تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الاقتضاب

وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره، بلا علاقة تكون بينه وبينه.

فمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد.

ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظه هذا, وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. ألا ترى إلى ما ذكر قبل "هذا"؟ ذكر من ذكر من الأنبياء ﵈، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد

أن يعقبه بذكر أهل النار قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص.

وقد وردت لفظة "هذا" في الشعر, إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام المنثور، فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي في قصيدة أولها:

العيش غض والزمان غرير

إني ليعجبني الزنا في سحرةيروق لي بالجاشرية زير
وأكاد من فرح السرور إذا بداضوء الصباح من الستور أطير
وإذا رأيت الجو في فضيةللغيم في جنباتها تكسير
منقوشة صدر البزاة كأنهفيروزج قد زانه بلور
نادت بي اللذات ويحك فانتهزفرص المنى يا أيها المغرور
مل بي إلى جور السقاة فإننيأهوى سقاة الكأس حين تجور
هذا وكم لي بالجنينة سكرةأنا من بقايا شربها مخمور
باكرتها وغصونها مغروزةوالماء بين مروزها مذعور
في ستة أنا والنديم وقينةوالكأس والمزمار والطنبور

هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخباز عجيب، ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ديوانه.

والاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى, والتخلص بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى المقتضب من شعره.

فمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها:

يا كثير النوح في الدمن

وهذه القصيدة هي عين شعره, والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا، فبينا هو يصف الخمر ويقول:

فاسقني كأسا على عذلكرهت مسموعه أذني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
من كميت اللون صافيةخير ما سلسلت في بدني
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»
ما استقرت في فؤاد فتىفدرى ما لوعة الحزن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»

حتى قال:

تضحك الدنيا إلى ملكقام بالآثار والسنن
سن للناس الندى فندوافكأن البخل لم يكن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا كثير النوح في الدمن»

فأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو من مستصعبات علم البيان.

ومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها

أجدك ما ينفك يسري لزينبا

وهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول:

عهدتك إن منيت منيت موعداجهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا
وكنت أرى أن الصدود الذي مضىدلال فما إن كان إلا تجنبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»
فوا أسفا حتام أسأل مانعاوآمن خوافا وأعتب مذنبا

حتى قال في أثر ذلك:

أقول لركب معتفين تدرعواعلى عجل قطعا من الليل غيا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»
ردوا نائل الفتح بن خاقان إنهأعم ندى فيكم وأيسر مطلبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

فخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب.

وكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها بن خاقان أيضا، وذكر نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن كل الإحسان وأولها:

متى لاح برق بدا طلل قفر

فبينا هو في غزلها حتى قال:

لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدىإذا بقي الفتح بن خاقان والقطر
للشاعر البحتري، من قصيدة «متى لاح برق أو بدا طلل قفر»

فخرج إلى المديح مقتضبا له متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.