من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب ذم عمل السلطان
من أمثال العامة: صاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس، وهو من مركبه أهيب. وقيل: من تحسى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين. وقيل: من أكل من مال السلطان زبيبة أداها ثمرة. وفي كتاب كليلة ودمنة: مثل السلطان كالجبل الصعب المرتقى الذي فيه كل ثمرة طيبة، وكل سبع حطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد.
وكان إبراهيم بن العباس يقول: أصحاب السلطان كقوم رقوا
جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى الردى أبعدهم في المرقى.
ويقال: أدوم التعب خدمة السلطان. وقيل: من أراد العز بالسلطان لم ينله حتى يذل. ومن فصول ابن المعتز: أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أشد احتراقا. وقال أيضا:
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. ويقال: لا تتشبث بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد يسلم منه راكبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه واضطراب أمواجه. وقيل: لا يدرك الغنى بالسلطان إلا كل نفس خائفة، وجسم تعب، ودين منثلم، وقد نظمه أبو الفتح البستي، فقال:
يا من يرى خدمة السلطان عدتهما آرش كدك إلا الكد والندم
دع الملوك، فخير من وجودك ماترجوه عندهم الحرمان والعدم
إني أرى صاحب السلطان في ظلمما مثلهن إذا قاس الفتى ظلم
فجسمه تعب والنفس خائفةوعرضه عرضة والدّين منثلم
وله أيضا:
صاحب السلطان لا بد لهمن غموم تعتريه وغمم
والذي يركب بحرا سيرىقحم الأهوال من بعد قحم
وللصاحب في معناه:
إذا أدناك سلطان فزدهمن التعظيم واحذره وراقب
فما السلطان إلا البحر عظماوقرب البحر محذور العواقب
ويقال: الولاية حلوة الرضاع، مرة الفطام. وقال بعض الزهاد: تباعد من السلطان، ولا تأمن من خدع الشيطان. ويقال:
العزل طلاق الرجال. وقال ابن المعتز:
سكر الولاية طيّبوخماره ذل شديد
كم تائه بولايةوبعزله ركض البريد
وكان ابن أبي البغل يقول: لا تعدّنّ مال المتصرف مالا، فإنه يغدو غنيا ويروح فقيرا.
وفي فصل للصابي تهنئة بالعزل: ليهن مولاي خفة الظهر، ودعة الصدر، بالتفصي عن العمل الذي هو مع هذه العواقب الوخيمة، والرسوم الذميمة بمنزلة الحبائل المبثوثة، والأشراك المنصوبة.
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع