نَبِيٌّ مِن الغِرْبانِ ليس على شَرْعِ
الشاعر: أبو العلاء المعري · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر أبو العلاء المعري، من العصر العباسي، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نَبِيٌّ مِن الغِرْبانِ ليس على شَرْعِ ... يُخًبّرُنا أنّ الشُّعوبَ إلى الصَّدْعِ
أُصَدّقُهُ في مِرْيَةٍ وقد امْتَرَتْ ... صَحابةُ موسى بعْدَ آياتِه التّسْعِ
كأنّ بفِيهِ كاهِناً أو مُنجِّماً ... يُحَدّثُنا عمّا لَقِينا مِن الفَجْع
وما كان أفْعَى أهْلِ نَجْرَان مثْلَه ... ولكنّ للإنْسِ الفضِيلةَ في السمْع
وما قامَ في عُلْيا زُغاوَة مُنْذِرٌ ... فما بالُ سُحْمٍ يَنْتَجينَ إلى بُقْع
تَــــلاقٍ تَــــفَــــرّى عــــن فِراقٍ تَذَمّهُ ... مَآق وتكسيرُ الصّحائحِ في الجَمْع
وشَكْلَيْن ما بَيْنَ الأثافيّ واحِدٌ ... وآخَــــرُ مُــــوفٍ مِــــن أراكٍ على فَرْع
أتى وهْوَ طَيّاُر الجناحِ وإنْ مشى ... أشاحَ بما أعْيا سَطيحاً من السّجْع
يُجيبُ سَماوِيّاتِ لَوْنٍ كأنّما ... شَكِرْنَ بشَوْقٍ أو سَكِرْنَ من البِتْع
تَرَى كلَّ خَطْباءِ القَميصِ كأنّها ... خَطيبٌ تنمّى في الغَضِيضِ من اليَنْع
إذا وَطِئَتْ عوداً برِجْلٍ حسِبْتَها ... ثقيلةَ حِجْلٍ تَلمِسُ العودَ ذا الشِّرْع
متى ذَنّ أنْفُ البَرْدِ سِرْتُمْ فلَيْتَهُ ... عَقِيبَ التّنائي كان عوقِبَ بالجَدْع
وما أوْرَقَتْ أوْتادُ دارِكَ باللِّوَى ... ودارَةَ حتى أُسْقِيَتْ سَبَلَ الدمْع
ذكَرْتُ بها قِطْعاً مِن الليلِ وافياً ... مَضَى كمُضِيّ السّهمِ أقصَرَ من قِطْع
وما شَبّ ناراً في تِهامةَ سامِرٌ ... يدَ الدهرِ إلاّ أبَّ قلبُكَ في سَلْع
حكَتْ وهْي تُجْلى ناظرَ السبُعِ اجْتلى ... مع الليلِ أكْلى والرّكابُ على سَبْع
حَمَلْتُ لها قلْبَ الجَبانِ ولم أزَلْ ... شُجاعَ الهَوَى لولا رَحيلُ بَني شَجْع
وفي الحَيّ أعْرابِيّةُ الأصْلِ مَحْضَةٌ ... من القوْمِ أعرابيّةُ القوْلِ بالطّبْع
وقد دَرَسَتْ نحوَ السُّرَى فهْي لَبّةٌ ... بما كان من جَرّ البَعيرِ أوِ الرَّفْع
ألِفْتِ المَلا حتى تعلّمْتِ بالفَلا ... رُنُوَّ الطَّلا أو صَنْعَةَ الآلِ في الخَدْع
ومَن يَتَرَقّبْ صَوْلَةَ الدهرِ يَلْقَها ... وَشيكاً وهل تُرْضي الأساوِدُ بالوَكْع
إذا الضّبُعُ الشّهْباءُ حَلّتْ بساحتي ... نَضَوْتُ عليها كلّ مَوّارَةِ الضّبْع
وقالَ الوليد النّبْعُ ليس بمُثْمِرٍ ... وأخْطأ سِرْبُ الوَحْشِ مِن ثمَرِ النّبْع
