تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السابع والعشرون: في التضمين

وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام.

التضمين الحسن:

فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي.

فأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام، فيكون جزأ منه كالذي أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب.

وقد قيل: إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين، كي لا يشتبه، وهذا القول لا أقول به، فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفى عنه القرآن الكريم من غيره. ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو أحسن الوجهين عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولًا لكلام أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين، فأما إذا

قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها, وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ما رأيته.

التضمين المعيب:

وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير.

والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض، قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه، فمن ذلك قوله ﷿ في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.

فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله ﷿.

وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.

فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى.

وهكذا ورد قوله ﷿ في سورة الشعراء: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة؟.

ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم:

ومن البلوى التي ليــس لها في الناس كنه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
أن من يعرف شيئايدعي أكثر منه

ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا يتم معناه إلا بالبيت الثاني؟ وقد استعمله العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول امرئ القيس:

فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازًا وناء بكلكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وكذلك ورد قول الفرزدق:

وما أحد من الأقوام عدواعروق الأكرمين إلى التراب
بمحتفظين إن فضلتموناعليهم في القديم ولا غضاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أكان الباهلي يظن أني»

وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة:

لعمري لرهط المرء خير بقيةعليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنىجزيل ولم يخبرك مثل مجرب

الضرب الثاني من التضمين, وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره، قصدًا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى تاما.

وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظة:

قم فاسقينها يا غلام وغننيذهب الذين يعاش في أكنافهم

ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

لكان المعنى تاما لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله:

قم فاسقينها يا غلام وغنني

فيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود.

وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة بعض خلطائه على مجلس الشراب:

فقلت هل لك في الصهباء تأخذهامن كف ذات حر فالعيش مقتبل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ومعتد بالذي تحوي أنامله»
حيرية كشعاع الشمس صافيةتطير بالكأس من لألائها شعل
فقال هات وأسمعنا على طربودع هريرة إن الركب مرتحل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ومعتد بالذي تحوي أنامله»

وكذلك قوله أيضا:

وظبي خلوب اللفظ حلو كلامهمقبله سهل وجانبه وعر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غدوت وما يشجي فؤادي خوادش»
نحلت له منها فخر لوجههوأمكن منه ما تحيط به الأزر
فقمت إليه والكرى كحل عينهفقبلته والصب ليس له صبر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غدوت وما يشجي فؤادي خوادش»
إلى أن تجلى نومه عن جفونهوقال كسبت الذنب قلت لي العذر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «غدوت وما يشجي فؤادي خوادش»
فأعرض مزورا كأن بوجههتفقؤ رمان وقد برد الصدر
فما زلت أرقيه وألثم خدهإلى أن تغنى راضيا وبه سكر
ألا فاسلمي يا دار مي على البلىولا زال منهلا بجرعائك القطر

وقد استعمل هذا الضرب كثيرًا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: "فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون".

وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما، فيحاسبهم على ما أحاط به علما, وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما".

ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا؟.

وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "هناك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا".

ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: "أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ويوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا".

ومن هذا الباب قوله أيضا: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب".

وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.