تجاوز إلى المحتوى

من «الفتح على أبي الفتح» لابن فورجة (ت ٤٥٥هـ)

الفتح على أبي الفتح (٣)

ذكر أبو عبيدة قال: أنشد هذا البيت عبد الملك بن مروان قال: كاد يبلغ بنسبه إلى آدم. فأما قوله: هذه من الحكمة التي ذكرها ارسطاليس، وأفلاطون فلا يقاس به كلام، ولا فهم فهمه فهم. أترى من باب الفلسفة أن يقال: فلان مثل أبيه في الشبه، أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة. فسبحان الله من سخر له هذا الكلام، وما كنا له مقرنين.

وقوله:

سريت إلى جيحان من أرض آمدثلاثاً لقد أدناك يسرٌ وأبعدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

ولم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح تفسيراً شافياً. وهذا كلامه قال جيحان نهر أي أدناك سيرك من النهر، وأبعدك من آمد. وهذا - أيدك الله - كلام غير مفيد. إذ كل من سار من موضع إلى آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث

انفصل عنه. فلو سار غلوة أو فرسخاً فما وجه المدح في هذا إذا تأولناه على ما تأوله أبو الفتح وما فائدة البيت.

ووجه تأويله عندي ما أقول. وذلك أن جيحان من أرض آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك وقوله: سريت إلى جيحان من أرض آمد، وهذه مسافة بعيدة لا يصل فيها أحد بمستوى ثلاث ولو أن قائلا قال: سريت إلى الكوفة من بغداد لفهم عنه إنه قد وصل إلى الكوفة. إذ سرى إليها من بغداد. ويجوز أن يفهم عنه إنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها ولكن الكلام بعضه يدل على بعض لاسيما من عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب:

سريت إلى جيحن من أرض آمد

أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال ليصح معنى تعجبه بقوله: (لقد أدناك ركض وأبعدا) ولولا ذلك لما كان لتعجبه وجه.

وقوله ثلاثاً يريد في ثلاث. فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه (سريت).

وقوله:

هنيئاً لك العيد الذي أنت عيدهوعيد لمن سمى وضحى وعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

تكلم الشيخ أبو الفتح على العيد بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب. إذ كان العيد مما يفرح الناس له. فكذلك هذا العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:

جاء نيروزنا وأنت مرادهُوورت بالذي أراد زِنادهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

وقوله: ذكر اسم الله على أضحيته، كقوله تعالى: وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. وقوله تعالى: واذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها. فذكر اسم الله عليها واجب على المسلمين. فيريد أنت عيد كل مسلم.

وقوله:

يدقُ على الأفكار ما أنت فاعلٌفيتركُ ما يخفى ويأخذ ما بدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

قال الشيخ أبو الفتح هذا البيت مثل قول عمار الكلبي:

ما كل قولي مشروحاً لكم فخذواما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة

وختم كلامه، وهذا البيت لعمري من البيت الذي ذكره. ولقائل أن يقول منه أخذه. لولا أن عمار الكلبي محدث قد أدرك زماننا. وهو رجل بدوي أمي كأنه قد أنشدت له قصيدة على فصاحتها ملحونة أولها:

تسد ما بين حاديها بذي خُصَلِكالبرد نصفان هداب ومنسوج
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة

إلا أنا نعرف معنى البيت ثم نتكلف في كيفية أخذه. فإن كان قد سمعه المتنبي فإنه لم يأخذ معناه ولكن نقله إلى معنى آخر. فأما أن يقال هذا مثل هذا ويختتم الكلام فتقصير بين.

ومعنى هذا البيت: إن ما تبتدعه من المكارم يخفى على أفكار الشعراء. فيذكرون في أشعارهم ما يظهر منها، ويتركون ما يخفى على أفكارهم. وليس يريد أن المقتدين بك في المكارم يأخذون ما ظهر منك ويتركون ما خفي لأنه لو أراد ذلك لما أتى بالأفكار. ولقال يدق على الكرام. لو أراد ذلك لما قال: (يترك ما يخفي ويأخذ ما بدا) وكان الأبلغ في المدح أن يقول: إذا فعلت فعلا لم يهتد إلى فعل مثله أحد فلم يأت له. كما قال في مكان آخر:

تبكوا وراءك يا بن أحمد قُرّحٌليست قوائمهن من آلاتها

وأما قول عمار فيعني أن قولي أدق من أن يفهموا جميعه، فخذوا

ما عرفتم، ودعوا ما لم تعرفوا، فنقله إلى المدح أبو الطيب، وأقام دقة صنعه في اقتناء المكارم دقة معنى الشاعر. وأول الأبيات:

ماذا لقيتُ من المستعمرين ومنقياس نحوِهُمُ هذا الذي ابتدعوا
أن قلتُ بكراً يكونُ لهامعنى خلاف الذي قاسوا وما ذرعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
قالوا لحنتِ وهذا الحرف منخفضٌوذاك نصب، وهذا ليس يرتفع
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
وضّربوا بين عبد الله واجتهدواوبين زيد فطال الضرب والوجعُ
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
فقلت واحدةٌ فيها جوابهُموأفضل والقول بالإيجاز ينفع
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
حتى يصير إلى القوم الذين غذُوابما غذيت به والوقل يستمع
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
فتعرفوا مِنهُ معنى ما أفوه بهحتى كأني وهم في لفظه شَرعَ
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
كم بين قَوم قد احتالوا لمنطقهموبين قومٍ على إعرابه طُبعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
وبين قوم رأوا شيئاً معانيهوبين قوم حكوا بعض الذي سمعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

فارقتكم فإذا ما كان عندُكمُقبل الفِراقِ أذى بعد الفراقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

أي كانت منكم أحوال أكرهها فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يداً لأني أتسلى إذا ذكرتها عنكم وتزهدني فيكم، فهي

على الحقيقة يد إذ كانت سبباً للسلو عنكم. وفسر ذلك قول بعده:

إذا تذكرت ما بيني وبينكمأعان قلبي على الوجد الذي أجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فارقتكم فإذا ما كان عندكم»

يريد أني أجد عليكم وجداً ينال مني، فإذا تذكرت ما صنعتم من قبح الصنيع أعان قلبي على الوجد الذي عرض له، وسلاني وصبرني. فقلبي نصب لأنه مفعول به من أعان وفاعله ما بيني وبينكم. وقوله: ما بيني وبينكم يريد من أحوال الهوى، وقبح الجزاء على حبي لكم. وقد خفف الشيخ أبو الفتح في تفسير هذين البيتين ولم يأت بكبير فائدة.

وقوله:

اليوم عهدكُمُ فأين الموعدُهيهات ليس ليوم عهدكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قال الشيخ أبو الفتح أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. فليس لذلك اليوم غد عندي وهذا ما ذكره ﵀ إلا أن البيت لا يتكشف معنى سائره

بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه فعرفوني متى الموعد باللقاء. إذا افترقنا. ثم تدارك بقوله:

هيهات ليس ليوم عهدكم غد

قوله: أين الموعد كأنه نعى على نفسه ما أتته. وقال: وما سؤالك عن موعد اللقاءات وأنت لا تحبين بعد فراقهم فلأجل هذا الاستدراك الذي

لم يوضحه استبهم معناه ولم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرحه. وقوله اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:

وأخر عهد منه يوم لقيتهبأسفل وادي الدوم والثوبُ يُغسلُ

وليس من العهد الذي هو العقد في مثل قول الحارث بن حلزة:

واذكروا حلف ذي المجاز وماقدّم فيه العهود والكفلاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وكثيراً ما يستعمل العهد مكان الوعد إذا كانا من باب الموبقة فبما قال: اليوم عهدكم فأين الموعد فجمع بين اللفظين. اشتبه على من سمعه. وظن إنه يقول اليوم وعدكم الذي وعدتموني فأنجزوا وعدي فلذلك وجب إظهار ما أراده أبو الطيب.

وقوله:

صح يال جُلهَمة تذرك وإنماأشفار عينك ذابلٌ ومهّند
حيٌ يشار إليكَ ذا مولاهُمُوهم الموالي والخليقة أعبُد

أما البيت الأول فقد فسره ابن جني تفسيراً مضطرباً. فإنه قال:

أي تحدق بك الرماح والسيوف فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار. وهذا كأنه من قول الآخر:

وإذا دُعوا لنزال يوم كريهةستروا شُعاع الشمسِ بالخُرصان

هذا تفسيره. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك. وما بال السيوف والرماح تغطي بها عينه دون سائر الأعضاء. بل أي موضع في هذا البيت لفظه تدل على التغطية. ولم يتكلف ما يعسر تمحله فيقال كثرت عليه الرماح والسيوف حتى صارت كأنها

غطاء على عينه إذا مدَّ بصره. والعين قد تبصر ما في السماء ولا تغطيه عليها الرماح والسيوف. هذا والشاعر يقول غير ما ذهب إليه، ويريد غير ما تمحله. وإنما قوله: (تذرك وإنما أشفار عينيك) كقولك: تركت زيداً وإنما عينه سماء هاطلة. وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذا أثخنته ضرباً وتركت الأرض وإنما جنة.

يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فهابك كل واحد كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحاً، وصلت عليه بسيوف. كأنه قال: صح بال جلهمةِ يتركك. وهذا حالك من الهيبة في القلوب.

فان قال المحتج عن الشيخ أبي الفتح إنه ذهب بقوله: تغطى عينك كما تغطيها الأشفار إلى ما أوردناه من معنى الهيبة لحضور السيوف والرماح لا على تشبيه الشفر بالرمح، أو غنائه مغناه فمبطلُ فما يدعيه إذا كان الرجل لم يأت بمعنى التغطية البتة. وقد ادعاه الشيخ أبو الفتح لفظاً ثم زاده توكيداً بأن قال: كأنه مأخوذ من قول القائل:

سدوا شعاع الشمس بالفرسان

ومعنى السد والتغطية. وما أراده أبو الطيب بمعز عنهما. ولو قال: كأنه من قول القائل

عيناه سهمان له كلماأراد قتلي بهما سلما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا ذا الذي في الحب يلحى أما»

كان أسلم له وأصوب

وأما البيت الثاني فأنا ضممناه إلى هذا البيت لأن بينهما تعلقاً نورده إن شاء الله.

قوله: حيٌ، ريد به جلهمة حيٌ يشار إليك أيها الممدوح أنك مولاهم أي سيدهم وهم الموالي أي السادات. يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيداً. بل أنت سيدهم وهم سادة البشر.

وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها (حتى يشار إليك). ولم نروه. إلا أن هذه

الرواية سائغة لطيفة. يعني انهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد إذا صحت بآل جلهمة فعل المسودين المذعنين لك بالفضائل والرئاسة والسؤدد لك عليهم.

فهذا هو المتعلق بينهما. وان كان قد تخللهما قوله:

من كل اكبر من جبال تهامةقلباً ومن جود الغوادي أجود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

كأنه توكيد للمعنى. وتعظيماً لشأنهم أعقبه ذكره سؤدد الممدوح عليهم مما ذكره من فضلهم.

وقوله:

أنى يكون أبا البرية آدمٌوأبوك والثقلان أنت محمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

في اللفظ تقديم وتأخير إذا تصورته لم يشتبه المعنى. وتقديره، كيف يكون أبا البرية آدم. وأبوك محمد وأنت الثقلان. يريد إنه إذا كنت أنت الثقلين وأبوك محمد فإذن أبو البرية أبوك لا غيره وقوله: والثقلان أنت يريد الجن والأنس. أي أنت توازيهما فظلاً. وقد كرر هذا المعنى في شعره فأظهر قوله:

ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق

وليس يقال في هذا المعنى مأخوذ لكثرته على السن الناس. وقد أورد الشيخ أبو الفتح حكاية عن أبي تمام مستحسنه. وجملتها إنه اتخذ هذا المعنى من قول أبي نواس

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وهذا كله من الآية: إن إبراهيم كان أمة صلى الله عليه وعلى آله.

وقوله:

ولا الديار التي كان الحبيب بهاتشكو إليّ ولا تشكو إلى أحد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

وقال الشيخ أبو الفتح: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار أيضاً فضل، لأن

الزمان أبلاها. وهذا على ما قاله الشيخ أبو الفتح وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره.

وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد: لا أنا أشكو إلى أحد ولا الديار تشكو إلي لخفائها ودروسها فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله فصار مضطرباً من المحتمل السائغ، لا من الظاهر البارز.

قوله (في البيت السابق)

ما الشوق مقتنعاً مني بذي الكمدحتى أكون بلا قلب ولا كبد

كأنه يقول: ولا الديار تقنع مني به. ثم فسر لأي حال لا تقنع منه به فقال: تشكو إليّ أي إنها شكواها. سائغ وهي مما لا يعقل شكو إلي بدروسها وزوال جمالها. وأنا لا يحسن بي الشكوى إلى أحد لأنني ممكن يعقل ولا يحسن بي إظهار الحب، وإفشاء السر فيكون عطف نفياً على نفي تقدمه لا عطف على جملة لم تأت بعد.

ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله: لا تشكو إلى الديار لأنه لم يبق فيها فضل لشكوى فكيف عرفها وإذا بلغ الحال في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.

وقوله:

متى لحظت بياض الشيب عينيفقد وجدته منها في السواد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال الشيخ أبو الفتح: أي كأن ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرهاً له. وهذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى. وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود.

ولو كانت العين من الأعضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها الشعر النابت فيها ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال: إذا نظرت إلى شيبي فكأنه عاينت بياضاً نزل في سوادها، من البياض المستكره الذي ينزل فيه من العلة.

ولعل الشيخ أبا الفتح تجنب هذه المقالة لأنه رآه أضاف البياض إلى الشيب فظن

في العين من شعر أيضاً ليصح فيه معنى البيت. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسنه، وذلك إنه يريد بياضاً مستهجناً مستقبحاً كبياض الشيب كما قال البحتري

وددت بياض السيف يوم لقيتنيمكان بياض الشيب حل بمفرق

وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به. فأراد التسوية بين البياضين وهذا واضح كثيراً

وقوله:

متى ما ازددتُ من بُعد التناهيفقد وقع انتقاصي في ازديادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقوله وقع: يحتاج إلى تفسير لئلا يتوهم فيه ما يستزل عن المعنى. يقال وقع زيد في المكروه، ووقعنا في وعث من الأرض. ووقع قلبي في تهمة. وكذلك يقال وقع شيبي في الزيادة. ووقع نزق الغلام في إنقاص. والمعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء الأربعين سنة فإذا ازددت بعدها نقصت القوى وعدت انتقص بعدما كنت ازداد. وكأنه من المعنى الذي له:

فبعثنا بأربعين مهاراًكل مهر ميدانه إنشاده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»
عدد عشته ترى الجسم فيهزائداً لا يراه فيما تزاده

ولأجل هذا أتى به بعد قوله:

متى لحظت بياض الشيب عينيفقد وجدته منها في السواد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

وقوله: (فقد وقع انتقاصي في ازدياد) يريد قد ابتدأ نقصاني يزيد. وهذا المعنى من قوله:

ولجدت حتى كدت تبخل حائلاًللمنتهى ومن السرور بكاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

على أن المعنى من قول القائل:

وأسر في الدنيا بكل زيادةوزيادة الدنيا هي التنقيص

والأول فيهما جميعاً قوله:

وحسبك داء أن تصحّ وتسلما

وقوله:

وأبعد بعدنا بعد التدانيوقرب قربنا قرب البعاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

قال الشيخ أبو الفتح أي أبعد بعدنا مثل التداني كان بيننا. وقرب قربنا مثل قرب البعاد كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد. وهذا تفسير واضح إلا أنا نريد أن نزيده شرحاً إذ كان البيت معقد اللفظ فنقول:

إن قربنا وبعدنا مفعول بهما. وقوله بعد التداني، وقرب البعاد منصوبان على المصدر كقول الشاعر:

له صريف صريف العقو بالمسد

وله نهيق الحمار. يريد كنهيق الحمار.

وقد يقال في العبارة عن تفسير هذا البيت لفظ آخر يزيده وضوحاً. وهو إنه يقول: قبل أن اجتمعنا كان القرب بعداً، والبعد قرباً، لانا كنا على البعد متواصلين. وعلى قرب الضميرين متباعدين فلما اجتمعنا صار البعد بعداً حقيقياً. والقرب قرباً حقيقياً. وكأنه في المصراع الأول نظر إلى قول ابن المعتز:

أنا على البعاد والتفرقلنلتقي بالذكر أن لم نلتقِِ

وكأن في المصراع الثاني مضاده لقوله:

وكان على قربنا بيننامهامه من جهله والعمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

وقوله:

أقل فعالي بله أكثره مجدوإذا الجد فيه نلت إن لم أنل جد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

بله: بمعنى دع أكثره، وكيف أكثره. كأنه لو تأتي له الوزن لقال: أقل فعالي مجد، فكيف أكثره وبله: وقد تكلم عليه ابن جني بنحو الورقتين من الكلام، ولا معنى

لتكراره. ومعنى هذا المصراع أني لا أفعل شيئاً إلا ومغزاي الجد، وإياه أنحو، وإليه أدأب. كأنه لو صرح بالأقل لقال: يومي مجد وأكلي مجد، وشربي مجد، وأخذي مجد وعطائي. ولو صرح بالأكثر لقال، تغريري بنفسي ودخولي في المهالك. وسيري في المفاوز ولقائي الملوك وتيهي عليهم.

وأما قوله:

وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد

فالجد هنا ضد الهزل. والجد بمعنى الحظ والبخت. فيقول جدي وتشمير إلى هذه الغاية في (سبيل) طلب المجد هو بخت وحظ من الله تعالى. فان نلت ما أريده أو لم أنله محظوظ ومبخوت.

وقوله:

من القاسمين الشكر بيني وبينهملأنهُمُ يُسدي اليهم بأن يسدوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد حازني وجد بمن حازه بعد»

يريد انهم لكرمهم يعتقدون منه فضلاً عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك وأنا اشكرهم على ما أولوني من الجميل. وهو يشكرونني على أخذي نوالهم.

وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين. إذ جعلهم يسدي إليهم بأن يقبض نوالهم. وهذا هجو، إذ جعلهم كمن يؤنف من فيض نواله، وبمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:

وفيض نواله شرف عزٌوفيض نوال بعض القوم ذام

على إنه وإن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه فقد علم إنه إنما يريد شده فرحه بالعطاء حتى كأن من يسأله يمن عليه. فما أكثر ما جاء نظير هذا من شعره وشعر غيره. وأجود من قال:

إنك لا تدري إذا جاء سائلأأنت بما تعطيه أم هو أسعد

ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكراً وما حمله على الرضى بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في الثاني وهو قوله:

فشكري له شكران شكر على الندىوشكر على الشكر الذي وهبوا بعد

فهذا المعنى من تعسفه في أغرب مما مضى إذ يقول: شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي. وشركتهم على ما أعطوني فصار لهم شكرين.

وقوله: الذي وهبوا بعد. جعلوا الشكر الذي أتوه له هبة ثانية منهم. وصار مستحسناً وزيادة في المعنى والصنعة.

وقوله:

وشامخ من الجبال أقودزرناه للأمر الذي لم يعهد

للصيد والنزهة والتمرد

قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال: لم يعهد أي إن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب والتفسير على ما حكاه، إن كانت الرواية (لم يعهد) بضم الياء لا محيص عنه والأجود عندي هو ما أرويه (لم يعهد) بفتح الياء، ويكون ضميره للشامخ من الجبال. يعني إنه لم يعهد الصيد فيه، لعلوه وارتفاعه ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير لعظيم شأنه. ألا تراه يقول:

فردِ كيافوخ البعير الأصيديسار في مضيقه والجلمد

في مثل متن المسد المعقد

فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق. فهذا أراد بقوله: لم يعهد. ألا نراهم يمتدحون بالصيد ومطاردة الوحوش. على أن عامه شعر امرئ القيس، وكثير من الشعراء بعده افتخار بالطرد. وقد مدح أبو الطيب كثيراً به ولم يستنكف لأحد من الممدوحين منه كقوله:

وذي لجب لا ذو الجناح أماهبناج ولا الوحش المثار بسالم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله لعضد الدولة:

لم يبق إلا طرد السعاليفي الظُلمِ الغائبةِ الهلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أجدر الأيام والليالي»

على ظهر الإبل الأبُّال

وخص الإبل الأبال لأنها عندهم من الجن. وكذلك الظلم عندهم تنتشر فيها الجن فوق ما ينتشر في الضوء.

وقوله:

أحلما نرى أم زماناً جديداًأم الخلق في شخص حيّ أعيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يريد ب (حي) رجلاً واحداً، دعته الضرورة إلى ذلك. وإنما هو من قول أبي نواس:

ليس على الله بمستنكرٍأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

إلا إنه أراد الزيادة في هذا المعنى، يعني أن الخلق الهالكين أيضاً أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير. وهذا كقوله أيضاً:

ولقيت كل الفاضلين كأنماردّ الإلهُ نفوسهم والأعصرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

ومثله:

مضى وبنوه وأنفرت بفضلهموألف إذا ما جمعت واحد فرد

وقوله:

يباعدن حباً يجتمعن ووصلهفكيف بحب يجتمعن وصده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

الحب: المحبوب. فعل بمعنى مفعول، مثل طحن بمعنى مطحون.

وسلوك بمعنى مسلوك، وذبح بمعنى مذبوح. ويباعدن بمعنى يبعدن. قال الله تعالى: ربنا باعد بين أسفارنا. أي بعد بينها وقد قرئ: بعد أيضاً.

ومعنى البيت ليس من العويص الغامض. وإنما وعر مسلكه على الإفهام بقوله: يجتمعن. وكأنه أتى بهذه اللفظة ليصح به الوزن. كأنه يقول: يبعدن عني حبيباً

وصله موجود كائن بكونها. فكيف اطمع في جيب صده موجود. فوضع يجتمعن موضع الوجود والكون. وقد فسر هذا البيت بقوله:

أبي خلْقُ الدنيا حبيباً تديمُهُفما طلبي منها حبيباً تردُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

وهذا البيت هو الأول بعينه، لا اختلاف بينهما في شئ من الوضع ولا المعنى. وفي شعره كثير مما فسر الأبيات السابقة بالتالية. فمنها قوله في هذه القصيدة:

فلا ينحلل في المجد مالُك كلُهُفينحل مجدٌ كان بالمال عقدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

ثم قال:

فلا مجد في الدنيا لمن قَل مالُهُولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

هذا المعنى هو المعنى الذي تقدمه بعينه. ومثله كثير:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»
فوضع النّدى في موضع السيف في العلىمضرٌ كوضع السيف في موضع

الندى

وقوله:

بوادٍ به ما بالقلوب كأنهوقد رحلوا جيد تناثر عقده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال الشيخ أبو الفتح: قوله: به ما بالقلوب. أي قد قتله الوجد لفقدهم. فيجري هذا مجرى قوله أيضاً:

لا تحسبوا ربعكم ولا طللةأول حيّ فراقكم قتله
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا تحسبوا ربعكم ولا طلله»

ومعنى هذا البيت: إن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا. فأما قول أبي الفتح: أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل. ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء. ولا ادري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسيره هذا البيت الظاهر.

وقوله:

أنا اليوم من غلمانه في عشيرهلنا والدٌ منه يُفدّيه وِلدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قد كان يجب أن يقول: في عشيرةٍ، لهم والد منه. إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة. وإتمام الخبر. وقد فعل ذلك في كثير من شعره فسنذكر بعضه.

فمنه قوله:

وأني لمن قوم كأن نفوسنابها أنف أن تسكن اللحم والعظما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

وكان يجب أن يقول: كأن نفوسهم ليتم الكلام الأول. هذا على الظاهر المتعارف. وقد كان الذي يذهب إليه في هذا الباب قوياً جداً لكثرته في كلامهم وحملهم الكلام على المعنى، وصرفهم الضمير عن وجهه، وترك ردة مع الحاجة إليه وذلك لان الضمير بالضمير الثاني هو الأول في حقيقة الكلام وإن اختلفت علاماتهما ولو لم يأت إلا قول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع اجر من أحسن عملا. وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين لكفى وأقنع. إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول. والذين من الأسماء النواقص فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى. ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز

يا ابجر بن ابجر يا أنتاأيت الذي طلقت عام جُعتا

قد أحسن الله وقد أسأتا

كان الواجب أن يقول: أيت الذي طلّق. ومن ذلك قول

أبي النجم

يا أيها الذكر الذي قد سؤتنيوفضحتني وطردت أم عياليا

كان يجب أن يقول: قد ساءني. ومثله

أنا الذي سمتني أمي حيدره

القياس يوجب أن يقول: سمته.

وقوله:

وأنت التي حببت شعباً إذا بداإليّ وأوطاني بلاد سواهما

والكلام وأنت التي حببت. وقول كثير:

وأنت التي حببتِ كل قصيرةإليَّ وما تدري بذاك القصائر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفا رابغ من أهله فالظواهر»

ومثله:

وأنت التي ما من صديق ولا عدييرى نضو ما أتعبت إلا آوى ليا

ومثله:

وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاًوليس له أمٌ سواك ولا أب

قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فاعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة. لأنه لو قال: وأنت الذي ربّى ذلك الملك لعاد الضمير من لفظ الغيبة، فإذا قال ربيت فقد خاطبه وكان أبين. ولعمري إنه لكما ذكر. ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع. ولا يحسن.

هذا كلام ابن جني. وقال أيضاً: لولا أنا سمعنا مثله من الشعر للعرب لرددناه.

قلت وقد لجّ أبو الطيب في هذا الباب حتى قال ك

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقال:

قوم تفرست المنايا فيهمفرأت لكم في الحرب صبر كرام

وقال:

أيها الواسع الفناء وما فيهمبيت لمالك المجتاز
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «أيُّها الوَاسِعُ الفِناءِ وما»

وقال:

كريم متى استوهبت ما أنت راكبوقد لقحت حرب فإنك نازل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب في كل ما مدح به. فإذا أورد ضميراً في ذم رده إلى الكلام الأول تفادياً أن يخاطب به مواجهاً، أو يرده إلى نفسه مخبراً فقد قال:

أنا الذي نام إن نَبّهتُ يقظانا

ألا تراه كيف هرب من أن يقول: أنا الذي نمت، لما كان كلام ذم لفظاً، ولم يؤثر الإخبار به عن نفسه. وهذا من أدق ما في شعره من الحسن وأدله على حكمته واستيلائه على قصب السبق في شعره.

وجرير قد خلط هذين المذهبين في بيته فقال:

ألم أك ناراً يصطليها عدوكموحرزا لما ألجأتُمُ من ورائيا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»
وباسط خير فيكُ بيمينهوقابضَ شر عنكُمُ بشماليا

ولم تجر العادة باستقصاء ما يجري في هذا المجرى من الإغراب. إلا إنه لما تعلق بالمعنى وأردنا التنبيه على مذهبه في أكثر شعره قادتنا الضرورة إلى إيراده.

وأما قوله:

لنا ولدٌ منه يفديه ولده

يريد أن الجاري في العادة أن يفدى الوالد ولده لفظاً أي يقول: فديته. أعني كقول:

فديت بنتي وفديت أمها

وكالمثل المضروب: يحمل شن ويفدي لكيز وخبره أن أخوين: أحدهما شن، والآخر لكيز كان شن باراً بأمه فكان يحملها على ظهره في اسفاره، وكانت الأم إلى لكيز أميل فكانت تفدي لكيزاً وهي على عاتق ابنها شن. فيقول أبو الطيب: كافور لما بمنزلة الوالد إلا أنا نحن نفديه، ولا يفدينا هو. وكأنه يريد بذكر الوالد التعريض له بأنه خصيّ وإنه ربى ولد ابن طغج تربية الوالد. فكرر ذلك فقال:

إنما أنت والد الأب القاطعخير من واصل الأولاد

وقوله: وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاً، وقوله منه بمكانة، كما تقول: رأيت من زيد أسداً ولي منك أخ شفيق.

وقوله:

يُخلّف من لم يأت دارك غايةًويأتي فيدري أن ذلك جهده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال الشيخ أبو الفتح: أي إذا اجتهد الإنسان في بلوغ الغاية فإنما مقصده دارك لأنها النهاية.

هذا على ما قاله ﵀ إلا إنه يحتاج لهذا البيت إلى فضل تبيان.

قوله:

يخلف من لم يأت دارك غاية

أي الغاية دارك، ونهاية ما يأتيه مكتسب المجد أن يقصد، ونهاية ما يأتيه مكتسب المال. فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية لم يأتها فإذا أتاها علم أن ذلك جهده في اقتناء المكارم واكتساب المال. والغرض إن قصدك هو نهاية الآمال كما قال:

هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق

وقوله:

ووعدك فعل قبلَ وعدٍ لأنهنظيرُ فعال الصادق القول وعده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال الشيخ أبو الفتح: يقول: الصادق إذا وعد وفى فكأن وعده لصحة وقوع موعده فعل.

هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا. يقول: كل من كان وافياً بمواعيده فوعده نظير فعله. أي كأنه إذا وعد شيئاً فقد فعله لركون النفس إليه، وشدة الاعتماد عليه ونقيض هذا قوله:

أصبحت أروح مثرٍ خازناً ويداًأنا الغني وأموالي المواعيد

هذا هزو، يقول: أنا مثر ولا تعب على خازني، ولا على يدي، إذ كان إثرائي من

المواعيد لا من المال. والمواعيد لا يتعب فها الخزان والأيدي. وكذلك قوله:

جود الرجال من الأيدي وجودهممن اللسان فلا كانوا ولا الجود
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

وقوله:

لولا لم تجب بي ما أجوب بهاوجناء حرف ولا جرداء قيدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال الشيخ أبو الفتح: لولا ما اطلبه من العلي لم تقطع بي الفلاة ولا المهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.

قلنا لابد للفظ من بيان اشفي من هذا القول، فوجناء حرف فاعله لم تجب. وما أجوب بها بمعنى الذي وموضعها النصب. وقد وضعها موضع الفلاة. أي لم تجب بي الفلاة التي أجوبها بها وترك مفعول أجوب لأنه معلوم مفهوم. والهاء في (بها) قبل الذكر وهي للوجناء والجرداء فكأنه لو واتاه الوزن لقال: لولا العلي لم تجب بي الوجناء ما أجوبه بها من فلاة ومهمة.

ونظير هذا البيت قوله وان كان مدحاً لا افتخارا:

في سبيل قتالك والسلموهذا المسير والأجذام

وإنما شرحنا هذا الشرح لئلا يتوهم متوهم إن الهاء في (بها) راجعة إلى العلى.

وقوله:

ما يقبض الموت نفياً من نفوسهمإلا في يده من نتنها عود

هذا البيت ظاهر المعنى. وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ﵀ ما كان غنيا عنه. وذكر إنه عيب بهذا. وقيل: إنّ العود يعني عود الطيب ليس بذي رائحة فيغني عند الشم أو يفزع إليه من نتنِ. ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنه لا يباشر بيده الموت قبض روحه تقززاً واستقذاراً فيحمل عوداً من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به.

ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب إنه يعني عود الطيب لعاجز. وإن الاحتجاج

عنه والنفح دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدياً من غير تعريج على محال، أو توهم لغير الواجب. وما أغرى القاضي أبا الحسن إلا ذكره للنتن فحسب أن لابد من طيب يقابل النتن به. وقد علم أن أبا الطيب جدا لعالم إن العرب لم تسم العود المتبخر به عوداً إلا إنه بعض العيدان وجنس منها، وانهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض. ولم نسمع أحداً من الشعراء، ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عوداً، وناولني فلان عوداً على لفظ التنكي، والمراد هذا الطيب. وإنما يقولون أخذت مندلاً أو ألوة أو مجمراً. والعود معرفاً من الأسماء التي تختص به. فإذا أتوا بعود منكراً أوردوه في اللفظ دال على الطيب فقالوا: تبخرت بعود ونكثت بعود. وما أشبه ذلك ألا ترى إلى قول الحارث بن حلزة:

أوقدتها بين العقيق بشخصين بعودٍكما يلوح الضياء

ألا تراه لا يدري أعود الطيب أم عود الحطب إلا أن يدعيه مدح تحسينا للمعنى. وإلى قوله:

ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء ورد وعود

ولم ينفر ذكر العود هاهنا إذ ذكره مع الطيب، وعلم إنه يريد عود الطيب. والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله. لا يقال: أخذت عوداً

فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه وإلا لم يعلم ما عنيت كقول بشار:

إذا قلدت أطرافها العود زلزلتقلوباً دعاها للصبابة داع

ولولا ما في البيت من الدليل على ما عنى لقال: الكرينة فإنها من أسماء العود فيما فسر به الحديث المروي: نهى رسول الله ﷺ عن الكرينة والعرصبة. والكرينة: البربط. والعرطبة: الطنبور. وقالوا: هما تعريب كرنة

بالفارسية أي صناجة (واد بنه أي إليه الحمل). وقد قيل: الكرينة المغنية. وانشد بيت الطرماح:

تقصر معداهن كل مولولعليهن يستكنهن أيدي الكراين

وقد يقال: ميت يحمل على أعواده. فذكر الميت ليعلم أنك أردت الجنازة. ولولا ذلك ما علم أن الأعواد أعوادها.

وقوله:

العبد ليس لحر صالح بأخلو إنه في ثياب الحر مولود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

لم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح. ولابد له من تفسير. هذا يعرض بابن طغج. يقول: كلن لا يحب أن يركن إليه. ولا يتخذه أخاً وصاحباً لو إنه حر ولد في ثياب حر. والهاء في قوله: لو إنه عائده إلى ولد ابن طغج. كأنه يقول: لو إنه حر لما اتخذ العبد أخاه. يريد هو ولد زنا ولولا ذلك لما رضي بهذه الهضيمة. يعزيه به، ويذمه على تسلطه.

قوله:

وعندها لذّ طعم الموت شاربُهُإن المنية عند الذّل قنديدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

القنديد: الخمر. وقيل هي التي فيها الافاويه والطيب. وأنشدوا بيت الأعشى:

ببابل لم تعصر فجاءت سلافهتخالط قنديداً ومسكاً مختما
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم خيال من قتيلة بعدما»

يريد أن المنية عند الذل طيبة كالقنديد. كأنه لو أمكن أن يقال: أن المنية عند الذل عسل أو ما أشبه ذلك. وهذا كقول القائل:

الموت أحلى عندنا من العسل

لا عار بالموت إذا الموت نزل

إلا أن في الخمر معنى التساقي الذي يستعمل في الموت والحرب. وليس في العسل ذلك. وهم يقولون: ورد الموت، وسقيته الموت، وليس لغيرها من الأطائب

هذه المشاركة في اللفظ. ألا ترى إلى قول القائل:

فما في تساقي الموت في الحرب سبةعلى شاربيه فاسقني منه واشربا
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

وإلى قول الآخر:

أسود شرى لاقت اسود خفيةتساقت على حرد دماء الأساود
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

وقوله:

كلما قال ناء أنا منهسرف قال آخر ذا اقتصاده

قال أبو الفتح أي ليس على نائله قياس. وهذا مثل لان السائل لا يقول شيئاً. هذا على ما قال الشيخ أبو الفتح إلا إنه لم يشف واسيا في بعض العبارة.

وقوله: قال آخر ذا اقتصاده. ذا إشارة إلى النائل الأول الذي قال: أنا سرف. كأن النائل الثاني كذبة إذ كان أعظم منه فقال: بل هو اقتصده. وقول أبي الفتح: فليس على نائلة قياس. عبارة رديئة وعي في الكلام. فإنه لو كان أبو الطيب قال ذلك لكان قد نسب الممدوح إلى الهوج. إذ كان معناه إنه ربما أعطى القليل من يستحق الكثير. وأعطى الكثير من يستحق القليل. وكان كقول القائل:

فإنّها خطرت من وساوسهيعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما

وقوله في هذه القصيدة يصف سيفاً:

كلما استل ضاحكته إياهتزعم الشمس إنها أراده
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

الاياة: ضوء الشمس. والريد: الترب وجمعه: أراد وريدان. كذا في الجمهرة وأنشد فيه يصف:

قالت سليمى قولةً لريدهاما لابن عمي مقبلاً من سيدها

بذات لوث عينها في جيدها

فالشمس مؤنثة، والاياة مؤنثة. ولا ذكر هاهنا ترجع إليه الهاء في إرادة إلا السيف. والاياة نكرة تحاج لها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام. فان كانت

(الهاء) راجعة إلى اياة فالهاء في إراده. أما للشمس وأما للسيف وان كانت الهاء في أنها للشمس. فالهاء في ارآده لا تصلح أن ترجع إلى اياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث. وقد أهمل أبو الفتح هذا الفحص حتى لم يطر حسناته وارآد جمع، والشمس واياه موحدان.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفتح على أبي الفتح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.