١إِن يَكُن صَبرُ ذي الرَزِيَّةِ فَضلاً
تَكُنِ الأَفضَلَ الأَعَزَّ الأَجَلّا
الواحدي: أي كان صبر صاحب المصيبة عما أصيب به فضلا له فأنت الأفضل الأجل لزيادة صبرك على صبر غيرك والمعنى أنت أصبر ذوي الرزايا وأنت أفضلهم
٢وَبِأَلفاظِكَ اِهتَدى فَإِذا عَز
زاكَ قالَ الَّذي لَهُ قُلتُ قَبلا
الواحدي: أي الذي يعزيك منك تعلم ألفاظ التعزية فهو يقول لك في التعزية ما قلته قبل ذلك واستفاده منك فعزاك بما تعلمه منك ونصب قبلا على الظرف وجعله نكرة على حد قولك جئتك أولا وآخرا كما قال، وساغ لي الشراب وكنت قبلا، أكاد أغص بالماء القراح،
٣قَد بَلَوتَ الخُطوبَ مُرّاً وَحُلواً
وَسَلَكتَ الأَيّامَ حَزناً وَسَهلا
العكبري: الْغَرِيب الْحزن ضد السهل وَهُوَ مَا خشن من الأَرْض وارتفع والخطوب طوارق الْأَيَّام وَفِي الْبَيْت طباقان المر والحلو والحزن والسهل الْمَعْنى يَقُول قد خبرت طوارق الدَّهْر بمعرفتك وَعرفت حلوها ومرها بتجربتك وسرت فِي الْأَيَّام مَالِكًا صعبها تسلك مِنْهَا مَا صَعب وَسَهل وتعاني مَا بعد وَقرب ناهضا بِنَفْسِك مكتفيا بعلمك
٤وَقَتَلتَ الزَمانَ عِلماً فَما يُغـ
ـرِبُ قَولاً وَلا يُجَدِّدُ فِعلا
الواحدي: أي عرفت الزمان وألوانه وصروفه معرفة تامة فلا يأتي بشيء غريب ولا فعل جديد لم تره ولم تعرفه ومعنى قتلت الزمان علما أي علمت منه كل شيء حتى أذللته بعلمك ولينته لك ومعنى القتل في اللغة إزالة الحركة ومنه يقال شراب مقتول إذا كسرت سورته بالماء
العكبري: الْغَرِيب قتل الشَّيْء علما بُلُوغ غَايَة مَعْرفَته الْمَعْنى يُرِيد أَنْت عرفت الزَّمَان وأحواله وصروفه معرفَة تَامَّة فَلَا يَأْتِي بِشَيْء لم تعرفه وَلَا يفعل جَدِيدا لم تره فقد قتلته علما بأَمْره وإحاطة بِوُجُوه تصرفه فَمَا يسمعك قولا تستغربه وَلَا يجد ذَلِك فعلا تهيبه وَلَا يطرقك إِلَّا بِمَا قد عَرفته وأحطت بأمثاله وجربته وأجرى هَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَمن بديع الْكَلَام
٥أَجِدُ الحُزنَ فيكَ حِفظاً وَعَقلاً
وَأَراهُ في الخَلقِ ذُعراً وَجَهلاً
الواحدي: قال أبن فورجة يقول أنت إذا حزنت على هالك فإنما حزنت حفاظا منك لوده وصحبته ووفاء له والحفاظ والوفاء مما يدعو غليه العقل وغيرك يحزن ذعرا من ألم الفراق وجبنا منه وجهلا من غير معرفة بالسبب الموجب للحزن هذا كلامه وتفسير الحفظ على ما ذكره وأما تفسير العقل والذعر والجهل فلم يصب فيه والوجه أن يقال أراد بالعقل الاعتبار بمن مضى فأن العاقل إنما يحزن على الميت اعتبارا به وعلما أنه عن قريب سيتبعه على أثره وحزن غير العاقل يكون ذعرا من الموت وهو جهل لأنه ميت لا محالة وإن حزن
٦لَكَ إِلفٌ يَجُرُّهُ وَإِذا ما
كَرُمَ الأَصلُ كانَ لِلإِلفِ أَصلا
الواحدي: قال أبن جنى تجره تصحبه وتحمل ثقله وروى ابن فورجة يجره بالياء وهو الصواب والمعنى لك ألف يجر هذا الحزن ويجنيه عليك ثم ذكر أن الألف من كرم الأصل وأن الكريم ألوف وإذا كان الوفا حزن على فراق من ألفه
العكبري: الْغَرِيب الذعر الْفَزع وَالْخَوْف الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة إِذا حزنت على هَالك إِنَّمَا تحزن حفاظا مِنْك لمودة وصحبة ووفاء عهد وَالْوَفَاء والحفاظ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعقل وَغَيْرك يحزن خوفًا من ألم الْفِرَاق وجهلا من غير مَعْرفَته بِالسَّبَبِ الْمُوجب الْحزن قَالَ وَأما تَفْسِير الْعقل والذعر فَلم يصب فِيهِ وَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد بِالْعقلِ الِاعْتِبَار بِمن مضى فَإِن الْعَاقِل إِنَّمَا يحزن بِالْمَيتِ اعْتِبَارا بِهِ وعلما أَنه عَن قريب يتبعهُ وحزن غير الْعَاقِل إِنَّمَا يكون خوفًا من الْمَوْت وَهُوَ جهل لِأَنَّهُ ميت لَا محَالة وَإِن حزن انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى إِنَّمَا تحزن على من تصاب بِهِ من أحبتك حفظا لذمتهم ورعاية لحرمتهم وإنصافا وعقلا ووفاء وكرما وَأرَاهُ فِي غَيْرك خوفًا وجزعا وجهلا الْغَرِيب الإلف السّكُون إِلَى الشئ وَالْغِبْطَة بِهِ ألفت الشَّيْء إلفا وألفة ويجره وروى ابْن جنى بِالتَّاءِ وَقَالَ تسحبه وَقَالَ الْخَطِيب بِالْيَاءِ أَي يسحب إِلَيْك الْحزن الْمَعْنى يَقُول لَك إلْف يجر إِلَيْك الْحزن وَالْوَفَاء من كرم الأَصْل وَإِن الْكَرِيم أُلُوف وَإِذا كَانَ ألوفا حزن على فِرَاق من يألفه وَالْمعْنَى لَك إلْف لكرم صحبتك يجر الْحزن إِلَيْك مِمَّن تفقده من أحبتك وَيُوجب الإشفاق مِنْك على مواصلك وَكَذَلِكَ الأَصْل إِذا كَانَ كَرِيمًا كأصلك مُتَمَكنًا فِي مثل نِصَاب شرفك كَانَ أصلا لكريم المواصلة والمؤالفة وباعثا على مشكور العاملة فمنزلتك من الشّرف تضمن الْفضل عَنْك ومحلك من الْكَرم يُوجب حسن المؤالفة وَالرِّوَايَة الجيدة بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا
٧وَوَفاءٌ نَبَتَّ فيهِ وَلَكِن
لَم يَزَل لِلوَفاءِ أَهلُكَ أَهلا
الواحدي: يروى فيه قديما يقول لك وفاء نشأت عليه فلا تعرف غير الوفاء للأحباب وقوله ولكن هو استثناء معروف على مذهب العرب يقولون فلان شريف غير أنه سخي قال أحمد بن يحيى هذا استثناء قيس وأنشد، فتى كملت أخلاقه غير أنه، جواد فما يبقى من المال باقيا،
العكبري: الْإِعْرَاب قَوْله وَلَكِن هُوَ على سَبِيل الأستثناء كَمَا تَقول زيد شرِيف غير أَنه سخى فَهُوَ مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الْمَعْنى لَك وَفَاء نشأت فِيهِ فَلَا تعرف غير الْوَفَاء للأحباب وَالْمعْنَى ويجر عَلَيْك الْحزن بالمفقودة وَفَاء ورثته من آبَائِك وعشيرتك كَانَت فِيهِ نشأتك وَنبت عَلَيْهِ فِي سالف مدتك وَلم يزل أهلك أهل الْوَفَاء وَالْكَرم وأرباب الفواضل وَالنعَم فَأَنت من الْإِنْصَاف على وراثة سالفة وَمن الْوَفَاء وَالْكَرم على أولية متقادمة
٨إِنَّ خَيرَ الدُموعِ عَوناً لَدَمعٌ
بَعَثَتهُ رِعايَةٌ فَاِستَهَلّا
الواحدي: ويروى عندي لدمع يريد أن الدمع الذي سببه رعاية العهد هو خير الدموع عونا على الحزن والمصيبة وذلك أن الدمع يخفف برح الوجد كما قال ذو الرمة، لعل انحدار الدمع يعقب راحة، من الوجد أو يشفى نجي البلابل، روى أبن جنى عينا قال وهو منصوب على التمييز كقولك أن أحسن الناس وجها لزيد والمعنى أن عينه خير الأعين لأن موجب دمعه حتى استهل وفاض الرعاية والحفاظ
العكبري: الْإِعْرَاب نصب عينا على التَّمْيِيز كَقَوْلِك إِن احسن النَّاس وَجها لزيد وروى الْجَمَاعَة غير أبي الْفَتْح عونا وَهِي أحسن من رِوَايَة أبي الْفَتْح وبرواية أبي الْفَتْح قَرَأت على شَيْخي أبي الْحرم بالموصل وبالروايتين قَرَأت على شَيْخي أبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم الْغَرِيب الرِّعَايَة حسن الْمُحَافظَة والاستهلال الانسكاب الْمَعْنى يَقُول إِن خير الدُّمُوع لدمع سَببه رِعَايَة الْعَهْد وَهُوَ عون على الْحزن وَذَلِكَ أَن الدمع يُخَفف برح الوجد كَمَا قَالَ ذُو الرمة (لعلَّ انْحِدَارَ الدَّمع يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ تُشْفَى لِدَاء بَلابِلُ) وَالْمعْنَى إِن خير الدُّمُوع الْجَارِيَة وَأَرْفَع الْعُيُون الباكية دمع بعتت الرِّعَايَة عَلَيْهِ وَأَشَارَ الْوَفَاء وَالْكَرم إِلَيْهِ فانحدر وانسكب وتصبب
٩أَينَ ذي الرِقَّةُ الَّتي لَكَ في الحَر
بِ إِذا اِستُكرِهَ الحَديدُ وَصَلّا
الواحدي: أي هذه الرقة والرحمة التي نشاهدها منك أين هي في الحرب إذا أكره الحديد على الضرب وصل بقرع بعضه بعضا ويجوز أن يكون المعنى إذا استكره ضرب الحديد وقد نظر في هذا إلى قول لبيد، كل حرباء إذا أكره صل، والمعنى من قول البحتري، لم يكن قلبك الرقيق رقيقا، لا ولا وجهك المصون مصونا،
العكبري: الْغَرِيب صل الْحَدِيد يصل إِذا صَوت والصليل امتداد الصَّوْت وصلصلة اللجام صَوته وَيُرِيد إِذا استكره ضرب الْحَدِيد وَفِيه نظر إِلَى قَول لبيد (أحْكَمُ الجِنْثَّى منْ عَوْرَاتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذَا أُكْرِهَ صَلّ) الْمَعْنى يَقُول أَيْن هَذِه الرقة الَّتِي نشهدها والشفقة الَّتِي نبصرها مِنْك عِنْد تقلدك الْحَرْب واقتحامك فِي شدائدها ونفاك فِي مضايقها حِين يستكره الْحَدِيد فِي رُءُوس الرِّجَال وَيكثر صليله بتجالد الْأَبْطَال وَهُوَ من قَول البحتري (لِمْ يكُنْ قَلْبُكَ الرَّقيقُ رَقيقا ... لَا وَلا وَجْهُكَ المَصُونُ مَصُونا)
