في الخد أن عزم الخليط رحيلا
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
عن القصيدة
«في الخد أن عزم الخليط رحيلا» من شعر المتنبي، من العصر العباسي، وتقع في ٤٩ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
بحر الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن · قصائد أخرى رويّها اللام
من هذه القصيدة في كتب التراث
- «يتيمة الدهر»: الباب الخامس، في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وما عليه، البيتين ٩ و٤٤
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: شعر المتنبي، الأبيات ٣ و٤ و٥ و٦ وغيرها
- «الوساطة بين المتنبي وخصومه»: سرقات المتنبي، الأبيات ٤ و٥ و٢٨ و٤٢ وغيرها
- «الصناعتين: الكتابة والشعر»: ابتداءات المتنبى، البيت ١
- «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: النوع الأول: في الاستعارة، البيت ١
- «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: السلخ، الأبيات ١٧ و١٩ و٢٠ و٢١ وغيرها
- «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: المسخ، البيت ٤٦
- «مطالع البدور ومنازل السرور»: الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل، الأبيات ٢٠ و٢٢ و٢٦
معنى قول المتنبي
مَحِكٌ إِذا مَطَلَ الغَريمُ بِدَينِهِ
جَعَلَ الحُسامَ بِما أَرادَ كَفيلا
قال الواحدي في «شرح ديوان المتنبي»: يقول يلج فيما يطلب ولا يتوانى فإذا مطل الغريم ولم يقص دينه طالب سيفه بذلك مطالبة الكفيل يعني أنه يقتضي الدين بالسيف وإذا كان السيف متقضيا صار الغريم قاضيا
شرح القصيدة بيتًا بيتًا
- ١
في الخَدِّ أَن عَزَمَ الخَليطُ رَحيلاً
مَطَرٌ تَزيدُ بِهِ الخُدُودُ مُحولا
الواحدي: يقول في الخد لأن عزم ولأجل أ، عزم الخليط وهو الحبيب الذي يخالطك مطر يعني الدمع تزيد الخدود به محولا والخدود شحوبها وتخدد لحمها وذهاب نضارتها والمطر من شأنه أن تخصب به البلاد ويخضر العشب والجمع مطر بخلاف هذا صنيعا
- ٢
يا نَظرَةً نَفَتِ الرُقادَ وَغادَرَت
في حَدِّ قَلبي ما حَيِيتُ فُلولا
الواحدي: يعني نظرة إلى الحبيب عند الفراق يقول نفت تلك النظرة رقادي وأذهبت حدة قلبي يعني اثرت في عقلي
العكبري: الْغَرِيب نفت أذهبت الرقاد النّوم والفاول مَا يلْحق حد السَّيْف من كَثْرَة الضَّرْب الْمَعْنى يقو النظرة الَّتِي نظرت إِلَى الحبيب عِنْد الْفِرَاق نفت رقادي وأذهبت حِدة عَقْلِي وقلبي يُرِيد أَنَّهَا أثرت فِي عقله وَقَلبه وَيجوز أَن تكون النظرة الأولى الَّتِي نظر الحبيب واستدام الْعِشْق بهَا
- ٣
كانَت مِنَ الكَحلاءِ سُؤلي إِنَّما
أَجَلي تَمَثَّلَ في فُؤادي سولا
الواحدي: يقول كانت هذه النظرة مرادي ومطلوبي من هذه المرأة وكانت في الحقيقة أجلي تصور مرادا في قلبي يعني أن نظرة إليها في حال التوديع أذهب روحه
العكبري: الْإِعْرَاب فِي كَانَت ضمير عَائِد على النظرة تَقْدِيره كَانَت النظرة وَفِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره كَانَت نظرة غير نافعة مثلت لي أَجلي الْغَرِيب الكحلاء الَّتِي بعينيها كحل من غير تكحل والسول أَصله الْهمزَة إِلَّا انه خفه وَالْأَجَل الْمدَّة الَّتِي يؤخرها الْإِنْسَان حَتَّى تنفد الْمَعْنى يَقُول كَانَت هَذِه النظرة من المحبوبة سؤلي وطلبي وَإِنَّمَا طلبت قرب أَجلي بِالنّظرِ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أسقمني وقربني من الْأَجَل فَكَانَت فِي الْحَقِيقَة أَجلي تصور مرَادا فِي قلبِي لَا سؤلا وَالسُّؤَال مَا يَطْلُبهُ الْإِنْسَان ويتمناه
- ٤
أَجِدُ الجَفاءَ عَلى سِواكِ مُروءَةً
وَالصَبرَ إِلّا في نَواكِ جَميلا
الواحدي: أراد بالجفاء النبو والامتناع ولذلك وصله بعلي يقول الامتناع من النساء مروة عندي إلا منك والصبر جميل إلا في بعدك كما قال البحتري، ما أحسن الصبر إلا عند فرقة من، ببينه صرت بين البث والحزن،
العكبري: الْغَرِيب أَرَادَ بالجفاء الِامْتِنَاع فَلهَذَا عداهُ بعلي والمروءة الْكَرم وَالْفِعْل الْحسن والنوى الْبعد الْمَعْنى يَقُول أجد الِامْتِنَاع مُرُوءَة عِنْدِي إِلَّا عَلَيْك وَالصَّبْر جميلا إِلَّا فِي بعْدك كَقَوْل البحتري (مَا أحْسَنَ الصَّبْرَ إلَاّ عنْدَ فرْقة مَن ... بِيَنيْه صِرْتُ بَينَ البَثّ وَالحَزَنِ)
- ٥
وَأَرى تَدَلُّلَكِ الكَثيرَ مُحَبَّباً
وَأَرى قَليلَ تَدَلُّلٍ مَملولا
الواحدي: يقول أمل دلال غيرك وإن قل واحب دلالك وإن كثر كما قال جرير، إن كان شأنكم الدلال فإنه، حسن دلالك يا أميم جميل،
العكبري: الْمَعْنى يَقُول أَنا أبْغض قَلِيل تدلل من غَيْرك وَأحب دلالك الْكثير كَقَوْل جرير (إنْ كانَ شَأنُكُمُ الدَّلالَ فإنَّهُ ... حَسَنٌ دَلالُكِ ياأُمَيمَ جَمِيلُ)
- ٦
تَشكو رَوادِفَكِ المَطِيَّةَ فَوقَها
شَكوى الَّتي وَجَدَت هَواكَ دَخيلا
الواحدي: لو أمكنه لقال شكوى الذي وجد فيكون المعنى ثقل هواك عليّ ثقل روادفك على المطية إلا أنه اتبع التأنيث ليصح الوزن ويعذب الكلام ولنه أراد أن يتبعه قوله ويغيرني جذب الزمام البيت والتي في قوله شكوى التي يعني مطية وجدت هواها دخيلا وبنى البيتين على أن المطية من شكواها روادفها وقلبها فمها إليها في أوصاف المحب العاشق هذا الذي ذكرت هو ما قيل في تفسير هذا البيت وأحسن من هذا أن يقال شكوى النفس التي وجدت هواك دخيلا يعني العاشق لها ثم يجوز أن يعني نفسه أو نفس عاشق سواه والروادف الكفل وما حوله جمع رادفة لأنها تردف الإنسان أي تكون خلفه كالرديف الذي يكون خلف الراكب
العكبري: الْإِعْرَاب شكوى مصدر يشكو وَقيل التَّقْدِير مثل الشكوى الْغَرِيب الروادف الكفل وَمَا حوله جمع رادفة لِأَنَّهُ يردف الْإِنْسَان أَي يكون خلقه وَهُوَ من الردف خلف الرَّاكِب الْمَعْنى يَقُول تَشْكُو المطية ثقل روادفك فَوْقهَا شكوى النَّفس الَّتِي وجدت هَوَاك مداخلها لَان روافدك على المطية ثقال وهواك على العاشق أثقل
- ٧
وَيُعيرُني جَذبُ الزِمامِ لِقَلبِها
فَمَها إِلَيكِ كَطالِبٍ تَقبيلا
الواحدي: يقول يحملني على الغيرة جذبك زمامها إليك تقلب فمها إليك كأنها تطلب قبلة كما قال مسلم، والعيس عاطفة الرؤوس كأنما، يطلبن سر محدث في الأحلس،
العكبري: الْغَرِيب يُقَال غَار الرجل على أَهله وأغرته وأغار أَهله تزوج عَلَيْهَا وَهُوَ من غَار النَّهَار إِذا أَشْتَدّ حره والفارة الْغيرَة قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يشبه غليان الْقُدُور بصخب الضرائر (لَهُنَّ نَشِيجٌ بالنَّشِيلِ كأنَّها ... ضَرَائِرُ حِرْمِيً تَفاحَش غارُها) وَقَوله حرمى نِسْبَة إِلَى الْحرم لِأَن أول من أَتَّخِذ الضرائر أهل الْحرم الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته يحملني على الْغيرَة جذبك الزِّمَام إِلَيْك لِأَن النَّاقة تقلب فمها إِلَيْك كَأَنَّهَا تطلب قبْلَة والفم أَكثر مَا يسْتَعْمل بِغَيْر الْمِيم مَعَ الْإِضَافَة فَإِذا أضيف قلت فِيك وفاك وفوك إِلَّا أَنه قد جَاءَ بِالْمِيم مُضَافا عَن الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر (كالحوُتِ لَا يَكُفِيهِ شَيءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبحُ عَطْشانَ وِفي البَحْرِ فُمهُ) وَإِذا أفرد فَهُوَ بِالْمِيم لَا غير وَمعنى الْبَيْت من قَول مُسلم بن الْوَلِيد (وَالعِيسُ عاطفَةُ الرُّءوسِ كَأَّنما ... يَطْلُبْنَ سرَّ مُحَدَّثٍ فِي الأحْلُسِ) وَقد قَالَت الشُّعَرَاء وَأَكْثرُوا فِي الْغيرَة وَأحسن مَا قيل قَول ابْن الْخياط (وَمُحْتَجبٍ بَيْنَ الأسِنَّةِ مُعْرِضٍ ... وَفي القَلْبِ من إعْراضِهِ مِثلُ حجبهِ) (أغارُ إِذا آنَسْتُ فِي الحيّ أنَّةً ... حِذاراً وَخَوْفا أنْ يكُونَ لِحُبِّهِ)
- ٨
حَدَقُ الحِسانِ مِنَ الغَواني هِجنَ لي
يَومَ الفِراقِ صَبابَةً وَغَليلا
العكبري: الْغَرِيب الغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بزوجها وَيُقَال بجمالها عَن التجمل والصبابة رقة الشوق والغليل وَالْغلَّة حرارة الْعَطش الْمَعْنى يَقُول حدق الحسان الْوَاحِدَة حسناء هجن لي بفراقهن رقة الشوق وحرارة فِي الْقلب لبعدهن عني
- ٩
حَدَقٌ يُذِمُّ مِنَ القَواتِلِ غَيرَها
بَدرُ بنُ عَمّارِ بنِ إِسماعيلا
الواحدي: يذم يجير ويعطى الذمام يقول يجير بدر من كل ما يقتل سوى هذه الأحداق أي أنه لا يقدر على الأجازة منها كما قال، وقي الأمير هوى العيون فإنه، ما لا يزول ببأسه وسخائه، فأما قوله، فلو طرحت قلوب العشق فيها، لما خافت من الحدق الحسان، فقد أثبت في هذا ما استثني في مدح بدر
العكبري: الْغَرِيب يذم يجير وَيُعْطِي الذمام وأذمه أجاره وأذمه وجده مذموما وأذم بِهِ تهاون وأذم الرجل أَتَى بِمَا يذم عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول يذم بدر بن عمار أَي يجير وَيمْنَع مني كل مَا يقتل سوى هَذِه الإحداق فَإِنَّهُ لَا يقدر على الْإِجَارَة مِنْهَا وَهُوَ كَقَوْلِه (وُقِيَ الأمِيرُ هَوَى العُيُونِ فَإنَّهُ ... مَالا يَزُولُ بِبأْسِهِ وَسَخائِهِ) قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَقد تجَاوز هَذَا فِي مدح عضد الدولة بأمن بِلَاده حَيْثُ قَالَ (فَلَوْ طُرِحَتْ قُلُوبُ الْعِشق فِيها ... لَما خافتْ مِنْ الحَدَقِ الحِسانِ) أثبت فِي هَذَا مَا اسْتثْنى فِي مدح بدر بن عمار
- ١٠
الفارِجُ الكُرَبَ العِظامَ بِمِثلِها
وَالتارِكُ المَلِكَ العَزيزَ ذَليلا
الواحدي: يقال فرج عنه يفرج وأفرج وفرج تفريجا أي كشف الغم عنه يغني أنه يفرج الكرب عن اوليائه بمثل ما ينزله بأعدائه يعني أنه يقتل الأعداء ليدفعهم عن اوليائه ويفقرهم ليغني اولياءه فيزيل عنهم الفقر
- ١١
مَحِكٌ إِذا مَطَلَ الغَريمُ بِدَينِهِ
جَعَلَ الحُسامَ بِما أَرادَ كَفيلا
الواحدي: المحك اللجوج وسمع الأصمعي أعرابية ترقص ابنها وهي تقول، إذا الخصوم اجتمعت جثيا، وجتد ألوي محكا أبيا، يقول يلج فيما يطلب ولا يتوانى فإذا مطل الغريم ولم يقص دينه طالب سيفه بذلك مطالبة الكفيل يعني أنه يقتضي الدين بالسيف وإذا كان السيف متقضيا صار الغريم قاضيا
العكبري: الْغَرِيب المحك اللجوج وَسمع الْأَصْمَعِي امْرَأَة ترقص ابْنهَا وَتقول (إِذا الخُصُومُ اجْتَمَعَتْ حُثِيا ... وُجِدْتَ ألْوَي مَحكا أبِيَّا) والمحك اللجاج محك يمحك فَهُوَ محك ومماحك وتماحك الخصمان الْمَعْنى يَقُول هُوَ يطْلب الْحق ويلج فِي طلبته فَمن مطلة بِهِ جعل سَيْفه كَفِيلا لَهُ بِقَضَائِهِ وَهَذَا مثل وَالْمعْنَى إِذا مطل الْغَرِيم وَلم يقْض دينه طَالبه سَيْفه مُطَالبَة الْكَفِيل وَإِذا كَانَ السَّيْف متقاضيا صَار الْغَرِيم قَاضِيا بِغَيْر رِضَاهُ
- ١٢
نَطِقٌ إِذا حَطَّ الكَلامُ لِثامَهُ
أَعطى بِمَنطِقِهِ القُلوبَ عُقولا
الواحدي: النطق الجيد الكلام ومثله المنطيق وكانت العرب تتلثم بعمائمها فإذا أرادوا أن يتكلموا كشفوا اللثام عن افواههم يقول إذا وضع الكلام لثامه عن فمه عند النطق افاد منطقة قلوب السامعين عقولا يعني أنه يتكلم بالحكمة وبما يستفاد منه العقل
