تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الثامن والعشرون: الإرصاد

وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.

وفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي:

خذها إذا أنشدت في القوم من طربصدورها عرفت منها قوافيها
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ينسى لها الراكب العجلان حاجتهويصبح الحاسد الغضبان يطريها
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

فمن هذا الباب قول النابغة:

فداء لامرئ سارت إليهبعذرة ربها عمي وخالي
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن ظلامة الدمن البوالي»
ولو كفي اليمين بغتك خونالأفردت اليمين عن الشمال
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن ظلامة الدمن البوالي»

ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكرا الشمال؟.

وكذلك جاء قول البحتري:

أحلت دمي من غير جرم وحرمتبلا سبب يوم اللقاء كلامي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألا هل أتاها بالمغيب سلامي»
فليس الذي حللته بمحللليس الذي حرمته بحرام
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألا هل أتاها بالمغيب سلامي»

فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه هو ما قاله البحتري.

وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

فإذا وقف السامع على قوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ﴾ عرف أن بعده "يختلفون" لما تقدم من الدلالة عليه.

ومن ذلك أيضًا قوله ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ فإذا وقع السامع على قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ يعلم أن بعده بيت العنكبوت.

ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح، وليس

كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله تعالى.

واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد.

فممن غلط في ذلك الغانمي فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.

ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة:

قف العيس في أطلال مية فاسألرسوما كأخلاق الرداء المسلسل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

هذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال.

والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:

كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع

أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "لم يثقب".

وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال:

قف العيس في أطلال مية فاسألرسوما كأخلاق الرداء

أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "المسلسل".

واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال، وقال: هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع

فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:

قف العيس في أطلال مية فاسأل

وهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي.

وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه، وهو أشهر من فلق الصباح.

وههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان في واد.

فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة التي هي

كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني، من قولنا بلغت المكان إذا انتهيت إليه.

وهذا الكلام المصوغ مما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ألفاظه، فإنها تجيء مكرهة أيضًا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه، ولا داخلا في بابه.

ولو كان ذلك مما يوصف بحسن ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله ﷿ الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم.

ولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها، فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة يكون جزء منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة.

ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في كتابه فقال: ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام:

مودة ذهب أثمارها شبهوهمة جوهر معروفها عرض

وبقوله أيضا:

خرقاء يلعب بالعقول حبابهاكتلعب الأفعال بالأسماء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة:

إن الذي تكرهون منههو الذي يشتهيه قلبي

وسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة,

فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده.

ألا ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار:

فإن يك جرم عن أو تك هفوةعلى خطأ مني فعذري على عمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا "الخطأ" و"العمد" اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء.

وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:

ولقيت كل الفاضلين كأنمارد الإله نفوسهم والأعصرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
نسقوا لنا نسق الحساب مقدماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة "فذلك" التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط.

وأما ما أنكره على أبي تمام في قوله:

مودة ذهب أثمارها شبهوهمة جوهر معروفها عرض

فإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك، لتضمنه لفظة "الشبه" فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما.

وأما البيت الآخر، وهو:

خرقاء يلعب بالعقول حبابهاكتلعب الأفعال بالأسماء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

فليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه? ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك?

وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله:

عوامل رزق أعربت لغة الردىفجسم له خفض ورأس له نصب

فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء.

وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:

وفتى من مازنفاق أهل البصره
أمه معرفةوأبوه نكره

وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته?

وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال:

قال حمار الطبيب تومالو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيطوراكبي جهله مركب

وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ووقار الفصاحة.

وقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض في كل معنى من المعاني، فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.

وهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك كان قبيحا، كما جاء كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه: "حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، وتلك سعادة بغير انتهاء"، وهذا من الغث البارد، لكن قد جاء في الشعر ما هو حسن فائق، كقوله:

فدونكم خفض الحياة فإننانصبنا المطايا في الفلاة على القطع
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته إذا بترته.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.