١٠أَينَ خَلَّفتَها غَداةَ لَقيتَ الـ
ـرومَ وَالهامُ بِالصَوارِمِ تُفلى
الواحدي: وروى ابن جنى أين غادرتها يقول أين تركت رقتك يوم الحرب إذ طلبت الرؤوس بالسيوف من جميع الجهات كالفالي يتبع كل موضع من الرأس ويروى تقلى أين يرمى بها كالقلة
العكبري: الْغَرِيب تفلى من فليت رَأسه إِذا فصلت الْقمل مِنْهُ وَأَصله من فلوت الفلو عَن أمه إِذا أَنْت فصلته عَنْهَا وَفِي الحَدِيث كَانَ ﵊ يدْخل على أم حرَام بنت ملْحَان فتفلي رَأسه وَهَذِه خَالَة أنس بن مَالك وَكَانَت تَحت عبَادَة بن الصَّامِت وَتوفيت مَعَ زَوجهَا فِي غزَاة بِفَارِس فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قبله أَيْن خلفت هَذِه الرقة عِنْد لقائك الرّوم وإيقاعك بهم وإقدامك عَلَيْهِم والرءوس تفلى بِالسُّيُوفِ والنفوس تخترم بالحتوف قَالَ الواحدي ويروى تقلى بِالْقَافِ أَي ترمى كالقلة
١١قاسَمَتكَ المَنونُ شَخصَينِ جَوراً
جَعَلَ القِسمُ نَفسَهُ فيكَ عَدلا
الواحدي: المنون المنية والمنون الدهر ويجوز تذكيره وتأنيثه يقول قاسمك الموت أو الزمان شخصين يعني أختيه فاذهب إحداهما وترك الأخرى وكانت هذه المقاسمة جورا لأنه كان من حقك أن يتركهما عندك ولكن هذا الجور عدل فيك حيث تركك حيا وكانت المقاسمة معك في الأختين والمعنى إذا كنت أنت البقية فالجور عدل هذا إذا نصبت القسم وجعلت الفعل للجور وروى قوم جعل القسم نفسه فيه عدلا في الجور لأنه وإن كان أخذ الصغرى فقد ترك الكبرى ويدل على صحة هذا قوله
العكبري: الْغَرِيب الْمنون الْمنية والمنون الدَّهْر وَيجوز تذكيره وتأنيثه وَيَأْتِي بِمَعْنى الْجمع وَبِمَعْنى الْإِفْرَاد قَالَ عدي بن زيد (مَن رأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذَا عَليْهِ مِنْ أنْ تُضَامُ خَفِيرُ) وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب (أمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِها تَتَوَجَّعُ ... ) فروى وريبها بالتذكير والتأنيث وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النَّحْوِيّ الْمَقْدِسِي الْمنون اسْم مُفْرد وَلَا يكون جمعا وَقَول عدي بن زيد خلدن فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْألف وَاللَّام الْجِنْس كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن﴾ وَسبب ذَلِك كَون الْألف وَاللَّام تصير الطِّفْل بِمَعْنى الْأَطْفَال وَالسَّمَاء بِمَعْنى السَّمَوَات الْمَعْنى أَنه يعزيه بالكبرى الْبَاقِيَة فَيَقُول قاسمك الْمَوْت شَخْصَيْنِ فَذهب بِإِحْدَاهُمَا وَترك الْأُخْرَى فَكَانَت هَذِه الْمُقَاسَمَة جورا لِأَنَّهُ كَانَ من حَقك أَن يتركهما وَلَكِن هَذَا الْجور عدل فِيك حَيْثُ تَركك حَيا وَكَانَت الْمُقَاسَمَة مَعَك فِي الْأُخْتَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كنت أَنْت الْبَقِيَّة فالجور عدل هَذَا إِذا نصيب الْقسم وَجعل الْفِعْل للجور وَمن روى جعل الْقسم نَفسه فِيهِ عدلا يُرِيد أَن الْقسم جعل نَفسه عدلا فِي الْجور لِأَنَّهُ وَإِن أَخذ الصُّغْرَى فقد أبقى الْكُبْرَى ويصحح هَذَا قَوْله فَإِذا قست وَالْمعْنَى أَن الْمَوْت وَإِن كَانَ لَا بُد مِنْهُ وَلَا مخلص لأحد عَنهُ فقد متعك بالإكرام عَلَيْك وَأبقى لَك أحب الشخصين إِلَيْك
١٢وَتَيَقَّنتَ أَنَّ حَظَّكَ أَوفى
وَتَبَيَّنتَ أَنَّ جَدَّكَ أَعلى
العكبري: الْغَرِيب أغدرن مثل غادرن وَهُوَ الْإِبْقَاء وَالتّرْك وسرى أذهب وسلى أَي عزى الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لَهُ إِذا تَأَمَّلت تبينت أَن حظك فِي هَذِه الْقِسْمَة أَو فِي وأكمل وَجدك أَعلَى وَأفضل لِأَن الْمنون الَّتِي قاسمك لَا مدفع لَهَا وَقد آثرتك بالحظ الأوفر واقتصرت على الْمَفْقُود الْأَصْغَر وَهَذَا الْكَلَام على تجوز الشُّعَرَاء وتزيدهم
١٣وَلَعَمري لَقَد شَغَلتَ المَنايا
