تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الإفراط

وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي استعماله فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته، فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله ﷾؛ لأنه مهما ذكر به من المغالاة في صفاته فإنه دون ما يستحقه.

ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة:

وأنا المنية في المواطن كلهاوالطعن مني سابق الآجال

وقد يروى بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا.

ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار:

إذا ما غضبنا غضبة مضريةهتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

ومنه ما يستهجن كقول النابغة الذبياني:

إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثهاومن يتعلق حيث علق يفرق

وهذا يصف طول قامتها، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان.

وكذلك ورد قول أبي نواس:

وأخفت أهل الشرك حتى إنهلتخافك النطف التي لم تخلق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»

وهذا أشد إفراطا من قول النابغة.

ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: أما استحييت الله حيث تقول، وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث قلت:

ما زلت في غمرات الموت مطرحايضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك ليحتى اختلست حياتي من يدي أجلي

قال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.

وقد أراد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال:

كدت منادمة الدماء سيوفهفلقلما تحتازها الأجفان
حتى الذي في الرحم لم يك صورةلفؤاده من خوفه خفقان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

وما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى.

وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع منه، فمن ذلك قوله:

عجاجا تعثر العقبان فيهكأن الجو وعث أو خبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

ثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر، فقال:

عقدت سنابكها عليها عثيرًالو تبتغي عنقا عليه لأمكنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وهذا أكثر مغالاة من الأول.

ومن ذلك قوله أيضا:

كأنما تتلقاهم لتسلكهمفالطعن يفتح في الأجواف ما يسع

وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم:

ملكت بها كفي فأنهرت فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها

لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.