تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب مدح الدنيا

في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه: «الدنيا حلوة خضراء فمن أخذها بحقها بورك له فيها».

وذكر أمير المؤمنين علي ﵁ الدنيا فقال: «هي دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، وهي مسجد أحبّاء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، وشوقت بسرورها الفاني إلى السرور الباقي، وحذرت ببلائها الماضي البلاء الغابر التالي، ترغيبا وترهيبا. فيا أيها الذام المغترّ بتغريرها، المنخدع لأباطيلها حتى غرتك، أبمصارع آبائك للبلا؛ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟».

فهذا أحسن ما روي في مدحها. وقال ابن المعتز في رسالة له:

«الدنيا دار التأديب، والتعريف، ومضمار التهذيب والتثقيف، التي بمكروهها يوصل إلى محبوب الآخرة، وميدان الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان، ودرجة الفوز التي يرقى فيها المتقرب إلى دار الخلد والرضوان، وهي الواعظة لمن عقل، والناصحة لمن قبل، وبساط

المهل، ورباط العمل، وقاصمة الجبارين، وملحقة الرغم بمعاطس المتكبرين، وكاسية التراب أبدان المختالين، وصارعة المغترّين، ومصرعة المعتزين، ومفرقة أموال الباخلين، وقاتلة القتالين، والعادلة بالموت على العادلين، ومهبط القرآن المبين، ومسجد العابرين، وأم البنين، وناصرة المؤمنين، ومبيدة الكافرين، والحسنات فيها مضاعفة، والسيئات بآلامها ممحوة، ومع عسرها يسران، والله تعالى ضمن أرزاق أهلها، وأقسم في كتابه بما فيها، ورب طيبة من نعيمها قد حمد الله تعالى عليها، فتلقتها أيدي الكتبة، ووجبت بها الجنة، ورب مال من زينتها وجه إلى معروفها فكان جوازا على الصراط، وكم نائبة من نوائبها، وحادثة من حوادثها، قد راضت الفهم، ونبهت الفطنة، وأذكت القريحة، وأفادت فضيلة الصبر، وكثرت ذخائر الأجر».

وقيل لعلي- ﵁: يا أمير المؤمنين ألا ترى حرص الناس على الدنيا؟! فقال: هم أبناؤها. فأخذ هذا المعنى محمد بن وهيب الحميري وقال:

نراع لذكر الموت ساعة ذكرهوتعترض الدنيا فنلهو ونلعب
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
وقد ضمت الدنيا إليّ صروفهاوخاطبني إعجامها وهو معرب
ولكننا منها خلقنا لغيرهاوما كنت منه فهو شيء محبّب

وقال أبو العتاهية:

ما أحسن الدنيا وإقبالهاإذا أطاع الله من نالها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما أحسن الدنيا وإقبالها»
من لم يواس الناس من فضلهاعرّض للإدبار إقبالها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما أحسَنَ الدّنْيا وَإقبالَهَا،»

وقال محمود الوراق:

هي الدنيا وزخرفهاولكن ما مصائرها
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «هي الدنيا وزخرفها»
لئن غرت منابرهافقد وعظت مقابرها
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «هي الدنيا وزخرفها»
وإن غشّت مواردهافقد نصحت مصادرها
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «هي الدنيا وزخرفها»

قال: وأنشدني أبو عبد الله محمد بن حامد الخوارزمي لبعضهم:

تذم دنيا إن تأملتهاوجدت منها ثمن الجنة

وقال عبد الملك بن صالح: «ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ». فنظمه أبو محمد بن مطران الشاشي:

ألا إن دنياك معشوقةيغاد بها كلّ عيش لذيذ
ولكنها قط ما جمشتمن الملهيات بمثل النبيذ

وقلت في كتاب المبهج: الدنيا معشوقة ريقها الراح.

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.