بِالأَعادي فَكَيفَ يَطلَبنَ شُغلا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول لقد شغلت المنايا بِمَا تواصله فِي أعدائك من الْقَتْل وَمَا توجبه عَلَيْهِم من الْهَلَاك فِي الْحَرْب فَكيف تطلب المنايا شغلا بغيرهم يُشِير إِلَى أَن الْمَوْت من أعوانه إِلَى أعدائه فَكيف يتخطى إِلَى ذِي قرَابَته وَخَالف مُرَاده فِي أهل عنايته
١٤وَكَمِ اِنتَشتَ بِالسُيوفِ مِنَ الدَهـ
ـرِ أَسيراً وَبِالنَوالِ مُقِلّا
الواحدي: يقال انتاشه من صرعته إذا نعشه يقول كم نعشت ونصرت أسيرا للزمان بسيفك فاستنقذته من الأسر وكم من مقل عديم نصرته بنوالك وجبرته على كره الزمان
١٥عَدَّها نُصرَةً عَلَيهِ فَلَمّا
صالَ خَتلاً رَآهُ أَدرَكَ تَبلا
الواحدي: أي عد الزمان أفعالك نصرة عليه ومراغمة له فلما صال على أختك رأى نفسه قد أدرك تبلا لأنه حقد عليك ما فعلته وقوله رآه الضمير يعود على الدهر كقوله تعالى أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
العكبري: الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي رَآهُ للدهر وَهِي من رُؤْيَة الْقلب كَمَا يَقُول الْأَعْمَى رَأَيْت زيدا ذَا مَال أَي عَلمته وعدها فِيهِ ضمير للدهر وَالْمَفْعُول لأفعال سيف الدولة الْغَرِيب صال وثب واستطال صولا وصولة وَفِي الْمثل رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة والتبل الحقد والعداوة والختل افتراس الشَّيْء على خديعة وَحين غَفلَة الْمَعْنى يَقُول عد الدَّهْر فعلك نصْرَة عَلَيْهِ ومراغمة لَهُ فَلَمَّا استطال عَلَيْك بِأخذ أختك رأى نَفسه قد أدْرك حقدا لِأَنَّهُ قد حقد عَلَيْك مِمَّا فعلته من فك الْأُسَارَى وإعناء المقلين وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر عد فعلك نصْرَة عَلَيْهِ فصَال على أختك مخاتلا غير مجاهر ومخادعا غير مُكَاثِر فَرَأى نَفسه مدْركا مِنْك ثأرا طلبه ومجازيا بضغن اعتقده
١٦كَذَبَتهُ ظُنونُهُ أَنتَ تُبلي
هِ وَتَبقى في نِعمَةٍ لَيسَ تَبلى
الواحدي: يقول ليس كما ظن الزمان أنه أدرك منك تبلا لأنك تبلى الزمان وتبقى أنت وإذا كان الأمر كذلك لم يقدر الزمان على ادراك الثأر منك
العكبري: الْمَعْنى يَقُول كذبت الدَّهْر ظنونه فِيمَا رامك من الشكل وعرضك لَهُ من الْحزن أَنْت تبليه بطول سلامتك وتغلبه باتصال سعادتك ويبقيك الله فِي نعْمَة لَا تبلى سابغة لَا تنقص تَامَّة نامية
١٧وَلَقَد رامَكَ العُداةُ كَما را
مَ فَلَم يَجرَحوا لِشَخصِكَ ظِلّا
الواحدي: يقول الأعداء طلبوا أن ينالوا منك كما طلب الزمان فلم يقدروا أن يصيبوا ظل شخصك فمتى يقدرون أن يصيبوا شخصك والمعنى لم يقاربوك بسوء وذلك أن ظله يقرب منه
١٨وَلَقَد رُمتَ بِالسَعادَةِ بَعضاً
مِن نُفوسِ العِدا فَأَدرَكتَ كُلّاً
الواحدي: أنت طلبت البعض منهم فأدركت الكل بما أعطيت من السعادة في الظفر بالأعداء
١٩قارَعَت رُمحَكَ الرِماحُ وَلَكِن
تَرَكَ الرامِحينَ رُمحَكَ عُزلا
الواحدي: أي غلبتهم حتى سلبت رماحهم وتركتهم عزلا لا سلاح معهم
العكبري: الْغَرِيب القرع الضَّرْب والرامحين جمع رامح وَهُوَ الَّذِي يحمل الرمْح وعزل جمع أعزل وَهُوَ الَّذِي لَا رمح مَعَه الْمَعْنى يَقُول لما ناولت الأقران وطاعنت الفرسان قارعت رمحك رماحهم وَأَنت بِشدَّة قرعك وَزِيَادَة قوتك أطرت رماح الطاعنين لَك وأسقطتها من أَيدي المترسمين بك فصاروا عزلا بَين يَديك عاجزين عَن الْإِقْدَام عَلَيْك يُشِير إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من الحذق بالطعن والاقتدار على التَّصَرُّف فِي الْحَرْب
٢٠لَو يَكونُ الَّذي وَرَدتَ مِنَ الفَجـ
ـعَةِ طَعناً أَورَدتَهُ الخَيلَ قُبلا
الواحدي: يقول لو كان الذي أصابك من الرزية طعانا لأوردته خيلك قبلا وهي التي تقبل بإحدى عينيها على الأخرى عزة وتشاوسا
العكبري: الْغَرِيب الْقبل جمع أقبل وَهُوَ الَّذِي يقبل إِحْدَى عَيْنَيْهِ على الْأُخْرَى عزة وتشاوسا وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ ضد الْحول لِأَن الْحول أَن تخَالف إِحْدَى الْعَينَيْنِ الْأُخْرَى وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْقبل فِي الْعين إقبال السوَاد على الْأنف وَقد قبلت عينه وأقبلتها أَنا وَرجل أقبل بَين الْقبل وَهُوَ الَّذِي كَأَنَّهُ ينظر إِلَى طرف أَنفه قَالَت الخنساء (وَلمَّا أنْ رأيْتَ الخَيْلَ قُبْلاً ... تُبارٍ ي بالخُدُودٍ شَبا الْعَوَالِي) الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الَّذِي أَصَابَك من الرزية طَعنا لأوردته خيلا قبلا جمع أقبل وَالْمعْنَى لَو يكون الَّذِي طرقك من فجيعتك طعانا ومنازلة وقتالا ومفاوزة لأوردت ذَلِك الموطن الْخَيل قبلا مُقَدّمَة ولأقحمتها على الْمَوْت أَشد الإقحام مُكْرَهَة
٢١وَلَكَشَفتَ ذا الحَنينِ بِضَربٍ
طالَما كَشَّفَ الكُروبَ وَجَلّى
الواحدي: أي ولكشفت عن نفسك هذا الحنين الذي تجده إلى المفقود بضرب كشف الكرب من أولياءك وجلاها عنهم كثيرا قديما
العكبري: الْغَرِيب الحنين صَوت يَبْعَثهُ الْحزن والاشتياق وَهُوَ الشوق أَيْضا يُقَال من إِلَيْهِ يحن حنينا فَهُوَ حَان الْمَعْنى يَقُول ولكشفت عَن نَفسك ذَا الحنين الَّذِي تَجدهُ على الْمَفْقُود بِضَرْب كشف الكروب عَن أَصْحَابك وجلاها عَنْهُم وَالْمعْنَى يَقُول لَو كَانَ هَذَا الحنين الْمُتَّصِل على رزيتك مِمَّا يستدفع بمغالبة ويستكشف بمكاثرة لكشفته بِضَرْب بَالغ وإقدام على الْمَوْت صَادِق فطالما كشف الكروب الموجعة وجلى المخافات المفزعة وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِشدَّة وَلَا يعتصم مِنْهُ بِقُوَّة
٢٢خِطبَةٌ لِلحِمامِ لَيسَ لَها رَد
دٌ وَإِن كانَتِ المُسَمّاةَ ثُكلا
الواحدي: يريد أن الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للميت وإن كانت تلك الخطبة تسمى ثكلا هذا إذا ننصبت المسماة على خبر كان وانتصبت ثكلا بالمسماة على معنى أن الخطبة سميت ثكلا وإن رفعت المسماة فالمعنى وإن كانت هذه التي سميتها يعني ذكرتها ثكلا وانتصب ثكلا بخبر كان
العكبري: الْإِعْرَاب من روى الْمُسَمَّاة بِالرَّفْع جعل ثكلا خبر كَانَ وَمن نصب الْمُسَمَّاة جعلهَا خبر كَانَ وَنصب ثكلا بالمسماة كَقَوْلِك ضربت المعاطاة درهما الْغَرِيب الْخطْبَة الْإِرْسَال فِي طلب النِّكَاح وَالْحمام الْمَوْت والثكل الْمُصِيبَة بِالْوَلَدِ وَمَا أشبهه من الْأَحِبَّة وَذَوي الْقَرَابَة الْمَعْنى يَقُول كَانَت هَذِه الْوَفَاة خطْبَة من الْمَوْت لَا ترد وَلَا تمنع ورغبة وَإِن كَانَ أسمها ثكلا وفجعة ورزاءا ومصيبة فَهِيَ للْمَوْت فَائِدَة ومنزلة ورفعة بجلالة من ظفر بهَا وعلو مَنْزِلَته الَّتِي عرض لَهَا
٢٣وَإِذا لَم تَجِد مِنَ الناسِ كُفواً
ذاتُ خِدرٍ أَرادَتِ المَوتَ بَعلا
الواحدي: يقول المرأة الشريفة إذا لم تجد لها كفوا من الناس أرادت ان يكون الموت لها كالبعل لأنها إذا عاشت وحدها لم تنتفع بالدنيا وبشبابها فاختارت الموت على الحياة
العكبري: الْغَرِيب الكفو الْمثل والخدر الْخَيْمَة والكلة والحجال والبعل الزَّوْج الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَت ذَات الخدر لَا تَجِد من النَّاس كفوا أَرَادَت الْمَوْت أَن يكون بعلا لَهَا يتكفل بصيانها وَيذْهب بهَا موفيا لحق جلالتها دون أَن تتملك بِالنِّكَاحِ تملك سَائِر النَّاس وَذَوَات النظراء والأكفاء وَقَالَ الواحدي أَرَادَت الْمَوْت لِأَنَّهَا إِذا عاشت وَحدهَا لم تنْتَفع بلذة الْحَيَاة وشبابها فَاخْتَارَتْ الْمَوْت على الْحَيَاة إِذْ لم تَجِد كفوا من الْأزْوَاج
٢٤وَلَذيذُ الحَياةِ أَنفَسُ في النَفـ
ـسِ وَأَشهى مِن أَن يُمَلَّ وَأَحلى
الواحدي: يريد أن الحياة لا تمل وأنها أعز وأحلى من أن يملها صاحبها
العكبري: الْغَرِيب اللذيذ الْمُسْتَحبّ والنفيس الرفيع الْمَطْلُوب الْمَعْنى يَقُول الْحَيَاة لَا تمل وَهِي أعز وَأحلى من أَن يملها صَاحبهَا وَالْمعْنَى مَا تستلذه انفس النَّاس من الْحَيَاة أنفس فِيهَا وأشهى إِلَيْهَا من أَن يمل ذَلِك ويستطال وَيكرهُ وَلَا يستدام وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم إِذا تجوهرت النَّفس تعلّقت بالعالم الْعلوِي فَلَا تسكن إِلَى الهمم الترابية وَلَا يعترضها ملل
٢٥وَإِذا الشَيخُ قالَ أُفٍّ فَما مَل
لَ حَياةً وَإِنَّما الضَعفَ مَلّا
الواحدي: أف كلمة يقولها المتضجر الكاره للشيء يقول إذا ضجر الشيخ فقال أف فإن ذلك الضجر والملال من ضعف الكبر لا من الحياة
العكبري: الْغَرِيب أُفٍّ كلمة المتضجر وآف لَهُ بِمَعْنى ويل لَهُ فِيهَا لُغَات بالحركات الثَّلَاث مَعَ التَّنْوِين وَغير التَّنْوِين واف بِالْمدِّ وَقد قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر بِالْفَتْح من غير تَنْوِين وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص بِالْكَسْرِ والتنوين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ من غير تَنْوِين وَفِي الضعْف لُغَتَانِ فتح الضَّاد وَضمّهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قدم وَإِذا قَالَ الشَّيْخ أُفٍّ لنَفسِهِ وَأظْهر الاستطالة لمُدَّة عمره فَلم يكن ذَلِك لِأَنَّهُ مل الْحَيَاة وسئمها فَإِنَّمَا مل الضعْف والهرم واستكره الْكبر والألم وَهَذِه إِشَارَة إِلَى أَن الْحَيَاة تألفها طباع الْبشر وتستحب فِي الشبيبة وَالْكبر وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم الكلال والملال يتعلقان بالأجسام لضعف آلَة الْجِسْم
٢٦آلَةُ العَيشِ صِحَّةٌ وَشَبابٌ
فَإِذا وَلَّيا عَنِ المَرءِ وَلّى
الواحدي: أي العيش إنما يحلو ويطيب بالشباب وصحة البدن فإذا لم يكن في العيش صحة وشباب فسد العيش وولى بذهابهما
العكبري: الْمَعْنى إِن الْعَيْش إِنَّمَا يطيب بالشباب وَصِحَّة الْجِسْم فَإِذا ذَهَبا عَن الْإِنْسَان فسد عيشه وَالْمعْنَى آلَة الْعَيْش وبهجته وَحَقِيقَته الشَّبَاب وَالصِّحَّة والإقبال وَالْقُوَّة فَإِذا ذهب ذَلِك ولى وَأدبر وتنغص عَلَيْهِ وتكدر
٢٧أَبَداً تَستَرِدُّ ما تَهَبُ الدُن
يا فَيا لَيتَ جودَها كانَ بُخلا
الواحدي: يقول الدنيا تعود على ما تهب فتأخذه فليتها بخلت وما جادت كما قال الحلاج، والمنع خير من عطاء مكدر، وهذا من قول الأول، الدهر آخذ ما أعطى مكدر ما، أصفى ومفسد ما أهوى له بيد، فلا يغرنك من دهر عطيته، فليس يترك ما أعطى على أحد،
العكبري: الْإِعْرَاب الدُّنْيَا مَرْفُوعَة بتسترد عندنَا وبتهب عِنْد الْبَصرِيين لأَنهم يعْملُونَ الثَّانِي وَبِه جَاءَ الْقُرْآن وإعمال الأول جَاءَ فِي الْأَشْعَار كثيرا الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا تسترد مَا تهب فليتها تخلت وَمَا جَادَتْ وَالْمعْنَى أَن الدُّنْيَا مستحيلة منتقلة متغيرة تسترد هبتها وتكدر مشربها وَتعقب الْبَقَاء بالفناء والسراء بالضراء فيا لَيْت الْحَيَاة الَّتِي جَادَتْ بهَا واخترعت الْأَنْفس بحبها لم تكن وَاقعَة وَلم تُوجد النُّفُوس إِلَيْهَا سَاكِنة وليتها بخلت بِمَا جَادَتْ ببذله ومنعت مَا تسرعت إِلَى فعله وَهَذَا كَقَوْل الجلاح (وَللْمَنْعٌ خَيرٌ من عَطاءِ مُكَدَّر ... ) وكما قَالَ الآخر (الدَّهُر آخذُ مَا أعطَى مُكَدِّرُ مَا ... أصْفَى وَمُفْسِدٌ ماأهْوَى لًهُ بيد) (فَلا يَغُرَّنْكَ مِنْ دَهْرٍ عَطِيَّتُهُ ... فليسَ يَترُكُ مَا أعْطى عَلى أحَد) وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الدُّنْيَا تطعم أَوْلَادهَا وتأكل ولادها
٢٨فَكَفَت كَونَ فَرحَةٍ تورِثُ الغَمـ
ـمَ وَخِلٍّ يُغادِرُ الوَجدَ خِلّا
الواحدي: هذا جواب التمني في قوله فيا ليت أي لو بخلت ولم تجد لكفتنا فرحة بوجود شيء يعقب غما بفقه وكفت كون خليل يترك الوجد خليلا إذا مات
العكبري: الْغَرِيب الْخلّ الْخَلِيل والصاحب الْمَعْنى يَقُول لَو بخلت وَلم تَجِد لكفتنا فرحة بِوُجُود شَيْء يعقب لفقده عَمَّا فَكَانَت تكفى أَهلهَا بذلك فرحة تُؤدِّي إِلَى غم ومسرة تئول إِلَى حزن وَكَون خَلِيل يؤنس بِقُرْبِهِ وتتأكد البصيرة فِي حبه ثمَّ تخترمه الْمنية وتغادر الْهم خَلِيلًا للحازن عَلَيْهِ وإلفا لذِي الوجد المشتاق إِلَيْهِ فالدنيا مثل رجل وهب لرجل شَيْئا فَلَمَّا فَرح بِهِ أَخذه مِنْهُ فَكَانَ أسفه عَلَيْهِ أَكثر من فرحه بِهِ
٢٩وَهيَ مَعشوقَةٌ عَلى الغَدرِ لا تَحـ
ـفَظُ عَهداً وَلا تُتَمِّمُ وَصلاً
الواحدي: والدنيا على غدرها بالناس وما ذكر من استرجاعها ما تعطى معشوقة محبوبة ثم ذكر أنه لا تحفظ لأحد عهدا لأنها تقطع الوصل ولا تدوم على العهد
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هِيَ على هَذِه الْحَالة من الْغدر وَالرُّجُوع فِي الْهِبَة محبوبة وَالْمعْنَى أَنَّهَا محبوبة عِنْد أَهلهَا على كَثْرَة غدرها ومحبوبة أَيْضا على قلَّة وفائها لَهُم لَا تتمّ وَصلهَا وَلَا يشْكر من صحبها فعلهَا
٣٠كُلِّ دَمعٍ يَسيلُ مِنها عَلَيها
وَبِفَكِّ اليَدَينِ عَنها تُخَلّى
الواحدي: أي كل من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منه ولا يخلى الإنسان يديه عنها إلا قسرا بفك يديه
العكبري: الْمَعْنى يُرِيد كل من أبكته الدُّنْيَا إِنَّمَا يبكي عَلَيْهَا وَلَا يخلى الْإِنْسَان يَدَيْهِ عَنْهَا إِلَّا قسرا يحل يديه مِنْهَا وَالْمعْنَى كل دمع تسيا فَإِنَّمَا هُوَ أَسف على مفارقتها وكل حزن تَبعته فَإِنَّمَا ذَلِك إشفاق على مباعدتها وبحل الْيَدَيْنِ المتمسكتين تتْرك وتزايل وبفكها عَنْهَا تخلى وتباين وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْمَوْت الَّذِي يغلب أهل الدُّنْيَا على قربهَا ويخرجهم عَنْهَا مَعَ كلفهم بحبها
٣١شِيَمُ الغانِياتِ فيها فَلا أَد
ري لِذا أَنَّثَ اِسمَها الناسُ أَم لا
الواحدي: يقول عادة الدنيا كعادة النساء لا يدمن على الوصل ولا يحفظن العهد ولا أدري هل أنثت الدنيا لهذه المشابهة بالنساء أم لا قال ابن جنى هو يعلم أنها لم تؤنث لأنها تشبه الغواني ولكنه أظهر تجاهلا لعذوبة الفظ وصنعة الشعر
العكبري: الْغَرِيب الشيم الطبائع وَاحِدهَا شِيمَة والغانيات النِّسَاء الشواب الْوَاحِد غانية وَقيل هِيَ ذَات الزَّوْج الَّتِي قد غنيت بزوجها قَالَ جميل (أُحِبُّ الأَيامَي إذْ بُثَيْنَةُ أيّمُ ... وأحْبَبْتُ لَمَّا أنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا) وَقيل غنيت بحسنها وجمالها الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا طبعها طبع الغواني يُشِير إِلَى مَا هن عَلَيْهِ من عدم الصيانة لود وَقلة الْإِقَامَة على الْعَهْد وتخلق الدُّنْيَا بِهَذِهِ الخليقة واحتمالها على هَذِه الطَّرِيقَة فَلَا أدرى لهَذَا التَّمْثِيل أنث اسْمهَا النَّاس وَهَذَا من بَاب التجاهل لعذوبة اللَّفْظ وصنعة الشّعْر كَمَا قَالَ زُهَيْر (وَما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أدْرِي ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ) يدْرِي أَنهم رجال وَلكنه تعامى عَن هَذَا لِأَن فِيهِ ضربا من الهزء بهم
٣٢يا مَليكَ الوَرى المُفَرِّقَ مَحياً
وَمَماتاً فيهِم وَعِزّاً وَذُلّا
العكبري: الْإِعْرَاب فِي بعض النّسخ المفرق بِالرَّفْع وَهُوَ خطأ لِأَن الْمُضَاف إِذا وصف بمفرد لَا يجوز فِيهِ سوى النصب الْمَعْنى يَقُول يَا مليك والمليك وَالْملك وَالْمَالِك بِمَعْنى يُرِيد يَا أَيهَا المليك الْجَلِيل قدره الْمَشْهُور فَضله الَّذِي تسلم الْحَيَاة بموالاته ويتعرض للْمَوْت وَالْقَتْل بمعاداته وَيقسم الْعِزّ بِطَاعَتِهِ والذل بمعصيته وتفرق هَذِه الْأَحْوَال فِيمَن وَالَاهُ وَوَافَقَهُ ونابذه وَخَالفهُ
٣٣قَلَّدَ اللَهُ دَولَةً سَيفُها أَنـ
ـتَ حُساماً بِالمَكرُماتِ مُحَلّى
العكبري: الْمَعْنى يَقُول قد قلد الله دولة جعلك سيفها المحامي عَن حوزتها وحائطها المدافع عَن بيضها حساما حلاه بالمناقب والفضائل وزينه بالمحاسن والمكارم فَهُوَ يحمي تِلْكَ الدولة ويزينها ويعز تِلْكَ المملكة ويمكنها
٣٤فَبِهِ أَغنَتِ المَوالِيَ بَذلاً
وَبِهِ أَفنَتِ الأَعادِيَ قَتلا
العكبري: الْمَعْنى يَقُول بذلك السَّيْف أغنت هَذِه الدولة أولياءها بذلا ومكارمة وَبِه أفنت أعاديها قتلا ومراغمة فَهُوَ يحي الموَالِي بِمَالِه وَيُمِيت الأعادي بِسَيْفِهِ وَرِجَاله
٣٥وَإِذَ الأَرضُ أَظلَمَت كانَ شَمساً
وَإِذا الأَرضُ أَمحَلَت كانَ وَبلاً
العكبري: الْغَرِيب الْمحل قلَّة النَّبَات فِي الأَرْض من عدم الْمَطَر والوبل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة إِذا أَمْحَلت الأَرْض وأعتمت خطوبها كَانَ كَالشَّمْسِ المشرقة وَإِذا اتَّصَلت محولها كَانَ جوده كالسحاب المغدقة فينير إِذا استبهم الْأَمر ويجود إِذا بخل الدَّهْر
٣٦وَهُوَ الضارِبُ الكَتيبَةِ وَالطَع
نَةُ تَغلو وَالضَربُ أَغلى وَأَغلى
الواحدي: يقول هو الذي يضرب الديش إذا اشتد المر وصعبت الحال وغلت الطعنة أي عز وجودها من غلال المبيع وإذا غلت الطعنة كان الضرب أغلى من الطعنة لحاجة الضارب إلى مزية إقدام قال ابن فورجة يريد إذا لم يقدر على الدنو من العدو قيد رمحٍ فالدنو إليه قيد سيف اصعب والمعنى أنه يضرب بسيفه حين يعدم الطاعن والضارب
العكبري: الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يضْرب الْجَيْش إِذا اشْتَدَّ الْأَمر وصعب الْحَال وغلت الطعنة أَي عز وجودهَا وَإِذا غلت الطعنة كَانَ الضَّرْب أغْلى من الطعْن لحَاجَة الضَّارِب إِلَى مزِيد إقدام وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد إِذا لم يقدر على الدنو من الْعَدو قيد رمح فالدنو إِلَيْهِ قيد سيف أصعب يُرِيد أَنه يضْرب بِسَيْفِهِ حِين لَا يقدم الطاعن والضارب وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد إِن كَانَ الطعْن صعبا على الطاعن فَهُوَ ايسر من الضَّرْب لِأَن بعد الطاعن عَن عدوه أَكثر من يعد الضَّارِب والرامي ابعد من الطاعن وَقد رتبه زُهَيْر بقوله (يطْعُنْهُمْ مَا ارْتَمُوا حَتَّى إذَا اطَّعَنُوا ... ضَارَبَ حَتَّى إِذا مَا ضَارَبُوا اعْتَنَقا) وَمعنى الْبَيْت يَقُول هُوَ الضَّارِب الْجَمَاعَة من الْخَيل والكتيبة من الْجَيْش وَالْحَرب متوقدة ونيرانها مضطرمة والطعن بَين الفرسان يغلو ويشرف ويشتد ويفرط وَالضَّرْب أَعلَى وأفرط وَأَشد وأبلغ فَدلَّ على أَن سيف الدولة عِنْد اشتداد الْحَرْب يقتحم الْكَتَائِب بِنَفسِهِ ويستخف ذَلِك بِشدَّة باسه
٣٧أَيُّها الباهِرُ العُقولَ فَما تُد
رَكُ وَصفاً أَتعَبتَ فِكري فَمَهلا
الواحدي: يقول يا من غلب العقول بما أظهر من بدائع أفعاله فما تدرك العقول وصفا له أتعبت فكري لأنه لا يبلغنك فمهلا أي أرفق وروى ابن جنى فما يدرك ثم فسر هذا المعنى وأكده بقوله
العكبري: الْإِعْرَاب الْعُقُول بِالنّصب هُوَ الأَصْل وبالخفض تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَنصب وَصفا على التَّمْيِيز وروى ابْن جنى يدْرك بِالْيَاءِ وروى غَيره بِالتَّاءِ وَكسر الرَّاء وَالضَّمِير للعقول وروى جمَاعَة تدْرك على الْخطاب للمدوح وَهُوَ الْأَحْسَن الْغَرِيب الباهر الْغَالِب الْمَعْنى يَقُول يَا من غلب الْعُقُول بِمَا ظهر من بَدَائِع أَفعاله فَمَا تدْرك الْعُقُول على الرِّوَايَة بِكَسْر الرَّاء وَصفا لَهُ أَتعبت فكري فمهلا أَي ارْفُقْ وَالْمعْنَى أَيهَا الْملك الَّذِي بهر الْعُقُول بِكَثْرَة فضائله وأعجز الْأَوْصَاف بتتابع مكارمه مهلا على فكري فقد أتعبته ورفقا بِمَا أنظم فِيك فقد أَعْجَزته
٣٨مَن تَعاطى تَشَبُّهاً بِكَ أَعيا
هُ وَمَن دَلَّ في طَريقِكَ ضَلّا
الواحدي: من أراد أن يتشبه بك في كرم أخلاقك أعجزه ذلك فلم يقدر على التشبه بك ومن سلك طريقك ضل فيه أي لم يقدر على مجاراتك فيما تسلكه من طريقك
٣٩فَإِذا ما اِشتَهى خُلودَكَ داعٍ
قالَ لا زُلتَ أَو تَرى لَكَ مِثلا
الواحدي: يقول إذا دعا لك بالخلود داعٍ قال لامت حتى ترى نظيرك ولا ترى أبدا لك نظيرا فلا تزال باقيا وقال يذكر نهوض سيف الدولة إلى ثغر الحدث لما بلغه أن الروم قد احاطت به في جمادي الأولى سنة ٣٤٤
العكبري: الْمَعْنى يَقُول إِذا دَعَا لَك دَاع بالخلود قَالَ لَا مت حَتَّى ترى لَك نظيرا فَإنَّك لَا ترى لَك نظيرا فَلَا تزَال بَاقِيا وَالْمعْنَى إِذا اشْتهى أحد أَن يَدْعُو لَك بطول الْعُمر واتصال الْبَقَاء على مر الدَّهْر فَلْيقل بقيت حَتَّى ترى لنَفسك شَبِيها وملكا يعادلك فِي مجدك يُشِير إِلَى أَنه لَا يظفر الزَّمَان بِمثلِهِ وَلَا يبلغ أحد إِلَى غَايَة فَضله
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.