العكبري: الْغَرِيب النُّطْق جيد النُّطْق وَالْقَوْل والمنطيق البليغ واللثام مَا يَجْعَل على الْوَجْه من الْعِمَامَة كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ لأجل حر الشَّمْس وَإِذا أَرَادوا أَن يتكلموا كشفوا اللئام الْمَعْنى إِذا حط لثامه ليَتَكَلَّم بِالْأَمر فَإِنَّهُ يُعْطي من يسمع كَلَامه عقلا لِأَنَّهُ يتَكَلَّم بالحكمة وَمَا هتدي بِهِ الضالون وَيعلم النَّاس بمنطقه حسن الْكَلَام وَصِحَّة الرَّأْي
- ١٣
أَعدى الزَمانَ سَخاؤُهُ فَسَخا بِهِ
وَلَقَد يَكونُ بِهِ الزَمانُ بَخيلا
الواحدي: قال ابن جنى أي تعلم الزمان من سخائه وسخا به وأخرجه من العدم إلى الوجود ولولا سخاؤه الذي افاد منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه قال ابن فورجة هذا تأويل فاسد وعرض بعيد وسخاء غير موجود لا يوصف بالعدوى وإنما يعني سخا به عليّ وكان بخيلا به فلما اعداه سخاؤه اسغدني الزمان بضمي إليه وهدايتي نحوه هذا كلامه والمصراع الأول منقول من قول ابن الخياط، لمست بكفي كفه أبتغي الغنى، ولم أدر أن الجود من كفه يعدى، فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى، أفدت وأعادني فأتلفت ما عندي، وقال الطاءي أيضا، علمني جودك السماح فما، أبقيت شيئا لدي من صلتك، وقال أيضا، لست يحيى مصافحا بسلام، أنني أن فعلت أتلفت مالي، وأبو الطيب نقل المعنى إلى الزمان والمصراع الثاني من قول أبي تمام، هيهات لا يأتي الزمان بمثله، إن الزمان بمثله لبخيل،
العكبري: الْغَرِيب السخاء الْكَرم والجود سخا يسخو وسخى يسخى وَمِنْه قَول عَمْرو بن كُلْثُوم (مُشَعْشَعَةً كَأنَّ الحُصَّ فَيها ... إِذا مَا المَاءُ خالطَها سخِينا) على بعض الْأَقْوَال من سخا يسخي وَقَالَ قوم هُوَ من السخونة ونصبه على الْحَال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تعلم الزَّمَان من سخائه فسخا بِهِ وَأخرجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَلَوْلَا سخاءوه الَّذِي استفاده مِنْهُ لبخل بِهِ على أهل الدُّنْيَا واستبقاه لنَفسِهِ قَالَ فَإِن قيل السخاء لَا يكون إِلَّا فِي مَوْجُود وَهَذَا مَعْدُوم فَالْجَوَاب أَن الزَّمَان كَأَنَّهُ علم مَا يكون فِيهِ من السخاء إِذا وجد فَكَأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْهُ مَا تصور كَونه فِيهِ بعد وجوده وَلَوْلَا مَا تصَوره من السخاء لبقي أبدا بَخِيلًا وَالشَّيْء إِذا تحقق كَونه لَا محَالة أجري عَلَيْهِ فِي حَالَة عَدمه كثير من الْأَوْصَاف الَّتِي يَسْتَحِقهَا بعد وجوده قَالَ ابْن فورجة هَذَا تَأْوِيل فَاسد وغرض بعيد والسخاء بِغَيْر الْمَوْجُود لَا يُوصف بالعدوى وَإِنَّمَا الْمَعْنى سخا بِهِ على وَكَانَ بَخِيلًا بِهِ على فَلَمَّا أعداه سخاؤه أسعدني الزَّمَان يضمي إِلَيْهِ وهداني نحوه وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الطَّائِي (هَيْهاتَ أنْ يَسْخُو البزمانُ بِمِثْلهِ ... إنَّ الزمانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ) ولحبيب أَيْضا (عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّماحَ فَما ... أبْقَيْتُ شَيْئا لَدَىَّ مِنْ صِلَتَكْ وَلابْن الْخياط (لَمْستُ بِكَفَّي كَفَّهُ أبْتَغِى الغِنَى ... وَلْم أدْرِ أَن الجُوَدَ مِنْ كَفِّه يُعدى) (فَلا أَنا مِنْهُ مَا أفادَ ذَوُو الغِنَى ... أفَدْتُ وَأعْدَاني فَأتْلَفْتُ مَا عنْدي)
- ١٤
وَكَأَنَّ بَرقاً في مُتونِ غَمامَةٍ
هِندِيُّهُ في كَفِّهِ مَسلولا
الواحدي: هذا يسمى العكس لأن السيف يشبه البرق وهو شبه البرق بالسيف
العكبري: الْإِعْرَاب جعل اسْم كَأَن نكرَة وخبرها معرفَة وَقد جَاءَ فِي بَاب إِن فِي قَول الفرزدق (وَإن حَراما أنْ أسُبَّ مُقاعِسا ... بِآبائي الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ) وَنصب مسلولا على الْحَال الْغَرِيب الغمامة السحابة وهندية سَيْفه الْمَصْنُوع من حَدِيد الْهِنْد الْمَعْنى يَقُول كَأَن برقا سَيْفه وَهُوَ من المعكوس لِأَن السَّيْف يشبه بالبرق وَهَذَا شبه الْبَرْق بِالسَّيْفِ فَقَالَ كَأَن برقا فِي ظُهُور الْغَمَام سَيْفه إِذا سَله فِي يَده
- ١٥
وَمَحَلُّ قائِمِهِ يَسيلُ مَواهِباً
لَو كُنَّ سَيلاً ما وَجَدنَ مَسيلا
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قائمه يعود على السَّيْف ومواهبا قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْفَتْح هُوَ مفعول يسيل وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري فِي أَمَالِيهِ لَا يجوز أَن يكون مَفْعُولا لِأَن يسيل لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول بِهِ بِدلَالَة أَنه لَا ينصب الْمعرفَة فَتَقول سَالَ الْوَادي رجَالًا وَلَا تَقول سَالَ الْوَادي الرِّجَال وسالت الطّرق خيلا وَلَا تَقول الْخَيل فَلَمَّا لزمَه نصب النكرَة خَاصَّة وَالْمَفْعُول يكون نكرَة وَمَعْرِفَة والمميز لَا يكون إِلَّا نكرَة ثَبت أَن مواهبا تَمْيِيز ويوضح هَذَا أَنَّك إِذا أدخلت همزَة النَّقْل على سَالَ تعدِي إِلَى مفعول وَاحِد تَقول أسَال الوادى المَاء فاو كَانَ قبل الْهمزَة يتَعَدَّى إِلَى مفعول لتعدي بعد النَّقْل إِلَى مفعولين فَإِن قيل من شَأْن الْمُمَيز أَن يكون وَاحِد قُلْنَا هَذَا هُوَ الْأَغْلَب وَيكون جمعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿بالأخسرين أعمالا﴾ و ﴿نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا﴾ الْمَعْنى يَقُول مَحل قائمه يَعْنِي قَائِم السَّيْف وَهِي يَد الممدوح تسيل مواهبا للنَّاس فَلَو أَنَّهَا كَانَت سيلا لم تصب موضعا تسيل فِيهِ لكثرتها وَهُوَ من قَول حبيب (أفادَ منَ العَلْيا كُنُوزاً لوَ إِنَّهَا ... صَوَامِتُ مالٍ مَا دَرَي أيْنَ تُجْعَلُ)
- ١٦
رَقَّت مَضارِبُهُ فَهُنَّ كَأَنَّما
يُبدينَ مِن عِشقِ الرِقابِ نُحولا
الواحدي: أراد أن سيوفه تلازم الرقاب فوصفها بالعشق لأنه ادعى الأشياء إلى اللزوم والدقة
العكبري: الْغَرِيب رقت خفت ومضاربه حداه وَهُوَ مَا يضْرب بِهِ الرّقاب الْمَعْنى أَرَادَ أَن سيوفه مُلَازمَة للرقاب فوصفها بالعشق لِأَنَّهُ أدعى الْأَشْيَاء إِلَى اللُّزُوم فَيَقُول كَأَنَّمَا هِيَ لرقتها يبدين نحولا من عشق الرّقاب كَمَا ينْحل العاشق من عشق حَبِيبه
- ١٧
أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ
لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا
الواحدي: إنما قال هذا لأنه هاج أسدا عن بقرة قد افترسها فوثب على كفل فرسه أعجله عن سل السيف فضربه بسوطه ودار الجيش به فقتله
العكبري: الْغَرِيب عفره إِذا رَمَاه فِي العفر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ التُّرَاب يعفره عفرا وعفره تعفيرا أَي مرغه والهزبر الْأسد وَرجل هزنبر وهزنبران أَي سيء الْخلق والصارم السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَن بدر بن عمار أهاج أسدا عَن بقرة افترسها فَوَثَبَ الْأسد على كفل دَابَّته فأعجله فَضَربهُ بِسَوْطِهِ وَدَار بِهِ الْجَيْش فَقتل الْأسد فَقَالَ إِذا كنت تلقى هَذَا الْأسد وَهُوَ أقوى الْحَيَوَانَات وأشجعها بسوطك فَلِمَنْ خبأت سَيْفك
- ١٨
وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ
نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا
الواحدي: الأردن نهر بالشام ونضدت وضعت بعضه على بعض يقول كان هذا الأسد بليةً وقعت على أهل هذا النهر فأكثر قتل الرفاق في السفر وهي جمع رفقة حتى ترك رؤوسهم كالتلول المجتمعة من التراب وأسند الفعل إلى البلية والبلية هي الأسد
العكبري: الْغَرِيب الْأُرْدُن مَوضِع بِالشَّام وَهُوَ نهر يُقَال لَهُ نهر الْأُرْدُن والرفاق جمع رفْقَة والتلول جمع تل وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير والبلية هُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول وَقعت على أهل هَذَا النَّهر بلية وَهُوَ الْأسد نضدت وَقعت بَعْضهَا على بعض فَهَذِهِ البلية وَهُوَ الْأسد هام أَي رُؤُوس الرفاق تلالا والبلية هُوَ الْأسد فَلهَذَا أسْند الْفِعْل إِلَيْهِ
- ١٩
وَردٌ إِذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِباً
وَرَدَ الفُراتَ زَئيرُهُ وَالنيلا
الواحدي: الأسد يسمى الورد لأن لونه يضرب إلى الحمرة
العكبري: الْغَرِيب الْورْد ذُو اللَّوْن الَّذِي يضْرب إِلَى الْحمرَة فَكَأَن لون الْأسد هَذَا يضْرب إِلَى الْحمرَة والبحيرة بحيرة طبرية والفرات نهر الشَّام الَّذِي يجْرِي إِلَيّ الْعرَاق والنيل نيل مصر الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْأسد من شدته وَعظم زئيره إِذا ورد الْبحيرَة شاربا ورد أَي وصل صَوته إِلَى الْفُرَات وَإِلَى النّيل وجانس بَين ورد وَورد
- ٢٠
مُتَخَضِّبٌ بِدَمِ الفَوارِسِ لابِسٌ
في غيلِهِ مِن لِبدَتَيهِ غيلا
الواحدي: يقول لكثرة ما قتل من الفوارس قد تلطخ بدمائهم والغيل الأجمة يقول هو في غيله كأنه لبس غيلا من شعر جانبي عنقه لكثافته على كتفيه
العكبري: الْغَرِيب الغيل الأجمة وَهِي شجر ملتف بعضه على بعض وَقَوله لبدتيه يُرِيد الشّعْر الَّذِي على كَتفيهِ لعظم كثافته عَلَيْهِمَا الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة مَا افترس من الفوارس قد تلطخ بدمائهم ولكثرة مَا على كَتفيهِ من الشّعْر كَأَنَّهُ فِي غيله فِي غيل من لبدتيه
- ٢١
ما قوبِلَت عَيناهُ إِلّا ظُنَّتا
تَحتَ الدُجى نارَ الفَريقِ حُلولا
الواحدي: عين الأسد وعين السنور وعين الحية تتراءى في ظلمة الليل بارقة يوقل ما استقبلت عين هذا الأسد في الدجى إلا ظنت نار اوقدت لجماعة نزلوا موضعا
العكبري: الْإِعْرَاب حلولا حَال من الْفَرِيق وَالْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَلِيل ضَعِيف وَإِن كَانَ قد جَاءَ فِي شعر الْعَرَب الْقَدِيم كَقَوْل تأبط شرا (سَلَبْتَ سِلاحِي يَابسا وشَتَمَتْنِي ... فَيا خَيْرَ مَسْلُوبٍ وَيا شَرَّ سالِبٍ) وكقول النَّابِغَة الْجَعْدِي يصف فرسا (كَأنَّ حَوَامِيَهُ مُدْبِراً ... خُضِبْنَ وَإنْ كانْ لمْ يُخْضَبِ) وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل الشيرازيات أنْشد أَبُو زيد (عَوْدٌ وَنْهسَة حاسِدُون عَليهم ... حِلَقُ الحَدِيدِ مُضاعَفا يَتلَهَّبُ) قَالَ وَيجوز أَن يَجْعَل يتلهب فِي مَوضِع الْحَال ومضاعفا حَال من الْمُضمر فِي ويتلهب يتلهب حَال من الْحلق فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِم حلق الْحَدِيد يتلهب مضاعفا الْغَرِيب الْفَرِيق الْجَمَاعَة وَهُوَ أَكثر من الْفرْقَة وحلولا حَالين بِهِ أَي نازلين الْمَعْنى يَقُول عين هَذَا الْأسد لحمرتها إِذا رَأَيْتهَا فِي اللَّيْل ظننتها نَارا أَو قدت بِجَمَاعَة نزلُوا موضعا وَيُقَال عين الْأسد وَعين السنور وَعين الْحَيَّة تتراءى فِي ظلمَة اللَّيْل بارقة كَأَنَّهَا نَار
- ٢٢
في وَحدَةِ الرُهبانِ إِلّا أَنَّهُ
لا يَعرِفُ التَحريمَ وَالتَحليلا
الواحدي: يقول هو في غيله منفرد انفراد الرهبان في متعبداتهم غير أنه لا يعرف حراما ولا حلالا والأسد إذا كان قويا لم يسكن معه في غيله غيره من الأسود
العكبري: الْغَرِيب الرهبان جمع رَاهِب وهم زهاد النَّصَارَى وهم يوصفون بالوحدة والانقطاع عَن النَّاس وهم الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿عاملة ناصبة تصلى نَارا حامية﴾ الْمَعْنى يَقُول هُوَ فِي وحدة لشجاعته لِأَنَّهُ لَا يخَاف شَيْئا فَهُوَ فِي غيله مُنْفَرد انْفِرَاد الرهبان فِي متعبداتهم إِلَّا أَنه لَا يعرف حَلَالا وَلَا حَرَامًا والأسد إِذا كَانَ قَوِيا لم يسكن مَعَه فِي غيله غَيره من الْأسود
- ٢٣
يَطَءُ الثَرى مُتَرَفِّقاً مِن تيهِهِ
فَكَأَنَّهُ آسٍ يَجُسُّ عَليلا
الواحدي: الأسد لعزته في نفسه وقوته لا يسرع المشي لأنه لا يخاف شيئا شبهه في لين مشيه بالطبيب الذي يمس العليل فإنه يرفق به ولا يعجل
العكبري: الْغَرِيب الْبري التُّرَاب قَالَ مدرك بن حصن (بَفَيكَ مِنْ سارٍ إِلَى القَوْمِ البَري ... ) وَمِنْه الْبَريَّة فِي قِرَاءَة من ترك همزَة وهم الْأَكْثَر وهمزها نَافِع وَابْن ذكْوَان والتيه التَّعَجُّب والآسى الطَّبِيب الْمَعْنى يَقُول هُوَ لعزته فِي نَفسه وقوته لَا يسْرع فِي مَشْيه لِأَنَّهُ لَا يخَاف شَيْئا فَكَأَنَّهُ فِي لين مشيته طَبِيب يجس عليلا يرفق بِهِ دولا يعجل
- ٢٤
وَيَرُدُّ عُفرَتَهُ إِلى يافوخِهِ
حَتّى تَصيرَ لِرَأسِهِ إِكليلا
الواحدي: الغفرة الشعر المجتمع على قفاه يقول يرد ذلك الشعر إلى هامته حتى يجتمع عليها فيصير ذلك لرأسه كالاكليل وإنما يفعل ذلك غضبا وتغيظا يجمع قوته في أعالي بدنه وابن دوست يقول الغفرة شعر الناصية يعني إن هذا الأس يرفع رأسه في مشيته حتى يرتد شعر ناصيته إلى رأسه والقول هو الأول لنه بعد هذا وصف غيظ الأسد فقال
- ٢٥
وَتَظُنُّهُ مِمّا يُزَمجِرُ نَفسُهُ
عَنها لِشِدَّةِ غَيظِهِ مَشغولا
الواحدي: الزمجة ترديد الصوت أنشد الأصمعي، إذا استهل رنة وزمجرة، يقول تظنه مشغولا عن نفسه لشدة تغيظه وزمجرته ومن روى يزمجر بالياء قال تظنه نفسه مشغولا عنها مما يزمجر أي من زمجرته وصياحه وهو رواية ابن جنى
العكبري: الْغَرِيب الزمجرة تردد الصَّوْت وَكَذَا التزمجر وَهُوَ شدَّة الصياح الْمَعْنى يَقُول تظنه نَفسه عَنْهَا مَشْغُولًا من صياحه قَالَ ابْن القطاع وَقع فِي بعض الرِّوَايَات نَفسه بِالنّصب أَي يزمجر لنَفسِهِ وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالرَّفْع أَي تظنه نَفسه من كَثْرَة صياحه مَشْغُولًا عَنْهَا
- ٢٦
قَصَرَت مَخافَتُهُ الخُطى فَكَأَنَّما
رَكِبَ الكَمِيُّ جَوادَهُ مَشكولا
الواحدي: القصر ههنا ضد التطويل ومنه قصر الصلاة من قوله تعالى أن تقصروا من الصلوة والمخافة مصدر مضاف إلى المفعول وذو الحافر إذا رأى الأسد وقف وفحج وبال يقول كأن الشجاع ركب فرسه بشكاله حتى لا يخطو ولا يتحرك خوفا منه هذا تفسير الناس لهذا البيت وقال ابن فورجة معناه لما خاف منك الأسد تقاصرت خطاه هيبةً ونازعته نفسه إليك جراءة فخلط إقداما بإحجام فكأنه فارس كمى ركب فرسه مشكولا فهو يهيجه للأقدام جراءة والفرس يحجم عجزا عما يسومه لمكان شكاله
العكبري: الْغَرِيب قصر هَهُنَا ضد الطول وَمِنْه قصر الصَّلَاة فِي قَوْله تَعَالَى (أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ والمخافة مصدر أضيف إِلَى الْمَفْعُول والكمى الشجاع الْمُسْتَتر فِي سلاحه من كمى الشَّهَادَة إِذا كنمها الْمَعْنى يَقُول قَالَ الواحدي ذُو الْحَافِر إِذا رأى الْأسد وقف وفحج وبال يَقُول كَأَن الشجاع ركب فرسه مشكولا حَيْثُ لَا يقدر على الْحَرَكَة خوفًا مِنْهُ هَذَا تَفْسِير النَّاس لهَذَا الْبَيْت قَالَ وَقَالَ ابْن فورجة مَعْنَاهُ لما خَافَ مِنْك الْأسد تقاصرت خطاه ونازعته نَفسه إِلَيْك جَرَاءَة فخلط إقداما بإحجام فَكَأَنَّهُ فَارس كمى ركب فرسه مشكولا فَهُوَ يهيجه للإقدام بجرأة وَالْفرس يحجم عَجزا عَمَّا يسومه لمَكَان شكاله وَهُوَ من قَول امرىء الْقَيْس قيد الأوابد ألخ
- ٢٧
أَلقى فَريسَتَهُ وَبَربَرَ دونَها
وَقَرُبتَ قُرباً خالَهُ تَطفيلا
الواحدي: الفريسة صيد الأسد وهو ما يفترسه يريد البقرة التي هاجه عنها والبربرة الصياح يقول لما قصدته ألقى الفريسة وصاح دونها يعني دفعا عنها لنه ظن أنك تتطفل على صيده لتأكل منه قال الليث التطفيل من كلام أهل العراق ويقال هو يتطفل في الأعراس
العكبري: الْغَرِيب الفريسة صيد الْأسد وَهِي الْبَقَرَة الَّتِي أهاجه عَنْهَا والبربرة الصياح وَالصَّوْت وَالْجمع برابر الْمَعْنى يَقُول لما قصدته ألْقى فريسته وَصَاح دونهَا فَعَاد عَنْهَا لانه ظن أَنَّك تطفل عَلَيْهِ لتأكل صَيْده فَغَضب من ذَلِك قَالَ الواحدي التطفل من كَلَام أهل الْعرَاق يَقُولُونَ هُوَ يتطفل فِي الأعراس
- ٢٨
فَتَشابَهُ الخُلُقانِ في إِقدامِهِ
وَتَخالَفا في بَذلِكَ المَأكولا
الواحدي: يقول تشابهتما مقدمين وتخالفتما شحيحا على الطعام وباذلا له كما قال البحتري، شاركته في البأس ثم فضلته، بالجود محقوقا بذاك زعيما،
- ٢٩
أَسَدٌ يَرى عُضوَيهِ فيكَ كِلَيهِما
مَتناً أَزَلَّ وَساعِداً مَفتولا
الواحدي: الأزل القليل اللحم والمفتول القوي الشديد خلقة كأنه فتل أي لي يقول اشبهه منك هذان العضوان
