تجاوز إلى المحتوى

من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

باب ذم الدهر

قال بعض الحكماء: أف للدهر ما أكدر صافيه، وأخيب راجيه، وأعدى أيامه ولياليه. وقال آخر: من له يدان بغوائل الزمان. وقيل: يسار الدهر في الأخذ أسرع من يمينه في البذل لا يعطي بهذه إلا ارتجع بتلك. وقال آخر: الدهر لا يؤمن يومه، ويخاف غده، ويرضع ثديه، وتجرح يده. وقيل: الدهر يغر ويضر، ويسوء من حيث يسر. وقال آخر: الدهر لا تتهنى فيه المواهب حتى تتخللها المصائب، ولا تصفو فيه المشارب حتى تكدرها الشوائب.

وفي فصل لابن المعتز: هذا زمان متلون الأخلاق، متداعي البنيان، موقظ الشر، منيم الخير، مطلق أعنة الظلم، حابس روح العدل، قريب الأخذ من الإعطاء، والكآبة من البهجة، والقطوب

من البشر، من الثمرة، بعيد المجتنى، قابض على النفوس بكربته، منيخ على الأجسام بوحشته، لا ينطق إلا بالشكوى، ولا يسكت إلا على غصص وبلوى.

ومثله فصل للصاحب: الزمان حديد الظفر، لئيم الظّفر، حلو المورد، مر المصدر، أثره عند المرء كأثر السيف في الضريبة، والليث في الفريسة. ولشمس المعالي قابوس بن وشمكير: الدهر شر كله مفصله ومجمله، إن أضحك ساعة أبكى سنة، وإن أتى بسيئة جعلها سنّة، ومن أراد منه غير هذا سيرة، أراد من الأعمى عينا بصيرة، ومن ابتغى منه الرعاية، ابتغى من الغول الهداية.

ومن أحسن ما قيل في ذمه قول ابن المعتز، وهو الإمام في ذلك:

ألست ترى يا صاح ما أعجب الدهرافذما له لكن للخالق الشكرا
لقد حبب الموت البقاء الذي أرىفيا حسدا مني لمن سكن القبرا

وله:

يا دهر ويحك قد أكثرت فجعاتيشغلت أيام دهري بالمصيبات
ملأت ألحاظ عيني كلها حزنافأين لهوي وأحبابي ولذاتي
حمدا لربي وذما للزمان فماأقل في هذه الدنيا مسراتي

وله:

يا صاحبي إنّ الزمان كما علمت وما علمته
بفني الذي جمّعتهبيدي ويحصد ما زرعته
ويخون من صافيتهعمدا ويعشق من مقتّه
وجهلته فحمدتهوذممته لما عرفته
ولطالما عاتبتهحتى على رغمي تركته

وقال عبد الله بن طاهر:

ألم تر أن الدهر يهدم ما بنىويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى»
فمن سرّه أن لا يرى ما يسوءهفلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة

وقال بعضهم:

ألم تر أن الدهر يوم وليلةيكران من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد الدهر لا بد من بلىوقل لاجتماع الشمل لا بدّ من شت

وقال البستي:

صبرا على الدهر الخؤن وريبهيا نفس كيلا تبتلي بكلابه
وإذا صبرت على إساءة ظالملا تندمي فثوابه بك لا به
للشاعر أبو الفتح البستي، اقرأ القصيدة

ومن قلائد ابن الرومي في هذا المعنى

دهر علا قدر الوضيع بهوترى الشريف يحطه شرفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دهر علا قدر الوضيع به»
كالبحر يرسب فيه لؤلؤهسفلا، وتعلو فوقه جيفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دهر علا قدر الوضيع به»

وأنشدني أبو بكر الطبري:

الدهر يستخدم من يخدمحتى يذيق الهون من يكرم
كالأرض لا تطعم من فوقهاإلا لكي تطعم من تطعم

ولغيره:

يا محنة الدهر كفيإن لم تكفي فخفي
للشاعر المعافى بن زكريا، اقرأ القصيدة
ما إن يكن ترحمينامن طول هذا التشفي
ذهبت أطلب بختيفقيل لي قد توفي
للشاعر القاضي أبو نصر المالكي الأزدي، اقرأ القصيدة
نور ينال الثّرياوعالم متخفي

ولأبي محمد المروزي:

تقاضاك دهرك ما أسلفاوكدّر عيشك بعد الصفا
للشاعر ابن الهادي العباسي، اقرأ القصيدة
فلا تنكرن فإنّ الزمانجدير بتشتيت ما ألّفا
للشاعر ابن الهادي العباسي، اقرأ القصيدة

ولأبي جعفر الموسوي:

أيّ خير ترجو بنو الدهر في الدهر وما زال قاتلا لبنيه

من يعمّر يفجع بفقد الأخلاء ومن مات فالمصيبة فيه

وقلت:

أقول والقلب مكدود باحزانوالصبر أبعد مما بين أجفاني
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
حتى متى أنا يدمي العضّ أنملتيغيظا على زمن قد رام أزماني
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فكل يوم أراني من نوائبهكأنني إصبع والدهر أسناني

وقلت أيضا:

كم إلى كم تبرمي بحياتيأتلوى تلوي الحيات
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
تحت عبء من الزمان ثقيلوخطوب قوّسن مني قناتي
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

ولابن لنكك البصري:

يا زمانا ألبس الأح-رار ذلا ومهانه
لست عندي بزمانإنما أنت زمانه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
كيف أرجو منك خيراوالعلا فيك مهانه
أجنون ما أراهمنك يبدو أم مجانه

ولقابوس بن وشمكير:

قل للذي بصروف الدهر عيّرناهل عاند الدهر إلا من له خطر
ففي السماء نجوم غير ذي عددوليس يكسف إلا الشمس والقمر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفوتستقر بأقصى قعره الدرر
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «الدهر يومان ذا أمن وذا خطر»

وقال آخر:

يا دهر ويحك ماذا الغلطوضيع علا وشريف هبط
حمار يرتع في روضةوطرف بلا علف يرتبط

النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «اللطائف والظرائف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.