من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)
الفتح على أبي الفتح (٢)
ألا تراه حين تجنب السخرية كيف راق كلامه وجاد وصفه.
وقوله:
لا يحزن الله الأمير فإننيلآخذ من حالاته بنصيب
هذا البيت ظاهر اللفظ والمعنى. وإنما حملني على إيراده أني قرأت أوراقاً سميت (بمساوئ المتنبي) أنشأها الصاحب كافي الكفاة قد ارتكب فيها شيئاً من المزح عجباً ليس من
طريقة العلم، ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة، وبذخ الولاية. ولعمري إنه لو لم يرو عنه هذا الكتاب لكان أجمل بمثله. إذ كان لم بتعد فيه غير الهزء الفارغ، والكلام اللغو. حتى إنه ما يكاد ينتقص شيئاً من الأبيات التي نقمها على أبي
الطيب بما تفيد معرفة مخطئاً فيه أو مصيباً، إلا مواضع يسيرة كأنها عثار منه بالجد لا عمد. فغلط فيها ودل على إنه لم يفهم ما ورده، ولم يحط علماً بما كرهه.
وهذه الرسالة عملها في صباه. والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد الخير له بكتمانها عليه. فمن الأبيات التي ردّها هذا البيت. يقول: ولا ندري لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا اخذ بنصيب من القلق. أترى هذه التسلية أحسن عند أمته أم قول أوس:
أيتها النفس اجملي جزعاإن الذي تحذرين قد وقعا
وهنا أخطأ في موضعين:
أحدهما إنه ظن إنه يقول: كلما حزن الأمير حزنت فقط. فظن أن (يحزن) رفع لأنه أخبار. ولولا ظنه ذلك لما استفهم فقال لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا اخذ أبو الطيب بنصيب من القلق. وهذا خطأ. (ويحزن) جزم، والنون مكسورة لالتقاء الساكنين. وه دعاء. كما تقول: لا يمت زيد، ولا تشلل يدك. فيقول: لا أصابك الله بحزن فأني أحزن إذا حزنت. كأنه يقول: لا حزنني الله. وسائغ في الدعاء متعارف أن يقال: لا حزنني الله، ولا نالني بحزن. غير منكر ولا مبغي عليه. ولو كان كما ظنه لم يكن من كلام العقلاء أن يقال. لا يحزن الله زيداً فإنني مشاركه، لأن كونه مشاركاً لزيد لا يكون سبباً لأن يصرف الله الحزن عن زيد. لأنه كلام محال ولا ريب إن من يظن هذا بهذا البيت يقول ما قاله الصاحب لكن (الصواب) بخلافه.
والغلط الثاني إنه قال: أترى هذه التسلية أحسن أم قول أوس. وإن هذا البيت ليس بتسلية وإنما هو دعاء للممدوح. وليحسب إنه على ما ظن قائل هذا القول، فكيف تكون تسلية أخباره إن الله تعالى
لا يحزن لسيف الدولة لأن المتنبي شريكه فهذا ظاهر. وترك الدلالة على هذه الزلة غير سائغ مع ما قصدنا له من الدلالة على
غامض أبيات هذا الفاضل. والله المعين.
وقوله:
ومَنْ سَر أهل الأرض ثم بكى أسَىًبكى بعيون سَرهَّا وقلوب
سرهم أي أسدى إليهم ما يسرون به. فإذا بكى ساعدته تلك العيون والقلوب التي كان سرها فبكيت ببكائه. وهذا مأخوذ من قول يزيد ابن محمد المهلبي:
أشركتمونا جميعاً في سروركمفلهونُا إذ حزنتم غيرُ إنصاف
وقد قصر أبو الطيب في صنعه هذا البيت. وذاك إنه قال: (أهل الأرض) فعم بهذا القول. ثم قال: بكى بعيون. فنكر وخص. ولو قال: بكى بالعيون التي سرها والقلوب لكان أجود لتكون عيون أهل الأرض كلها وقلوبهم مساعدة له على البكاء، وكان أظهر للمعنى إلا أن الوزن لم يساعد. ولو قال من سر قوماً لكان قد استوفى المعنى ولم يختل اللفظ. وهو دقيق فتأمله.
وقوله:
ولولا أيادي الدهر في الجمع بينناغفلنا فلم نشعر له بذُنُوبِ
كأنه يعتذر للدهر يقول: وإن كان يسيء في وقت، فقد أحسن في وقت. فلولا إنه جمع بيننا فأولانا هذه المنة لكنّا لا نعد عليه ذنباً بتفريقه شملنا. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى وفيما هو قريب منه قول أبي تمام:
والحادثات وإن أصابك بؤسهافهو الذي أنباك كيف نعيمها
وكأن قوله:
ونَذَيمُهُم وبهم عرفنا قدرهوبضدها تتبين الأشياء
من هذا الباب أيضاً إلا أن في البيت الأول فضلا وهو نفحه عن الدهر، وتصويبه لما أتاه وعذل من يذمه على إساءته بعد إحسانه. وليس في قوله: ونذيمهم وبهم عرفنا فضله. غير إنه يقول:
أظهر حسن فضائله قبح أخلاق اللئام إذا قربوا إليه. وبيانه في قول البحتري:
وقد زادها إفراط حسُنِ جوارُهاخلائق إصغارٍ من المجد خيّب
وحسن دراريّ الكواكب أن تُرىطوالع في داجٍ من الليل غيهب
وفي قول أبي تمام:
وليس يعرفُ الوصل صاحُبُهحتى يصاب بنأي أو بهجراني
وقوله:
قد علمت ما رزئت إنمايعرف فقد الشمس عند المغيب
وقوله:
سمجت ونبّهنا على استسماجهاما حولها من نَضْرةِ وجمال
وكذاك لم تفرط كآبة عاطلٍحتى يجاورها الزمان بحال
وقوله:
بين البين فقدها قلما تعرف فقد الشموس حتى تغيبا
وقد فسر هذا المعنى بالبيت الذي يليه إلا إنه عاد مستقبحاً لفعل الدهر، وذاماً له بعد ما نفح عنه وبعد ما ذكر إن له عذراً وأياديا عندنا فقال:
وللترك للإحسان خيرٌ لمحسنٍإذا جعل الإحسانُ غيرَ ربيب
وفي الأوراق المنسوبة إلى الصاحب تهزؤ بهذا البيت مستطرف قال: ومن تعقيده الذي لا يشق غباره، ولا تدرك آثاره قوله: وللترك للإحسان البيت. وما أشك أن هذا البيت أرفع عند أمته من قول حبيب:
وقلت للحادثات استنبطي نفقاًفقد أظلك إحسان بن حَسّانِ
ولا أدري أمن قوله: بتعقيده الذي لا يشق غباره أتعجب، أم من تشبيهه هذا البيت بيت أبي تمام. وكلا الأمرين عجيب.
أما زعمه إنه قد عقد فوجه التعقيد ما لا نعلمه. فإنه لم يقدم لفظه، ولا أخر أخرى
عن موضعها، ولا غرب في المعنى، ولا في اللفظ، وإنما قال: ترك الإحسان خير لمحسنٍ إذا لم يرب إحسانه. ألا ترانا حين فككنا النظم، وجعلناه نثراً أتينا بمثل لفظه سواء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير. فليت شعري أين التعقيد. وأما قوله: (ما أشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من بيت حبيب) فلا أعلم ما التجاور بينهما والتشارك. ولعله رأى إشراكهما في لفظة الإحسان تشابهاً. وحبيب يقول: قل للحادثات جدي في الهرب واتخذي نفقاً في الأرض فقد أظلك إحسان هذا الممدوح وهو يعفي على آثارك.
فليت شعري ما هذا المعنى من المعنى الأول. والسلامة من هذا القول أسلم لكل لبيب. وهذا البيت مثل قوله:
أبدا يسترد ما تهب الدنيافيا ليت جُودُهُا كان بخلا
وكفت كون فرحة تورث الهمَّخل يغادر الوجد خلا
وقوله:
أشد الغم عندي في سرورٍتيقن عنه صاحبه انتقالا
وقوله:
إذا استقبلت نفس الكريم مُصابهابخبث ثنت فاستدبرته بطيب
وللواجد المكروب من زفراتهسكون عزاء أو سكون لغوب
أراد بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر. أي إذا جزع الكريم لمصيبة في أولها راجع أمره فعاد إلى الصبر والتسليم لله تعالى. ولفظ البيت مستهجن إذ أقام الخبث مقام الجزع، ولم يتقدمه ما يوحيه ويفهمه. وإنما أراد بذلك قول الناس: خبثت نفسي لهذا الأمر، قال أبو علي الحاتمي: أخذه من قول أرسطاليس. من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الإنسان لم يحزن لورود الفجائع. إلا أن قول ارستطاليس تسلية وهداية إلى طريق العقل. وقول أبي الطيب يريد به إن الكريم
مراجع لعقله صبور
على عزائه، مغتفر للعظائم. وهذا معنى مطروق كثيراً لا يفتقر فيه إلى أحد. وفي البيت الذي يليه تبيان لما أراد وإنما هو معنى قول أبي تمام:
أتصبر للجلى عزاء وحسبهفتؤجر أو تسلو سُلُوَّ البهائم
وقال محمود الوراق:
إذا أنت لم تصبر عزاء وحسبةصبرت على الأيام صبر البهائم
وإلى هذا أشار بقوله:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكُمُثم استمرّ مريري وارعوى الوسن
وقوله:
ذكرت به وصلاً كأن لم أفز بهِوعيشاً كأني كنتُ أقطعُهُ وَثبا
أراد بالمصراعين جميعاً قصر زمان الوصل. فأما المصراع الأول
فإنه يقول: كأنه لم يكن لقصره. كما قال عبد الصمد بن المعذل
شبابٌ كأن لم يَكنوشيب كأن لم يزل
وأما المصراع الثاني فيقول: كأن قصر أوقات كل نعمة فيه قصر وقت الوثب فكأن كل زيارة من الحبيب وثبة، وكل ساعة من اللقاء وثبة، وكل يوم من الاجتماع وثبة ولعمري لئن كان قول القائل:
ويوم كإبهام القطاة مزينإليّ صباه غالب لي باطله
أجاد. والقائل
ظللنا عند دار أبي نعيمٍبيوم مثل سالفه الذباب
بالغ. فالوثب في هذا المعنى الذي قصده أبو الطيب أبلغ وأحسن. وقد وقع في هذا البيت سهو على القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فإنه ذكره في كتابه المرسوم بالوساطة فادعى إنه أخذه من الهذلي حيث يقول:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
قال أخذه منه فجعل أبو الطيب السعي وثباً. وقد ملّح في اللفظ هذا قول القاضي ﵀ وهو عجب منه، مع علمه بالشعر، وغوصه إلى المعاني الدقيقة، وكونه من النقد في الذروة العليا. وإذا زل الشيخ أبو الفتح في معنى بيت عذرناه لكونه عن صناعة الشعر بمعزل فأما القاضي أبو الحسن فلا عذر له، وإنما جناية العجلة، وحاشا لله أن ادعى الفضل على تلاميذهما فكيف عليهما. ولعل السهو أن يتفق عليّ في كثير مما أظنني أحرزت أطرافه من هذا الكتاب فضلا عما سواء إلا أن الدلالة على السهر واجبة. وتجنب موقف النعي على من به اقتديت مما أعوذ بالله منه، وبحوله وقوته استعصم، وه حسبي ونعم الوكيل.
فأقول: إن الهذلي لم يرد بالسعي المشي الصريح فجعله أبو الفتح وثباً وإنما أراد من قوله: سعيت بفلان إلى الأمير سعياً وسعاية، ولعمري إن السعاية أشهر في مصادر هذا الفعل إلا أن السعي القياس الذي لا محيد عنه، ويضطرنا إلى ذلك إن معنى البيت لا يتم، وغرض قائله لا يحصل
إلا بما ذكرناه. يقول: لم يزل الدهر يسعى بي إليها، ويسعى بالمكروه بيننا. فلما انقضى ما بيننا بالفراق سكن الدهر من تلك السعاية. ألا ترى إنه إن أراد السعي الذي هو المشي لم يكن له معنى. وليكن ما ظنه القاضي أبو الحسن ﵀ سائغاً، ومشى الدهر بينهما من غير الفساد مسلما. وقوله على مضى الزمان على وصلهما فقط محمولا فما يصنع بقوله:
(فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر)
أترى الزمان لما وقع الفراق سكن عن المضي وملَّ الفلك من الدوران. والزمان إنما هو استمرار دورانه فلا مجاورة بين بيت الهذلي وبيت أبي الطيب إذن في شيء مما ذكرناه.
وقوله:
فَحُبُ الجبانِ النفس أورده التقىوحبُ الشجاعِ النفس أورده الحربا
وهذا البيت ظاهر المعنى، وإنما أوردناه ليدل على حسن نقله لهذا المعنى من كلام ارسطوطاليس النفس المتجوهرة تأبى مقارنة الذلة جداً. وترى مناها في ذلك حياتها والنفس الدنيئة بالضد من ذلك. وقد اكثر الشعراء في ذلك إلا أنهم لم يأتوا بالضدين في بيت كما أتى به. فأما الحصين بن الحمام المر فإنه أتى بمعنى النصف الأخير في قوله:
تأخرت استبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياة مثل أن أتقدما
وازداد تقصيراً أبو تمام إذ كرر معنى هذا المصراع الأخير في بيت بلفظين مختلفين فقال:
سلفوا يرون الذكر عقباً صالحاًومضوا يعدون الثناء خلوداً
والمصراعان معنى واحد بلفظين مختلفين.
والخنساء أيضاً عرضت لهذا المعنى الأخير دون الأول بقولها:
نهينُ النفوس وهون النفوسيوم الكريهة أبقى لها
وقوله:
فكيف أذمّ اليومَ ما كنتُ أشتهيوأدعوا بما أشكوه حين أجاب
يريد كيف أذم الشيب وكنت اشتهيه. وهذا بعد قوله:
منىً كنَ لي إن البياض خضابفيخفى بتبييض القرون شباب
وقوله: وأدعو بما أشكوه، من قولك: دعوت الله بكذا وكذا إذا سألته إياه وهو من قول الأول:
وعدوت ربي بالسلامة جاهداًليصحنّي فإذا السلامة داء
وإن شئت من قولك: دعوت بفلان إذا دعوته اليك، كقول عنترة:
دعوني دعوة والخيل تردىفما ادري باسمي أم كناني
يريد أني دعوت المشيب إلى نفسي. وأبو الطيب يقول كيف أدعو الله بما إذا أجبت إليه سلوته. يعني كيف أدعو الله بالمسيب ثم اكرهه.
وهذا من قول ابن الرومي:
هي الأعين النجل التي كنت تشتكيمواقعها في القلب والرأس اسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتهاوقد جعلت مرمى سواك تعمد
وإنما هذا بعد قوله: (منى كن لي) أي مشيبي هذا منى كن لي أي كنت أتمنى لما كنت شاباً أن يتأتى لي خضاب شبابي الأسود بالبياض فكيف اشتكى المشيب الآن، وقد بلغته. وإنما كان يتمناه لوقار الشيب وأبهته.
وقد زعم القاضي أبو الحسن أنه مأخوذ من قول العباس:
فما بكيت ليوم منك أسخطنيإلا بكيت عليه بعدما ذهبا
وقول الآخر:
ربّ يوم بكيت منه فلماصرت في غيره بكيت عليه
وهذان المعنيان بينهما بعد المشرقين كما ترى، أما (معنى) بيت المتنبي فما قد مضى القول فيه ومعنى البيتين اللذين زعم إنه أخذه منهما أني كنت أشكو من الحبيب أحوالا، وأنقم منه ذنوباً فلما صرت فيما هو أشد منهما من بعده عني، وفراقه لي صرت أبكي على تلك الأيام التي كنت أبكي منها لأنها كانت تهون مع قربه مني. ثم قال القاضي أيضاً وأخذه من قول عبد الله بن محمد المهلبي
زكم مدرك أمنية كان داؤهبإدراكها والغيب عنه محجب
وهذا لعمري معنى بيت المتنبي الذي قدمنا ذكره. وهذا أيضاً من جناية العجلة وهو بعد أجل من أن يخفى عليه لو تأمل.
وقوله:
وللخلود مني ساعة ثم بيننافلاة إلى غير اللقاء تجاب
قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: يقول: إنما اجتمع مع المرأة ساعة وباقي دهري للفلاة والمهامة. وترك شرح ما الناس إليه أحوج. وفي البيت خبء غامض نحب الدلالة عليه لئلا يتوهم سواه متوهم فيزل. قوله: تجاب ليس من الجواب. وكيف يكون منه وقد مضى في هذه القصيدة:
وأدعو بما أشكوه حين أجاب
فكيف يوطئ. وهو يتجنب في شعره تكرير اللفظة الواحدة في حشو البيت فضلاً عن القافية. فلا تكاد تجد له لفظة مكررة في بيتين من قصيدة واحدة إلا القليل النزر. بل لا يتجنب مثل ذلك الطائيان. ومن لم يتمرس بالشعر تمرسه. فدواوين جميع الفحول مملوءة من التكرير. ما خلا هذا الديوان الواحد فإن التكرير عنده مستشنع، وفي دينه مسترذل.
وقوله إلى غير اللقاء لا يريد الحرب. وإنما يريد إلى غير لقاء الخود يريد ثم بيننا فلاة تقطع إلى غير لقائها على العادة المتعالمة في قول الشعراء: لا وصل إلا أن تقربنا إليها الإبل وإلا أن نقطع إليها الفلوات. وهذا كثير. وأما إن ظن ظان إنه يريد لقاء الحرب كان ذلك خطأ وذلك إن مثله من الشجعان لا يدعي أن أجوب الفلوات إلى غير اللقاء ولغير الحرب. بل لم يجر للحرب هاهنا ذكر ولم يقتصها كلام فتأمله يتضح لك.
وقوله:
وأكثر ما تلقى أبا المسك بِذلَةًإذا لم تصن إلا الحديد ثياب
هذا البيت قد ذكرناه في كتاب (التجني). وقد سها الشيخ أبو الفتح فيه سهواً بيناً. قال في تفسيره: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهاراً فذاك الوقت أشد ما يكون تبدلا للضرب والطعن. وهذا أيضاً من جناية العجلة. ولو تثبت لم يعزب عنه هذا القدر. وما الحاجة بنا إلى هذا التعسف. بل ما الحاجة
بالأبطال إن تلبس الثياب فوق دروعها. وإنما يفعل ذلك من يحتال بحرب من يخشى حربه. إذ كان يكاتمه، أو يهم به، فهو يخشى ظهور أمرها فيستظهر لحرب من يدفع إذا دوفع. وإنما معنى البيت ما أقول: وهو إنه يريد إذا لم يصن البدن إلا الحديد ثياب فحذف البدن لعلم المخاطب به. يعني في الحال التي لا تصون الإنسان ثيابه من وخز الرماح، وضرب السيوف بل يحتاج إلى الحديد. فالحديد على هذا نصب لأنه استثناء مقدم على الفاعل فظن أبو الفتح إنه يقول: إذا لم تصن الثياب إلا الحديد فهلا خصم نفسه. وقال: تصون الثياب بدن لابسها أيضاً في الحال التي يظاهر بها على درعه فما معنى قوله: إذا لم تصن الثياب إلا الحديد فهذا ظاهر. ولعمري أن اللفظ مزلة والإنصاف يليه أيضاً ولو أوردنا جميع ما ذكرناه في كتابنا (التجني) لطال هذا
الكتاب. وإنما أوردنا هذا البيت لأن الشرط إيراد كل غلق. وهذا البيت منه.