العكبري: الْغَرِيب الْأَزَل الْمَمْسُوح الْقَلِيل اللَّحْم وَامْرَأَة زلاء إِذا كنت ممسوحة العجيزة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْأَزَل الضّيق وَالْحَبْس وأزلوا مَا لَهُم أَي حبسوه والمفتول الْقوي الشَّديد الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْأسد يرى قوته وشجاعته فِيك فمتنه مَمْسُوح شَدِيد وساعده مفتول قوي
- ٣٠
في سَرجِ ظامِئَةِ الفُصوصِ طِمِرَّةٍ
يَأبى تَفَرُّدُها لَها التَمثيلا
الواحدي: يعني فرسا دقيقة المفاصل ليست برهلة يقال خيل ظماء الفصوص وكذا تكون خيل العرب والطمرة الوثابة يريد أنه كان راكبا في سرج فرس بهذه الصفة وتفردها بالكمال يأبى أن يكون لها مثلٌ
العكبري: الْغَرِيب الطمرة الْفرس الوثابة وَقيل المرتفعة وطامئة الفصوص عطاش لَيست برهلة رخوة وَكَذَا خُيُول الْعَرَب الْمَعْنى يَقُول لَقيته فِي سرج ظامئة أَي فرس مضمرة دقيقة المفاصل من خُيُول الْعَرَب وتفردها بالكمال يَأْبَى أَن يكون لَهَا نَظِير وَمثل
- ٣١
نَيّالَةِ الطَلَباتِ لَولا أَنَّها
تُعطي مَكانَ لِجامِها ما نيلا
الواحدي: يقول هذه الفرس تدرك ما تطلبه بشدة حضرها وهي طويلة العنق لولا أنها تحط رأسها للجام ما نيل رأسها لطول عنقها كما قال زهير، وملجمنا ما أن ينال قذاله، ولا قدماه الأرض إلا أنامله
العكبري: الْغَرِيب الطلبات جمع طلبة وَهِي الْحَاجَات الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه الْفرس نطلب مَا أردْت فَتُدْرِكهُ وَهِي مَعَ هَذَا طَوِيلَة الْعُنُق لَوْلَا أَن تحط رَأسهَا للجام مَا نيل وَقَالَ الْخَطِيب هَذِه الْفرس إِذا طلبت عدوا أَو وحشا نالته وَهِي مَعَ هَذَا عزيزة النَّفس تذل للراكب مَا قدر عَلَيْهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول زُهَيْر (وَمُلُجَمُنا مَا إنْ يَنَالُ قَذَالَهُ ... وَلا قَدَمَاهُ الأرْضَ إلَاّ أنامِلُهُ)
- ٣٢
تَندى سَوالِفُها إِذا اِستَحضَرتَها
وَيُظَنَّ عَقدُ عِنانِها مَحلولا
الواحدي: يقول تعرق عنقها وما حولها إذا طلبت حضرها أي إذا ركضتها وإذا جذبت عنانها طاوعت ولانت عنقها حتى تظن العنان محلول العقد لأنها لا تجاذبك العنان لمطاوعتها ويجوز أن يكون هذا وصفا بطول العنق يعني أنها إذا رفعت رأسها استرخى العنان وطال لأنه على قدر طول عنقها فيصير العنان كأنه محلول ويقول أبنه دوسته أنها تمد عنقها ورأسها كيف شاءت وتغلب فارسها فلا يقدر على رد رأسها بالعنان فكأن عقد عنانها غير مشدود لأنه لو كان مشدودا لقدر الفارس على ضبطها وما أبعد ما وقع إذ فسر بضد المراد ووصف الفرس بالجماح
العكبري: الْغَرِيب السوالف جمع سالفة وَهِي صفحة الْعُنُق استحضرتها من الْحَضَر وَهُوَ الْعَدو الْمَعْنى يصف هَذِه الْفرس بلين الرَّأْس إِذا جذبت عنانها جَاءَ مَعَك كَأَنَّهُ محلول العقد وَالْمعْنَى يعرق عَنْهَا وَمَا حوله إِذا ركضتها وَإِذا جذبت وَافَقت وطاوعت ولان عُنُقهَا حَتَّى تظن الْعَنَان محلول العقد لِأَنَّهَا لَا تجاذبك الْعَنَان قَالَ الواحدي هَذَا وصف بطول الْعُنُق يَعْنِي إِذا رفعت رَأسهَا استرخى الْعَنَان وَطَالَ فَيصير كَأَنَّهُ محلول وَقَالَ ابْن دوست إِنَّهَا تدير عُنُقهَا ورأسها كَيفَ شَاءَت وتغلب فارسها فَلَا يقدر على رد رَأسهَا بالعنان فَكَأَن عقد الْعَنَان محلول غير مشدود لانه لَو كَانَ مشدود قدر الْفَارِس على ضَبطهَا قَالَ وَمَا ابعد مَا وَقع إِذْ فسر بِغَيْر المُرَاد وَوصف الْفرس بالجماح
- ٣٣
ما زالَ يَجمَعُ نَفسَهُ في زَورِهِ
حَتّى حَسِبتَ العَرضَ مِنهُ الطولا
الواحدي: عاد إلى وصف الأسد فقال ما زال يجمع قوى نفسه في صدره حتى صار عريضا في قدر طوله وكذلك يفعل الأسد إذا أراد الوثوب على الصيد
العكبري: الْغَرِيب الزُّور عظم الصَّدْر الْمَعْنى عَاد إِلَى وصف الْأسد فَقَالَ مَا زَالَ هَذَا الْأسد لما لقيك يجمع نَفسه وينظم بعضه إِلَى بعض حَتَّى صَار عرضه فِي قدر طوله وَكَذَا يفعل الْأسد إِذا أَرَادَ الْوُثُوب على الفريسة
- ٣٤
وَيَدُقُّ بِالصَدرِ الحِجارَ كَأَنَّهُ
يَبغي إِلى ما في الحَضيضِ سَبيلا
الواحدي: يقال حجر واحجار لم تصدقه النظر إليك ولو صدقته لما دنا منك هيبةً لك وأدنى افتعل من الدنو وعني بالخطب الجليل مقاتلة الممدوح
العكبري: الْغَرِيب تَقول حجر وأحجار وحجارة وحجار والحضيض قَرَار الأَرْض عِنْد مُنْقَطع الْجَبَل وَكتب يزِيد بن الْمُهلب إِلَى الْحجَّاج إِنَّا لَقينَا الْعَدو فَفَعَلْنَا واضطررناهم إِلَى عرْعرة الْجَبَل وَنحن بحضيضه الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ من غيظه وغضبه يدق بصدره الْحِجَارَة فَكَأَنَّهُ يطْلب سَبِيلا إِلَى قَرَار الأَرْض
- ٣٥
وَكَأَنَّهُ غَرَّتهُ عَينٌ فَاِدَّنى
لا يُبصِرُ الخَطبَ الجَليلَ جَليلا
العكبري: الْغَرِيب فادني افتعل من الدنو الْمَعْنى يَقُول كَأَن هَذَا الْأسد غرته عينه فَلم يبصر لإقدامه عَلَيْك وَلم تصدقه عينه النّظر وَلَو تصور الْأَمر بصورته لفر من هيبتك وَلكنه مغرور ظن مَا جلّ وَعظم من الْأَمر غير جليل وعظيم
- ٣٦
أَنَفُ الكَريمِ مِنَ الدَنِيَّةِ تارِكٌ
في عَينِهِ العَدَدَ الكَثيرَ قَليلا
الواحدي: يقول الكريم يأنف من الدنية فلا يهرب بل يقدم على العدد الكثير حتى كأنه قليل في عينه
العكبري: الْغَرِيب الْأنف الاستنكاف أنف يأنف أنفًا وأنة أَي استنكف وَمَا رَأَيْت أحمى أنفًا وَلَا آنف من فلَان الْمَعْنى يَقُول الْكَرِيم يأنف من الدنية فَلهَذَا لَا يهرب بل يقدم وَهَذَا عذر للأسد يَقُول لم يهرب الْأسد وأنفته جعلت فِي عينه الْعدَد الْكثير قَلِيلا حَتَّى كَأَنَّهُ فِي عينه قَلِيل قَالَ أَبُو الْفَتْح من عَادَته ان يعْتَرض مَا هُوَ فِيهِ بِمثل يضر بِهِ إِذْ أَرَادَ أَنه مسدود لما هُوَ فِيهِ كَقَوْل الآخر (وَقدْ أدْركَتَنْي والَحَوادثُ جَمَّةٌ ... أسنَّةُ قَوْمٍ لَا ضِعافٌ وَلا عُزْلُ) فالحوادث جمة جملَة اعْترض بهَا بَين الْفَاعِل وَفعله وَهُوَ تسديد لما هُوَ فِيهِ
- ٣٧
وَالعارُ مَضّاضٌ وَلَيسَ بِخائِفٍ
مِن حَتفِهِ مَن خافَ مِمّا قيلا
الواحدي: مضاض محرق يقال مضنى الأمر وامضني والمعنى أن من أنف من الدنية لم يحجم عن المنية
العكبري: الْغَرِيب مضاض موجع ومحرق مضني الْأَمر وأمضني والحتف الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول الْعَار محرق موجع وَمن خَافَ الْعَار لم يخف من الْهَلَاك وَفِي الْمثل من أنف من الدنية لم يحجم عَن الْمنية وَهُوَ مثل الْبَيْت الَّذِي قبله فِي الِاعْتِرَاض
- ٣٨
سَبَقَ اِلتِقاءَكَهُ بِوَثبَةِ هاجِمٍ
لَو لَم تُصادِمُهُ لَجازَكَ ميلا
الواحدي: يعني عجل الأسد بوثبته على ردف فرسك قبل التقائك معه فهجم عليك بوثبةٍ لو لم تصطكه لجاوزك بمقدار ميل وهو ثلث فرسخ والمصادمة مفاعلة من الصدم وهي الصك
العكبري: الْغَرِيب المصادمة مفاعلة من الصدم وَهُوَ الصَّك والميل ثَلَاث فراسخ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْمسَافَة من الأَرْض المتراخية لَيْسَ لَهُ حد مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول عجل الْأسد بوثبة على ردف فرسك قبل التقائك فجهم عَلَيْك بوثبة فاو لم تصادمه لجازك بِمِقْدَار ميل
- ٣٩
خَذَلَتهُ قُوَّتُهُ وَقَد كافَحتَهُ
فَاِستَنصَرَ التَسليمَ وَالتَجديلا
الواحدي: يقول ذهبت قوته لما قاتلته فكأنه طلب النصر من التسليم وهو الانقياد وترك الخصومة والتجديل من قولهم جدله إذا صرعه والتجديل كل من جهة الممدوح وهو جدله والأسد مال إلى ذلك وانجدل فكأنه رأي النصر في ذلك
العكبري: الْغَرِيب الخذلان ضد النَّصْر والتجديل من قَوْلهم جدله إِذا صرعه الْمَعْنى يَقُول لما لاقيته وواجهته خذلته قوته أَي خانته وَقَعَدت عَنهُ فَطلب النَّصْر من التَّسْلِيم وَهُوَ الانقياد وَترك الْخُصُومَة وانجدل فَكَأَنَّهُ رأى النَّصْر فِي ذَلِك وطابق بَين الخذلان والنصر
- ٤٠
قَبَضَت مَنِيَّتُهُ يَدَيهِ وَعُنقَهُ
فَكَأَنَّما صادَفتَهُ مَغلولا
الواحدي: اساء أبو الطيب في هذا حين لم يجعل أثرا للممدوح ولاغناء في قتل الأسد وقال كأنه كان مغلول اليد والعنق بقبض المنية عليه
- ٤١
سَمِعَ اِبنُ عَمَّتِهي بِهِ وَبِحالِهِ
فَنَجا يُهَروِلُ مِنكَ أَمسِ مَهولا
الواحدي: يريد أسدا كان قد هرب منه أي لما سمع بقتلك الأسد الأول هرب ونجا برأسه خائفا منك ولم يرد بقوله ابن عمته تحقيق النسب إنما أراد أسدا آخر من جنسه
العكبري: الْغَرِيب ابْن عمته أَسد من جنسه وَلم يرد تَحْقِيق نسب والهرولة الِاضْطِرَاب فِي الْعَدو والمهول الْمخوف وَهُوَ من الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لما سمع ابْن عمته بقتلك لَهُ وَبِمَا فعلت بِهِ نجا بِرَأْسِهِ هَارِبا من بَين يَديك خَائفًا
- ٤٢
وَأَمَرُّ مِمّا فَرَّ مِنهُ فِرارُهُ
وَكَقَتلِهِ أَن لا يَموتَ قَتيلا
الواحدي: يقول فراره أمر من هلاكه الذي فر منه وكقتله إذ لم يقتل لأن المقتول بالسيف خير من المقتول بالذم والعيب وهذا من قول أبي تمام، ألفوا المنايا فالقتيل لديهم، من لم يخل العيش وهو قتيل
العكبري: الْإِعْرَاب فِي الْبَيْت تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره فراره أَمر مِمَّا فر مِنْهُ وَأمر فِي أول الْبَيْت خبر مقدم الْمَعْنى يَقُول فراره أَمر من هَلَاكه الَّذِي فر مِنْهُ وَخَافَ وَمثل قَتله ان لم يقتل لِأَن الْمَقْتُول بِالسَّيْفِ خير من الْمَقْتُول بالذم وَالْعَيْب وَهُوَ من قَول الطَّائِي (ألِفوا المَنايا فالقَتيلُ لَدَيْهمُ ... مَنْ لْم يُخَلّ العَيْشَ وَهْوَ قَتِيلُ) وَله أَيْضا (لوْ لمْ يَمُتْ بَينَ أطْراَفِ الرّماحِ إِذا ... لَمات إذْ لمْ يَمُتْ مِنْ شدَّةِ الحزَنِ)
- ٤٣
تَلَفُ الَّذي اِتَّخَذَ الجَراءَةَ خُلَّةً
وَعَظَ الَّذي اِتَّخَذَ الفِرارَ خَليلا
الواحدي: يقول تلف الأسد الذي اجترأ عليك وعظ هذا الذي فر وحبب إليه الفرار
العكبري: الْغَرِيب الجراءة الشجَاعَة والإقدام والخلة الْخَلِيل يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر قَوْلك خَلِيل بَين الْخلَّة والخلولة قَالَ أوفى بن مطر الْمَازِني (ألَا أبْلِغا خُلَّتِي جابِراً ... بِأنَّ خَلِيلَك لمْ يُقْتَلِ) الْمَعْنى يَقُول الْأسد الَّذِي اجترأ عَلَيْك هلك وَلم تَنْفَعهُ الجراءة وَوعظ الَّذِي فر وحبب إِلَيْهِ الْفِرَار فَالَّذِي اخْتَار الْفِرَار واتخذه صاحبا خير من الَّذِي اجترأ عَلَيْك
- ٤٤
لَو كانَ عِلمُكَ بِالإِلَهِ مُقَسَّماً
في الناسِ ما بَعَثَ الإِلَهُ رَسولا
الواحدي: يقول لو عرف الناس ربهم معرفتك به لم يبعث الله تعالى رسولا يدعوهم إليه ويعلمهم دينه
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ النَّاس كلهم يعْرفُونَ الله مثل معرفتك لم يبْعَث الله رَسُولا يَدعُوهُم إِلَيْهِ وَيُعلمهُم دينهم وَقد قَالَ بعض الْأُصُولِيَّة لم يحْتَج النَّاس إِلَى رَسُول فِي معرفَة الله وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَيْهِ فِي تَعْلِيم الشَّرَائِع والحلال وَالْحرَام وَقد أَخطَأ أَبُو الطّيب فِي هَذَا الإفراط وَتجَاوز الْحَد
