من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب مدح الوزارة
الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة، وهي تلو الإمارة والدرجة العليا والرتبة الكبرى في الرياسة والسيادة. ولمنصور النميري في يحيى بن خالد البرمكي:
ولو علمت فوق الوزارة رتبةتنال بمجد في الحياة لنالها
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يستغنوا عن الوزراء، فكيف العظماء والملوك، وقد نطق القرآن بوزارة هرون لموسى عليهما الصلاة والسلام حيث قال جل وعز حكاية عن دعاء موسى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
. ثم قال في نظام الآية: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
فدل على أنه جعله وزيره صاحب أمره وشريكه، وأفصح عن حسن أثر موقع الوزارة وجلالتها، ووقوع الحاجة إليها. وكان آصف بن برخيا وزير سليمان ﵊، وكان سيدنا محمد المصطفى ﷺ يقول: لي وزيران من أهل الأرض، ووزيران من أهل السماء، فأما اللذان في الأرض:
فأبو بكر وعمر، وأما اللذان في السماء: فجبريل وميكائيل ﵉. وقال ﵊: إذا أراد الله بملك خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكّره، وإن نوى خيرا أعانه، أو أراد شرا كفه». وقيل: لا تغتر بكرامة الأمير إذا غشك الوزير. وإلى هذا أشار ابن العميد وزاد فيه حيث قال لصديق له من العلوية وكان مختصا بأميره ركن الدولة:
وزعمت أنك لست تفكر بعد ماعلقت يداك بذمة الأمراء
هيهات لم تصدقك فكرتك التيقد أوهمتك غنى عن الوزراء
لم تغن عن أحد سماء لم تجدأرضا ولا أرض بغير سماء
والذي يحكم بشرف الوزراء ومكانتهم ومشاركتهم الملوك في الأمور، وتصريف أعنة التدابير، ما في المزدوجة المعروفة بذات الحلل قصيدة ابن المعتز:
إذا طلبت نائل الأمبرفالطف له من قبل الوزير
وكان أنوشروان يقول: لا يستغني أعلم السلاطين عن الوزير، ولا أجود السيوف عن الصقال، ولا أفره الدواب عن السوط، ولا أعقل النساء عن الزوج. وما أحسن قول أبي تمام لمحمد بن عبد الملك
وزير المعتصم والواثق بعده:
أبا جعفر إن الخليفة إن يكنلو أردنا بحرا فإنك ساحل
تقطّعت الأسباب أن يغر لهاقوي أو يصلها من يمينك واصل
وقال آخر:
لأمير المؤمنين المرتجىبحر جود ليس يعدوه أحد
وأبو النجم لمن يقصدهمشرع منه إلى البحر يرد
وكان الصاحب يقول: مدحت بمائة ألف بيت ليس أحب إليّ من قول أبي سعيد الرستمي حيث يقول:
ورث الوزارة كابرا عن كابرموصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العباس عبّاد وزارته وإسماعيل عن عبّاد
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع