تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النسخ

":

فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان:

الأول:

يسمى وقوع الحافر على الحافر، كقول امرئ القيس:

وقوفًا بها صحبي على مطيهميقولون لا تهلك أسى وتجمل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وكقول طرفة:

وقوفا بها صحبي علي مطيهميقولون لا تهلك أسى وتجلد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امرئ القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق:

أتعدل أحسابا لئامًا حماتهابأحسابنا إني إلى الله راجع

وكقول جرير:

أتعدل أحسابا كراما حماتهابأحسابكم إني إلى الله راجع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق:

وغر قد نسقت مشمراتطوالع لا تطيق لها جوابا
بكل ثنية وبكل ثغرغرائبهن تنتسب انتسابا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يئسن من اللحاق بهن منكم»
بلغن الشمس حين تكون شرقاومسقط رأسها من حيث غابا

وكذلك قال جرير من غير أن يزيد.

وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها "ليلى" كان يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، فأقبلت عليه وتركت الفرزدق, فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني? فقال: ذلك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان، يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني:

جلست إلى ليلى لتحظى بقربهافخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءهكما شد جربان الدلاص قيون

قال: فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه.

ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد, وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى, وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ?

ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ...

دارت على فتية ذل الزمان لهمفما يصيبهم إلا بما شاءوا

وهذا من عالي الشعر, ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد، وهو:

لهفي على فتية ذل الزمان لهمفما أصابهم إلا بما شاءوا

وما أعلم كيف هذا.

الضرب الثاني من النسخ:

وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء:

أجاد طويس والسريجي بعدهوما قصبات السبق إلا لمعبد

ثم قال أبو تمام:

محاسن أصناف المغنين جمةوما قصبات السبق إلا لمعبد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وهذه قصيدة أولها:

غدت تستجير الدمع خوف نوى غد

فقال:

وقائع أصل النصر فيها وفرعهإذا عدد الإحسان أو لم يعدد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكنسوى حسن مما فعلت مردد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

محاسن أصناف المغنين جمة البيت

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.