تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع العشرون في المغالطات المعنوية

وهذا النوع من أحلى ما استعمل في الكلام وألطفه، لما فيه من التورية, وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن موقعا، وألطف مأخذا. فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:

يشلهم بكل أقب نهدلفارسه على الخيل الخيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»
وكل أصم يعسل جانباهعلى الكعبين منه دم ممار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»
يغادر كل ملتفت إليهولبته لثعلبه وجار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

فالثعلب هو هذا الحيوان المعروف، والوجار اسم بيته، والثعلب أيضًا هو طرف سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل المعنى من مثله إلى مثله.

وعليه ورد قول المتنبي:

برغم شبيب فارق السيف كفهوكانا على العلات يصطحبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»
كأن رقاب الناس قالت لسيفهرفيقك قيسي وأنت يماني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عدوك مذموم بكل لسان»

فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل على حصارها، كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك مشهورة.

والسيف يقال له يماني في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه, وهذه مغالطة حسنة, وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض.

وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله:

وخلطتم بعض القرآن ببعضهفجعلتم الشعراء في الأنعام

ومعنى هذا أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم, والأنعام اسم سورة أيضا، والشعراء جمع شاعر، والأنعام ما كان من الإبل والبقر. وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ﵁:

من مبلغ عني الوجيه رسالةوإن كان لا تجدي لديه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبلوفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تديناولكنما تهوى الذي منه حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائرإلى مالك فافطن لما أنا قائل

ومالك هو مالك بن أنس صاحب المذهب ﵁، ومالك هو خازن النار وهذه مغالطة لطيفة.

ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل:

صلب العصا بالضرب قد دماهاتود أن الله قد أفناها
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
إذا أرادت رشدا أغواهامحاله من رقه إياها

فالضرب: لفظ مشترك، يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو السير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال دماه، إذا أسال دمه، ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة، وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفنا، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى

نبتان يقال: أغواه إذا أضله، وأغواه إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا، إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا الباب, فليؤخذ من هناك.

ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي ﷺ كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم? فقال النبي ﷺ: "من ماء" فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي ﷺ لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره.

وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.

وقد جاءني شيء من ذلك الكلام المنثور, فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج، فقلت: "ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه، فالشمس مأسورة, والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض". ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: "والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض" فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية أي: لها حول، ويقال إنها مروضة أي: ذللت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية، وقولي: لم ترض, أي: لم تسلك بعد.

ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: "ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة, فاستولدتها بجواره حسنا".

وهذه تورية لطيفة, فإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن ﵄ ولدها، وفاطمة هي اسم فاعل من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم، والحسن: هو الشيء الحسن الأسلوب.

ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وعهدي بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب".

وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب، فلما نقلت أنا هذا المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ووريت فيه تورية.

والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.

ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: "من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها, وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها, وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها".

والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح، فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح أول خلفائهم، والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضًا من النصر في حومة الحرب, والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة دم القلب، فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن.

ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا، فإن شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا, وأيام بره قصرا، وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع".

والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع، فإن الخفض هو سعة العيش، والخفض هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية.

ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت: "ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها, فترى

وقد أخذتها النافض فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الإبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة, وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميا فارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها".

والمغالطة ههنا في قولي: وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية. والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي: من غير تلبث، ويوم النحرهو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية، فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم التروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.

وأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا.

فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله:

وما أشياء تشريها بمالفإن نفقت فأكسد ما تكون

يقال: نفقت السلعة إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.

ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من

بلاد الكفار، فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان, وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوال، والليالي والأيام لها رواة, فما الظن برواية الأيام والليال.

وفي هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية، أما المغالطة المثلية فهي في قولي: "وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوالي" وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول، وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: "وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال" وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية, غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل أي: تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به.

وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.

فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ومعناه مختلف كالمثال الذي مثلته, وفي قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار، فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضًا طرف السنان وكذلك باقي الأمثلة, قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين، فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام:

بكل فتى ضرب يعرض للقنامحيا محلى حليه الطعن والضرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لقد أخذت من دار ماوية الحقب»

فالضرب الرجل الخفيف، والضرب هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.