١ما الشَوقُ مُقتَنِعاً مِنّي بِذا الكَمَدِ
حَتّى أَكونَ بِلا قَلبٍ وَلا كَبِدِ
الواحدي: الاقتناع مثل القناعة يقول شوقي إلى الاحبة لا يقنع مني بهذا الحزن الذي أنا فيه حتى يحرق كبدي ويوله عقلي فاصير مجنونا ذاهب العقل
٢وَلا الدِيارُ الَّتي كانَ الحَبيبُ بِها
تَشكو إِلَيَّ وَلا أَشكو إِلى أَحَدِ
الواحدي: قال ابن جنى يقول لم يبق في فضل للشكوى ولا في الديار أيضا فضل لها لأن الزمان ابلاها قال ابن فورجة ذهب أبو الفتح إلى أن تقدير الكلام ولا الديار تشكو إليّ وقد علم أن الديار كلما كانت اشد دثورا وبلى كانت أشكى لما تلاقي من الوحشة بفراق الأحبة فكيف جعل الدار لا فضل فيها للشكوى وشكواها ليست بحقيقة وإنما هي مجاز وإنما كان على ما ذكر لو أن شكواها حقيقة فكانت تقصر عنها لضعفها وبلاها كما يصح ذلك في العاشق كما قال الملقب بالببغاء، لم يبق لي رمق اشكو هواك به، وإنما تيشكى من به رمق، وأيضا لو كان على ما ادعى لم يكن لعطف هذه الجملة على قوله ما الشوق مقتنعا معنى ولما عطفها عليها دل على إنها منها بسبيلٍ وإنما يعنى لا الشوق يقتنع مني بهذا الكمد ولا الديار تقتنع مني به وتم الكلام عند قوله كان الحبيب بها ثم ابتدأ فقال هذه الديار تشكو إليّ وحشتها بفراق أهلها وأنا لا أشكو إلى أحد أما لجلدي أو لأني كتوم لأسراري فيكون قد نظر إلى قول القائل، فإني مثل ما تجدين وجدي، ولكني أسر وتعلنينا، هذا كلامه ويمكن توجيه المعنى من غير أن يتم الكلام في المصراع الأول على ما قال وهو أن يكون ولا تقنع الديار التي كان الحبيب بها يشكو إليّ أي يطلعني على أمره وأنا لا افشي سري هذا على قول من روى يشكو بالياء ومن روى بالتاء فمعناه الديار الشاكية إليّ بلسان الحال ما دفعت إليه من الوحشة والخلاء فتشكو أريد به الحال لا الاستقبال ولا أشكو إلى أحد لأنه ليس به غيري
العكبري: الْغَرِيب الكمد الْحزن مَعَ هم والاقناع مثل القناعة الْمَعْنى يَقُول شوقى إِلَى الْأَحِبَّة لَا يقنع منى بِهَذَا الْحزن الذى أَنا فِيهِ حَتَّى يخرق كبدى ويوله عَقْلِي فأصير مَجْنُونا ذَاهِب لِلْعَقْلِ الْمَعْنى قَالَ ابْن جني للم يبْق فِي فضل للشكوى وَلَا فِي الديار أَيْضا فضل للشكوى لِأَن الزَّمَان أبلاها قَالَ ابْن فورجة ذهب أَبُو الْفَتْح إِلَى أَن تَقْدِير الْكَلَام وَلَا الديار تَشْكُو إِلَى وَقد علم أَن الديار كلما كَانَت أَشد دثورا وبلى كَانَت أشكى لما تلاقى من الوحشة بِفِرَاق الْأَحِبَّة فَكيف جعل الديار لَا فضل فِيهَا للشكوى وشكواها لَيست بحقيقية وَإِنَّمَا هى مجازية وَإِنَّمَا تكون على مَا ذكر لَو أَن شكواها حَقِيقَة وَكَانَت تقصر عَنهُ لِضعْفِهَا وبلاها كَمَا يَصح ذَلِك فى العاشق كَقَوْل الببغاء (لم يبْقَ لى رَمَق أشْكو إِلَيْك بهِ ... وَإِنَّمَا يَتَشَكَّى من بِهِ رَمَقُ) وَأَيْضًا لَو كَانَ كَمَا ادّعى لم يكن لعطف هَذِه الْجُمْلَة على قَوْله (مَا الشوق مقتنعا ... ) معنى وَلما عطفها عَلَيْهَا دلّ على أَنَّهَا مِنْهَا وَإِنَّمَا يعْنى لَا الشوق يقنع منى بِهَذَا الكمد وَلَا الديار تقنع منى بِهِ وَتمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله (كَانَ الحبيب بهَا ... ) ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ هَذِه الديار تَشْكُو إِلَى وحشتها بِفِرَاق أَهلهَا وَأَنا لَا أَشْكُو إِلَى أحد إِمَّا لجلدى وَإِمَّا لأنى كتوم لأسرارى يكون قد نظر إِلَى قَول الْقَائِل (فإنّى مِثْلُ مَا تَجدين وجْدى ... ولكنِّى أُسِرُّ وتُعْلِنينا) قَالَ الواحدى يُمكن تَوْجِيه الْمَعْنى من غير أَن يتم الْكَلَام فى المصراع الأول وَهُوَ أَن يكون وَلَا تقنع الديار الَّتِى كَانَ الحبيب بهَا يشكو ألى أى يطلعنى على أمره وَأَنا لَا أفشى سرى على رِوَايَة يشكو بِالْيَاءِ وَمن روى بِالتَّاءِ كَانَت الديار الشاكية يُرِيد بِلِسَان الْحَال مَا دفعت إِلَيْهِ من الوحشة والخلاء فتشكو يُرِيد بِهِ الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال وَلَا أَشْكُو إِلَى أحد لِأَنَّهُ لَيْسَ بهَا غيرى
٣مازالَ كُلُّ هَزيمِ الوَدقِ يُنحِلُها
وَالسُقمُ يُنحِلُني حَتّى حَكَت جَسَدي
الواحدي: أراد كل سحاب هزيم الودق وهو الذي لا يستمسك كأنه منهزم عن مائه يقال غيث هزيم ومنهزم وأكثر ما يستعمل الهزيم والمنهزم في صفة السحاب وهو الذي لرعده صوت يقال سمعت هزيمة الرعد ولا يستعمل في صفة الودق ومعنى البيت من قول مخلد بن بكار الموصلي، يا منزلاً ضن بالسلام، سقيت صوبا من الغمام، ما ترك المزن منك إلا، ما ترك السقم من عظامي، ومثله قول ابن وهب، لبسا البلى فكأنما وجدا، بعد الأحبة مثل ما أجد، ومثله أيضا للبحتري، حملت معالمهن أعباء البلى، حتى كأن نحولهن نحولي، ومثله لأبي الطيب، أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصلا، ورسم كجسمي ناحل متهدم،
العكبري: الْغَرِيب هزيم الودق أَرَادَ سحابا هزيم الودق وَهُوَ الذى لَا يسْتَمْسك كَأَنَّهُ مُنْهَزِم عَن مَائه وَيُقَال غيث هزيم ومنهزم وَأكْثر مَا يستعملان فى صفة السَّحَاب وَهُوَ الذى لرعده صَوت يُقَال سَمِعت هزيمَة الرَّعْد وَلَا يسْتَعْمل فى صفة الودق الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَت كَثْرَة الأمطار تنْحَل هَذِه الديار أى تدرسها كَمَا ينحلنى السقام حَتَّى صَارَت حاكية جسدى فى النحول والدروس وَهَذَا من قَول الشَّاعِر (يَا منزِلاً ضَنَّ بالسَّلامِ ... سُقِيتَ صَوْبا مِن الغَمامِ) (مَا ترَك المُزْنُ مِنكَ إلَاّ ... مَا ترَك السُّقْمُ مِن عظامى) وَمثله للبحترى (حَمَلَتْ مَعالِمُهُنَّ أعْباء البِلَى ... حَتَّى كأنَّ نُحُولَهُن نُحُول)
٤وَكُلَّما فاضَ دَمعي غاضَ مُصطَبَري
كَأَنَّ ما سالَ مِن جَفنَيَّ مِن جَلَدي
الواحدي: غاض نقص والمصطبر الاصطبار يقول كأن دموعي جارية من جلدي لأني كلما بكيت نقص صبري
العكبري: الْغَرِيب غاض نقص والمصطبر الاصطبار الْمَعْنى يَقُول كَأَن دمعى جَار من جلدى لأنى كلما بَكَيْت نقص صبرى فَكَأَن دمعى من صبرى
٥فَأَينَ مِن زَفَراتي مَن كَلِفتُ بِهِ
وَأَينَ مِنكَ اِبنَ يَحيى صَولَةُ الأَسَدِ
الواحدي: يقول أين من عشقته من معرفة ما بين من الشوق إليه والحسرة على فراقه وأين تقع منك أيها الممدوح صولة الأسد يعني من صولتك كأنه قال صولتك فوق صولة الأسد فلا تقع صولة الأسد من صولتك إلا دوها أنكر أن يعرف الحبيب حاله وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح
العكبري: الْإِعْرَاب من زافراتى يتَعَلَّق بِمَعْنى أَيْن تَقْدِيره أبعيد حبيبتى من زفراتى أم قريب الْمَعْنى يَقُول أَيْن محبوبى من معرفَة زفراتى وَمَا بى من الشوق وَالْحَسْرَة على فِرَاقه وَأَيْنَ تقع نَفسك أَيهَا الممدوح من صولة الْأسد فَمَا صولتك إِلَّا فَوق صولة الْأسد وَهَذَا يُنكر أَن يعرف الحبيب حَاله وَأَن تكون صولة الْأسد كصولة الممدوح وَهَذَا من المخالص الجيدة
٦لَمّا وَزَنتُ بِكَ الدُنيا فَمِلتَ بِها
وَبِالوَرى قَلَّ عِندي كَثرَةُ العَدَدِ
الواحدي: يقول لما رجحت كفتك وقد وضعت الدنيا وأهلها في الكفة الثانية علمت أن الرزانة للمعالي لا للاشخاص أي إذا رجح الواحد على الكثير كان ذلك الكثير قليلا بالاضافة إلى ذلك الواحد الراجح وقد قال البحتري، ولم أر أمثال الرجال تفاوتت، لدى المجد حتى عد ألف بواحد،
٧ما دارَ في خَلَدِ الأَيّامِ لي فَرَحٌ
أَبا عُبادَةَ حَتّى دُرتَ في خَلَدي
الواحدي: يقول لم يقع في قلب الأيام أن تسرني حتى وقعت أنت في قلبي أن أقصدك وامدحك والمعنى من أقبلت على الدنيا حتى أملتك وقصدتك وهذا من قول الآخر، إن دهراً يلف شملي بجملٍ، لزمان يهم بالإحسانن
العكبري: الْغَرِيب الْخلد البال والروع يُقَال مَا وَقع فى بالى وَلَا فى روعى الْمَعْنى يَقُول لم يَقع فى قلب الْأَيَّام أَن تسرنى حَتَّى وَقعت أَنْت فى قلبى أَن أقصدك وأمدحك وَمَعْنَاهُ مَا أَقبلت على الدُّنْيَا حَتَّى أملتك وقصدتك وَهَذَا من قَول الشَّاعِر (إِن دَهْراً يَلف شَمْلِى بسَلْمَى ... لزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسانِ)
٨مَلكٌ إِذا اِمتَلَأَت مالاً خَزائِنُهُ
أَذاقَها طَعمَ ثُكلِ الأُمِّ لِلوَلَدِ
الواحدي: جعل الحزائن كالأم والمال كالولج يقول إذا امتلأت خزائنه بالمال فوق بينه وبينها فكأنها أم فقدت ولدها
٩ماضي الجَنانِ يُريهِ الحَزمُ قَبلَ غَدٍ
بِقَلبِهِ ما تَرى عَيناهُ بَعدَ غَدِ
الواحدي: يقول حزمه في الأمور يريه في يومه حتى يرى بقلبه ما تراه عينه بعد غد والمعنى أنه يفطن إلى الكائنات قبل حدوثها كما قال أوس، ألألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا، وقال الطاءي، ولذاك قيل من الظنون جليةٌ، علم وفي بعض القلوب عيون، وكرره أبو الطيب فقال، ذكي تظنيه طليعة عينه، يرى قلبه في يومه ما يرى غدا، وقال، ويعرف الأمر قبل موقعه، البيت وقال، مستنبط عن علمه ما في غد، ووكل الظن بالإسرار، البيت والمراد بهذا كله صحة الحدس وجودة الظن
العكبري: الْإِعْرَاب ماضى خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَو هُوَ بدل من ملك فى الْبَيْت الأول الْمَعْنى يَقُول هُوَ ماضى الْجنان أى الْقلب يُرِيد أَنه ذكي حزمه فى الْأُمُور يرِيه بِقَلْبِه مَا ترَاهُ وَبعد غَد وَمَعْنَاهُ أَنه يفْطن بالكائنات قبل حدوثها كَمَا قَالَ أَوْس (الألَمعِىُّ الذىِ يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ... كأنْ قَدْ رأى وَقَدْ سَمِعا) وَقَالَ الطائى (وَلِذَاكَ قِيلَ مِنَ الظُّنُونِ جَلِيَّةٌ ... عِلْمٌ وفِى بَعْضِ القُلُوبِ عُيُونُ) وَالْمرَاد بِهَذَا كُله صِحَة الحدس وجودة الظَّن
