من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)
الفتح على أبي الفتح (٦)
إنما وجه أذابه الدمع الحسن تنه مما يفسد العين فيزيل حسنها كقول القائل:
أليس يضر العين أن يكثر البكاويمنع منها نومها وسرورها
وهذا ظاهر وإنما دقة صنعته بقوله: تذيب الحسن، ولم يقل: تزيل الحسن أو ما أشبهه. لأن الدمع لما كان يذهب بالحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة لفعله أولى كما قيل في الحب إذا هزل البدن: أذابه لأنه اخذ منه قليلاً قليلا. وأيضاً لما كان في الذوب من معنى السيلان والدمع سائل فكأن سال معه الحسن، فأما تكنيه بقوله: من المسك وحده، وإنه منع من أن يكون سواده من الكحل إذ كن صواحب مصيبة متمرهات لا يكتحلن فقد أتى به ابن جني. وكذلك قوله: حمراً على الشعر الجثل لما كن ناشرات شعورهن من المصاب، والشعر كان جثلا كثيراً صار الدمع يقطر عليه. ولقائل أن يقول: فصاحبه المصيبة لا تكتحل، فكذلك لا تستعمل المسك فجوابه إنهن لم ستعملن المسك بعد المصيبة، وإنما استعملنه قبلها فبقي في شعورهن وليس الكحل كذلك فإنه لا يبقى في العين مدة طويلة، وإنما يبقى ليلة واحدة في المعهود. فإن قال قائل: كيف قطر الدمع على الشعر وان كان منشوراً فإنما يقع يميناً وشمالا. فالجواب: إن الشعر إذا كثر عم البدن. ألا ترى إلى قول القائل:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ شَعرهاوتغيبُ فيهِ وهو وحفٌ أسحمَ
فجعلها تغيب في شعرها لكثرته، ولذلك أتى أبو الطيب بالجثل.
وقوله:
هل الولدُ المحبوب إلا تَعلةٌوهل خلوةُ الحسناء إلا أذى البَعلِ
قال ابن جني: إذا خلت الحساء من محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها. أما لشغل قلبه عما سواها أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصلة الغواني. وهذا كلام لم
ينضجه التأمل، وكأنه ظن إن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها، ولا أذى للبعل في الخلوة بها، بل كل قرة عينه فيها وليس وصاله لها أيضاً بداعية مضرةٍ على الإطلاق. ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى فضلاً عن إباحتهن، والأمر بالاستعفاف بهن. وما ورد في الآثار في الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من معالي الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولا أو متمحلا.
والذي أراده أبو الطيب: إن المرأة ذات البعل ينال منها من خلالها غير بعلها إلا أذاة. يريد إن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة حقيقية. وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط. يزهد بذلك في الولد وفي طلب اللذة بإعراض الدنيا كلها. أي إذا كان هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما
سواهما أولى بالترك والزهد فيه. فهذا الأليق عندي بمذهبه. والذي قال الشيخ أبو الفتح متمحل.
وقوله:
إنَّ المعيد لنا المنامُ خيالَهُكانت إعادته خيال خيالهِ
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: أنا رأينا في النوم شيئاً كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما روى ثانياً خبال ما روى أولا والذي روى أولا هو خياله فصار الثاني خيال خياله، يصف بعده عنه، وتعذر طيفه عليه. وخيال منصوب لأنه خبر كانت، وليس مقعول إعادته. وأقام المصدر مقام المفعول لأنه أراد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر ميمي مكان المخلوق وهو المفعول.
هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إلى كل خاطر ووهم. وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء من هذا الحبيب كان أيضاً خبالاً على معنى قوله:
نصيبك في حياتك من حبيبنصيبك في منامك من خيال
فيقول: إن وصاله أيضاً كان خيالا تراءى في منام تقليلا له وتقصيراً لزمانه فلما زار الخيال كان خيال خيال. ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا: وهو أن لا تكون إعادته مصدراً بمعنى المفعول بل يريد أن الإعادة نفسها كانت خيالا لخياله، إذ كان أيضاً معاداً. يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل. فافهمه فهو حسن.
وقوله:
إن الرياحَ إذا عمدن لناظرٍأغناهُ مقيِلُها على استعجاله
هذا تأكيد قوله قبله:
ويميت قبل قتاله ويبش قبلنواله وينيل قبل سؤاله
أي إن القليل منه كثير فلا يحتاج إلى استعمال غاية كيده إذا، وجوده في النهاية فلا يحوج إلى السؤال فكل أفعال الكرم والمجد منه سابق لوقته الذي ينتظر فيه. كما أن الريح إذا أقبلت إلى عين عجرت العين عن مقاومة قليلها فعجلت بالإطراق والغض قبل استعجال الرياح إياها وهبوبها بقوتها الشديدة عليها. فقوله: استعجاله مصدر أضيف إلى ضمير المفعول به. ولا إلى ضمير الفاعل، كما تقول: الثوب أعجبني دقه، والماء أرواني شربه. يريد الثوب أعجبني دق القصار إياه، والماء أرواني شربي إياه. والهاء في أغناه أيضاً للناظر. كأنه يقول: أغنى الناظر مقبل الريح عن استعجالها إياه فغضت وأعضتْ.
والذي أتى به الشيخ أبو الفتح اضطرب قال: أي هو غير محتاج إلى محرك له في الكرم، والسؤدد والفضل. كما ان الريح إذا رأيتها مقبلة إليك لم تحتج إلى استعجالها. والناظر لا يستعجب الريح، ولا
يريد هبوبها قط لأنه يقاومها وإنما الريح تستعجل الناظر إذا هبت عليه بالإغضاء والغض.
وقوله:
وهب الذي ورث الجدود وما رأىأفعالهم لابن بلا أفعاله
يعني إنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف. أما المال فللعفاة. وأما المجد فلسائر أسرته. واستحدث مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط. الدليل على ذلك قوله:
وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله
فدل بقوله: الأفعال إنه يريد المعالي والشرف. وكأنه أراد قول القائل:
وإذا افتخرت بأعظم مقبورةفالناس بين مكذب ومصدق
فأقم لنفسك في انتسابك شاهداًبحديث مجد للقديم محقق
والأول في ذلك قول القائل وهو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ﵃:
لسنا وإن أحسابنا كرمتيوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:
فخرتُ لنفسي لا بقومي موفراًعلى ناقصي قومي مناقب أسرتي
فقد زاد المعنى وضوحاً.
قال الشيخ أبو الفتح أي ورأى أن أفعال آبائه ليست له، ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها. ولو كان أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح لقال: (وما رأى أفعالهم لابن لأفعالهم. بل الهاء في أفعاله لسيف الدولة. يقول: ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة. وكأن الشيخ أبا الفتح أراد تفسير بيتي المتنبي ففسر بيتي عبد الله بن معاوية:
فان قال قائل فقد قال في البيت الذي قبله:
حتى إذا فني التراث سوى العلىقصد العداة من القنا بطواله
وقد زعمت إنه عنى إنه وهب ما ورث من المعالي والمجد. فالجواب إن هذا البيت مؤكد لما قلناه يعني إنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه لأن الهبة في مجد آبائه مجاز لا حقيقة له وإنما تتأتى فيه الهبة بتوفيره إياه على سائر أسرته، واستحداثه مجداً آخرا. كما صرح به الشريف الموسوي بقوله: (فخرت بنفسي لا بقومي) فكان قوله سوى العلى صنع فيه صنعة مستجدة من صعة الشعر. ونبه أن المعالي المورثة لا تفنى وإن وهبت. وأيضاً فان استثناء العلى من هذه الجملة يدل على أن وهب من العلى أيضاً فلم يفن.
وقوله:
دون الحلاوة في الزمان مرارةلا تحتظى إلا على أهواله
لا تحتظى ضميره للمرارة. يعني أن كل حلاوة دونها مرارة لا تبلغ تلك الحلاوة إلا بأن تحظى إليها هذه المرارة. وهذه المرارة تحظى على أهوال الزمان والهاء في أهواله عائدة على الزمان. وهذا المعنى معنى.
قوله:
ولابد دون الشهد من إبر النحل
وكان قوله: لا تحتظي إلا على أهواله زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. لأن كل مرارة فمعلوم إنها مع هول. وقوله: على أهوال: جائز أن
تكون على بمعنى مع. يريد: مع أهواله. ويجوز أن تكون على تتضمن معنى الركوب أي يركب إليها أهوال الزمان. كما يقال: امتطيت الليل. واتخذت الليل حملا. وأركب الآلة بعد الآلة.