وقوله:
وغرَّ الدُمُستُقَ قولُ العداةأن علياً ثقيل وَصَب
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، إلا أن القاضي أبا الحسن ذكر في كتاب الوساطة ما هو سهو عليه في هذا البيت. فأحببت الإبانة عنه. رواه: قول الوشاة ثم قال: عيب عليه هذا البيت. وقالوا جعل الأمراء يوشي بهم. وليس بسائغ أن يقال: وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته. ولو قيل ذلك في أميرين لكان قد قصر بالموشى به ثم قال: قال المحتج عن أبي الطيب: اصل الوشاية استخراج الحديث بالمسألة، كما يوشي الرجل جرى فرسه بتحريكه وهمزة. وقد يجوز أن تحمل الكلمة على اصلها ويجعل هؤلاء وشاة لما أتوه بهذا الخبر. والكلام هو الأول عندي. والعذر ضعيف. لعمري أن كل ما أورده بدءاً وعوداً ضعيف وذلك إنه غلط في الرواية فأخذ في التَّمحل لغلطه. وقد قرأت هذا الديوان تصحيحاً ورواية بالعراق على
علماء عدة. ورواة ذات كثرة فما وجدت أحداً يروي عنه هذه الرواية. وهذا ابن جني ما ضمن كتابة الفسر غير قول العداة. ولو أنا حرفنا الروايات عن وجوهها ثم أخذنا
نتمحل للمحال تفسيراً لما قدرنا عليه. والزيادة في الكلام مما لا حاجة إليه.
ومعنى البيت انك تأخرت عن نصرة أهل الثغور، وكان الدمُمستق مقيماً بها يحارب المسلمين، ويغره إن الأعداء يرجفون بأنك ثقيل البدن عليل.
وقوله:
سربٌ محاسنُهُ حرمتُ ذواتهاداني الصفات بُعيَد موصوفاتها
قوله: سربٌ هو خبر مبتدأ محذوف. كأنه يقول: هو أي سرب. أو سئولي ومرادي، أو ما أشبهه ومحاسنهُ مبتدأ ثان، خبره الجملة من قوله: حرمت ذواتها يعني حرمت ذوات محاسنها. وذوات محاسن السرب هي السرب بعينه أي حرمت وصال هذا السرب. وتقدير الكلام هو أي سرب حرمت ذوات محاسنه. وقوله:
داني الصفات بُعيَد موصوفاتها
صفاته دانية، لأنها ألفاظ هو قادر عليها متى شاء وصفها. إلا أن الموصوفات بعيدات عنه. وهنَّ السرب. وكأنه لاحظ قول القائل:
فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءهاقريب ولكن في تناولها بعد
وقد ألم بهذا المعنى إلا إنه غيَّره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري (أنشدنيه لنفسه):
قد يبعد الشيء من شئ يشابههإن السماء نظير الماء في الزورق
وقوله:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتهاأقواتُ وحشي كنَّ من اقواتها
يقول: رب جيش جعلته مثله قوت وحش، كانت خُلقت أقواتاً لتلك المقانب، يعني
قتلت الجيش. وتقدير الكلام، ورب مقانب تركتها إنه جيش يطارد الوحش ويصطادها ويتقوتها على عادة العرب في الافتخار بكثرة الطرد، كما قال أيضاً:
عليقي مراعيه وزادي ربده
أي زادي نعامة الربد. أي اصطادها فآكلها. وقد قال أيضاً في بيت آخر يصف جيشاً:
وذي لجب لأي الجناح أمَامهُبناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
يعني أن هذا الجيش لا يسلمن منه طائر ولا وحش، لأنه يصيده. وفي البيت سؤال وهو أن يقال: كيف يتقوت ما تتقوت الناس من الوحوش، وإنما يتقوت الناس أخابثها كالضبع والذئب والنمر وأشباهها. فالجواب إن العرب كانت إذا ظفرت بشيء مما سميناه أكلت من لحمه. ألا ترى إلى قول القائل:
فنِلتُ خسيساً منه ثم تركتُهُوأقلعتُ عنه وهو منعفِرٌ ورد
وهذا البيت من قصيدة للبحتري التي أولها:
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد
حكي بإسناد إنه سمع الأبيات منها في صفة الذئب من بدوي ينشدها لنفسه فنحلها وضمها هذه القصيدة. وأنت إذا ميزت القصيدة أيقنت أنها من نتاج خاطر غير خاطر البحتري. ولهى أظهر في أثناء القصيدة من دراري النجوم في الليل البهيم. وفيها يقول:
كلانا به ذئب يحدث نفسهبصاحبه والجد ينعشه الجد
فأخبر أني مثل الذئب أحدث نفسي بأكله كما يريد أكلي. وأيضاً فإن الجرذان واليرابيع آكل شيء للحوم القتلى. والعرب تأكلها لإخفاء بذلك من فعلها. ألم تسمع إلى الحكاية التي حكيت في أخبار الخلفاء آن الواثق لما أحضر دخل عليه ايناخ وهو أكبر من في الدولة ليعلم هل فاظ أم به رمق. فلما أقبل نظر إليه الواثق نظرة
من علم مراده فتراجع هبة منه طائر اللب حتى دخل نعل سيفه بين الحائط وباب البيت فسقط فاندق السيف. كل ذلك رعباً من نظر الواثق. فلما كان بعد ساعة، وقضى الواثق نحبه أفرد في بيت وشغلتهم بيعة الخلافة
فإذا الجرذ قد انتزع إحدى عينيه فأكلها فتعجب الناس من عين أصاب مثل ايتاخ في عظم الشأن من نظرها ما أصاب. ثم بعد ساعة أكلها أخس الحيوان.
وفي الحكاية المعروفة أن بعض العرب سئل: ما الذي تأكلون من حيوان البرّ قال: كل ما دب ودرج إلا أم حبين. قال: فلتهن أم حبين العافية عني من كل تطويل.
وقوله:
أقبلتُها غررَ الجياد كأنّماأيدي بني عمران في جبهاتها
أقبلتها أي أقبلت بها إليها. وسيرتها مقبلة لها.
قال الراعي:
يَمشين مشيَ الهجان الادم أقبلهاخل الكووِد هدان غير مُهتاجِ
وعنى بالأيدي هنا النعم من قولهم: لفلان عندي يد بيضاء. وقد جرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي، وهي جمع الجمع. وفي يد الأعضاء بالأيادي. وقد استعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال:
قتل الأيادي وذوات الأرجل
وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارهم. فمنها قول عدي:
نُحسِنُ الهنأ إذا استهنأتهادفاعاً عنك بالأيدي الكبار
يعني بالنعم الضخام. وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة. والشاعر يورد المجاز مورد الحقيقة، فشبه غرّ الجياد ببياض أيدي هؤلاء الممدوحين في الناس. فأجاد واحسن.
وقوله:
العارفين بها كما عَرَفتُهُموالراكبين جدودُهم أماتها
هذا البيت يحتمل معنيين: أحدهما وهو الظاهر إن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونها لأنها من نتائجهم. وعنى إنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين كانت تركب أمهات هذه الخيل. وهم اليوم يركبون بناتها. ولو ساعده الوزن لقال: والراكبين آباءهم ليكون أصح في التقابل. وهذا المعنى سواء. وقوله في أخرى:
لعلَّ بَينُهمُ لبينك جندفأوّل قرّح الخيل المهارُ
وأنشدني الشيخ أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى:
بناتُ الخيلِ تعرفُها دلوكوصارخة وآلسُ واللقان
هذه كلها من بلاد الروم.
يقول: كان أبوك يغير بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ظهوره، وإيراد أبي الفتح إياه في كتاب (الفسر) ليس بذلك السائغ عندي لما اذكره. وهو أن توالي الأبيات يدل على غير ما حكى يقول:
ومقانبِ بمناقبٍ غادرتهاأقوات وحش كنّ من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنماأيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسة كجلودهمفي ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتُهموالراكبين جدودُهم أماتها
فهو يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين، اللهم إلا أن يدعي مدح إنه قاتل عن خيل الممدوحين. وفي هذا نبو، ويعني إنه قادها إليه. والمعنى جيد لأنه يريد إنه يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه.
والمعنى الثاني هو الذي أورده يصف معرفتهم بالخيل، ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها. والخيل تعرفهم أيضاً لأنهم فرسان. وقد قال أبو الطيب أيضاً:
الخيل والليل والبيداء تعرفنيوالطعن والضرب والقرطاس والقلم
وهذا ظاهر.
ومن أمثال العرب:
الخيل تعرف من فرسانها البُهم
وقوله: والراكبين جدودهم أماتها يريد بذلك أن جدودهم أيضاً كانوا من ركاب الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية. ويوضح معنى ذلك ما أنشد الشيخ أبو العلاء لنفسه:
يا بن الألى غير زجر الخيل ما عرفواإذ تَعرفُ العُربُ زجر الشاء والعكرَ
يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقيا. ويقول أن منابتها لم تزل تسقى الورى يعني أنا أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس فسقيت منابت هذه النفوس كما لم يزالوا يسقون الناس وجعل للنفوس منابت لما أراد أن يدعو لها بالسقي. وإنما تحتاج إلى السقي المنابت، ثم قال:
سقيت بندى أبي أيوب يريد بذلك إلى سقيا يده أعظم السقيا وهو أفضل قومه، وخير مَنْ نبت فيهم. وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بأفضال أبي أيوب عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه (لو) دعا بأن يسقيهم الغيث لكان دون سقيا يدي أبي أيوب.
وهذا ظاهر ويزيد ظهوراً قوله أيضاً:
ردي الوصال سَقي طلولَكِ عارضٌلو كان وصلُكِ مثلَهُ ما أقشعا
فأنه يعظم شأن السّقيا الذي يدعو به. ولا يرضى أن تكون السقيا غير متناهية. ولقد أحسن في هذا النحو القائل:
سقى الجيرة الغادين وسميّ عارضهزيم الحيا سبط الرواقين ممرع
بسحب كأجفاني وبرقٍ كحرقتيورعد كأعوالي وغيث كأدمعي
يريد بذلك تعظيم شأن بكائه. وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه ولم يعد الصواب لكنا قلنا برأينا.