١٠ماذا البَهاءُ وَلا ذا النورُ مِن بَشَرٍ
وَلا السَماحُ الَّذي فيهِ سَماحُ يَدِ
الواحدي: يقول أنت أجل من أن تكون بشرا فإن ما نشاهده فيك من الجمال والنور لايكون في البشر وليس سماحك سماح يدٍ لن اليد لا تسمح بما تسمح به بل هو سماح غيث وبحر
العكبري: الْإِعْرَاب مَا هى النافية وسماح من رَوَاهُ بِالنّصب جعله خَبرا لما وهى مشبهة بليس وَمن رَفعه فَهُوَ على التميمية وَالْجُمْلَة فى مَوضِع رفع صفة السماح الْغَرِيب الْبَهَاء الْحسن وَمِنْه بهى بِالْكَسْرِ وبهو بِالضَّمِّ فَهُوَ بهى الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول أَنا أجل من أَن يكون بشرا فَإِن مَا نشاهده فِيك من الْجمال والنور لَا يكون فى بشر وَلَيْسَ سماحك سماح يَد بل هُوَ سماح غيث وبحر وفى مَعْنَاهُ (يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ لَا الكَفُّ لُجَّةٌ ... وَلَا هُوَ ضِرْغامٌ وَلَا الرأىُ مُخْذَمُ)
١١أَيُّ الأَكُفِّ تُباري الغَيثَ ما اِتَّفَقا
حَتّى إِذا اِفتَرَقا عادَت وَلَم يَعُدِ
الواحدي: يقول الاكف تبارى الغيث في السماحة ما اتفقا ماطرين حتى إذا افترقا بإقلاع السحاب عادت الكف إلى عادتها ولم يعد الغيث يريد أن الغيث يمطر ثم ينقطع وكفه تجود ولا ينقطع جوجها فهي زائدة على الغيث والمعنى عادت إلى الجود عن قريب ولم يعد الغيث بسرعة عوده لأن المطر قد ينقطع زمانا طويلاً وعطاؤه لا ينقطع إلا اليسير من الزمان
١٢قَد كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ المَجدَ مِن مُضَرٍ
حَتّى تَبَحتَرَ فَهوَ اليَومَ مِن أَدَدِ
الواحدي: يعني مضر بن نزار بن معد أبا العرب وأدد أبو اليمن وهو ابن قحطان يقول كنت أحسب المجد مضرياً حتى تبحتر اليوم أي انتسب إلى بحتر يعني أن الممدوح نقله إلى بحتر فقد تبحتر به وصار بحتريا أدديا
العكبري: الْغَرِيب مُضر بن نزار بن معد بن عدنان هُوَ أَبُو الْعَرَب وأدد هُوَ أَبُو الْيمن وَهُوَ ابْن قحطان يَقُول كنت أَحسب الْمجد مضريا حَتَّى تبحتر الْيَوْم يُرِيد أَنه انتسب إِلَى بحتر الْيَوْم يُرِيد أَن الممدوح نَقله إِلَى بحتر فقد تبحتر بِهِ فقد صَار بحتريا أدديا فِي نُسْخَة يَوْمًا بدل موتا الْغَرِيب يُقَال مطرَت وأمطرت يُرِيد بِالْمَوْتِ الدَّم لِأَن سيلانه سَبَب المت وَإِذا مطرَت السيوف الدَّم فقد مطرَت الْمَوْت وَشبههَا وَهِي تمطر الدَّم بالسحب يجود بالقطر الْمَعْنى يَقُول صفاتك لَا تَنْتَهِي غايتها فَهِيَ كغاية الدَّهْر فَلم أتفكر فِي صفة من صفاتك إِلَّا كَانَت كصفات الدَّهْر وصفات الدَّهْر هى تطول وَلَا تفنى إِلَّا بعد انْقِطَاع الدُّنْيَا
١٣قَومٌ إِذا أَمطَرَت مَوتاً سُيوفُهُمُ
حَسِبتَها سُحُباً جادَت عَلى بَلَدِ
الواحدي: يريد بالموت الدم لأن سيلانه سبب الموت وإذا مطرت السيوف الدم فقد مطرت الموت شبهها وهي تمطر الدم بالسحب تجود بالمطر
١٤لَم أُجرِ غايَةَ فِكري مِنكَ في صِفَةٍ
إِلّا وَجَدتُ مَداها غايَةَ الأَبَدِ
الواحدي: يقول لم اتفكر في صفة من صفاتك إلا وجدت غايتها لا تنتهي كغاية الأبد وهو الدهر الذي تطول غايته ولا يفنى إلا بعد فناء الدنيا وانقطاعها
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.