أُوَدّعُكُمْ يا أهلَ بَغدادَ والحَشَا ... على زَفَراتٍ ما يَنِينَ مِن اللّذْع
وَدَاعَ ضَنًى لم يَستَقِلَّ وإنّما ... تحامَلَ من بَعْدِ العِثارِ على ظَلْع
إذا أطّ نِسْعٌ قلتُ والدّوْمُ كارِبي ... أجِدّكمُ لم تفْهَموا طَرَبَ النِّسْع
فبِئْسَ البَديلُ الشأمُ مِنكمْ وأهلُه ... على أنّهمْ قوْمي وبَيْنَهُمُ رَبْعي
ألا زَوِّدُونــــي شَــــرْبَــــةً ولو أنّني ... قَدَرْتُ إذا أفنَيْتُ دِجلةَ بالجَرْع
وأنّى لنا مِن ماء دِجْلَةَ نُغْبَةٌ ... على الخِمْسِ من بُعْدِ المَفاوِزِ والرِّبع
وساحِرَةِ الأطرافِ يَجْني سَرَابُها ... فَتَصْلُبُ حِرْباءً بَرِيّاً على جِذْع
وما الفُصَحاءُ الصِّيدُ والبَدْوُ دارُها ... بأفْصَحَ قوْلاً مِن إمائِكُمُ الوُكْع
أدَرْتُمْ مَقالاً في الجِدالِ بألسُنٍ ... خُلِقْنَ فجانَبْنَ المَضَرّةَ للنّفْع
سأُعْرِضُ إنْ ناجَيْتُ من غيرِكم فتىً ... وأجعَلُ زوًّ ا مِن بَنانيَ في سَمْعي
غُذيتُ النّعامَ الرّوحَ دونَ مَزارِكُمْ ... وأسهَرَني زأرُ الضّراغِمَةِ الفُدْع
وما ذاد عنّي النّومَ خوفُ وُثوبِها ... ولكنّ جَرْساً حالَ في أُذُنَيْ سِمْع
وكم جُبْتُ أرضاً ما انْتَعَلْتُ بمَرْوِها ... وجاوَزْتُ أُخرَى ما شَددتُ لها شِسْعي
وبِتُّ بمُسْتَنّ اليَرابيعِ راقِداً ... يُطَوِّفْنَ حوْلي مِن فُرادى ومن شَفْع
أبَيْتُ فلم أَطْعَمْ نَقيعَ فراقِكمْ ... مُطاوَعَةً حتى غُلِبْتُ على النَّشْع
فنادَيْتُ عَنْسي من ديارِكُم هَلا ... وقلتُ لسَقْبي عن حِياضِكُمُ هِدْع
صَحِبْتُ إليكمْ كلَّ أطلَسَ شاحبٍ ... ينوطُ إلى هادِيهِ أبْيضَ كالرَّجْع
علَيْه لِباسُ الخُلْدِ حُسْناً ونَضْرَةً ... ولم يُرْبَ إلاّ في الجَحيمِ من الصُّنْع
وأبْرَزَهُ مِن نارِهِ القيْنُ أخْضَراً ... كأنْ غِيثَ فيها بالتّلَهّبِ والسَّفع
ولولا الوَغَى في الحرْبِ أسمَعَ رَبَّهُ ... ألِيلَ المَنايا في المُثارِ من النَّقْع
ويأبَى ذُبابٌ أنْ يَطُورَ ذُبابَهُ ... ولو ذابَ مِن أرْجائِهِ عَمَلُ الرُّصْع
تَـــــلَوَّنَ للأقْـــــرانِ فــــي هَــــبَــــواتِه ... تلَوُّنَ غولِ القَفْرِ للعاجِزِ المِجْع
تقول بَدا في سُنْدُسٍ أو مُوَرَّدٍ ... من اللِّبْسِ أو عَصْبٍ يَرُوقُكَ أو نصْع
يدِرّ به خِلْفُ المَنونِ دمَ الطُّلى ... ويَكْبُرُ عن فَطْرِ الوَلائِدِ والرَّضْع
فيا لكَ مِنْ أمْنٍ تَقَلّدَهُ الفتى ... وباتَ به الأعداءُ في خِطّةٍ بِدْع
ولمّا ضَرَبْنا قَوْنَسَ الليلِ من عَلٍ ... تَسَرّى بنَضْخِ الزّعْفَرانِ أوِ الرَّدْع