وقوله:
فإذا نوت سفراً إليكَ سبقتهافأضفت قبلَ مضافيها حالاتها
هكذا رواه الشيخ أبو الفتح. وكذلك رويته أيضاً من عدة مشائخ. إلا أن الصواب عندي بالنون لما أنا ذاكره. وهذا البيت بعد قوله:
لا نعذلُ المرض الذي بكَ شائقٌأنت الرجال وشائق علاتها
والهاء في سبقنها عائدة إلى الرجال. فيقول: أن تتشوق الرجال وتشوق علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك. فكل أحد
يشتاق إليك حتى الأمراض. وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين أمرها كما تفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين. فيقول: إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت إليك الرجال العلات، فجاءتك قبلها، لأنها أعراض. وأولئك جسوم. والأعراض أخف. فأضفت قبل أن تضيف الرجال العلات. فلهذا قلت الصواب سقنها. فأما إذا رويت سبقتها من حيث أن الممدوح معلوم إنه ليس يسافر إلى الرجال وإنما يصح سبقه للرجال إذا سافر إليهم قبل أن يسافروا إليه. فإذا كان المتنبي قد قاله بالتاء فيحتاج له إلى تمحل. وهو أن يقال سبقت أضافتها بإضافة حالاتها. وفيه بُعدٌ. والمضاف مصدر أضفت، كما أن المقام مصدر أقمت، والمضيف مصدر ضفت به إذا نزلت به. كما أن المقيل مصدر قلت، والمصير مصدر صرت والمضيف مصدر صفت بمكان كذا وكذا إذا أقمت به ضيفك.
وقوله:
جللاً كما بي فليكُ التَبريحُإغذاء ذا الرشأ الأغن الأشيح
كثير من العلماء تكلموا في هذا البيت ووفوا حقه من قرائحهم. ومضى أكثر الكلام في تجويز حذف النون من قوله: فليك والذي يلقاها ساكن، وتمحلوا له معاذير. وإنما أتيت به لنكتة عرضت في معناه. قال القاضي أبو الحسن: خالف بين
معنيين في المصراعين، ومثل
هذا كثير. فقد جاء عنهم ما ناقص المصراع الثاني به المصراع الأول مثل قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدمُبلى وغيرها الأرواح والدّيم
ومثل قول بشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفي عني الكرى طيف ألم
قال القاضي: وبين المصراعين اتصال عاطفي. وهو إنه لما خبر عن عظيم تبريحه، وشدة أسفه بين الذي أورثه التبريح والأسف هو الرشا الأغن الذي شككه غلبة شبه الغزلان عليه في غذائه. قلت ويحتمل معنى الطف من هذا. وهو إنه يريد ما غذاء هذا الرشا إلا القلوب وأبدان العشاق يهز لها ويمرها ويبرح بها، كما صرح به في بيت آخر نحا منحى غير الغزل وهو قوله:
وتَرتُع دون نبتِ الأرض فينافما فارقتُها إلا جَديبا
وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال:
ترعى القلوب وترتعيالغزلان في (بروقه) وشيحه
فكأنه يقول المتنبي: ليكن عظيماً مثل ما حل بي تبريح الهوى. أتظنون غذاء من فعل بي هذا الفعل الشيح. والله ما غذاؤه إلا القلوب العشاق. فهذا الطف مما ذكره القاضي أبو الحسن ﵀ فأما الشيخ أبو الفتح فلم يعرض لهذا القول. وإنما قال: هذا الشك والاستفهام منه كقول ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النقا أأنت أم أمّش سالم
وقوله:
تثنى على قدر الطعان كأنمامفاصلها تحت الرماح مراود
ما عرض لتفسير هذا البيت الشيخ أبو الفتح ﵀. وقد زعم القاضي أبو الحسن إنه من الشعر الذي عتب به، وزعم إنه مقلوب، وإنما يصح لو قال: كأنما
الرماح تحت مفاصلها مراود وشبه هذا بقولهم، طلع الجوزاء، وانتصب على العود الحرباء، وقول الشاعر:
كأنّه رعن قفِ يرفع الالا
وعنده أن المراود وهي جمع مرود ميل المكحلة.
