تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

مدخل (١١)

النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني

وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول في المطابقة وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين.

وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض، والليل والنهار.

وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى.

وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه, غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا كانت مشتقة.

ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن كان مثله بالضدين، كالسواد والبياض، فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله بالمثال الذي مثله.

وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن.

ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته، فنقول: الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث.

فأما الأول وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى, والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ.

المقابلة في اللفظ والمعنى:

أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير.

وكذلك قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب.

وقال رسول الله ﷺ: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة".

ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي ﵁ لعثمان ﵁: "إن الحق ثقيل مري, والباطل خفيف وبي، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت"، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المري بالخفيف الوبي، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار.

وكذلك ورد قوله ﵁ لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: "هذه كلمة حق أريد بها باطل". وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير ﵁, وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك? قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة، فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير.

وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.

ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: "حركنا بسكونه".

وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. وهذا الكتاب على لغة اليونان.

ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: "صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم, وجسد سائر، وصبر مليم, وجزع عذر، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر".

وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتع ببهجة إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر

الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام".

ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر، فقلت في جملته: "ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرفت الجسوم، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة".

ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب، فقلت: "وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال، وملتقط اللآل, فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه بشكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها، ولا يشعر بها أحد غير أكفائها".

وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة.

ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير:

وأعور من نبهان أما نهارهفأعمى وأما ليله فبصير
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا ذو حمام بعدنا وحفير»

وكذلك ورد قول الفرزدق:

قبح الإله بني كليب إنهملا يغدرون ولا يفون بجار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فاسأل هوازن إن عند سراتهم»
يستيقظون إلى نهيق حمارهموتنام أعينهم عن الأوتار

فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل عنه.

وكذلك ورد قول بعضهم:

فلا الجود يفني المال والجد مقبلولا البخل يبقي المال والجد مدبر
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «فانفق إذا أيسرت غير مقتر»

وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع، فمن إحسانه قوله:

ما إن ترى الأحساب بيضا وضحاإلا بحيث ترى المنايا سودا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا:

شرف على أولى الزمان وإنماخلق المناسب أن يكون جديدا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «طلل الجميع لقد عفوت حميدا»

وعلى هذا النهج ورد قوله:

إذا كانت النعمى سلوبا من امرئغدت من خليجي كفه وهي متبع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
وإن عثرت سود الليالي وبيضهابوحدته ألفيتها وهي مجمع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
ويوم يظل العز يحفظ وسطهبسمر العوالي والنفوس تضيع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغىولكنه من وابل الدم مربع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

ومن هذا الأسلوب قوله أيضا:

تقرب الشقة القصوى إذا أخذتسلاحها وهو الإرقال والرمل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لم يبق للصيف لا رسم ولا طلل»
إذا تظلمت من أرض فصلت بهاكانت هي العز إلا أنها ذلل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لم يبق للصيف لا رسم ولا طلل»
المرضياتك ما أرغمت آنفهاوالهادياتك وهي الشرد الضلل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لم يبق للصيف لا رسم ولا طلل»

وعلى هذا النحو ورد قوله:

وناضرة الصبا حين اسبكرتطلاع المرط والدرع اليدي
تشكى الأين من نصف سريعإذا قامت ومن نصف بطي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»

وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال:

أقلني قد ندمت على الذنوبوبالإقرار عذت من الجحود
أنا استهديت عفوك من قريبكما استعفيت سخطك من بعيد

فقابل بين الأضداد من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد.

وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي وهو:

أيم المهير ونكاح الأيميوماك يوم أبؤس وأنعم
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وجمع مجد وندى مقسم

وكذلك قوله أيضا:

هو الأمل المبسوط والأجل الذييمر على أيامه الدهر أو يحلو
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولا تحسن الأيام تفعل فعلهوإن كان في تصريفها النقض والفعل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فعش واحدا أما الشراء فمسلممباح وأما الجار فهو حمى بسل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ومما جاء من هذا القسم قول البحتري:

أحسن الله في ثوابك عن ثغــر مضاع أحسنت فيه البلاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»
كان مستضعفا فعز ومحروما فأجدى ومظلما فأضاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»

ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله:

أشكو إليك أناملا ما تنطويبخلا وإملاقا تقصفها اليد
أرضيهم قولا ولا يرضوننيفعلا وتلك قضية لا تقصد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»
فأذم منهم ما يذم وربماسامحتهم فحمدت ما لا يحمد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»

وعلى هذا النهج ورد قوله:

وتوقعي منك الإساءة جاهداوالعدل أن أتوقع الإحسانا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما العداة فقد أروك نفوسهم»
وكما يسرك لين مسي راضيافكذاك فاخش خشونتي غضبانا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما العداة فقد أروك نفوسهم»

وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره، فمن ذلك قوله:

ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعواكثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

وكذلك قوله:

إلى رب مال كلما شت شملهتجمع في تشتيته للعلا شمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

ومما استعذبته قوله في هذا الباب:

كأن سهاد الليل يعشق مقلتيفبينهما في كل هجر لنا وصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عزيز أسى من داؤه الحدق النجل»

ومما جاء من هذا الباب:

لما اعتنقنا للوداع وأعربتعبراتنا عنا بدمع ناطق
فرقن بين معاجر ومحاجروجمعن بين بنفسج وشقائق

وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره, فإذا طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضه، والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها, ولطمت

حدها، فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه الشقائق، وفرقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق وَلَها وموجدة على الوداع، هذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه هذا الرجل.

المقابلة في المعنى دون اللفظ:

وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع الكندي من شعراء الحماسة:

لهم جل مالي إن تتابع لي غنىوإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وإن بادهوني بالعداوة لم أكن»

فقوله: تتابع لي غنى, بمعنى قوله: كثر مالي, فهو إذا مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ، نحو: قام وقعد وحل وعقد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود، والحل ضد العقد، والقليل ضد الكثير، فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، فاعرف ذلك.

مقابلة الشيء بما ليس بضده:

وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا, فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين:

الأول: ما كان بين المقابِل والمقابَل نوع مناسبة وتقارب، كقول قريط بن أنيف:

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةومن إساءة أهل السوء إحسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»

فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينهما وبين الظلم, وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة.

وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾. فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص.

النوع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النحيف، وهو سعد بن قرط، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمها فيها:

تربص بها الأيام عل صروفهاسترمي بها في جاحم متسعر
للشاعر أم النحيف، من قصيدة «تربص بها الأيام عل صروفها»
فكم من كريم قد مناه إلههبمذمومة الأخلاق واسعة الحر

فقولها: بمذمومة الأخلاق واسعة الحر, من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت: بضيقة الأخلاق واسعة الحر, حتى تصح المقابلة.

وهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفه, وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه.

وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشد ملامة من العرب.

فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:

لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بهاسرور محب أو إساءة مجرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»

فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضًا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة، فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.

المواخاة بين المعاني:

ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني, وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا, لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به.

أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه, لا مع الأجنبي، مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان جائزا.

فمن ذلك قول الكميت:

أم هل ظعائن بالعلياء رافعةوإن تكامل فيها الدل والشنب

فإن الدال يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلظ؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق, بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها.

وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، فأنشد الكميت

أم هل ظعائن البيت

فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، فإنك تباعدت في القول، أين الدل من الشنب? ألا قلت كما قال ذو الرمة.

لمياء في شفتيها حوة لعسوفي للثاث وفي أنيابها شنب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا، كقوله في وصف الديك:

له اعتدال وانتصاب قدوجلده يشبه وشي البرد
كأنها الهداب في الفرندمحدودب الظهر كريم الجد

فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه.

وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله أيضا:

وقد حلفت يمينامبرورة لا تكذب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حمدان ما لك تغضب»
برب زمزم والحوض والصفا والمحصب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حمدان ما لك تغضب»

فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا، والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم، وما جرى مجراهما.

وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا:

أحسن من منزل بذي قارمنزل خمارة وخمار
وشم ريحانه ونرجسةأحسن من أينق بأكوار
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أحسن من منزل بذي قار»

فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق

بالأكوار? وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه.

المؤاخاة بين المباني:

المؤاخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ.

فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح:

مثقفات سلبن العرب سمرتهاوالروم زرقتها والعاشق القضفا

وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن، إذ كانت الأوصاف تجري على "نهج" واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها, ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها.

وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد:

نفضت بك الأحلاس نفض إقامةواسترجعت نزاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةيثني عليها السهل والأوعار
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قبر ببرذعة استسر ضريحه»

والأحسن أن يقال: السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي واحدا, أي: أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا.

وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر:

صفراء مجدها مرازبهاجلت عن النظراء والمثل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كان الشباب مطية الجهل»

فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال النظراء مجموعا, ثم قال المثل مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال.

وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو:

ألا يابن الذين فنوا فماتواأما والله ما ماتوا لتبقى
وما لك فاعلمن فيها مقامإذا استكملت آجالًا ورزقا

وموضع الإنكار ههنا أنه قال: آجالا ورزقا, وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، أو أن يقول: آجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال: آجالا, والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا, لما عيب؛ لأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة، لاختلاف ضروبها وأجناسها.

وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم، لمكان إمكانه من التصرف, وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين.

وكذلك ورد قوله تعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع.

وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع.

وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل الكلام، والأخذ في مقام الفصاحة والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه.

وينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾.

وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا الباب، وليس كذلك؛ لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون ﵉ أولًا في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى ﵇ ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.