تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح (٨)

ولبعض المحدثين مثله:

تعرض لي ناش وناش مباركعلى القرن ميمون على من تغالب

وقد قصَّرا جميعاً عن الأول، ووقعا دونه. وقوله: تسلى بالبكاء قليلا. يريد إنه لا يملك من النكير عليّ إذ أهنته غير البكاء والجزع فيتسلى به إذ لم يقدر على إهانتي مكافأة على ما فعلت به. وهذا ابعد قوله:

أتاني كلام الجاهل بن كيغلغيجوب حزوناً بيننا وسهولا

وكان أبلغ عنه إنه ذكره في بلاد الروم بقبح وتهده. فكأنه يقول تسلى بذلك القول ولم يريد المقابلة لي. ولكن تسلى بما أظهره من الجزع عجزاً عن إيقاع الفعل. فأقام البكاء مقام ذلك، إذ كان صدر عن جزع كما يصدر البكاء عن الجزع فما يصنع التجمل هاهنا. وكيف يتجمل بالبكاء من لم يقدر على مقابلة عدو ومجاراته بصنيعه بل ضد التجمل فعل من بكى جزعاً.

وقوله:

أما ابن من بعضه يفوق أبا الباحثوالنجل بعض من نجله

بمثل هذا فيغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبوته فما قصر. يقول: أنا بعض والدي، لأني منه وجدت. وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرماً وبأساً. فإذن والدي فوق أبيك كثيراً قد فضله بعضه. وقد استوعب هذا المعنى بقوله: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث. وباقي البيت فضل وتبيين. وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:

وإنما يذكر الجدود لهممن نفروه وأنفذوا حيله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

يقول: أنا لا أفخر إلا بنفسي. وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالأب من لا فخر له في نفسه فيقول: أنا ابن فلان. وجدي فلان.

قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: معناه أنا فوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعه الشعر قادته إلى هذا النظم. وليس بضرورة كما قال:

قالت من أنت على خبر فقلت لهاأنا الذي أنت من أعدائه زعموا

فأتى بهذا النظم. وهذا كلام من لا يعرف صنعة الشعر. وأي صنعة في هذا البيت غير إبداع المعنى. والصنعة تحتص من الشعر باللفظ، ووجه استعماله، لا باختراع المعاني، ألا ترى إنه لو قال:

كما قال الشيخ أبو الفتح: أنا أفوق أبا من يبحث عني لما كان قفيه هذا المعنى البديع، الذي إياه أراد أبو الطيب. وقول الشاعر:

أنا الذي أنت من أعدائه زعموا

ليس نظم الشعر فقط أحوجه إلى هذا القول. بل مذهب الشعراء المعروف في التغالط. ألا ترى إنه بنى أول بيت على المغالطة. لأنه سألت عن قائل هذا الشعر، وهي تعرفه فأجابها بجواب مغالطة أيضاً. وأنشدت مثل هذا لبعض المحدثين:

بنفسي التي قالت أأنك للذييهيم بنا زعماً فقلت لها أني

لو قال الشاعر أنا الذي عاديته أنت لما كان للفظه الحلاوة التي تراها في البيت. بل الفاعل ما ذكره أبو الفتح من غير فائدة إلا لإقامة الوزن. ابن حبيبات القائل في خالد بن برمك:

لم يبق إلا الذي شيراز منزلهأعني ابن برمك ممن يترجى أحد

فهذا تعقيد بلا فائدة. فلو قال: لم يبق إلا ابن برمك لكفى، وأغنى. ومعنى أبي الطيب بعد يضطر إلى اللفظ الذي أتى به فتأمله. وأجهد أن يأتي به في غير هذا اللفظ موجزاً تجده ممتنعاً. وقد جود أبو الطيب في هذا البيت، فما ترك في الإحسان غاية لم يأتها لولا إنه نقض هذا الأصل الذي أتى به في مكان آخر من شعره فقال:

فلا قطع الرحمان أصلا أتى بهفأني رأيت الطيب الطيب الأصل

فهذه حجة لمن فاخر في الإباء. وكأنه حقق بذلك قول نصيب:

إن العروق إذا استسر بها الثرىأشر النباتُ بها وطاب المزرع
للشاعر نصيب الأصغر، اقرأ القصيدة
فإذا جهلت من أمري أعراقهوأصوله فانظر إلى ما يصنع

وقول أبي تمام:

فروع لا ترف عليك إلاشهدت لها على طيب الأروم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرامة كنت مألف كل ريم»

وقول أبي الطيب:

أفعاله نسبٌ لو لم يقل معهاجدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

وقوله:

فولت تزيع الغيث والغَيْثَ خلّفتوتطلبُ ما قد كان في اليد بالرجل

هؤلاء بنو كلاب اظهروا العصيان بعد الطاعة، فورد دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال:

أرادت كلاب أن تفوز بدولةٍلمن تركت رعيَ الشُّويهات والإبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»
أبى ربها أن يترك الوحش وحدهاوأن يؤمن الضّب الخبيث من الأكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

يقول: كانت طاعة السلطان غيثاً فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو. وطلبها له سائرة طلب بالرجل. وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا. كقولك هذا الشيء في يدي، أي حاصل عندي. وان لم يكن في يده العضو نفسها. قال الشيخ أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة. وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قريب. والله ما يفهم من قول أبي الطيب شيئاً مما يزعم. فرحم الله من عرفنا مغزاه بهذا التفسير، وكيف وهو يقول قد كان في اليد، يريد إنه كان في القديم في اليد. والشيخ أبو الشيخ يزعم إنه يريد لتناولت الغيث باليد عن قريب غفر الله له.

وقوله:

ما أجدر الأيام واللياليبأن تقول ما له وما لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

لا أن يكون هكذا مقالي

يقول: الأيام تتظلم مني. وأنا لا أتظلم. والهاء في ماله تكون لأبي الطيب. والياء في ما لي للأيام. ثم قال: لا أن أقول ما لها وما لي. لأني لا أبالي بها، ولا أتظلم منها. ألا تراه يقول:

وكيف لا وإنما إدلاليبفارس المجروح والشمال

وهما فرسان لعضد الدولة. يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة لم أتظلم من الزمان، ولم يقدر على هضمي. وقوله: ما له وما لي قول المتظلم. ألا ترى قول سحيم:

ألا ناد في آثارهن الغوانياسقين سماماً ما لهّن وماليا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وإلى قول الآخر:

يا قوم مالي وأبا ذؤيبكنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويبز ثوبيكأنما أريته بريب

والبحتري يقول:

ما لي وللأيام صرف حالهاحالي وأكثر في البلاد تقلبي

وقد ترك من اللفظ شيئاً يدل عليه الكلام. وذلك إنه يريد: لا أن يكون هكذا مقالي لها. لأنك لا تقول: ما أجدر زيداً أن يمر عمرو حتى يقول به فيكون في الجملة الثانية عائد إلى الجملة الأولى.

وقوله:

إذا تلفتن إلى الأظلالأرينهن أشنع الأمثال
كأنما خلقن للإذلالزيادة في سبة الجهال

قد تقدم ذكر القرون. يريد بقوله: سبة الجهال قولهم إذا شتموا: هو قرنان. وليست اللفظة بعربية صحيحة، ولا لها أصل. غير أن المولدين قد أولعوا بها، حتى جاءت في الشعر فمن ذلك قول ابن طباطبا العلوي (يذكر بعض من تعرض لهدم

سور اصفهان):

بنى السور ذو القرنين حصناً لأهلهوأصبح ذا القرنان يهدم سورها

ولا أعلم السبب في هذه التسمية ما هو، ولا السبب في عبارتهم بالقرن عن فجور الزوج غير أن القرن مشتق من الاقتران، فكان من رضي بذلك من زوجه بقرين. لا أعلم غير ذلك سبباً موجهاً.

وقوله:

لو سرحت في عارضي محتاللعدها من شبكات المال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

بين قضاة السوء والأطفال

يريد إن اللحية الكبيرة تصلح للقضاة والعدول، وتمكن صاحبها التمويه والحيلة. وقد تقدم هذه الأبيات قوله:

لها لحي سودٌ بلا سبال

ومن أبيات المعاني:

ولج النار في الطفيف من النائللا يتقي ولا يتحرج
فاته المجد والعلاء فأضحىيفتق الخيس بالنحيت المفرج

يصف شاهد زور شهد لنزر من الفائدة بالزور فاستحق النار فكأنه ولجها. والخيس: الأجمة. يقال إنها سميت بذلك لأن لحوم الفرائس تخيس فيها أي تنتن. يريد هاهنا به اللحية. ومثل هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه كان لا يدع نصح غابته من تحت ذقنه. شبهت اللحية بالغابة لتكاثر شعرها كتكاثر شجرها. والنحت المنحوت يعني مشطاً منحوتاً. قد فرج بين أسنانه. يريد إنه قد أولع لحيته يمشطها ويسرحها ليمه بها على الناس في شهادته.

وقوله: الأطفال: يريد الذين يحجر القضاة على أموالهم حتى يبلغوا

الحلم ويؤنس منهم الرشد. فهم يتأكلون أموالهم إلى حين ذلك، ويظهرون العفة. ويموهون بكبر

اللحى.

وقوله:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يريد: وفاؤكما بأن تسعدا ما لربع أشجاه طاسمه. يقول: وفاؤكما بذلك طاسم دارس، وأشجاه دارسه. لأنه لو لم يكن دارساً ما شجاني، كما أن الربع أشجاه لي دارسه. ثم لما تم الكلام أتى بزيادة فقال: أشفى الدمع ما سجم فدعوني ابكي وهذا معنى قول بعض المحدثين:

لا تلم في البكاء فالدمع لو لميجر في الخد كان في القلب حمر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لا وَعينٌ تُدِيرُ باللّحظِ خمرا»

وقد تكلم الشيخ أبو الفتح في تقدم الخبر على تمام الاسم المبتدأ بما يغني عنا سواه. وله عندي تأويل يخرجه مما منع منه أبو الفتح. وهو أن

يكون قوله: وفاؤكما كالربع مقطع الكلام يريد وفاؤكما دارس كالربع ثم قال: أشجاه، يريد الذي أشجاه. من قولك: شجي باللقمة إذا غص بها. كما تقول: الرجل يكلم الأمير جسور تريد الذي يكلم الأمير. فقوله: بان تسعدا متصل بأشجاه، يريد أغصه بإسعاد كما لي فيه على البكاء. وهذا المعنى وإن كان متعسفاً فإنه مخرج له من الضرورة التي ذكرها أبو الفتح. والكاف والميم من قوله: وفاؤكما لمخاطبة صاحبيه أو لمخاطبة عينيه كلاهما وجه.

وقوله:

بليتُ بلى الأطلال أن أقفْ بهاوقوتَ شحيحِ ضاع في التربِ خاتمهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»
أنام ملء جفوني عن شواردهاوتسهر الخلق جراها وتختصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وهذا على ما ذكر هذا الأديب إلا أن صاع تستعمل بمعنى أمال. صاعه يصوع صوعاً قال الشاعر:

يصوع غبوقهم أحوى زينمله طاب كما صخب الغريم

يريد يميلها راع لهم نوبي اسود، له صوت شديد. ولم اسمع صاع بمعنى تفرق. بل يقال: انصاع القوم إذا اخذوا في وجهةٍ ومالوا

فيها. فيجوز أن تكون صاع هذا الوتد التراب. أي آماله وتشعب فيه شعبه. وفي شعر العرب أبيات كثيرة مصاريعها الأواخر ركيكة، والمصاريع الأول جزلة. كقول القائل:

ألا أيها النوام ويحكم هبواأسائلكم هل يقتل الرجل الحب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «تذكر أنسا من بثينة ذا القلب»

فالمصراع الأول جزل في النهاية. والمصراع الثاني من كلام المتغزلين. وإن يكن ركيكاً ومثله لأبي تمام:

قدك اتئد أربيت في الغلواءكم تعذلون وأنتم سجرائي

فإن كان بيت أبي الطيب من هذا الحيز فغير بدع.

وقوله:

قفي تغرمي من اللحظ مهجتيبثانية والمتلف الشيء غارمه

تغرم جزم للأمر، وهو (قفي). ومهجتي نصبت لأنها مفعول تغرم.

وفاعلها الأولى يقول: قفي فإن الأولى من النظرات أتلفت مهجتي. فإن وقفت غرمتها ثانية. وهذا المعنى مثل قول القائل: ولا أعلمه أقبل أبي الطيب أم بعد زمانه:

يا مسقماً جسمي بأول نظرهفي النظرة الأخرى إليه شفائي

ألا أن هذا البيت لا مجاز فيه. وبيت أبي الطيب فيه مجاز. وذلك أن اللحظة الأولى لاتغرم، وإنما حبيبته تغرم أول النظرة الثانية تغرم، لكنه توسع في الكلام على مذهب العرب، إذ كانت النظرة الأولى هي التي أتلفت فكأنها تلك بعينها تعاد فتغرم.

قال أبو الفتح: ومثل هذا في استعادة النظر قول جرير:

ولقد نظرت فرد نظرتي الهوىبحزيزٍ رامة والمطي سوامي

أي حملني على أن أعدت النظر. كذا فسره. وهذا إنما نظر في أثر الأضغان فتابع

النظر شوقاً. وأبو الطيب تمنى نظرة من حبيبته ثانية. وبينهما بون بعيد.

وعندي وجه آخر محتمل، وهو أن تكتب تغرمي بالياء. يريد: قفي تغرمي يا مراءة. والأولى نصب تكون مفعولا أولا. ومهجتي نصب لأنه مفعول ثان كما تقول: غرمت زيداً مالاً يجوز

انتزاع حرف الجر من قولك: غرمت لزيد مالاً على القياس المطرد. ويكون وجه غرامه النظرة الأولى. وإنما التلف واقع على المهجة على مجاز قولك لمن شتمك: أغرم الشتم بإعطائي حقي. ولمن ضربك أغرم هذا الضرب بإنالتي معروفك. وهذا توسع في الكلام غير بعيد. فلما كانت النظرة الأولى أتلفت مهجته قال: أغرميها لها بنظرة ثانية. وكلا التأويلين جيد.

قالوا هذا البيت جزل نصفه الاول، ركيك نصفه الثاني. وما عسى يبلغ بخل البخيل بخاتمه. ووقوفه إذا ضاع خاتمه مع كون هذا المعنى من قول القائل:

فهن حيرى كمضيعات الخدم

وأي روعة لهذا المصراع مع قول القائل:

فقمنا وفي حيث التقينا غنيمةسوارٌ ودملوجٌ ومرط ومطرف
وملتقطات من عقود تركنهاكجمر الغضى في بعض ما يتخطف

وقول الآخر:

فمن يستبق آثارها في ضحى غديجد بلقا ملقى وقلباً ومعضداً
ودراً وخلخالاً عجلن التقاطهأذاعت به كف الفتى فتبددا

البلق: حجارة تكون باليمن بيض تشف. وأرجوزة أم الراعي النميري التي تقول:

جارية شبت شبابا رودكالم يعد ثدياً نحرها أن فلكا
لاقت غلاماً هبرزيا منكيافاعتلجا بينهما واعتركا
فحطما أساوراً ومسكاوطار قرطاها معاً فهلكا
وناولته كعثباً مدملكاأجثم جهماً لم يكن مفركا
هز إليها روقه المصعلكاإن كان لاقى مثله فأشركا

فإذا طابت نفوس هؤلاء عن هذه الحلي التي هي كما زعم غنيمه فأجدر أن تطب نفس أبي الطيب عن خاتمه. وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكى إنه صحف هذا المصراع فخرج عن هذا الحيز من

الاسترذال، فقالوا: وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه. والشجيج من صفات الوتد يريد وقوف وتد متروك في الدار. وصاع بمعنى تفرق صار في التراب وعلق فأورق. فقد عمد الخيام، وأوداة أهل الدار. وبيت السيخ أبي العلاء في هذا المعنى في السماء جودة:

غصن السباب عصى السحاب فلم يعدذا خضرة إذ كل عود أخضر
قد أورقت عُمُدُ الخيامِ وأعشبشُعْبُ الرحالِ ولون رأسي أغير
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
ولقد سلوتُ عن الشباب كما سلاغيري ولكن للحزين تذكر
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وجاثمه: بمعنى ثابته. وقال وقد فعل مثل ذلك في بيته:

وأكبر آيات التهتمّي إنهأبوك وأجدى ما لكم من مناقب

من التصحيف فخرج أن يكون كفراً فقال:

وأكبر آيات التهامي آيةأبوك وأجدى ما لكم من مناقب

يعني به علي بن أبي طالب ﵇. ولا ينكر إنه آية من آيات رسول الله ﷺ، ومعجزة من معجزاته وكبراها.

قال: وهذا من سعادة هذا الشاب واستيلائه على ذروة الفضل، كما قال.

وقوله:

وتكملة العيش الصبا وعُقيبهوغائب لون العارضين وقادمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»
وما خضب الناس البياض لأنهقبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: عنيت (بعقيه) الهرم والشيب لأنه يتلوه. والأولى عندي أن يعني الشباب. ألا ترى إنه قال بعده: وغائب لون العارضين

وقادمه، يعني كمال العيش الصبا ثم الشباب وسواد الشعر فيه ثم الشيب. وهذا المعنى من قول ابن الرومي. وهو أجود من هذا:

سلبت سواد العارضين وقبلهبياضهما المحمود إذ أنا أمرد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

وأجود منهما قول الشيخ أبو العلاء المعري. وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير وزاد:

وكالنار الحياة فمن رمادأواخرها وأولها دخان
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «معان من أحبتنا معان»

وقوله:

وما خضب الناس البياض لأنهقبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قد سمعت الناس يتكلمون فيه، ويقولون: هو كلام متناقض. لأنه نفى أن يكون البياض قبيحاً. ثم قال: أحسن الشعر فاحمه فدل على أن أقبحه أبيضه. وهذا عنت لأنه ليس كل حسن بممتنع أن يكون هاهنا ما هو أحسن منه، ولا كل حسن بموجب أن يكون سواده قبيحا. وقد بكت أبو الطيب بقوله: أحسن الشعر. يخبر بذلك إن البياض حسن إلا أن الشعر حده يستحسن فيه السواد فقط.

وقوله:

نحن من ضايق الزمان له فيكَوخانته قربك الأيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: أردت ضايقه فزدت اللام. وهذا كقوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون. وقوله: عسى أن يكون ردف لكم. وهذا ما ذكر وجهٌ. وللأخر قوله: خانته لوجب أن يقول مع هذا التأويل لهم. لان نحن للجماعة إلا إنه حمل على لفظ من.

وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.

وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.

وقوله:

ضلالاً لهذا الريح ماذا تريدهوهدياً لهذا السبيل ماذا يؤمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

قال للريح ضلالاً. وللسيل هدياً. لان الريح تؤذي ولا تنفع في الظاهر كما قال:

ليت الرياح صنع ما تصنعبكرن ضراً وبكرت تنفع

وقال للمطر هدياً لأنه يريد إنه يسقي الديار، وينبت المرعى وينتفع به. ألا تراه قال بعده:

فزار التي زارت بك الخيل قبرهاوجشمه الشوق الذي تتجشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يعني قبر والدة سيف الدولة. وكان زار قبرها في هذه الغزوة. قال الشيخ أبو الفتح: وإنما قال للمطر هدياً لأنه شبيه لسيف الدولة في سحة. ألا تراه يقول بعده:

تلاك وبعض الغيث يتبع بعضهمن الشام يتلو الحاذق المتعلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

وليس بممتنع ما قال. والذي قلناه أولى لأنه يريد الدعاء على الريح لضرها. والدعاء للمطر لنفعه. فهذه مطابقة من حيث المعنى.

وقوله:

كأجناسها راياتها وشعارهاوما لبسته والسلاح والمسمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

لم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرح هذا البيت. وفيه كلام. وذلك إنه يريد جنسها حديد على المجاز لصبرها على الكد والتعب. فكأنها خلقت من حديد. والشعار هنا ليس مما يلي الجسد من الثياب الذي هو ضد الدثار. وإنما هو شعار الجيش الذي يدعون به كقوله في الأخرى:

تناكر تحته لولا الشعار

يريد نداؤهم بشعار سيف الدولة. ويعني أن شعارهم أيضاً حديد. لأنهم يقولون سيف الدولة المنصور أو ما يشبهه من الكلام. والسيف حديد من هذا اللقب ويدل على قوله: وما لبسته. فلو أراد بالشعار اللباس لما كرر. ويريد مما لبسته التجافيف من الحديد. وقد فسر ذلك بقوله:

لها في الوغى زي الفوارس فورقهافكل حصان دارع متلثم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

فأما قوله راياتها. والرايات تكون من خرق. فإنه على ما ظن - والله أعلم - وجعل الرماح لهم رايات يعني رماحهم راياتهم. أو يعني أن عليها اسم سيف الدولة مكتوب فجعلها حديداً لما كان المكتوب عليها حديد.

وقوله:

رجلاه في الركض رجل وليدان يدوفعله ما تريد الكف والقدم

قال الشيخ أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه. كما قال جرير:

من كل مشترف وإن بعد المدىضرم الرقاق مناقل الأجرال
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار رسومهن خوالي»

أي يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به. وإذا توقى وطء الصخور على ما حكاه لحذقه فأي قرابة بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته متلائم وضع اليدين والرجلين وما أراه إلا أعجب ببيت جرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الانتباه. وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله:

يهوين شتى ويقعن وقفا

وقوله: وفعله ما تريد الكف والقدم. أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم لاستحثاثه. فجعل ذلك التحريك منها إرادة.

هذا من قول امرئ القيس:

فللزجر الهوب وللساق درةوللسوط أخرى غربها يتدفق

ويحمل معنى آخر. وهو أن يريد إذا احتجت إلى تصريفه يميناً ويساراً فهو مؤدب

عليه لا يحرجك إلى ذلك. بل يتصرف من غير تحريك العنان، ولا للفخذ والقدم فقد يستعين الفارس على تحريك دابته بفخذيه وقدميه كما تصرف بعنانه وإلى هذا المعنى ذهب في قوله:

وأدبها طول الطراد فطرفهيسير إليها من بعيد فتفهم

وقوله:

بأي لفظ تقول الشعر زعنقهتجوز عندك لا عرب ولا عجم

تجوز عندك هاهنا ليس من مجاز السير كقول الشاعر:

وقولوا لها ليس الضلال أجازناولكننا جزنا لنلقاكم عمدا

وإنما هو مجاز الدرهم الزائف. يقال: هذا درهم جائز إذا كان مهما. وربما جاز. ودرهم زائف إذا لم يجز. أنشد ابن الأعرابي:

ترى ورق العسان فيها كأنهمدراهم منها مستجاز وزائف

يعني إن هؤلاء الشعراء الذين يقصدونك ليسوا بأهل منك للإقبال عليهم، ولا الأفضال عليهم. لأنهم ليسوا عرباً ولا عجماً، ولا معرفة لهم، ولا أدب فكيف يجوز عليك مثلهم. وسمعت من سنشد: يخور. فكنت أظنه تصحيف. ولئن صحف فالمعنى جيد. لأنه من خوار الثور. شبه كلامهم لجهلهم بالخوار. ألا ترى البحتري كيف قال يعني المستعين:

بكى المنبر الغربي أو خار فوقهعلى الناس ثور قد تدلن غبغبه

وهذا التصحيف في بيت أبي الطيب يشبه تصحيف بعضهم في قوله أيضاً:

والصدق من شيم الكرام فبينأمن الشراب تتوب أم من تركه

وجد بعضهم فنبئن مكتوباً بالألف حال التنوين فانشد فنبنا يريد نبأ من النبأ. وهو الخير فخفف الهمزة. وجوازه ما لاشك فيه. وهذا من سعادة هذا الرجل بشعره.

وقوله:

يُفدَّى أتمُ الطير عمداً سلاحَهُنسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرها خلقٌ مخالبٍوقد خلقت أسيافها والقوائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

قال الشيخ أبو الفتح: إن روايته تفدى بالتاء أثبت لما أراد النسور. وإن كان لفظ (أتم) مذكراً. وليكن كما زعم فإن التاء لا تمتنع. وفي قوله: أتم الطير عمراً تنكيت. وذلك إنه يريد أن سلاحك ليس بمعمر، بل سريع التحطيم والانكسار. كما قال أيضاً:

وإن طال أعمار الرماح بهدنةٍفإن الذي يعمرن عندك عام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

وما لا يعمر فلا يجب أن يفديه المعمر. لأنه التفدية تقدم إلى الهلاك قبل المفدى وإنما تفديه هذه النسور طول عمرها، لأنه قد كفاها التعب للأرزاق. وقتلت ما تطعمه. ولا تجشمها مشقة في طلبه. وبكت أيضاً بقوله: أحداثها والقشاعم أي ليس الفاني عمره بأسمح بهذا السلاح بعمره من الحدث منها المنتظر لعمر طويل تتعقب حداثته لانتفاعها به، وتعويلها في الأرزاق عليه. وقوله:

وما ضرها خلق بغير مخالب

مما يسأل عنه. فيقال: كيف ذاك، وهي لا تخلو من المخالب فعن ذاك جوابان.

أحدهما يعني به الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه والمسّن الذي عجز عن طلب القوت. ألا تراهم يقولون في المثل: أبر من النسر. ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسس آوى الوكر وجعل فرخه يزقه كما كان يزقه في حداثته. فهذا جواب يوضحه قوله أحداثها والقشاعم. يريد فرخها الذي ينهض، ومسنها الذي عجز عن النهوض.

وأما الجواب الثاني إنه يريد وما ضرها لو خلقت بغير مخالب. كما تقول: ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار مظلماً ولكنك تريد: ما ضر النهار لو خلق مظلماً مع حضورك. فتأمله فهو وجد جيد.

وقوله: والقوائم لا فائدة في ذكرها غير القافية. على إنها لم كانت السيوف لا ينتفع بها إلا بقوائمها أتى بها. وإن قال قائل: يعني قوائم خيله التي سارت إلى الحرب كان وجهاً. على إنه قال: يفدي سلاحه وقوائم خيله ليست من السلاح.

وقوله:

إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاًمضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

الجوازم كلها للتعويق منها (لم) للنفي، ولا للنهي، ولام الأمر للغائب، ولا للحاضر ففيه معنى تراخي وصول الأمر إليه. وحروف الجزاء شرط، فكلها تعويق يريد أن ما تنويه إذا كان فعلا مستقبلا مضى ووقع قبل ان يعوقه معوق لسعادة جدك، أو لسرعة ما تمضيه. ويجوز

أن يعني (لا) التي هي للنهي وحدها، جمعها لأنه يريد تكرير العذال لها في قولهم: لا تفعل، ولا تصنع، ولا تحارب. فيكون معنى البيت معنى المثل المعروف: سبق السيف العذل، أي انك سباق بما تهم الأعداء. وفيه أيضا معنى ضربهم المثل في السرعة كقول ذي الرمة:

أصاب خصاصة فبدا كليلاًكلا وانغلّ سائره انغلالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»

يريد ك (لا) في السرعة إذا نطقت بها. وأقام المضارع مقام المستقبل. وقد تكلم أبو الفتح عليه، وأهمل أهم منه. ويجوز أن يعني بالجوارم لام الأمر في قولك ليفعل زيد فجمعها لأنها في أفعال كبيرة. يريد أن يسبق مضاؤها لحوق هذه اللام بها في اللفظ. وذلك من مذهب الغلو والإفراط.

وقوله:

إذا خاف ملكٌ من مَليكِ أجرتهَوسيفك خافوا والجوارَ تسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

ليس الواو في قوله: وسيفك خافوا واو الحال. وإنما هي واو عطف. ومعنى البيت: آجرهم، وأبذل لهم الصلح الذي يطلبونه. لان من عادتك أن تجير كل ملك خاف من ملك. وقد خافوا سيفك فأجرهم منه. ألا تراه يقول قبله:

وإن نفوساً يممتك منيعةوإن دماء أملتك حرام

ويقول بعده:

لهم عنك بالبيض الخفاف تفرقوحولك بالكتب اللطاف زحام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: عند الحرب ينهزمون عنك، ولا يقاومونك. ثم يجتمعون حولك بالكتب يسألون فيها العفو. وجعلها لطافاً لأنها مكتوبة تبعث على كتمان. لكل كبير، وكل دمستق، وكل بطريق يتقرب إليك على كتمان من صاحبه. ثم تزدحم الرسل بها حولك. لأنهم يجتمعون عندك. وان تكاتموا حين صدروا. ولم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذين البيتين أصلا.

وقوله:

عُقبى اليمينِ على عُقبى الوغى ندمُماذا يَزيدكَ في إقدامك القسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قال الشيخ أبو الفتح: إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله فهل يزيد يمينك في شجاعتك. هذا كما قال تفسير المصراع الثاني، فما بال تفسير المصراع الأول. وهو أحوج إلى التفسير. ومعناه عاقبة اليمين على ما يكون من الحرب ندامة. يريد أن من حلف لأظفرن في هذه الحرب كان عاقبة حلفه الندم. لأنه ربما لم يظفر فيندم لم حلفت فحنثت. فقوله (على) متعلقة بقوله (اليمين). كقوله أيضاً:

يميناً لو حلفت وأنت ناءٍعلى قتلي بها لَضَربتُ عُنقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سقاني الخمر قولك لي بحقي»

إلا أن المعنى وضح هنا بقوله: حلفت. فقد اعتادوا حلفت على كذا ولم يعتادوا يميني على كذا. وعقبى، رفع لأنه مبتدأ. وندم خبر. وقد زاد المصراع الثاني وضوحاً. وأفاد فائدة أخرى بقوله بعده:

وفي اليمين على ما أنت فاعلهما دل انك في الميعاد متهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وهذا من قول القائل:

قليل الألايا حافظ ليمينهفإن سبقت منه الإلية برت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أأطلال دار بالنياع فحمت»

فقوله قليل (قليل الألايا) دل على إنه يرى الإكثار منها قادحاً في المروة. ووجه قدحه منها ما ذكر أبو الطيب، وهو إنه دال بيمينه على إنه متهم إذا وعد. فينفي بها التهمة عن ميعاده. ولولا ذلك لوعد ولم يحلف. وهذا البيت لفظ ومعنى من قول الراجز. أنشده ابن الأعرابي في نوادره:

يا أيها المولى على جهد القسمبعض التألي لا تسفه أو تلم
وإنما اليمين حنث أو ندموإنما الفجور والتقوى طعم

ويقسم الله لعبد ما قسم

وقوله:

الراجع الخيل مُرمْاةَ مقوَّدةًمن كل مثلٍ وبار أهلها ارم

محفاة أي أحفاها كثرة السير. فهي تقاد ولا تركب رفقاً بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال. ألا تراه يقول:

وكل جواد تلطم الأرض كفُهُبأغنى عن النعل الحديد من النعلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

وقوله أيضا:

تماشى بأيدٍ كلما وافت الصفانقشن به صدر البزاة حوافيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم. وهب لم تتعود إلا البر. ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقال له: فهلا أنعلها إذا ألقت النعال، وهو ملك لا تعوزه النعال حيث سار. ويجوز أن تكون من الإحفاء الذي هو التقصي. كالخبر إنه صلى الله عليه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى. و (وبار): مدينة خربت. وارم: جيل هلكوا قديماً يقول: تدع الديار خرباً، وأهلها قتلى. وليس يريد أن وبار أهلها ارم في الحقيقة، بل يريد أن الديار كوبار خرابا. وأهلها كارم هلاكا.

وهذا البيت له نظير في هذه القصيدة بعينها وهو قوله:

عبرت تقدمهم فيه وفي بلدسكانه رمم مسكونها حمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

أي إنه احرق الديار فهي حمم، وقتل أهلها فهم رمم. والحمم، جمع حمه: وهو كل ما احترق كقول طرفة:

أم رماد دارس حممه

والرمة: العظم البالي. والحمه قد يراد به الموت كالحمام. وليس في هذا المكان.

وقوله:

فلم يَتَمَ سروجٌ فتحَ ناظرهاإلا وجيشك في جفنيه مزدحم
والنقع يأخذ حراناً وبقعتهاوالشمس تسفر أحياناً وتَلَتَثمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

(سروج): بلد. والهاء في جفنيه للناظر، ولا لسروج. ألا تراه قال: ناظرها ولم يقل جفنيها.

يقول: لم تصبح إلا وخيلك مزدحمة عليها. فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم. وحران من سروج على بعد. فيقول: وصل الغبار إليها لعظم الحرب. والبقعة بضم الباء وفتحها معروفة. إلا أن الشيخ أبا العلاء منع من ضمها. وقال بقعتها: بفتح الباء. وذكر أن بحران مكاناً كالبطحاء يعرف ببقعة حران. هكذا بفتح الباء فحكيت ما سمعت وآخر بأن الضم لا يجوز، لأنه لولا أن بقعه مكان بها مخصوص لكان ذكره البقعة هاهنا محال لا فائدة فيه. لأن البقع إذا اخذ حران أخذ بقعتها وإن لم يذكرها. بكنه عنى هذا المكان الواسع بها المجاور لها.

وقوله:

جيش كأنك في أرض تطاولهفالأرض لا أمم والجيش لا أمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

تطاوله التاء للأرض. وليس للمخاطب. ولو أمكنه الوزن لقال: كأنه في أرض تطاوله أي تنظر أيهما أطول. ثم قال فلا الأرض قريبة. ولا الجيش قريب يعني كلاهما طويل وفسره أيضاً بقوله:

إذا مضى علم منها بدا علموإن مضى علم منه بدا علم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

فالعلم الأول: الجبل من قول الشاعر:

كأنه علم في رأسه نار

والعلم الثاني علم الجيش الذي هو المطرد. فما أحسن ما اتفق له تكرير لفظ واحد بمعنيين مختلفين على أن لو قال إذا قطعن علماً بدا علم وهذا علم الجبل وحده ومثل هذا له:

وجيش كلما حاروا بأرضوأقبل أقبلت بهم تحار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

وقوله:

وأصبحت بقرى هنزيط جائلة

ترعى الطبي وخصيب نبته اللِّمم

البيت ظاهر المعنى. وإنما أتينا به لئلا يظن ظان أن ترعى ضميره للخيل وإنما ترعى فاعله الظبا. وفي البيت من الغلق إنه حذف ما يدل عليه المعنى. فإنه يريد الظُبا في خصيب نبته اللمم فوقها، أو بها، أو ما شاكل ذلك. وقوله: خصيب نبته اللمم. يريد في مكان فيه من الروم ذوات الشعور لما أتى بترعى أتى خصيب. وشبه الشعور بنبات الأرض. وكثرتها بالخصب فيه. ولو كان ضمير ترعى للخيل لكانت ترى بضم التاء. كما قال الشاعر:

رعيتها أكرم رعي عوداالصل والصفصل واليعضيدا

لأن الخيل لا ترعى الظبا، وإنما ترعيها اللمم. وسئل بعض الأعراب عن غنم كان يرعاها: لمن هذه الغنم فقال: الله راعيها، وأنا مرعيها.

وقوله:

ترمى على شفرات الباترات بهممكامن الأرض والغيظان والاكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
وجاوزوا أرسناسا معصمين بهاوكيف يعصمهم ما ليس ينعصم

يعني أن الأرض تلفظ إلى سيوفه كل من هرب منه في مكمن أو غائط أو توارى بأكمة أو صعدها. (وأرسناس): نهر عظيم معروف. يقول: ظنوا انهم جاوزا

(ارسناس) يحول بينك وبينهم. وكيف

يعصمهم منك، لأنك تقطعه وتركبه بخيلك، وبالسفن التي اتخذت له. يقول: لو انعصم نفشه منك لعصمهم. ولكنك قطعته اليهم، وعبرته على سفن اتخذتها، وهي المقربة التي ذكرها حيث يقول:

تلقى بهم زبدَ التَّيارِ مُقرَبةٌعلى جحافلها من نَضحِه رنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

رثم: بياض في الشَّفة العليا من الدابة. شبه الزبد على مقدمها بالرثم.

دُهُم فوارسُها ركّاب أبطنهامكدودة وبقوم لابها الألم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جعلها دهما لأنها مطلية بالقار. وموضع الركاب من السفينة بطنها. وهي مكدورة لأنها يعمل في السير عليها. والألم، يريد به التعب. وذلك لان التعب يلحق بالملاحين لا السفن لحذفهم بالمجاديف. فهم القوم الذين زعم أن الألم ينالهم من كدها ثم قال:

نتاج رأيك في وقتٍ على عجلِكلفظ حرف وعاه سامع فهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: إنك لما هممت بالعبور اتخذت له السفن على عجلة فكانت المدة في اتخاذها كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق. وقوله: حرف يحتمل معنيين.

أحدهما حرف من الحروف الثمانية والعشرين، وليس كلها إذا نطق بها مفردة وعى منها السامع معنى بل بعضها. وهي ق من وقيت، وع من وعيت العلم ود من وديت القتيل. ويكون تخصيصها لأنها أقل الكلم ذوات المعاني. فزمان النطق بها أقل زمان.

والثاني أن يريد بالحرف الكلمة الواحدة. وكتب العلماء مملوءة من ذلك يقولون: ليس في العرب إلا حرف أو حرفان. يريدون (كلمة أو كلمتان). ويقولون في القراءات: هذه من حروف أبي عمرو أي كلماته التي قرأ بها. فهو يريد لفظ كلمة وعاها سامع فهم.

وقوله:

والأعوجية ملء الطرقِ خلفُهمُوالمشرقيةُ ملء اليوم فوقهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

لما كانت الخيل مما تنبسط في الأرض جعل الطرق منها ممتلئة. ولما كانت السيوف مما تعلوا في الجو وتهبط عند الضرب جعلها ملء النهار، لأن النهار ما بين الأرض والسماء. إذ كان نوره من الشمس. والشمس تطلع من مشرقها ثم تعلو في الجو.

وهذا نظير ما مضى في هذا الكتاب من معنى قوله:

كأن نجومه حليٌ عليهوقد حذيت قوائمه الجبوبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضروب الناس عشاق ضروبا»

يصف ليلا جعله من السماء إلى الأرض. فهو كالفرس الأدهم. نجومه حليه، والأرض نعله.

وقوله:

واسلم ابنُ شمشقيق إليَّتهإلا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قوله: إلا انثنى متصل بقوله: إليته. وكان الدمستق حلف برأس ملك الروم إنه يثبت في لقاء سيف الدولة. فلما انهزم جعله كأنه أسلم (إليته) وتركها سدى لا يرعى عليها. فهو يمضي في هزيمته، (والإلية) تبسم أي تضحك من هربه ثم قال:

لا يأملُ النفسَ الأقصى لمهجتهفيسرق النَّفسَ الأدنى ويغتنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يريد إنه يغتنم الأنفاس، لأنه موقن بالقتل فيرى أنفاسه كلها قبل القتل غنيمة وكأن يواعد نفسه أن يكون القتل وقت كذا فأقصى أنفاسه النفس الذي يرتد إليه وقت خروج روحه. فهو لشدة فزعه، وانقطاع أمله لا يرجو ذلك النفس في ذلك الوقت لاستبعاده أن يبقى إلى حين ذلك فهو يغتنم ما طف من الأنفاس. وهذا المعنى لا حقيقة له. ولكنه على مذهبهم في التعبيد. وزعم الشيخ أبو الفتح إنه يقول: إنه من وهله وخوفه لا يستتم نفسه. وأنت تشهد أن البيت لا يدل على إنه يستتم أو يحزم

قبل التمام. بل جعل له نفسين دانيا وقاصياً.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.