وعندي أن المرود في هذا البيت المسمار الذي فيه حلقة تدور فيه. لفظة أظنها مولدة. وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب زمانه إلا إنه جود ما شاء:
ألمّي بعراف النّقا وتيمنيمهبَّ النُعامى واجعلي الليل مِرودا
ألا ترى إنه لا يصح معنى هذا البيت إلا أن يكون المرود هو المسمار الذي يضرب للفرس لتدور الحلقة معه كيفما دار. ومعنى بيت المتنبي حسن جداً على هذا التأويل، يشبه مفاصله لسرعة استدارته إذا ثنى عنانه عند الطعان بمسمار المرود، تدور حلقته كيفما أدبرت. يريد لين أعطافه في الميدان وعند الطراد. وليس يريد كون الرمح في مفاصله إذا طعنت. ولو كان أراد ذلك لما قال: تحت الرماح. لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحص بعض المفاصل فوقه، وبعضها تحته فلا معنى إذن لقوله: تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي غير غريب ولا حسن يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل ينغل فيها كما ينغل الميل في العين أي يدخل. وهذا رديء ممتنع لشيء آخر. وهو إنه خص المفاصل، وليس كل الطعن في المفاصل، وليست هي أيضاً بمقاتل، ولا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول:
(فرائصها تحت الرماح مراود)
أو جواشنها. أما الفرائض فلأنها مقاتل، وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو. ويمتنع أيضاً ما ذهب إليه لقوله: تثنى على قدر الطعان فإذا كانت الرماح في
مفاصلها كأميال
في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، ومال الحاجة إلى قوله: على قدر الطعان إن كان على بعد منها أو على قرب. فإن التثني مع قرب الطعان ممتنع جداً. وليس كل الخيل تفعل ذلك. ألا ترى إلى قول القائل يصف فرساً:
وإذا عطفت به على نارودهلتدويره فكأنه بركار
مدحه بذلك التعطف وهذا يعرفه من جرب وشاهد المعركة. وليس من عمل القاضي ﵀.
وقوله:
وأتت أبو الهيجاء ابنُ حمدانَ يابنهتشابَه مولودٌ كريمٌ ووالدُ
وحمدانُ حمدون وحمدان حارثوحارث لقمان ولقمان راشدُ
هذا المعنى من احسن معاني هذه القصيدة. والبيتان من خيار أبياتها. وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أحسن
منها وأجود فليعلم ذلك. وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال:
ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهمبعتيبة بن الحارث بن شهاب
وقال الآخر
عياد بن أسماء بن زيد بن قارب
واحتذى هذا الفاضل على طرقهم فقال، وأنت أبو الهيجا بن حمدان البيتين. وهذه من الحكمة التي ذكرها ارسطوطاليس، وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس.
هذا كلامه فليت شعري مم أتعجب من استقباحه ما هو أحسن شعره
أو تهزؤه الذي لا يليق بما نحن بصدده. أم من ظنه إنه إذا تهزأ توهم الناس فيه إنه يعلم ما لا يعلمون. ولقد جود أبو الطيب حيث قال:
وكم من عاتب قولا صحيحاًوآفته من الفهم السقيم
ويقول أيضاً:
ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضيجد مراً به الماء الزلالا
أما سبك البيت فأحسن شبك. يريد أنك تشبه أباك، وأبوك يشبه أباه. وأبوه أباه، فأنت أبوك، إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء. فليت شعري ما الذي أستقبحه. وقد جاراني بعض أهل العلم فقال: أستقبح قوله: حمدان حمدون، وحمدون حارث ليس في حمدان ما يسقبح من حيث اللفظ ولا المعنى. ولنسلم له أن حمدان وحمدون لفظتان مستهجنتان فكيف نصنع والرجل اسمه هذا. فهل تستعير له أبا غير أبيه، أم يسميه بلفظه حسنة يخترعها. ولقد كان الذئب في ذلك للآباء لا للمتنبي.
وقد قال أبو بكر محمد ابن دريد الازدي في قصائده:
وقيس بن عمرو بن العبيد وضاطرأناخ على ساسٍ مسيراً فجعجع
وقول الآخر:
وقيس بن مسعود بن قيس ين خالدوعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
فما الذي غضّ من قوله (ضاطر). وضاطر اسم الرجل. وهل أقبح من ضاطر. وقد قال أبو الطيب أيضاً:
حدقٌ يُذِمُ من القواتلِ غيرُهابدرُ بن عمار بن إسماعيلا
فسرد أسماء آبائه على ما قال:
عتيبة بت الحارث بن شهاب
وكما قال غيره:
فودعي غير وداع صبربيعة بن جعدة بن كعب
وعلى ما فعل أبو تمام حيث يقول:
عبد المليك بن صالح بن عليبن قسيم النبي في نسبه
وليس فيها معنى قوله:
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا نبه
وقد فسره أيضاً: تشابه مولود كريم ووالد
فكأنه علم الشعراء أن شبه الابن بالأب مما يمدح به ويراد به صحة النسب وطيب المولد. وقد غلط الصاحب أيضاً في رواية البيت. وإنما هو: ذوآب بن أسماء بن زيد بن قارب وأوله: قتلنا بعد الله خير لذاته. وهو لدريد بن الصمة. ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في مقاتل الفرسان. أولها هذا البيت. وبعده:
وعبساً قتلناه بحرّ بلادهمبمقتل عبد الله يوم الذنائب
ولولا سواج الليل أدرك ركضنابذي الرمث والارطى غياب بن ناشب
فلليوم سميتم فزارة فاصبروالوقع القنا ينزون نزو الجنادب
فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركموإن تقتلونا جدكم في الترائب
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع