تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب ذم الدنيا

قال بعض الحكماء: الدنيا غدارة غرارة إن بقيت لها لم تبق لك.

وقال آخر: واجد الدنيا سكران، وفاقدها حيران.

وقال آخر: أف من أشغال الدنيا إذا أقبلت، ومن حسراتها إذا أدبرت.

وقال آخر: إن الدنيا ليست تعطيك لتسرك، ولكن لتغمك وتغرك.

وقال آخر: الدنيا أشبه شيء بظل الغمام وحلم النيام.

وقال الحسن: حلالها حساب، وحرامها عقاب.

وقال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان فمن شرب منها سكر فلم يفق إلا في عسكر الموتى نادما خاسرا، وقال أيضا: الدنيا جارية زانية ولو كانت عفيفة لم يقربها أحد.

وقال عبادة: الدنيا قحبة فيوما عند عطار، ويوما عند بيطار.

وقال ابن السماك: الدنيا كالعروس المجلوة تشرفت لخطابها، وفتنت بغرورها، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والأبدان لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة.

وقال ابن المعتز: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام.

وقال آخر: خير الدنيا حسرة، وشرها ندم.

وقال آخر: مصائب الدنيا أكثر من نبات الأرض.

وقال المأمون: لو نطقت الدنيا ما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نواس:

وما الناس إلا هالك وابن هالكوذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيا رب وجه في التراب عتيق»

وقد ألم به ابن بسام بقوله:

أف لدنيا وأيامهافإنها للحزن مخلوقه
غمومها لا تنقضي ساعةعن ملك فيها ولا سوقه
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
يا عجبا منها ومن شأنهاعدوة للناس معشوقه

ومن الأمثال السائرة فيها قول مسلم بن الوليد الأنصاري:

دلّت على عيبها الدنيا وصدّقهاما استرجع الدّهر مما كان أعطاني
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قد اطلعت على سري وإعلاني»

وقال ابن الرومي:

لما تؤذن الدّنيا من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
وإلا فما يبكيه فيها وأنهالأفسح ممّا كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنهبما سوف يلقى من أذاها يهدّد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

وقال المتنبي:

أبدا تستردّ ما تهب الدني-- افيا ليت جودها كان بخلا
وهي معشوقة على الغدر لا تح-- فظ عهدا ولا تتمّم وصلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»
شيم الغانيات فيها فما أدري لذا أنّث اسمها الناس أم لا

وقال آخر:

أفّ للدّنيا الدّنيّهخبثت فعلا ونيّه
عيشها بدؤه هموفي عقباه المنيّه

وقلت من قصيدة:

تسلّ عن الدنيا ولا تخطبنهاولا تنكحن قتالة من تناكح
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فليس يفي مرجوها بمخوفهاومكروهها إن تدبرت راجح
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
لقد قال فيها الواصفون فأكثرواوعندي لها وصف لعمري صالح
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
سلاف قصاراه ذعاف ومركبشهي إذا استلذذته فهو جامح
وشخص جميل يعجب الناس حسنهولكن له أسرار سوء قبائح
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

هي الدنيا تقول بملء فيهاحذار حذار من بطشي وفتكي
للشاعر الببغاء، من قصيدة «هي الدنيا تقول بملء فيها»
فلا يغرركم طول ابتساميفقولي مضحك والفعل مبكي

وقلت في الكتاب المبهج: نسيم الدنيا يقصر عن سمومها، وأغذيتها لا تفي بسمومها، وفيه: ساكن الدنيا راحل، وأنفاسه رواحل، وأيامه مراحل، وفيه: الدنيا عروس تعتال الأخدان، وتختان الأختان، وفيه: أمر الدنيا أمر، وتحت بشرها غمر. وفيه:

إقبال الدنيا كإلمامة ضيف، أو سحابة صيف، أو زيارة طيف.

وفيه: هبات الدنيا منغصة بأحداثها، وقصورها مبغضة بأجداثها.

وفيه: صاحب الدنيا بين العسل والصاب، والصحة والأوصاب، وفيه: المرء من دنياه بين أماني ممدودة، وعواري مردودة.

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.