تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح (٤)

والذي عندي في هذا البيت إنه ذكر الشمس إذ لم يكن تأنيثها حقيقياً واضطرت القافية إلى تذكيره. وقد فعلت العرب مثل ذلك. قال قائل:

فلا مزنة ورقت ودقهاولا أرض أبقل أبقا لها

وقول الأعشى:

أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنمايضم إلى كشحيه كفاً مخضبا

وقد فعل أبو الطيب مثل ذلك في قوله:

ومخيب العذال فيما أملوامنه وليس يرد كفاً خائبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

فأما وجه جمعه الارآد والاياة موحدة فإنه حملها على المعنى في قوله: كلما سُل... فإنه عنى سلات كثيرة. فكل سله ريد للشمس. وفي البيت نظر آخر وهو أن الريد: الترب، وإنما يقال فلانة ريدة لفلانة أي هي في سنها. ولا فائدة لكون السيف ريد للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه في مثل ضوئها في المنظر.

والقول في ذلك عندي إنه أقام الريد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام وتعويلا على دلالة الخطاب.

وقوله:

مثلوه في جفنه خفية الفقدففي مثل إثره إغماده

هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. والذي قاله أبو الفتح: كان جفن هذا السيف مغشي فضة منسوجة عليه فكأنه حكوه ببقاء الفضة التي له على جفنه

صوناً من الفقد لئلا تأكل جفنه.

هذا كلامه وفيه زلل كثير في مواضع سأبينها لك فافهمه. فأحد ما زل فيه قوله: حكوه ببقاء الفضة التي على جفنه مع قوله كان مغشي عليه

لفضة منسوجة. فإذا كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بعضه مطروقه مصفحة لكون بقاؤها مثل بقائه وهيئتها كهيئته. فأما المنسوجة فلا بقاء لها. وقد زعم إنها كانت منسوجة فقد نقص آخر كلامه أوله. والآخر قوله: صوناً له من الفقد. فقد ظن أبو الفتح إنه يعني أن لو لم يغش لفقد. وليت شعري كيف هذا من بين السيوف كلها غير مغشاة بفضة فما يفقد. والآخر قوله: لئلا يأكل جفنه. وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد. وإنما يفقد إذا كان ذاك الجفن وصلاحه له من بعد وقد يحل أيضاً بهذا القول من حيث أن السيف إذا غشى بفضة منسوجة لم يمتنع من أكله جفنه لأن تلك الفضة لا تجعل على مكان حده. ولو جعلت عليه لكان السيف ماضياً فيها لأنها ممطولة دقيقة جداً. والذي عنا أبو الطيب غير ما حكى، وإنما شبه أثره بنسيج الفضة على جفنه فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسيج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفاً حدودها فولاذ، ومتونها حديد من المديل وهو المسمى بالفارسية (ترماهن) يهز أحدها ثم يعطف طرفة فيلتقي مع قائمة ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسيج. فيزعمون إنها تتخذ من حديد يمطل كما تمطل الفضة. فإذا صار على دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة. فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه حتى إذا صار ناراً طرق فاتحدت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، والبس حداً من (الساترمان) الجيد فلا نرى فلانداً أحسن من فرندها. وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها. فقد ادعى أبو الطيب لحذقه بصنعة الشعر أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند فعل ذلك به

أراده إلا تفقده العين يكونه في غمده بل كأنها ناظرة إليه. ولم يرد بقوله خشية

الفقد ضياعه وذهابه بل أراد إنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد نظره بإغماده فقد مثله في جفنه. فانظر كيف اضطرب هذا الفاضل وكيف تحمل فلم يظفر ولم يحل.

وقوله في وصف هذا السيف:

وتقلَّدتُ شامة في نداهجِلدُها منفساته وعتاده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قد كنت ذكرت هذا البيت في كتابي الموسوم بالتجني على ابن جني، وأوردت ما حضرني من تخطئة فيما فسره به، وحضرني الآن فيما لم أورده سالفاً. وأنا أعيد قولي ولا انقم منه ثم أتبعه بما انفتح لي.

ذكر أبو الفتح قال: قوله: جلدها منفساته وعتاده. أي ما يلي هذا السيف مما تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة. وقوله: جلدها أي الجلد الذي يكون فيه. هذا ما أورده فهل يخبر من أين استنبط إنه عنى الجلد حول الشامة. وما الذي يمنع أن يعني جلد الشامة نفسها. وإذا كان ذلك على ما حكى بدياً فلم نقضه فقال: وجلدها أي الجلد الذي يكون فيه. وهل هذا إلا من سلب التوفيق. والذي كنت حكيت استماعاً واستفادة من الشيخ أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري إنه يعنى ان الغمد لما عليه من الحلي والذهب انفس من السيف كان محلى بمائتين دنانير فجعل الغمد جلداً، إذ جعل السيف شامة. والذي لاح لي آنفاً إنه جائز أن يعني بجلده ظاهر الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده وبه يغالي بسومه إذ كان قطعه مما

لا يعلم إلا بالتجربة. وإنما يستدل على جودته بحسن فرنده. فهذا مما لا يمتنع، ويخرج به البيت من أن يكون مقصراً بالسيف، وغاضاً منه بعدما مدحه.

وقوله في صباه:

ذمُّ الزّمانُ إليه من أحبتِهِمن ذمَّ من بدره في حمد أحمده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشادن روح من يهواه في يده»

قال أبو الفتح: الهاء في (أحبته) عائدة على العاشق. والهاء في (بدره) و (أحمده) جميعاً عائده على الزمان. والفاعل في (ذم) الثانية عائدة على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق. وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله. وقال أيضاً أي فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده أي يحمد أحمد لفضله ونجابته.

وهذا البيت على ما فسره إلا أنا نريد وضوحاً وبياناً. ونقول غير ما قال أيضا إذ كان البيت مما يستصعب كثيراً على إفهام قوم.

فقوله: (ذمَّ الزمان إليه) فهو من قوله: أحمد إليك الله وأذم زيداً. كما قال أيضاً:

أذم إلى هذا الزمان أهليه

وقوله: (من أحبته) جائز أن تكون الهاء للعاشق كما ذكر. والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان يريد: أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه. كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم كما ذممت بدرك. ثم قال: (في حمد احمده) يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي (ففي) بمعنى (مع). كما تقول: مرَّ وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره. ومثله قول الشاعر:

رأيت الليالي ينتهبن شيبتيفأوضعت باللذات في ذلك النهب

وقوله:

وكنت السيفَ قائمه إليهموفي الأعداء حدُّك والغِرارُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»
فأمست بالبُديّة شفرتاهوأمسى خلفَ قائمه الحِيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

الحيار، والبدية، أما الحيار: فقريب إلى العمارة. وأما البدية: فواغلة في البر، وبينهما مسيرة ليلة. يقول: جاوزت الحيار في

طلبهم، فصار الحيار خلف قائم هذا السيف. ووصلت سرعان خيلك إلى البدية فتكت بالعدو، وأخرياتها لم تبعد على

الحيار كثيراً. يريد بذلك أما عظم العسكر أو بعد الهيبة. وقد خلط الشيخ أبو الفتح رحمة الله في تفسير هذا البيت، واتى بما يحتاج اليه، وبما هو مستغن عنه فقال في بعض فصوله: عظم حال السيف. فقال: كان الحيار خلف قائمة أي قائمه أدنى إلى عمارة من الحيار فيقتضي هذا الكلام أن تكون شفرتاه إذن في العمارة. لكنه اتبع هذا الكلام بأن قال: وكانت شفرتاه وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية فقد نقض بهذا قوله أي قائمه أدنى إلى العمارة. لأن البدية كانت داخلة في البر لم تحصل الحيار خلف القائم إلا إذا تجاوزه إلى ناحية البدية: فأما إذا كان القائم أدنى إلى العمارة حصل الحيار خلفه إذ كانت شفرته في العمارة. ولا يجوز أن تكون شفرته في البدية والقائم أدنى إلى العمارة من الحيار. فيقال الحيار خلف قائمة بل يكون قدام قائمة اللهم إلا أن يقول عني بالخلف ما يلي السيف من أدناه لا ما يلي عضد الضارب ومعصمه. وهذا لا يفهم من كلام العرب.

فأقبلها المروجَ مُسوماتٍضوامر لا هزال ولا شيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

يعني إن ضمرها ليس بهزال، بل هي مصنوعة مضمرة. وذلك أنها تسقي اللبن وتقاد وتجري حتى تعرق فيسمى ذلك الحيد والطبخ. ومنه قول الراجز:

أنضجهنَّ الطبخ طبخ الضرعينوالقود بعد القود حتى يهمين

وإذا فعل ذلك بها اشتد لحمها، وذاب شحمها فخفت أبدانها للجري. وأما الشيار فهن الحسان المناظر. وفلان ذو شيار، أي ذو هيبة. وهو رجل شير. ومنه قول الراجز:

كأنّها من بدن وشارهوالحلي حلى التبر والحجارة

مدفع مشاء إلى قراره

والمصدر الشوار. ومنه قول زهير:

مُقْوَّرةٌ تتبارى لا شوار لهاإلا القُطُوع على الأكوار والورك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بانَ الخَليطُ وَلم يَأوُوا لمَنْ تَرَكُوا»

والشوار في غير هذا: الفَرج. يقال: أبدى الله شوارك. وحكى أبو زيد: أجدت الدابة مشوارها إذا حسنت هيئتها. في هذا البيت وفي مشارتها انشد أبو زيد في نوادره:

وما هي إلا أن تقرب وصلهاعلاه كناز اللحم ذات مشارت

والهزال بكسر الهاء لا غير: جمع هزيل وإنما أتينا بهذا البيت (يعني بيت المتنبي) لما سمعنا قوماً يرددون هزال يظنونه مصدر هزلت الدابة. ولو أتى بمصدر لأتى معه بمصدر مثله. فقال: لا هزال ولا شوار.

وقوله:

من كل احور في أنيابه شَنَبٌخمرٌ مُخامرُها مِسكٌ تُخامرهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حاشى الرقيب فخانته ضمائره»

الهاء في مخامرها عائد على الخمر. وخمر رفع بالابتداء. ومخامرها ابتداء ثان، ومسك خبره، ومخامرها مع مسك جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع. والهاء في تخامره ضمير الشنب. يعني أن خمراً قد خامرها المسك يخامر ذلك الشنب. هذا مقنع في تفسير هذا البيت. وقد ركب أبو الفتح في تفسير هذا البيت مركباً صعباً فلم يحل بطائل. قال: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر. ثم قال: يقول: قد خالطها المسك، والمسك قد خامرها. فانظر من كم نوع قد تكلف، ومن كم وجه بعيد قد تمحل والمعنى اقرب إليه من اليد إلى الفم. وألا يعلم إنه إذا أراد أن الخمر قد خالطت المسك. والمسك قد خامرها يجب أن ينشد: خمر مخامرها مسك يخامره. لان المسك مذكر. والخمر مؤنثه. وقد يعتذر عنه معتذر فيقول: إنما عنى بهذا القول إن المسك والخمر قد خامر بعضها بعضاً فجاء بعبارة يحتمل ما ذهب إليه وما اعتذر به عنه فلعمري أن ذلك عذر وليس بواضح. وكان الأولى به أن أراه ما يزعم أن يقول: الخمر قد خالطت المسك والمسك قد خالطها فكان هذا اللفظ اقرب إلى ما يدعيه، ولا يظن ظان إنه يروم سياقه لفظ البيت.

وقوله:

أوشك أنك فرد في زمانهمبلا نظير ففي روحي أخاطرُهُ

ربما اشتبه هذا البيت على كثير من المتعلمين فنحن نوضحه. قوله: أخاطره هو من الخطر الذي يكون بين المتراهنين يقال: سابق فلان فلانا على كذا أي راهنته. وقد يقال: بايعته. قال الشاعر:

من شاء بايعته مالي وخلعتهما تكمل التيم في ديوانهم سطرا

وليس هو من الخطر الذي هو الندب. ولا المخاطرة بالكم والذنب وهي تحريكهما من الخيلاء والكبر يقول: فمن شك في ذلك فأني أتابعه في روحي وروحه. فاكتفى بالأول لعلم المخاطب.

وقوله:

إليك ابن يحيى بن الوليد تجاوزتبي البيد عنسٌ لحمها والدم الشعر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغامة أم خمر»

قد ألفيت بعض المتشيعين يرويه: الشعر بفتح الشين. ويفسره إنه يعني لهزالها لم يبق لها لحم ولا دم إلا الشعر وحده. ولم يرو ذلك أحد عن أبي الطيب وما هو إلا من وساوس الشيطان والذي يروي عنه الشعر بكسر الشين.

ويحتمل من المعاني وجوهاً كثيرة. فأولها وهو الذي

أتى به أبو الفتح أني إنما كنت أحثها بمدحكم وأحدو لها به فأصون بذلك لحمها ودمها. هذا لفظه. ومعنى ثان وهو أن يعني نعله. وهو إنه لا قوة له ولا مال ولا وسيلة إلا الشعر.. فأقام اللحم والدم مقام المال والوسيلة مقام المال والوسيلة لأن الإنسان بهما يتوسل إلى السير. ويكون كقوله أيضاً:

لا ناقتي تقبل الرديف ولابالسوط يوم الرهان أجهدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

وهو يريد نعله. ومعنى ثالث. وهو إنه يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ولا لحم وإنما بقى لها الشعر فقط. كأنه يريد جميع ما تحمله هو الشعر. حتى أن لحمها

ودمها أيضاً شعر. ومعنى رابع وهو أجودها كلها. وهو إنه يعني إنها كأنها شعر قد تجسم ناقة فكلها شعر إذ كان كلها لحماُ ودماً فإنه لو قدر لقال لحمها، ودمها، وعظمها، وعصبها وما أشبه ذلك. ولا يريد إن ثم هزالا ولا جهداً، بل يريد غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها:

هُمُ الناس إلا أنهم من مكارم

أي تجشموا مكارم.

وقوله:

وتَركُك في الدنيا دوياً كأنماتداول سمع المرء أنمله العشرُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

لم يعرض لتفسير هذا البيت أبو الفتح. ويجب أن يقال ما معنى قوله: تداول سمع المرء أنمله العشر وذلك أن الصماخين إذا سُدا سمع الإنسان في أذنه دوياً عظيما. وقد تكلمت الأطباء في ذلك وفي مآتيه بكلام ما نحن بصدده. وقد روي عن عائشة أنها قالت: من سره أن يسمع صوت الكوثر فليضع سبابتيه في صماخه. وقد أحسن الشاعر المحدث في نقل هذا الخبر إلى معنى آخر بقوله:

فاحشُ صماخيك بسبابتيْكفيك تسمع لدموعي خرير

كأنه يقول: إن ذلك الدوي من دموعي. كما قالت عائشة.

وقوله:

وخرق مكان العيس فيه مكاننامن العيس فيه واسط الكور والظهر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

قال أبو الفتح: معنى البيت إن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست تذهب ولا تجيء. وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه. كما قال الآخر:

يمشي به القوم بحيث أصبحوا

أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا تبرح منها في واسط أكوارها

فكذلك هي كأن لها من أرض هذا الخرق كوراً وظهراً فقد قامت به لا تبرحه. ألا تراه يقول

بعد هذا:

يخذن بنا في جوزه وكأنماعلى أفقه من برقه حُللَ حمر

وأخذ هذا المعنى السري الرفاء الكندي فقال:

وخرق طال فيه السير حتىحسبناه يسير مع الركاب
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «تناهى فاطمأن إلى العتاب»

قد جود أبو الفتح في هذا التفسير. على إنه لا يمتنع أن يقال: غنى أن العيس منه في وسطه سائرة كما أنا من الكور على وساطته. ولم يتعرض لوقوفها ولا براحها. ومما يؤكد هذا قوله: يخدن بنا في جوزه. فلو أراد إنها كالواقفة لما قال يخدن. وإنما يريد أن سيرها من قطعة كبير شيء. والجوز الوسط. فأما قوله: كأننا على كرة فلا ريب إنه يعني أن الكرة لا تقطع بالسير لأنها كلما انتهى من يسير عليها إلى حيث بدأ منها لم يكن ذلك لها نفاذاً بل أحوج إن بدأ أيضاً ثانية، فلم يكن لسيره انقطاع مثل الكواكب. فإنها كلما قطعت إلى آخر البروج وهو الحوت لم يكن لها من الحمل محيد.

ولفظ البيت الثاني أدل على ما ذكره ابن جني من البيت الأول، ولم يعد الصواب مما أتى به. وقد ضارع شرح هذا البيت ما ادعى القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرحاني ﵀ على أبي الطيب من الغلط في قوله:

وردنا الرهيمة في جوزهوباقية أكثر مما مضى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

فقال: كيف يكون باقية أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه. والجوز وسط. ثم تمحل له عذراً من جنس ما قد مضى أنفاً في شرح قوله: وخرق مكان العيس. وعندي أن المخطئ القاضي فإنه لم يفهم البيت فتجنى له، ثم اعتذر بما قد وضعه الله عنه. وقد تقدم هذا البيت قوله:

فيالك ليلاً على أعكشأحم البلاد خفي الصوى

فقد ظن القاضي أبو الحسن أن جوزه الهاء لليل. وإنه كقول عمر ابن أبي ربيعه:

وردت وما أدري أما بعد مورديمن الليل أما قد مضى منه أكثر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

ولعمري إنه لو كان كما ظن لكان كلامه محالا حيق يقول: وباقية أكثر مما مضى. وإنما الهاء في جوزه لأعكش. وأعكش مكان واسع. والرهيمة ماء، مكانه في وسط أعكش. فهذا كلام صحيح. ثم قال: وباقية أكثر مما مضى أي باقي الليل. فقد بان أن المعنى لم يفهمه من بدء. والبيت صحيح السبك.

وقوله:

قرام تلاقى الصلت فيه وعامركما يتلاقى الهندواني والنصر

قال أبو الفتح: يريد جدية من قبل أبيه وأمه. ورفع قراناً بفعل مضمر كأنه قال: انجب به قران هذه حالة وصفته. وشبه اجتماعهما بقران الكواكب تشريفاً لهما.

جود أبو الفتح في هذا الشرح. وتعقبه بما لا حاجة به إليه. وقوله شبه اجتماعهما بقران الكواكب. ولا نعلم في أي موضع من بيته شبه ذلك. كأن القران حرام أن يكون إلا للكواكب، ألا يكفي قران الصلت وعامر في المصاهرة بينهما. غفر الله لأبي الفتح وما أبعد مراميه، وأقل تأتيه.

وقوله:

إليك طعناً في مدى كل صفصفبكل وآهٍ كل ما لقيت نحر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

الوآة: الناقة الشديدة. وإنما ذكر النحر لأنه ذكر الطعن. والعرب تذكر مع الطعن النحر. والكلى يقول الراجز:

تبكي عواليهم إذا لم تختضبمن ثغر اللبات يوماً والحجب

وقول الأفوه:

علموا الطعن معداً في الكلىوادارع اللام والطرف نحار

وإياه عنى القائل:

فطعنت تحت كنانة المتمطر

فهناك موضع الكلية. وقيل: تحت لبانه. فأما قول الآخر: (لقيته في الكبة، فطعنته في المسبه، فخرجت من اللبة). فإنما عنى: لقيته في الهزيمة، وهو مول فطعنته في دبره فأخرج من صدره ولذلك قال أبو الطيب:

من طاعني ثغر الرجال جآذرومن الرماح دمالج وخلاخل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وعنى بالطعن إنه عمد قتله وهلاكه، كما يعمد بالطعن قتل الرجل وهلاكه. فكذلك طعن هذا في مدى هذا الصفصف ليبيده. ثم قال: كل ما لقيته هذه الوآة مرت فيه نافذة كمن ينفذ الطعن في النحر، فكأنها لطعني رمح، وكأل الصفصف ومداه نحر: يقصد بالطعن. وكأنه لو تمكن لقال: كلما لقيت من المفاوز نحو ليصح له المعنى. ألا ترى إن النحر أيضا داخل في الكل. وما لا تقطعه الناقة كثير مما لا يسار فيه بناقة. وإنما يقطع ما يسار فيه بظهر. ومثل هذا نسبوا قوله:

فزل يا بُعد من أيدي ركابلها وقع الأسنة في حشاكا

وقوله:

وجنيني قرب السلاطين مقتُهاوما يقتضي من جماجمها النسر

قال أبو الفتح: المقت: البغض. أي كان الطير ينتظر قتلى السلاطين إلى أكل لحومها. وهذا شرح مغنٍ.

ولقيت بعض المتكلفين الذين يزعمون انهم لقوا أبا الطيب، وقرءوا عليه شعره يزعم إنه حبس على هذا البيت. وقال له علي بن محمد الانطاكي: ما هذه الجرأة علي، ومواجهتك إياي بهذا المقال في السلاطين وأنا منهم فاعتذر بأن قال: إنما عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم. وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف. يقال نسرت أنسر نسراً أي خطفت. وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات. فقلت له فما صنع بقوله:

ولا تحسبن المجد زقاً وقنيةفما المجد إلا السيف والفتكة البكرُ
وتضريب أعناق الملوك وأن ترىلك الهبوات السود والعسكر المجر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فلم بُحر جواباً. وهذا من الكذب الذي لا يبارك الله فيه، إذ الرجل له في ذاك عادة وهو يعده جرأة، وقدرة، وقلة احتفال. ألا تراه يقول:

مدحت قوماً وان عشنا نظمت لهمقصائداً من إناث الخيل والحصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»
تحت العجاج قوافيها مضمرةإذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

وقوله:

ميعاد كل رقيق الشفرتين غداًومن عصى من الملوك العرب والعجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وسألني هذا المتعمق: كيف ينشد قوله:

يتفيئون ظلال كل مطهمٍأجل الظليم وربقة السرحان

فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظلم وربقه السرحان. يريدان هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقاله. فقلت: فما باله يجعله كربقة السرحان. افترى السرحان مربوقاً فيه ما نسبته به للفرس. فقال: بل عنى إنه إذا طارده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: قيد الأوابد هيكل.

فقلت: الربقة تحبس كالقيد. وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه، فما الذي يسومنا هذا التنافر في المعنيين الذي تزعم. وحل الظليم في سرعة عدوه، وربقه السرحان صفة الذئب في عجزه عن الفوت. فكيف يحسن هذا في صنعة الشعر. هذا وأشباهه ما لا فائدة في الإصغاء إليه.

وقوله:

لساني وعيني والفؤاد وهمتيأود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

الأود جمع ود. وهو الصديق. وود، وود حكاها الشيخ أبو الفتح عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى. واستشهد بشواهدا وقال: يقول: لساني وعيني وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك والشطر: النصف، أي وهي شطرها فكأنها

شقت منها فصارتا شطرين فلشدة محبتي لك كأنك شقيقي.

هذا تفسير شافٍ. وقوله: ذا اسمها إشارة إلى اسم، وكان يجب لو تمكن أن يقول هذه أسماؤها والشطور لأنها كثيرة. ولكن الوزن اضطره إلى ذلك. وفي شعره مثل ذلك:

الثابتين فروسة في ظهرهاكجلودها والطعن في لباتها

والشطر جائز أن يكون عطفاً على اسم ويجوز أن يكون عطفاً على الأود، إلا أن الأحسن أن يكون عطفاً على اسمها لأنه موحد، والأود جمع. فهذا من الجنس الذي عرفتك في أول الكتب إن غرضه فيه التعمية فقط وإلا فما الفائدة من هذا البيت مع ما فيه من الاضطراب، وركوب المجاز.

وقوله:

بادٍ هواك صبرت أم لم تصبراوبكاك إن لم يجرِ دمعُك أو جرى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

حكى لي عن أبي الطيب إنه قيل له: خالفت بين سبك المصراعين، في المصراع الأول إيجاز بعده نفي، يريد صبرت أو لم تصبر، ووضعت في المصراع الثاني نفياً بعده إيجاب وهذا يخالف لما يستحسن من صنعة الشعر. فقال في الجواب: لئن كنت قد خالفت فيهما من حيث اللفظ فقد وافقت بينهما من حيث المعنى. وذاك إن من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر صبرى دمعه. فهذا جواب جيد، وخطابة مليحة. الله اعلم بصحتها.

وفي البيت فحص آخر وهو قوله:

(وبكاك إن لم يجرِ دمعُك أو جرى)

فلقائل أن يقول: كيف يبدو البكاء إذا لم يجر دمعه. وعن هذا السؤال جوابان:

أحدهما: إنه يعني ما في صوته إذا تكلم عن نغمة الحزن، وشجو الباكي، والزفير والتهيؤ للبكاء.

والجواب الثاني أن يكون بكاك عطفاً على الضمير في صبرت، كأنه يقول: صبرت وصبر بكاك فلم يجر دمعك، أو لم تصبر فجرى دمعك. وهذا أجود الجوابين وقوله فيها:

تَعِسَ المهاري غيرَ مهرّي غداًبمصور لبس الحرير مصورا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
نافستُ فيه صورةً في سترهلو كُنتها لخفيتُ حتى يظهرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

قوله: بمصور أي بإنسان كأنه صورة من حسنه لبس الديباج المصور. دعا على الإبل كلها إلا هذا البعير الذي عليه المحبوب. وكذلك الهاء في (ستره) كأنه دون هذا المحبوب ستر عليه صورة. فهو ينافسها على قربها منه ثم قال: لو كنت هذه الصورة لحفيت حتى يظهر للرائين لكن هذا الستر ليس بخفي. وقد اعترض عليه من لا أعلم له بطريقة الشعر، فقال: حقيقة هذا المعنى غير متصورة، إذ لو كان المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ظهوره للناس مما لا يفيد أبا الطيب وإنما ظهوره للناس مفيد، وهو فيهم ليراه، وقائل هذا لا معرفة له بطرق المعاني إذ كان الشاعر أن يتمنى المحالات، على أن أبا الطيب لا يتمنى محالا وإنما رأى ستراً يحول بينه وبين حبيبته فقال: لو كنت مكان ذلك الستر لخفيت حتى يظهر ذلك المحبوب، ولم يتمن أن يظهر له أو لغيره بل يتمنى ظهوره فقط. والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته.

وقوله:

وإذا الحمائلُ ما يَخِدنَ بنفنفٍإلا شققن عليه ثوباً أخضرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

لم يتعرض أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وإنما ذكر الغريب. وقوله: شققن عليه ثوباً أخضرا. وإنما يعني بالثوب الأخضر الكلأ والعشب وشقها إياه رعيها له حتى تصير كالثوب المشقوق لما رعى الوسط. وترك الحافات وان شئت كان شقهن إياه سيرهن فيه كقول طرفة بن العبد:

يشق حباب الماء حيزومها بهاكما قسم الترب المغايل باليد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

والمفايل الذي يلعب بالتراب، يقسمه بيده يطلب فيه خبيئة.

وقد سمعت من يرويه بالجمائل، بالجيم كأنه جمع جماله، مثل بقوره، وصقوره، وخيوطه. وقد جمع جمالات، وهو في التنزيل وذلك غير ممتنع في البيت، قال الشاعر:

وتقيم فغي دار الحفاظ بيوتنارُتُع الجمائل في الدرين الأسود

وقوله:

خنثى الفحول من الكماة بصبغةما يلبسون من الحديد معصفرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

يريد لون العصفر. وهو احمر، يريد الدم، ولونه أي جراحاتك إياهم العظمة شأنها، الصابغة دروعهم بلون العصفر خنثاهم أي جعلهم للبسهم المعصفرات وهي من لباس الإناث والمتشبهين بهن. ألا ترى الشاعر يقول:

إن أنتم لم تطلبوا بأخيكمفذروا السلاح وجنبوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوانقب النساء فبئس رهط المرهق

وقوله:

وترى الفضيلة لا ترد فضيلةالشمس تشرق والسحاب كنهورا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

شبه طلعته لنورها بالشمس، وجوده لكثرته بجود السحاب، والكنهور المتراكب. يقول: من عادة السحاب إذا اجتمع مع الشمس سترها وفيك هاتان الفضيلتان لا ترد أحديهما الأخرى. وقد كرر هذا المعنى في مكان آخر:

قمر ترى وسحابتين بموضعمن وجهه ويمينه وشماله

وقوله في قصيدة أخرى:

شمنا وما حجب السماء بروقهوحري يجود وما مرته الريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

فهذا المعنى من الحسن والبيان كما ترى. وقد حرف أبو الفتح الرواية إذ لم يفهم

فجاء بذات العراقي قال: أي وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها. كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان متكاثفاً. وقوله: لا ترد بضم التاء وفتح الراء رواية. أي مقبولة غير مردودة.

نصب الشمس والسحاب بفعل مضمر، كأنه قال ترى ترويه فضائلك الشمس والقمر. ويجوز أن تنصبها بدلاً من مقبولة غير مردودة. فكأنه قال: وترى فضائلك مثل الشمس والسحاب نيرة مشرقة ظاهرة بارزة. ونصب فضيلة على الحال أي تراها مستحقة لهذا الاسم، وتشاهدها كذلك. ويجوز أن يكون التقدير، وترى الفضيلة فضيلة غير مردودة. ثم قدم وصف النكرة عليها فأبدل النكرة منه، ونصبه على الحال منها ونصب كنهورا على الحال. وتشرق أيضاً في موضع الحال كأنه قال مشرقة. فانظر الآن إلى هذا الكلام الطويل العريض ما الذي افاد، وما يكون أبو الطيب صنع إذا خلص له المعنى، وهل زاد على إن قال: ونرى للممدوح فضيلة ظاهرة غير مردودة كالشمس. أفهذا القدر مما يحتاج إلى هذا التعميق في اللفظ. ولا يكفيه أن يضرب له الشمس مثلا (حتى يضيف إليها السحاب. ولم نسمع أحد ضرب السحاب مثلا)

في الشهرة. لاسيما وإنما يضرب المثل فيها بكل مضيء والسحاب مظلم.

وقوله:

وانثنى عنّي الردُّيَنيَّ حتىدارَ دَورَ الحروف في هواز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

لم يعمل أبو الفتح في تفسير هذا البيت شيئاً، وهو يقول: انثنت الأسنة عني، وتعطفت تعطف الحروف كاستدارتها في كتابة هواز لأن الهاء دائرتان، والواو مستديرة الأعلى مستديرة الأسفل والزاي مستديرة، ولو ساعدته القافية فقال في هواز لكان الصواب، إلا أن العرب تنطق

بهذه الكلمات على غير ما وضعت. فتقول: تليت أبا جاد، وهوازاً، وقريشات. كما قال الاول:

تعلمت باجادٍ وآل مرامرِوسودت أثوابي ولست بكاتب

وقال أبو خنش في البرامكة:

أبو جادِهم بذلُ الندى يلهمونهومعجمهم بالسيف ضرب القوانس

وإنما هو: أبجد، هوز، حطي، قرشت. وهذه الكلمات ألفت لحفظ العدد تأليفاً حسناً يكتب بها الاعداد، فلا تنقطع عند وصل، ولا تتصل عند قطع. وقد زعموا إنها أسماء الله تعالى إلا إنها مشتركة للعرب، والفرس، والروم. وتشبيهه لانعطاف الأسنة باستدارة هذه الحروف كتشبيه الحافر بالميم حيث يقول:

لو مرَّ يركض في سطور كتابهأحصى بحافر مهره ميماتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

وكتشبيه الحافر أيضاً بالعين كقوله:

أول حرف من اسمه كتبتسنابك الخيل في الجلاميد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما سدكت علة بمورود»

إلا أن الجيد في تشبيهه تعطف الرماح ما له الشيخ أبو العلاء حيث يقول:

وتعطفت لَعِب الصّلال من الأسىفالزُجُ عند اللَّهذم الرعَّاف
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أودى فليت الحادثات كفاف»

فلعب الحيّات، وتعطفها حسن في تشبيه استدارة الرمح إذا التوى وتعطف.

وقوله:

هذي برزتِ لنا فهجتِ رسيساثم انثنيت وما شفيت نسيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

قد تقدم ذكر هذا البيت في كتاب التجني على ابن جني، ونحن نكرره هاهنا ليكون الكتاب كاملا. قد نعى أبو الفتح على المتنبي حذفه حرف النداء من هذي. وهذي تصلح أن تكون وصفا (لأي) فحذف (يا) مع (أي) إجحاف وذلك لا يجوز عند البصريين. وقد فسر قول الله: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) أراد ي هؤلاء بناتي. وعند البصريين غير جائز. وسمعت الشيخ أبو العلاء يقول: هذه موضوعة موضع المصدر وإشارة إلى البرزة الواحد. كأنه يقول: هذه البرزة برزت فهيجت رسيسا. وهذا تأويل حسن لا حاجة معه إلى اعتذار.

وقوله:

وكشفت جمهرة العباد فلم أجدإلا مسوداً جنبه مرؤوسا

أي سبرت وجربت واختبرت جمهرة الناس. وقوله: جنبه أي الإضافة إليه. أي كل الناس بالإضافة إليه مرؤوس مسود. وقد حذف حرف الجر فنصبه كما قال: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) أي من قومه.

وقوله: (واقعدوا لهم كل مرصد) وقوله أيضاً

وخوف كل رفيقأباتك الليل جنبه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنصف القوم ضبه وأمه الطرطبه»

منصوب بحذف حرف الجر. إلا أن بينهما فرقاً. وذلك أن قوله: أباتك الليل جنبه. يريد مجاوره وبجنبه. وفي قوله مسوداً جنبه يريد بالإضافة إليه، والقياس عليه، ولا يزيد إنه وضع بجنبه إلا مجازاً فقط.

وقوله:

كأنك ناظر في كل قلبفما يخفى عليك محل غاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

هذا البيت فضح الصاحب أبو القاسم به نفسه في رسالته التي ذم بها أبا الطي يقول فيها ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه (الغاش) وهذا مما لا أعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه، أو يفسح فيه ويجوزه وذلك كقوله: كأنك ناظر البيت الخ. فما جاز هذا جاز أن

يقال: عباس بن عبد المطلب، وشماخ بن ضرار فلا تشدد الميم، ولا الباء. على أن ما أورده أشنع من هذا الذي مثلناه به.

هذا كلامه فإذا لم يفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح. وكأنه قد تصور إنه يريد من الغش، ولم يرد أبو الطيب شيئاً من ذلك. وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس، يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله:

غشيت ديار الحي بالبكران

قال الله تعالى: ومن فوقهم غواش. وقال ذو الرمة يصف سفوداً:

وذي شعب شتى كسوف فروجهلغاشية يوماً مقطعه حمرا

ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى: فلما تغشاها حملت حملا خفيفاً فمرت به. ولو أراد الغش لما أتى بالمحل لأن ذا الغش يعرف غشه فقط، ولا حاجة بمعرفة منظلته ومحلته وهذا كقوله:

ويمتحن الناس الأميرُ برأيهويقضي على علم بك ممخرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

وقوله:

ملك منشد القريض لديهيضع الثوب في يدي بزاز
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وله مثله كثير وإنما هذا البيت كقول علي بن الجهم:

كلمني لحظك عن كلَّماأضمره قلبك في غدره

ولعل الصاحب لما رآه ذكر الغدر ووجد بيت أبي الطيب مأخوذا منه ظن إنه لابد من إقامة الغش مقام الغدر. ومثله للخليع

أما تقرأ في عينيعنوان الذي عندي
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

والأول فيه قول الدقيقي:

تخبرني العينان والقلب كاتمولا حنَّ بالبغضاء والنظر الشرز

وقوله:

أتى خبر الأمير فقيل كروافقلت نعم ولو لحقوا بشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

روى أبو الفتح بفتح الكاف. وفسّره فقال: كان أبو العشائر استطرد للخيل، وولى بين أيديها ثم جاء خبره إنه كرَّ عليهم راجعاً. أي فلو لحق بشاش لوثقت بعودته. هذا تفسير يتبع الرواية. ولعمري إنه إذا روى كذا كان التفسير هذا مع سماع الخبر. ولم يرو غير أبي الفتح كروا بفتح الكاف. ووقعت إلي نسخ عير واحدة شاميات في كلها كرواء وليس التفسير إلا ما أقول ولا الرواية إلا بالضم.

يقول: أتى خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا معشر المستميحين واللائذين به.

كروا فقلت: نعم ول بشاش. الدليل على ذلك فيما يليه:

وأسرجت الكميتَ فنا قلت بيعلى أعقاقها وعلى غشاشي

والأعقاق: مصدر من أعقت الأنثى فهي عقوق إذا عظم بطنها لقرب النتاج. والغشاش العجلة يقول: سرت بها على عجلة مع كونها معقاً. فهذا دليل على أن الغرض ما ذكرناه. وأيضاً قوله فيما بعد:

إذا ذكرت مواقفه لحافٍوشيكَ فيما ينكسُ لانتقاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

أي يعجل سروره بها وعجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله. وأيضاً فما يفسد المعنى الذي ذكره. إن قوله فقيل كروا يكون ضميره أصحاب الممدوح، ولحقوا ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين الضميرين. وهل يرضى مثل أبي الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد لمختلفين لفظهما متفق.

وقوله:

تزيل مخافة المصبور عنهوتلهى ذا الفياش عن الفياش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

المصبور: المحبوس ليقتل. يقال: قتل فلان صبراً أي حبس على القتل فضرب عنقه، وما أشبه هذا والفياش: المفاخرة. يعني أن هذا الممدوح يزيل مخافة ذي الخوف لأنه يستنفذ الأسير. ويلهى صاحب

الفخر عن مفاخرته. وفي هذا البيت من الانغلاق إنه ربما توهم أن ضمير (تزيل) للخبر وليس ذلك بجيد، لأن المفاخرة ليست مما إذا الهي الخبر عنه يدل على كبير سرور بالخبر، بل الأولى إنه يعني تلهى هذا الممدوح ذا الفخر عن مفاخرته بنهاية وعظم شأنه، وتزيل مخافة ذي الخوف باستنقاذه. فإن كان الضمير للخبر عن المواقف فإنه يعني إنها لعظمها لا ترخص في مفاخره من تلك مواقفه ولكن يختل قوله: تزيل مخافة المصبور فإن عظم رفعته لا تزيل المخافة بل الممدوح يزيلها. وحكى الشيخ أبو

العلاء إنه كان قد قال:

ويلهى الحسن في خلق الأباش

فغيره إلى هذا. والأباش المرأة السيئة الخلق.

وقوله:

للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدواوالنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

أوقع (ما) على من يعقل في قوله: وما ولدوا على تويلات ثلاث. أحدها أن يكون غرضه أنهم أغنام غير ذي عقول كالبهائم، فاستعمل لهم (ما) لأنها لما لا يعقل. والثاني أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده، يريد (من) حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. والثالث أن يكون أوقع (ما) على المصدر. فكأنه قال: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم. وقيل في قوله تعالى: والسماء وما بناها، والأرض

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.