كأنّ الدّجى نُوقٌ عَرِقْنَ مِن الوَنَى ... وأنْجُمُها فيها قلائِدُ مِن وَدْع
لبِسْتُ حِداداً بعْدكمْ كلَّ ليلةٍ ... من الدُّهْمِ لا الغُرّ الحِسانِ ولا الدُّرْع
أظُــــنّ الليالي وهْيَ خُونٌ غَوَادِرٌ ... بِرَدّي إلى بَغدادَ ضَيّقَةَ الذَّرْع
وكان اختِياري أنْ أموتَ لَدَيْكُمُ ... حَميداً فما ألْفَيْتُ ذلكَ في الوُسْع
فليْتَ حِمامي حُمّ لي في بلادِكُمْ ... وجالَتْ رِمامي في رِياحِكمُ المِسْع
ولَيْتَ قِلاصاً مِلْعِراقِ خَلَعْنَني ... جُعِلْنَ ولم يَفْعَلْنَ ذاكَ من الخَلْع
فدُونكُمُ خَفْضَ الحياةِ فإنّنا ... نصَبْنا المَطايا بالفَلاةِ على القَطْع
تعَجّلْتُ إنْ لم أثْنِ جُهْدي عليكُمُ ... سَحابَ الرّزايا وهي صائِبَةُ الوَقْع
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التسع: تسع: التِّسْع والتِّسعة مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ تَجْرِي وُجُوهُهُ عَلَى التأْنيث وَالتَّذْكِيرِ تِسْعَةُ رِجَالٍ وَتِسْعُ نِسْوَةٍ. يُقَالُ: تِسْعُونَ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَتِسْعِينَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ وَالْجَرّ … (لسان العرب)
- الصدع: صدع: الصَّدْعُ: الشَّقُّ فِي الشيءِ الصُّلْبِ كالزُّجاجةِ والحائِطِ وَغَيْرِهِمَا، وَجَمْعُهُ صُدُوعٌ؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: أَيا كَبِداً طارتْ صُدُوعاً نَوافِذاً، ... وَيَا حَسْرَتا مَاذَا تَغَلْغَلَ بِالْقَلْبِ؟ … (لسان العرب)
- الغربان: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)
- الفجع: فجع: الْفَجِيعَةُ: الرَّزِيّةُ المُوجِعةُ بِمَا يَكْرُمُ فَجَعَه يَفْجَعُه فَجْعاً، فَهُوَ مَفْجُوعٌ وفَجِيعٌ، وفَجَّعَه، وَهِيَ الفَجِيعةُ، وَكَذَلِكَ التفْجِيعُ. وفَجَعَتْه المُصِيبةُ أَي أَوْجَعَتْه. والفَواجِعُ: المَ … (لسان العرب)
- امترت: متر: مَتَرَهُ مَتْراً: قَطَعَهُ. ورأَيته يَتَماتَرُ أَي يَتَجَاذَبُ، وتَماتَرَتِ النارُ عِنْدَ القَدْحِ كَذَلِكَ. قَالَ الليثُ: والنارُ إِذا قُدِحَتْ رأَيتَها تَتَماتَرُ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: لَمْ أَسمع هَذَا الْحَرْفَ … (لسان العرب)
- بقع: بقع: البَقَعُ والبُقْعةُ: تَخالُفُ اللَّوْنِ. وَفِي حَدِيثِ أَبي مُوسَى: فأَمر لنا بذَوْذٍ بُقْعِ الذُّرَى أَي بِيضِ الأَسنمة جَمْعُ أَبْقع، وَقِيلَ: الأَبقع مَا خالَط بياضَه لونٌ آخَرُ. وغُراب أَبقع: فِيهِ سَوَادٌ وَبَي … (لسان العرب)