تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الثامن عشر في الاعتراض

وبعضهم يسميه الحشو, وحده: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو سقط لبقي الأول على حاله.

مثال ذلك أن تقول: زيد قائم، فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه بقي على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض

قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا على ما به من المرض, فهذا هو الاعتراض، وهذا حده.

واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية، فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين الجار والمجرور، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب.

وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء, لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما.

قسما الاعتراض:

واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة وهو جار مجرى التوكيد.

والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة، فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا.

القسم الأول:

وهو الذي يأتي في الكلام لفائدة كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك اعتراض بين القسم

الذي هو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وبين جوابه الذي هو ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم وبين صفته التي هي عظيم, وهو قوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فذانك اعتراضان كما ترى.

وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم شأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراضا بين الصفة والموصوف, وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقه من التعظيم.

وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم, بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حق قدره، فإن ذلك يكبره في نفس المخاطب, ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.

وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، فاعترض بين المفعولين بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه، فكأنه قال: ويجعلون لله البنات وهو منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا ههنا ظاهرة.

وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ فقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة، أي: إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.

وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود.

ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين أنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم.

ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.

ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما أوصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله، إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب؛ لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه, ومن ثم قول النبي ﷺ لمن قال له: من أبر? فقال: "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك".

ومما جاء على هذا الأسلوب قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

فقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾, ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه.

ومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس:

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

تقديره: كفاني قليل من المال، فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: "ولم أطلب" وفائدته تحقير المعيشة, وأنها تحصل بغير طلب وعناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد المؤثل.

وكذلك قول جرير:

ولقد أراني والجديد إلى بلىفي موكب طرف الحديث كرام

تقديره: في موكب طرف الحديث، فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب، "فكأنه قال": ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى.

والاعتراض إذا كان هكذا كسا الحديث لطفًا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا, أما ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا، كقول كثير عزة:

لو أن الباخلين وأنت منهمرأوك تعلموا منك المطالا

فقوله: وأنت منهم, من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك، فاعترض بين اسم أن وهو الباخلين, وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ, أو الخبر الذي هو "وأنت منهم".

ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي:

فلو سألت سراة الحي سلمىعلى أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذوو أحساب قوميوأعدائي فكل قد بلاني

وهذا اعتراض بين لو وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة: "على أن قد تلون بي زماني" أي: إنهم يخبرون عني على تلون الزمان، يريد تنقل حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه.

ومن ذلك قول أبي تمام:

وإن الغنى لي إن لحظت مطالبيمن الشعر إلا في مديحك أطوع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

وهذا البيت فيه اعتراضان:

الأول: بين اسم إن وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله: "إن لحظت مطالبي".

وأما الاعتراض الثاني: فقوله: "إلا في مديحك" فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن.

وتقدير البيت بجملته: "وإن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك" وفائدة قوله: إلا في مديحك, من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة وفائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع.

وكذلك ورد قوله:

رددت رونق وجهي في صحيفتهرد الصقال بهاء الصارم الخذم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبا سعيد وما وصفي بمتهم»
وما أبالي وخير القول أصدقهحقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبا سعيد وما وصفي بمتهم»

فقوله: "وخير القول أصدقه" اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت نصب، إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم أي: إن هذا القول صدق ليس بكذب.

القسم الثاني:

وأما القسم الثاني وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان:

الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به قبحا ولا حسنا، فمن ذلك قول النابغة:

يقول رجال يجهلون خليقتيلعل زيادا لا أبا لك غافل

فقوله: لا أبا لك, من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في البيت حسنا ولا قبحا.

ومثله جاء قول زهير:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعشثمانين حولا لا أبا لك يسأم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وقد وردت هذه اللفظة وهي "أبا لك" في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة حسنة كقول أبي همام:

عتابك عني لا أبا لك واقصدي

فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم.

الضرب الثاني: وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا, وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين، فمما ورد منه قول بعضهم:

فقد والشك بين لي عناءبوشك فراقهم صرد يصيح

فإن في هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بين، وذلك قبيح، لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليه اللام المراد بها توكيد الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ وقول الشاعر:

ولقد أجمع رجلي بهاحذر الموت وإني لفرور
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ولقد أجمع رجلي بها»

إلا أن فصل بين قد والفعل بالقسم, فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك: قد والله كان ذاك, وقد فصل في هذا البيت أيضًا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين, وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.

ومن هذا الضرب قول الآخر:

نظرت وشخصي مطلع الشمس ظلهإلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل

أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس أي: حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة، وهو قوله: ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه

فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا.

واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملاءمة من الناظم، وذاك أن الناظم مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب الوزن في مثل هذه الورطات، وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.