- ٤٥
لَو كانَ لَفظُكَ فيهِمِ ما أَنزَلَ ال
قُرآنَ وَالتَوراةَ وَالإِنجيلا
الواحدي: اساء في هذين البيتين وافرط وتجاوز الحد نعوذ بالله من ذلك
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ لفظك فِي النَّاس لم يحتاجوا إِلَى هَذِه الْكتب وَكَانَ كل مِلَّة يغنون بلفظك عَن كتبهمْ وَأَرَادَ أَنه يعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَالْحكم وَكَانَ الْيَهُود يغنون بك عَن التَّوْرَاة وَالنَّصَارَى عَن الْإِنْجِيل وَالْمُسْلِمين عَن الْقُرْآن وَهَذِه مُبَالغَة تدخل النَّار نَعُوذ بِاللَّه من الإفراط وَهَذَا الغلو
- ٤٦
لَو كانَ ما تُعطِيهِمِ مِن قَبلِ أَن
تُعطِيهِمِ لَم يَعرِفوا التَأميلا
الواحدي: يقول لو وصل إلى الناس عطاؤك قبل اعطائك أياهم لكانوا لا يعرفون الأمل لأن الموجود لا يؤمل أي فكانوا يستغنون بما نالوا منك لأنك تعطى فوق الأمل فلا يحتاجون إلى تأميل بعد ذلك
العكبري: الْإِعْرَاب أسكن الْيَاء من الْفِعْل الْمَنْصُوب ضَرُورَة وَهَذَا كثير إِذا كَانَ فِي حرفي الْعلَّة وَالْوَاو وَالْيَاء وَمثله بَيت الْكتاب (كأنَّ أيْديِهنَّ بالقَاعِ الفَرقْ ... ) وَخبر كَانَ وَالْمَفْعُول الثَّانِي من مفعولي تعطيهم محذوفان وَتَقْدِير خبر كَانَ لَهُم والعائد إِلَى الْمَوْصُول من تعطيهم الأول مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لَو كَانَ لَهُم الَّذِي تعطيهموه من قبل أَن تعطيهم إِيَّاه لم يعرفوا التأميل الْمَعْنى يَقُول لَو وصل النَّاس وَتقدم إِلَيْهِم عطاؤك قبل أَن تعطيهم لما جرت الآمال فِي قُلُوبهم وَلما أملوا لِأَنَّك تُعْطِي فَوق الأمل فَكَانُوا يستغنون بِمَا نالوا مِنْك عَن الأمل فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تأميل وَقد أَخذه أَبُو نصر بن نباتة فَقَالَ (لمْ يُبْق جُودُكَ لِي شيئْا أُؤَملُه ... تَرَكْتَنِي أْصَحبُ الدُّنيا بِلَا أمَلِ) وَقَالَ أَبُو الْفرج الببغاء وَكَانَ فِي عصر أبي نصر بن نباتة (لمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئا أُؤَمِّلُه ... دَهري لأنَّكَ قّدْ أفْنّيْتَ آمالِي)
- ٤٧
فَلَقَد عُرِفتَ وَما عُرِفتَ حَقيقَةً
وَلَقَد جُهِلتَ وَما جُهِلتَ خُمولا
الواحدي: أي لم يعرفوك حق معرفتك لأنهم لا يبلغون كنة قدرك فإذا لم يعرفوك حق المعرفة فقد جهلوك
العكبري: الْإِعْرَاب حَقِيقَة مصدر حق يحِق قيل وخمولا مصدر وَقيل هُوَ مفعول لأَجله أَي لأجل الخمول الْغَرِيب الخامل السَّاقِط الَّذِي لَا نباهة لَهُ وَخمل يخمل خمولا وأخملته أَنا الْمَعْنى يَقُول مَا عرفوك حق معرفتك وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك وَلَا لَهُم معرفَة بكنه قدرك وهم إِذا لم يعرفوك حق الْمعرفَة فقد جهلوك وَمَا جهلوك لأجل سقوطك
- ٤٨
نَطَقَت بِسُؤدُدِكَ الحَمامُ تَغَنِّياً
وَبِما تُجَشِّمُها الجِيادُ صَهيلا
الواحدي: يقول إذا غنت الحمام غنت بذكر سيادتك وكذلك الخيل إذا صهلت يعني أن البهائم الذي لا تعقل عقلت سيادتك فنطقت بها
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي تجثمها للجياد وَهِي فاعلة أَي تجثم نَفسهَا وَتَغَنِّيًا وصهيلا مصدران فِي مَوضِع الْحَال الْغَرِيب السودد السِّيَادَة والرفعة وتجشمت الْأَمر تكلفته على مشقة وجشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وجشمته الْأَمر تجشما وأجشمته إِذا كلفته إياء قَالَ عبد الْمطلب (مَهْما تُجَشَّمْنِي فإنّي جاشِمٌ ... ) الْمَعْنى يَقُول إِذا غنت الْحمام فَإِنَّمَا تغني بسيادتك ورفعتك وَكَذَلِكَ الْخَيل إِذا صهلت وَهَذَا من الْمُبَالغَة لِأَن الْبَهَائِم لَا تعقل فقد عقلت فضلك وسيادتك فنطقت بهما وَهَذَا من أبلغ الْمَدْح
- ٤٩
ما كُلُّ مَن طَلَبَ المَعالِيَ نافِذاً
فيها وَلا كُلُّ الرِجالِ فُحولا
الواحدي: ورد كتاب من ابن رائق على بدر بإضافة الساحل إلى عمله فقال
العكبري: الْإِعْرَاب نَافِذا وفحولا منصوبان بِمَا على لُغَة الْحجاز كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن وَلم يَأْتِ بِغَيْر الحجازية إِلَّا فِي قِرَاءَة الْمفضل بن عَاصِم ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ بِالرَّفْع فَإِنَّهُ أَتَى بهَا على التميمة الْغَرِيب نفذ الشَّيْء إِذا خرقه وَبلغ غَايَته وَنفذ السهْم فِي الرَّمية نفاذا وَنفذ الْكتاب نفاذا ونفوذا وَفُلَان نَافِذ فِي أمره مَاض وَأمره نَافِذ أَي مُطَاع الْمَعْنى لَيْسَ كل من طلب الْعُلُوّ والرفعة بلغَهَا وَلَا كل الرِّجَال أبطال شجعان وَإِنَّمَا الرّفْعَة والسيادة خص الله تَعَالَى بهَا أَقْوَامًا
هذه القصيدة بشرح الواحدي، والعكبري
أبيات مشهورة منها(٦)
- أَعدى الزَمانَ سَخاؤُهُ فَسَخا بِهِ ... وَلَقَد يَكونُ بِهِ الزَمانُ بَخيلا
- في الخَدِّ أَن عَزَمَ الخَليطُ رَحيلاً ... مَطَرٌ تَزيدُ بِهِ الخُدُودُ مُحولا
- حَدَقٌ يُذِمُّ مِنَ القَواتِلِ غَيرَها ... بَدرُ بنُ عَمّارِ بنِ إِسماعيلا
- وَالعارُ مَضّاضٌ وَلَيسَ بِخائِفٍ ... مِن حَتفِهِ مَن خافَ مِمّا قيلا
- ما قوبِلَت عَيناهُ إِلّا ظُنَّتا ... تَحتَ الدُجى نارَ الفَريقِ حُلولا
- ما كُلُّ مَن طَلَبَ المَعالِيَ نافِذاً ... فيها وَلا كُلُّ الرِجالِ فُحولا
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.