وقوله:
فلم لا تلوم الذي لامهاوما فص خاتمه يذبل
وهو يتبع قوله:
أنفع في الخيمة العذلوتشمل من دهرها يشمل
وتعلو الذي زحل تحتهمحال لعمرك ما تسأل
يقول: عذل الخيمة في سقوطها عليك محال، لأنها كلفت ما لا تطيق كلفت أن تشمل من يشمل دهرها وتعلو من زحل مع علوه تحته ومكانه فوق مكانه. وهو عذل فيه ظلم. ثم قال: فقل للذي عذلها على السقوط وطلب المحال منها لم لا يكون فص خاتمك يذبل. فإن يذبل جبل ولا يمكن أن يتخذ فص خاتم. يقول: فاشتمالها على من يشمل دهرها مثل كون يذبل فصا لخاتم. و (ما) هاهنا بمعنى ليس كقول أبي النجم:
كالادم المطلي في طلائهصعداً وما حقواه في هنائه
والتاء في تلوم، ولا يمنع أن تكون للمخاطب وفسر هذا البيت بقوله بعد:
تضيق بشخصك أرجاؤهاويركض في الواحد الجحفل
يقول: هذه الخيمة يركض في الواحد منها العسكر الكثير لعظمه إلا إنه تضيق عن شخصك نواحيها. لأنك تشمل الزمن، وتعلو زحل.
وقوله:
وتقصرُ في جوفهاوتركزُ فيها القنا الذبل
فهذا كله إيضاح لما مضى.
قال الشيخ أبو الفتح في هذا البيت: إنما خص الذبل بالطول، لأنها لا تذبل حتى تطول. وهذه دعوى منه، فما بين الذبول والطول مشاركة. والذبول قد يوجد في غير الطويل. اللهم إلا أن تكون هذه الدعوى مسموعة، أو مقترنة ببيان غفل عنه.
والذي عندي إنه لم يأت بالذبل بل إلا للقافية، ولأنها لفظة من صفات القنا، وأقام بها الوزن والقافية. ولو كانت على النون لقال: اللدن، أو على الياء لقال: القنا الخطى، إذ كانت هذه صفات الرماح، يؤتى معها بها ولا تنفرد عنها في الأغلب.
وقوله:
جعلتك بالقلب لي عدةلأنك باليد لا تجعل
قال الشيخ أبو الفتح أي أنت اكبر قدراً من أن تتصرف فيك
الجوارح وإنما تنال بالفكر، والاعتقاد. وهذا هو التفسير الذي لامحيص عنه.
وزعم بعضهم إنه يريد بالقلب قلب الجيش وباليد جناحه. لأن جناحي الطائر يداه. قال ذلك لأنه تقدمه بقوله:
وَمَلمُومَةٌ زردٌ ثوبُهاولكنّه بالقنا مُخملُ
يُفاجئ جيشاً بها حَينُهُوَيُندرُ جيشاً بها القَسطلُ
قال الشيخ أبو الفتح: يحتاج لقوله: وملمومة إلى خبر. وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة خبرها. فأما التأويل فطريقه واسع. وإذا تركت الجدد فالتمحل غير متعذر. وأما قوله: وملمومة فليس بابتداء كما زعم. وإنما هو عطف على قوله:
وهم يمنون ما يشتهونومن دونه جدك المقبل
وملومة من شأنها وصفتها. فرفعها على العطف على الجد المرفوع فإذا ما تأولنا هذا البيت كما اقترح هذا المقترح فما فائدة المتنبي في قوله: جعلتك لي عدة في قلب هذه الملومة. أتراه زعيم هذا الجيش وقائده، وسيف الدولة عدة له فيه. أم غرضه في قوله: لي وأبو الطيب في هذا الجيش أحد الحاشية والنظارة فضلا عن أن يكون من الجند.
وقوله:
فإن طبعت قبلك المرهفاتفانك من قبلها المقصل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه إنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف كأنك أنت أول ما قطع. إذ لم ير قبلك مثلك.
وهذا كما قال. ويحتمل معنى أجود مما ذهب إليه. وهو إن يريد غناؤك قبل غنائه لولا قطعك لما قطع. كما قال البحتري:
ومال السيف الأبز غاد لزينةٍإذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وكما قال أبو الطيب:
ولكن إذا لم يحمل القلب كفَّهعلى حالةٍ لم يحمل الكفَّ ساعده
وكقوله:
إذا ضربت في الحرب بالسيف كفُهُتبينتَ أن السيف بالكف يضرب
وكقوله:
إذا الهند سوَّت بين سيفي كريهةفسيفك في كفٍ تزيل التساويا
وقوله:
أشكو النوى ولهم من عبرتي عجبكذاك كانت وما الشكوى سوى الكلل
وما صبابة مشتاق على أملمن اللقاء كمشتاق بلى أمل
معنيا هذين البيتين متصلان. وذاك إنه يقول لمن تعجب من كثرة عبراته مع النوى: لا تعجب، فهكذا كان بكاي وليس بيني وبينها بعد غير كلتها. ثم قال: وليس شوق من هو أمل للقاء حبيبته في الشدة كشوق من لا أمل له في لقائه. ويقول: لما كان البعد بيني وبينها الكلة كنت آمل لقاءها عن قرب. وكان بكاي هذا البكاء فكيف يكون الآن وما أمل لقاءها. ألا ترى إلى وجد القائل:
خليلين لا نرجو اللقاء ولا نرىخليلين ألا يرجوان التلاقيا
وقول الآخر:
كلانا يا أخي بحي ليلىبفي وفيك من ليلى التراب
ولقائل أن يقول: بل وجد من يرجو اللقاء اشد، وصبابته أقوى ألا ترى إلى قول القائل:
وأبرح ما يكون الشوق يوماًإذا دنت الديارُ من الديارِ
وإلى قول كثير:
وأني لأستأني ولولا طماعتيبعزة لالتفت عليّ سرائري
وشانت رجالا من بنيَّ وحمحمتوجوه رجال من بني الأصاغر
ألا تراه إنه بقي وجده لطمعه فيها. ولو لم يطمع لتزوج غيرها. وقد قال الشاعر:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوىفبالناش تسلو عنك لا بالتجلد
وقول الآخر:
فإن أك عن ليلى سلوت فإنماتسليت عن يأس ولم أسل عن صب
فهذا ضد ما أشار إليه أبو الطيب. فالجواب إن المذهبين صحيحان. ولكل واحد منهما وجه. وذلك أن من أمل اللقاء تشوقت إليه نفسه وعجلت وتمنت فاشتد الشوق. ومن يئس ازدحم الأسف واجتمع فقوى الوجد. فأما اليأس فمع شدة الوجد يؤدي إلى السلو. وأما الطمع فلا يؤدي إلى السلو، بل يبقى ويزداد. فاليأس متلف، ولأجله يقول القائل:
تصدون عمن لو تيقن إنهصدود انقطاع منكم لتقطعا
والطمع مستديم ولأجله يقول البحتري:
أرجم في ليلى الظنون وأرتجيأواخر حب أخلفته أوائله
وفي الجملة أن الوجد مع الطمع أسكن وأرفق لقول القائل:
وأني لأرضى منك يا مي بالذيلو أيقنه الواشي لقرت بلابله
بلا وبان لا أستطيع وبالمنىوبالوعد بعد الوعد قد مل أمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضيأواخره لا تلتقي أوائله
وقوله:
وقد أراني الشباب الروح في بدنيوقد أراني المشيب الروح في بدلي
قال الشيخ أبو الفتح: أي في غيري. يقول كان نفسه فارقته في المشيب.
هذا تفسير غير مستقصى، ولا دال على مغزى. وما الفائدة في أن يرى أبو
الطيب عند المشيب الروح في غيره. فقد كان يرى الروح في شبابه أيضاً في غيره.
والبدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده. لأنه
كأنه بدل الإنسان، إذا كان يشب أو أن شيخوخة الأب، ثم يرثه، ويكون كأنه بدله في ماله وبدنه يدل على ذلك قول الأول:
شب بنيَّ فصار مثلييلبس ما قد نضوت عني
فسرني ما رأيت منهوساءني ما رأيت مني
والروح يعني به روح نفسه. لا الجنس كما قال:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبهاعجوزاً ومن يحبب عجوزاً بفند
يريد قلب نفسه. وهذا باب مغروف كبير.
وقوله:
تمسى الأماني صرعى دون مبلغهفما يقول لشيء ليت ذلك لي
يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال. فما يتمنى شيئاً. لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه. وكأن في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قاتل الله الطلول البوالياوقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تنالهإذا ما حلا في العين يا ليت ذا ليا
ومثل قوله أيضاً:
يا من يسير وحكم الناظرين لهفيما يراه وحكم القلب في الجذل
وتمنى الشيء عجز وقصور والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
وقوله:
فالعرب منه مع الكدري طائرةوالروم طائرة منه مع الحجل
ومال الفرار إلى الأجبال من أسدتمسي النعام به في معقل الوعل
فسر الشيخ أبو الفتح بكلام طويل، ثم لم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل. وهذا ما يسأل عنه. وإنما قال ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، ولاقطا بالروم. وكذلك الحجل يكثر في بلاد الروم ويقل في بلاد العرب يقول: العرب والروم تقاوم سيف الدولة. فالعرب هاربة منه مع القطا في البراري والقفار. والروم هاربة منه في الجبال مع الحجل. لأن بلادهم جبال. ولأجل ذلك قالت العرب في أسجاعها: قالت الحجل للقطاة: اقطي قطا. بيضك ثنتان وبيضي ثلثا. فقالت لها القطاة: احجلي حجل تفري في الجبال من خشية الرجل. وهذا المعنى في بيت أبي الطيب مثل قوله أيضاً في قصيدته الدالية:
تسأل أهل الجبال عن ملكوقد مسخته نعامة شارد
وذلك أن وهشوذان هرب من عضد الدولة في البراري والقفار. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام الهاربة في القفار مثلا. وقد أتى بمثل المعنى في هذه القصيدة بقوله:
فكلما حَلَمت عذراء عندهم
وذلك لأن الروم لا ابل في بلادها يقول: فكما حلمت عذراء في بلادهم رأت الجمال ورأت السبي مما استكن خوفك في قلوبهم فما ترى العذراء إلا السبي وإلا الجمل. وإنما هو معنى قول القائل:
وعلى عدوك يا ابن عم محمدرصدان ضوء الشمس والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفاسلت عليه سيوفها الأحلام
ثم أتى بمثل هذا المعنى في البيت الذي يليه لأن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعد الوعول. فيعني بالنعام خيله على التشبيه بها في سرعة العدو وطول الساق يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم كما قال في البيت الآخر:
تظن فراخ الفتح أنك زرتهاباماتها وهي العتاق الصلادم
وقوله:
ما كان نومي إلا فوق معرفتيبأن رأيك لا يؤتى من الزلل
أي ما سكنت نفسي فنمت إلا بعد معرفتي أنك لا تؤتي من زلل. يقول: أنت موفق فيما تراه، وتدبره فاستعار وجعل المعرفة بمنزلة الحشية يضطجع من ينام فوقها. ولو تأولت في قول الشاعر:
سقى الله عيشاً لم أبت فيه ليلهمن الدهر إلا من حبيب على وعد
هذا التأويل لكان حسناً. لأن (على) تتضمن معنى (فوق) على أن تجعل (مع) كقول عمر ابن أبي ربيعة:
على أنني قد قلت يا مي قولةلها والعتاق والارحبية تزجر
يريد: مع أني قد قلت. قال الشيخ أبو الفتح: أي ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك. وقد أجاد فيما قال. لأن هذه القصيدة اعتذار من معتبة كانت منه. إلا تراه يقول فيها:
لعل عتبك محمود عواقبهفربما صحت الأجسام بالعلل
لعل عتبك محمود عواقبهفربما صحت الأجسام بالعلل
يقول: لعلني أتأدب بعد عفوك عني هذه الكره. كما إن الرجل قد يعتل اعتلالا يكون له أماناً من أدواء غيرها كمرض شارب الدواء، والفتور الذي يناله، ثم تعقبه صحة من كبير الخطر وكالزكام تأمن به أدواء كثيرة من أدواء الرأس. وكضرب المؤدب الغلام يتأدب به به، ونزع عن كثير من المناكير. إلا أن الشيخ أبا الفتح خلط بعد ذلك بكلام لا أفهمه. قال: ولو كان هذا في غير سيف الدولة لجوزت بأن يكون قد طواه على هجاء، لأنه يمكن قلبه. وأي هجاء في أن يقول أبو الطيب وقد عتب عليه سيف الدولة ما أخذني النوم مع عتبك إلا ثقة مني بحلمك ولزوم التوفيق رأيك. وعلمي بأنك لا تعجل عليّ. ولا ترهقني بالعقوبة أو
كيف يمكن قلب هذا المعنى هجاء.
وقوله:
شديد البعد من شرب الشَّمولِترنج الهندَ أو طلع النخيل
قال الشيخ أبو الفتح: رفع شديد البعد لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: أنت شديد البعد. ورفع ترنج الهند بالابتداء. كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند. إلا إنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمر. كما تقول إذا رأيت الرجل قد سدد سهمه: سمعت صوت القرطاس والله أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفر خير مقدم فتنصبه. لأنك تريد: قدمت خير مقدم. فيجوز إضمار هذا كله. لأن في الحال دليلا عليه في كلام أتبع به هذا الفصل طويل لا فائدة في اقتصاصه. والأمر في جواز الحذف فيما ذكر على ما حكى.
أي أن هذا البيت لا حاجة به إلى هذا التعسف والتمحل العظيمين البعيدين عن كل خاطر. وإنما ترنج الهند مبتدأ. وشديد البعد خبره (قدم الخبر على المبتدأ. وإن شئت كان شديد البعد مبتدأ وترنج الهند خبر) إذ كان كلاهما معروفين أيهما كان المبتدأ جاز. والمعنى مفهوم إذا قلت: ترنج الهند شديد البعد من شرب الخمر. وإن شئت كان ترنج الهند خبر ابتداء محذوف. كأنه يقول: هذا الاترج. وخبر المبتدأ شديد البعد.
وإنما في هذا البيت أمران مما يبعده على الخواطر غير ما ذهب إليه
الشيخ أبو الفتح. والخطب في كليهما سهل. فأحدهما إنه حذف من الكلام ما تدل عليه الحال وذاك إنه يريد شديد البعد من شرب الخمر ترنج الهند عندك وإذا حضرك. وحذف الظروف إذا دل عليها الكلام كثير. وأيضا فإن الألف واللام في ترنج الهند يغني عن هذا الشرح. وقد مضى مثل هذا في هذا الكتاب ألا ترى إلى قول القائل:
أبى القلب إلا أم عمر... الخ
يريد: أبى قلبي، فأغناه الألف واللام ومعرفة المخاطب عن ذكره قلب نفسه. وهذا باب لا يستقصى في هذا المكان. فكأن أبا الطيب يريد: ترنج الهند هذا الحاضر الذي يعرفه المخاطب.
والثاني قوله من شرب الخمر. وما كلف الشيخ أبا الفتح إيراد هذا الكلام الطويل، وتسنم هذه العقاب الشاقة من النحو في طلب المعنى غير هذا. ولو أنعم النظر لما عزب عنه هذا المقدار. ولكن ارتكب تفسيراً فسح له في ميدان الإعراب فركض فيه، ولم يلتفت إلى ما وراءه. وأنت تقول: أعجبني دق الثوب. وإن الدابة قضمت الشعير، وإنك أنت سمعت الخبر. فأضفت المصدر إلى المفعول. فإذا كان هذا جائز، جاز أن تقول: ترنج الهند بعيد عن شرب الخمر. يريد يشرب الناس عليه الخمر. كما إنك لو قلت: دار زيد بعيدة عن أكل الطعام لكان كلاماً جيداً ومعنى مفهوم وعلم أنك تريد عن أكل الناس الطعام فيها. وأيضاً فليس المحذوف مع هذا الشرح إلا قولك (عليه). إذ لو تأتي له الوزن أن
يقول: شديد البعد من شرب الشمول، عليه ترنج الهند لفهمه، وازداد المعنى وضوحاً. وحروف الظروف حذفها أكثر من أن يحصى ويشرح وتكرر هنا. وأيضا فأي حاجة ماسة إلى قولك عندك أو بحضورك وقد أتى بعده:
ولكن كل شيء فيه طيبلديك من الدقيق إلى الجليل
ألا تراه قد دلك لقوله لديك. على أن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك لشرب عليه. ولكن كل شيء فيه طيب يحضرك ويكون عندك.
وقوله:
لياليّ بعد الظاعنين شكولُطوالٌ وليلُ العاشقين طويل
شكول أي متشابهة. فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان.
فإن كان صيفاً قصرت. وإن كان شتاء طالت. غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني فامتناع نومي كقول القائل:
ما أطول الليل على من لم ينم
ويجوز أن يكون الغرض في مشاكلة بعضها بعضاً. إنها ليست مما
ينام في بعضها، أو يجد فيها روحاً. إذ كانت المدة الطويلة مما تُسلى كقول القائل:
إذا ما شئت أن تسلى حبيباًفأكثر دونه عدد الليالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
ما أحدث النائي المفرق بينناسلوا ولا طول اجتماع تلاقيا
يقول: فليالي وإن كثرت فما تتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها. بل قد دلت في الطول على حالة واحدة.
وقوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكمفلا برحتني روضة وقبول
قد كرر أبو الفتح استجادة هذا البيت في كتابه الفسر حتى غلا فيه، وأبعد المرمى في التقريط والرضى. لكنه لما بلغ التفسير قصر قال: أي إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولا انجذاباً إلى هواكم، ومصيراً إلى ما تؤثرونه ويكون سبب الدنو منكم. ثم جعل الاسم نكرة، والخبر معرفة لأجل القافية.
قلنا ما الحاجة بابي الطيب إلى أن يجعل الخبر معرفة والاسم نكرة مع امتناع النحويين من إجازة ذلك إلا في الشاذ النادر. ومعنى البيت يحصل من غير هذا التمحل. وليس برح هاهنا من أخوات كان، مثل ما برح زيد مصلياً. وإنما هو من برح أي زال. تقول: برح الخفاء أي زال. وما برحت من المكان أي ما زلت تقول: فلا برحتني روضة، فلا فارقتني.
هذا ما فسره الشيخ أبو الفتح. على أن الأولى عندي أن يكون يعني إذا بعدتم عني وحيل بيني وبينكم فلا أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه. (وهذا المذهب متعارف عندهم) في الرضى بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرّ عيني وهي نازحةما لا يُقر بعين ذي الحلم
أني أرى وأظن أن سترىوضح النهار وعالي النجم
وقول القائل:
إذا هب علوي الرياح رأيتنيكأني لعلوي الرياح نسيب
فأما أن تكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما المعنى قول الله تعالى: فلما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف
لولا أن تفندون.
فأما أن يكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما أراه ينفع أبا الطيب، ولا يسر الظاعنين وأيضا فللظاعنين غير شم الروح ملاذ كثيرة، ولهم في غير منادح. وبعد فمعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يذكرنا ريا الأحبة كلماتنفس في جنح من الليل بارد
وقوله:
لقيت بدرب القُلّة الفجر لقيهشفت كمدي والليل فيه قتيل
ويوماً كأن الحسن فيه علامةبعثت بها والشمس منك رسول
وما قبل سيف الدولة آثار عاشقولا طلبت عند الظلام ذحول
لعمري أن القصيدة منها مثل هذه لحقيقة ألا يستجاد منها قوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكمفلا برحتني روضة وقبول
بل يعد تابعاً، وللأبيات تكثيراً. وقد أتى لها الشيخ أبو الفتح بتفاسير غير شافية
وكأنه لم ينتبه لمواضع الصنعة منها. إذ أرسل الكلام إرسالا، فلم يأت فيه بدقائقه. ومثلها ما يدل على حذق الشاعر بالصنعة، وتأييد الطبع القوى له قوله:
شقت كمدى، لأنه يوم ظفر الممدوح فيه بالروم. ولما كان الليل انتظر فيه ما يسر به فطال عليه جعله قتيلا عند الصباح. ويحسن ذلك لما يرى من حمرة الشفق فكأنه دم قتيل. وأنشدني الشيخ أبو العلاء المعري لنفسه. وما قصد غير هذا المقصد:
وعلى الأرض من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرانوفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشرمستعدياً إلى الرحمان
ثم جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس كأنها رسول منها بسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم. وهو مع ذلك يريد أن يجعل هذا مخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة. فقال: لم يثأر قبل سيف الدولة عاشق، وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته. يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. فأي مزية من حسن الصنعة ترك هذا الفاضل، أم أي إحسان وإجادة.
ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أيضاً إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت ﵈، إلا أن السبق له، ولا زيادة فيما قاله علي أبي الطيب وأما قوله بعدها:
وما قبلَ سيف الدولة آثار عاشقٌولا طلبت عند الظلام ذحول
فإنه يقول إنه يعني سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم فأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل ونال ثأر العشاق منه.
ولو قال قائل: إنه عنى بالفجر في البيت الأول النار، شبهها بالفجر كان ذلك
صواباً ليتفق التفسيران. والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء المعري.
وقوله:
وأكبر منه همة بعثت بهإليك العدى واستنظرته الجحافل
سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له وكان هاجساً هجس ساقي الخلد. اكبر هنا من باب افعل من كذا. وليس بفعل رباعي. والهاء في منه راجعة إلى نفسه. وكأنه لو تمكن لقال: واكبر من جئته أو جسمه همة فاستغرب هذا وأخذ يمانع. فقلت الست تقول: زيد فأعدا أحسن منه قائما. والضمير في منه راجع في نفسه، فقال نعم قلت: وما يمنعك من أن تكون أكبر منه همة. والهاء منه راجعة إلى نفسه. يريد: ورب رجل أعظم من جسمه همة، ففزع إلى كتاب الفسر: وقد ذكر الشيخ أبو الفتح إن أكبر فعل فقال أي العدى همة التي بعثت به إليك، أي استعظموها وسألته الجحافل أن ينظرها بما شغل به سيف الدولة عنهم. ومحتمل التفسيرين محتمل جيد، ولا مزية لأحدهما على الآخر. ويحتمل معنى ثالثا. وهو أن تكون الهاء في منه ضمير لرسول فقد تقدمه:
وأني أهتدي هذا الرسول بأرضهوما سكنت مذ سرت فيها القساطل
يريد ورب اكبر من هذا الرسول همة بعثت إليك الروم:
فأقبل من أصحابه وهو مرسلوعاد إلى أصحابه وهو عاذل
يقول: ورب رسول أجل من هذا الرسول قد جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم هو يعذلهم، عداوتهم لك. ويجل قدرك في عيونهم أن تعادي.
وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين. لان المعنى الذي أورده الشيخ أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قد قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام بما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل. فلما قال: واستنظرته كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ. اللهم إلا أن يقول: هذا
متعلق بقوله: بعثت به، واستنظرته فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى، وأدى المعنى الذي أراد. على إنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المتطرد كالمتمحل.
وقوله:
تدبر شرق الأرض والغرب كفهوليس لها وقتاً عن المجد شاغل
قال الشيخ أبو الفتح: نصب وقتاً لأنه ظرف لشاغل كأنه قال:
وليس لها شاغل عن المجد وقتاً فما فوقه. والذي رويناه وقت بالرفع. ووقت اسم ليس، وشاغل صفة له. وليس يمنع ما رواه أبو الفتح. وفيما رويناه معنى لطيف ليس يؤديه اللفظ إذا نصب الوقت. وذلك إنه يريد لهذه الكف الشرق والغرب وما تحويانه مع عظمه وليس له وقت يشغلها عن المجد مع صغرها لأن كفاً تملك الأرض شرقاً وغرباً كانت بان تملك ما هو أصغر منهما. وإذا نصب وقتاُ كان شاغل مؤدياً لما أشرت إليه إلا إنه يبقى وقتاً كالفضلة التي لو سكت عنها جاز. فأنعم النظر برفق يتضح لك ما ذكرت.
وقوله:
أجدَ الحزن فيكَ حفظاً وعقلاًوأراهُ في الخلق ذعراً وجهلا
لكَ ألف يجره وإذا ماكرم الأصل كان للألف أصل
يريد: أنت إذا حزنت على هالك فإنما حزنت حفاظاً منك على وده وصحبته، ووفاء له. لأن الحفاظ والوفاء مما يدعو إليه العقل. وغيرك بحزن ذعراً أي خوفاً. أي خوفاً من ألم الفراق، وجبناً منه. وجهلا من غير معرفة بالسبب الموجب للحزن. ثم فسر هذه الجملة فقال: للألف، وهو مصدر ألفه والألفة. يقال ألفه ألفاً. وقد قرئ لإيلاف قريش الفهم. وليس الإلف هاهنا بالأليف. يقول فالإلف تابع لكرم الأصل. والإلف هو الذي جر الحزن عليك أي جناه. يقال جررت على
فلان جريرة أي جنيتها.
قال زهير:
لعمرك ما جرت عليهم رماحهمدم ابن نهيك أو قتيل المثلم
يقول: إذا كرم الأصل كان كأنه أصل الإلف. يريد إذا كرم الأصل كان للإلف نسيباً للأصيل، ومشاركاً له في اصله، إذ كان موجوداً معه. وقد أتى بمثله في البيت الذي يليه فقال:
ووفاء نبتَّ فيه ولكنلم يزل للوفاء أهلك أهلا
يقول: الإلف، والوفاء من أصلك، وفي أهل بيتك. يقول أنت نبت في الوفاء فكان حظك منه في الأكثر. ولكن أهلك كلهم أهل وفاء. فهذا معنى قوله ولكن الشيخ أبا الفتح قال: قوله: نجره أي تصحبه، ويتحمل ثقله. وهذا وإن كان محتملا فالذي ذكرناه أولى، لأنه حقيقة وهذا مجاز.
وقوله:
قاسمتك المنون شخصين جوراًجعل القسم نفسه فيه عدلا
كانت أخته الصغيرة مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة. وبقيت
الكبيرة ثم ماتت فقال فيها:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهماوعاش درهما المفدى بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركهأنا لنفعل والأيام في الطلب
يقول: قاسمتك المنون هاتين الأختين ظلماً منها في هذه المقاسمة وجوراً وأخذا لما ليس تحقه. إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا. لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة. فكانت هذه المصيبة جورا من المنون. إلا أن القسمة عدلت نفسها بأن أبقت الكبيرة، وأخذت الصغيرة.
وفيه الهاء راجعة إلى الجور. وقد زعم الشيخ أبو الفتح إنه يجوز فيك بالكاف
وقال: يعني به جار في فعله. إلا إنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل.
وعندي إن هذه الرواية مضطربة. لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال: قاسمتك. بل كان يقول: قاسمتنا. وكان أيضاً لا يقول: شخصين بل كان يقول: ثلاثة شخوص. أحدها سيف الدولة. والآخران أختاه ولئن أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح فقد قطع ابتداء المعنى واطراده وأدخل فيه ما ليس فيه.
وقوله:
وهو الضارب الكتيبة والطعنةتغلو والضرب أغلى وأغلى
وهذا كقوله:
ولتمض حيث لا يجد الرمحمداراً ولا الحصان مجالا
ولم يفسره الشيخ أبو الفتح بقليل من كلامه، ولا كثير. وقد يسأل فيقال: إذا اشتد الزحام فصعبت المطاعنة فالمضاربة قد تمكن عند ذاك لقصر السيوف وطول الرماح فما معنى قوله: والضرب أغلا وأغلا. كان يجب أن يقول: والضرب يغلو أو الطعن أغلى وأغلى. لأنه إذا لم يكن الضرب بالسيف، وهو قصير، فالطعن بالرمح مع طوله اشد تعذرا.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع