذا البيت، واتبعه بكلام كنت أؤثر له تركه فقال: أي أنت تعشقين نفسك من حسنك وظرفك. أتراها لو لم تكن حسناء ظريفة لأبغضت نفسها، فهذا فضل من الكلام، والمعنى ما تقدم. وأظنه غلط لما أتبع به الكلام لما سمع قول القائل:

وإذا أراد تنزها في حسنهاخذ المرأة بكفه فتنزها
فلما سمع هذا التنزه في وجههحسب كل عشق لاستحسان

أما البيت الأول فهو كقوله:

أبَعَدُ نأي المَليحَةِ البَخلُفي البعُدِ ما لا تُكلِفُ الإبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

أي إن البعد بيننا هجرك، ولو كان بعداً حقيقياً لعملنا الإبل حتى نصل إليك. والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف:

لو كنت عاتبة لسكن لوعتيأملي رضاك وزرتُ غيرُ مراقب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لو كنت عاتبة لسكن لوعتي»
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصد الملول خلاف صد العاتبِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «لو كنت عاتبة لسكن لوعتي»

وقوله في البيت الثاني: ولو وصلنا عليها مثل أنفاسنا على الاماق. يعني نحافا قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفسنا. مثل قوله أيضاً:

برتني السُرى بري المدى فرددننيأخفُ على المركوب من نفسي جُرمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

والرمق بقية الحياة. أتى بها أيضاً لخفتها أي لم يبق منها إلا القليل. يريد: إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل:

أنضاء شوق على انضاء أسفار

ومثله كثير، إلا أن أبا الفتح أتى بكلام شديد المحال قد أثبت في كتابي (التجني) وشرحت كلامه: (وهو قوله: الارماق جمع رمق، وهو بقية النفس، أي وصلنا إليك وهي تحملنا

على استكراه ومشقة لشد الجهد، كما تحمل ارماقنا أنفسنا جمع نفس على مشقة لأننا قد بلغنا أواخر أنفاسنا).

وقد كان لو أراد الاستكراه والمشقة في سعة من التشبيه فما أكبر الأثقال العظام وما أكبر المشقة في حملها.

وقوله:

كل ذمرٍ يزيد في الموت حسناًكبدور تمامها في المحاق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال أبو الفتح: قوله: تمامها في المحاق: كلام متناقض الظاهر، لأن المحاق غاية النقصان. فهو ضد الكمال. ولكن سوغ ذلك قوله: يزيد في الموت حسناً. أي هو من الحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف. فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها. فجاز له هذا اللفظ على طريق الاستطراق والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعاً وتطرقاً. وشبه بقول العجاج.

عاين حياً كالخراج نعمهيكون أقصى شلة محرنجمه

ثم أشبع الكلام في هذا الباب وجود ولم يقصر. غير إنه معنى أسهل من هذا وإن كان ما قاله غير ممتنع.

وهو إن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور. فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير. فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها بل أراد تمام الأمر المفتوح التاء. يقول: تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق. وهذا معنى جيد أقرب مأخذاً من الأول.

وقوله:

ليس قولي في شمس فعلك كالشمسولكن في الشمس كالإشراق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله. ثم قال: ليس قولي نظير فعلك ولكنه لما كان دليلا عليه وأذاعه له، وتسييراً إياه في البلاد صار بمنزلة الإشراق للشمس إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول. و (في) هاهنا موضوعة موضع (إلى) يقول: ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك هذا بين. وإن شئت كانت (في) في موضع بعينها يريد الوعائية. ومثله قولك: ليس فضلك إلا كالقطر في البحر. ومثل هذا سواء قوله:

وذاك النشر عرضك كان مسكاًوذاك الشعر فهرى والمداكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

يعني أن شعري أذاعه لمجدك، وتسيير له. كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.

وقوله:

لم تر من نادمت الآكالا لسوى ودّك لي ذاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لم تر من نادمت إلاكا»
ولا لحبيها ولكننيأمسيتُ أرجوك وأخشكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لم تر من نادمت إلاكا»

لم تر التاء لمخاطبة الممدوح، و (من) نكره مثل قوله:

يا رب من يبغض أذوادنارحن على بغضائه واعتدين
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

يريد إنساناً نادمته يعتد عليه بمنادمته إياه. يقول: وإنما سمحت بمنادمتك لشدة حبك لي ولولاها لما نادمتك. و (الهاء) في حبيها ضمير الخمر، وإن لم يجر لها ذكر. كقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر. يريد القرآن يقول: ما نادمتك لحبيها ولكن لأني أرجوك

فما نبالي إذا ما كنت جارتناألا يجاوزنا إلاك ديار

وأخشاك. وقوله: ولا لحبيها عطف على قوله: (لا لسوى ودك) كأنه يقول: لم تر أحداً نادمته غيرك لأمر غير ودك لي تلك المنادمة، ولا لحبي الخمر. وقوله

ولكنني أصبحت أرجوك وأخشاك غير ناقص قوله: لا لسوى ودك. ولكنه كلام يؤكد.

فكأنه يقول: ليس ذلك إلا لودك، ولاني أرجوك وأخشاك لا لحبي الخمر فتأمله يتضح لك.

وقوله:

ولو قلنا فدى لك من تساويدعونا بالبقاء لمن قلانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

هذا كلام كأنه محمول على دليل الخطاب. وكأنه إذ قال: فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك. وهذا مجاز لا حقيقة. فقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب فوقع دون أبي الطيب فقال:

أيهذا الوزير لازال يفديكمن الناس كل من هو دونك
وإذا كان ذاك أوجب قوليأن يكونوا بأسرهم يفدونك

وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف. فمنهم مثبت، ومنهم نافٍ يعني أن من قلاك ناقص عنك. فإنما يقليه لنقصانه عنه. وهو أيضاً مجاز. فكان من الواجب أن يقول: جميع الناس ناقصون بالقياس إليك. ولكن لما كان من تلقيه أيضاً أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك.

والذي قال أبو الفتح في هذا البيت قال: أي لو فداك من يساويك منهم دون غيرهم لكان هذا دعاء لمن يقليك ويبغضك من الملوك بالبقاء. لأنهم ينقصونك لأنهم لا يساووك في المجد بل يقصرون عنك.

وقوله:

قد استشفيت من داء بداءوأقتلُ ما أعلك ما شفاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

هذا قول قلبه يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من

فراق وطنك، والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة. واقتل ما أسقمك ما استشفيت به.

وهذا البيت يتبع قوله:

إذا التوديع أعرض قال قلبيعليك الصبر لو صاحبت فاكا
ولولا أن أكثر ما تمنىمعاودة لقلت ولا مناكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
قد استغنيت من داء بداءالبيت

قال أبو الفتح: وهذا يشبه قول النبي: كفى بالسلامة داء. وقال حميد بن ثور:

وحسبك داءاً أن تصح

وهذا يشبهه ولكن من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. لأن ذلك فراق ينال من قلبه وهو يستشفى به، وهذه سلامة لم تنل في العاجل فيه شيئاً، ولكن يؤول أمرها إلى هرم وضعف.

وقوله

فلا تحمدهما واحمد هماماًإذا لم يسمِ حامُدُه عناكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

أي لا تحمد فهري ومداكي فليست بمعيرك شهادة. وأحمد هماماً أي أحمد نفسه، يريد أن المادح إذا لم يسم مدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:

وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ملكت على طير السعادة واليمن»

وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة. وأنت تجد هذا المعنى في كثير من شعر فمنه.

قوله:

وعلموا الناس منك المجد واقتدرواعلى دقيق المعاني من معانيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

وقوله:

وظنوني مدحتهم قديماًوأنت بما مدحتهم مرادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقوله:

وما أنا غير سهم في هواءيعود ولم يجد فيه امتساكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

هذا البيت مدخول. لأن قوله: في هواء ليس يوجب فوقاً ولا يميناً ولا شمالاً. إذ في كل الجهات غير تحت هواء. وكل سهم رمي به فان ممره في هواء، سواء عاليت به في السماء، أو خفضت إلى رميه على الأرض إلا إنه لم يجد لفظة يقيمها في هذا المقام فتؤدي المعنى غير الشكاك وقد تقدمت. وهو لا يرى تكرير الألفاظ في قصيدة. وقد غلط بها أيضاً شاعر محدث فسلك مسلكه وازداد غلطاً فقال في غزل:

أراميهنَّ باللحظات خلساًفترجع نحو مقتلتي سهامي
للشاعر التهامي، من قصيدة «بعثن غداة تقويض الخيام»
وذاك لأنهن لفرط لطفٍهواهْ ليس يمسك سهم رامي

ألا ترى إن لقائل أن يقول: كل هواه لا يمسك السهم، إلا إنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي. اللهم إلا أن يكون الهواء فوقه. وإنما هذا معنى قول الأول:

ومن حول الطوى رماني

كان من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته. وبعد فقد جودا فيما قالا كلاهما في المعنى وقاربا في اللفظ.

وقوله:

حييٌ من الهي أن يرانيوقد فارقت دارك واصطفاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»

زعم أبو الفتح إنه قال: واصطفاكا وأراد اصطفاءك فقصر، وأورد نحو عشرين بيتاً استشهاداً على أن قصر الممدود جائز. وما قال الرجل إلا اصطفاكا بفتح الطاء. وقد نبهت على ذلك في كتابي (التجني)

وذكرت غناه عن هذا الاحتجاج. وهنا كلام يجري مجرى الإشباع لما قد مضى. كيف يجوز أن يقول اصطفاكا. ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة واصطفاه بل يجب أن يتقرب إلى الله ﷿ بتلك المفارقة والزهد في داره. وإنما كان يجب أن يقول: حيي من أصدقائي وامرأتي لذلك، إذ كانوا هم الذين يلومونه ويعيرونه

بمفارقته وهذه في خيبته، ولا خيبة أعلى منها فأما الله ﷿ فرضاه في زهده في خيبته وتركه إياها إذ كان ملكاً ظالماً. وإنما يقول: إن حيي من الهي أن أفارقك، وقد اصطفاك الله تعالى، ووكل إليك الأرزاق والعباد. ألا ترى كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكر لكان لا محيص له من هذا السؤال.

وقوله:

وما أخشى نبوَّك عن طريقوسيف الدولة الماضي الصقيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

ليس قوله: وسيف الدولة، ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الأخبار، إذ قال نبوك بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق، وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل وأنت سيفها، فلا تكون إلا ماضياً صقيلا. وسيف الدولة في هذين البيتين يعني به سيف الحديد لا الممدوح. على إنه لا يمنع أن يقال عناه به ورجع من لفظ الخطاب إلى الأخبار. كأنه يقول: لا أخشى نبوك أنت الماضي الصقيل إلا إنه قلق والمعنى ما ذكرت أولا.

وقوله:

ومَنْ لم يعشَقِ الدنيا قديماًولكن لا سبيل إلى الوصال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

ظاهر هذا المعنى مدخول. لأنه كم من عاشق للدنيا واصلته وواصلها، وهم الملوك والأغنياء وذووا النعمة واللهو والمترفون. ومخرج هذا المعنى على وجوه:

أحدها: إنه يريد لا سبيل إلى الوصال لكل واحد. فأما من عددنا من أهل الغنى فهم أفراد لا حكم لهم.

ووجه آخر وهو أن يريد: نعشق من الدنيا دوام نعمها، وبقاء الملك فيها والعمر فلا سبيل إلى ذلك لأحد. ويدل على ذلك أن الدنيا من غير صفة لا تفيد معنى ألا ترى إن الدنيا قد واصلت كل حي إذ كان حياته فيها وصالاً. والحياة من غير نعيم

لا تعشق.

وقوله:

رواق العز فوقكِ مسيطرومُلكُ علي ابنك في كمال

عابه الصاحب بن عباد أبو القاسم ﵀ هذا البيت. وقال:

لعل لفظ الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين وليت شعري أي خذلان في أن يكون رواق العز فوقها مسبطراً وما ضر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول.

أمسى بأسماء هذا القلب معموداإذا أقول صحا يعتاده عيدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمسى بأسماء هذا القلب معمودا»
كان أحورَ من غزلان ذي البقرأعارها شبه العينين والجيدا
ومشرقاً كشعاع الشمس بهجتهومسيطرا على لبابها سودا

هذا أحسن الغزل وأحسن الغناء، والطريقة فيه لابن جامع، وخبره فيه مع الرشيد معروف وإنما ازداد حسناً استعمال المسيطر في ذكر شعر المرأة. يقول امرؤ القيس:

وإن أعرضت قلت سرعوقةٌلها ذنب خلفها مسبطر

وإنما اسبطر كلمة منحوتة من اصلين على رأي بعض أهل اللغة من البسط والطر. وإن منع من ذلك المحققون منهم. وإذا جاز لامرئ القيس أن يقول في صنعة المرأة

إذا ما أبكرت بين درع ومجول

علم لا خذلان لأبي الطيب أن يقول: (رواق العز فوقك مسبطر). وما أراه نفر من هذه اللفظة إلا لبيت يروى لإعرابي ماجن (هجا) أبا

الشمقمق:

مررت بأير بغل مسبطرٍفويق القاع كالوتر المطوق

فهل حرم استعمال هذه اللفظة من غير منكر استعمال هاجي أبي الشمقمق إياه في هذا المجون. فأمن كان هذا قياساً فقد أساء أمية بن أبي عائذ الهذلي حيث يقول:

ومن سيرها العنق المسبطروالعجز فيه بعد الكلال
للشاعر أميّة بن أبي عائذ، اقرأ القصيدة

وذو الرمة حيث يقول:

تلوم بهناه مياه وقد مضىمن الليل حور واسبطرت كواكبه

والنابغة الذبياني حيث يقول:

يخرجن من مسبطر النقع داميةكان آذانها أطراف أقلام

وعمر بن معد يكرب حيث يقول:

لما رأيت الخيل زوراً كأنماجداول زرع خليت فاسبطرت

وكثير حيث قال:

على ظهر عادي يلوح متونهإذ العيس عالته اسبطر فعالها

ولئن كان القياس في ألفاظ هذا البيت السخيف مستمراً فأسوأ أهل الغزلان قولا الذي يقول:

جنية ولها جن تعلمهارمي القلوب بقوس ماله وتر

إذ قد فسد لفظه الوتر باستعمالها في هذا السخف. وأسوأ قولاً منه أبو عباد البحتري حيث يقول:

وما ربما بل كلما عن ذكرهابكيت وبكت الحمام المطوقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»

والشريف أبو الحسن الموسوي حيث يقول

عطفاً أمير المؤمنين فإننافي دوحة العلياء لا نتفرق
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لمن الحدوج تهزهن الأنيق»
ما بيننا يوم الفخار تفاوتأبداً كلانا في العلا معرَّق
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لمن الحدوج تهزهن الأنيق»
إلا الخلافة سودك وإنّماأنا عاطل منها وأنت مطوق

فهذا من نخوة الوزارة وليس من باب العلم.

وقوله:

يا من يسير وحكم الناظرين لهفيما يراه وحكم القلب في الجذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يعني بالناظرين عيني سيف الدولة. يعني أن جميع ما يريانه، ويقعان عليه فحكمه له، أي هو مملك رقاب الناس وأموالهم، ومساط على نفوس أعدائه وأموالهم. فكلما وقعت عيناه على عرض من أعراض الدنيا فهو له من حزبه كان أو من حزب أعدائه. ولو لم يحتج إلى قوله (له) لكان قوله حكم الناظرين فيما يراه مؤدياً للمعنى الذي قصده غير محوجٍ إلى زيادة، إلا إنه زاد (له) فزاد المعنى وضوحاً. قوله: وحكم القلب في الجذل. أي هو جذلان أبداً، يدرك ما يرومه، ولا يعجز عن

شئ يطلبه فكأنه محكم في السرور. وقد (جاء) بقريب من هذا المعنى قوله:

له من الوحش ما اختارت أسنتهعير وهيق وخنساء وذيال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وقوله:

ينظرن من مقلٍ أدمى أحجتهاقرع الفوارس في العسالة الذُبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

وجه أن أدني أحجتها قرع الفوارس ما جرت العادة من قولهم في دقة البصر بالطعن: بنو فلان يطعنون الحدق، وكقولهم: رماه الحدق. فقد أقام الحجاج هاهنا مقام الحدق. فهذا وجه.

ووجه آخر هو أن يريد أن عيونها احمرت لما تشاهد من الطعان. أما غضباً، أو لطول نظرها إلى الدماء، ويكون الحجاج أيضاً مكان العين، ويريد بالدم الحمرة.

وأجود من هذين الوجهين عندي أن يريد: أدمي أحجتها طول مر هم بالرماح على أحجتها، لأن الفارس إذا لم يعرض

رمحه. أو يعتقله. أو يحمله على كاهله، فإنما يمده بين أذني فرسه، أو يحمله مشرعاً به عند حجاج الفرس تحت اذنه، ويكون قوله: قرع الفوارس يريد به قرع الرماح عند مد فرسانها إياها هناك لا حجتها، وذلك لاضطرابها في سيرها لا أن عدواً قرعها مريداً ضرها.

وقوله:

تركتَ خدودَ الغانياتِ وفوقَهادموعٌ تذيبُ الحُسنَ في الأعين النجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»
تَبلُ سوداً من المسكِ وحَدهُوقد قطَرتَ حمراً على الشعر الجثلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.