من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
المسخ
وأما المسخ فهو: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة،
والقسمة تقتضي أن يقرن إليه ضده، وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة.
فالأول كقول أبي تمام:
فتى لا يرى أن الفريصة مقتلولكن يرى أن العيوب مقاتل
وقول أبي الطيب المتنبي:
يرى أن ما بان منك لضارببأقتل مما بان منك لعائب
فهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة، ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي شملا، وأعطى الورد جعلا، وهذا من أرذل السرقات. وعلى نحو منه جاء قول عبد السلام بن رغبان:
نحن نعزيك ومنك الهدىمستخرج والصبر مستقبل
نقول بالعقل وأنت الذينأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدهر فذاك المحسن المجمل
أخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله، فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلاتكن الأفضل الأعز الآجلا
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحــباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك قال الذي له قلت قبلا
والبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا، وهو المخصوص بالمسخ.
وأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة، بل يسمى إصلاحا وتهذيبا.
فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
لو كان ما تعطيهم من قبل أنتعطيهم لم يعرفوا التأميلا
وقول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئا أؤملهتركتني أصحب الدنيا بلا أمل
وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من جملتها:
جن على جن وإن كانوا بشركأنما خيطوا عليها بالإبر
ثم جاء المتنبي فقال:
فكأنها نتجت قياما تحتهموكأنهم ولدوا على صهواتها
وبين القولين كما بين السماء والأرض، فإنه يقال: ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة، وكذلك يقال ههنا أيضا، فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع